الرئيسية » مقالات » مجيد الأسدي : هادي العلوي.. ذلك المتصوف المشاعي

مجيد الأسدي : هادي العلوي.. ذلك المتصوف المشاعي

majid alasadiفي العدد314/2005 من مجلة الثقافة الجديدة ,دراسة عن المفكر العراقي هادي العلوي ,بعنوان(هادي العلوي ..ترجمة وآراء) للباحث رشيد الخيون ,تطرق فيها الى من كتب عن العلوي.الا انه لم يذكر المقابلة المهمة التي أجراها معه (خالد سليمان و حيدر جواد) والتي صدرت في كتاب عن دار الطليعة الجديدة/دمشق سنة 1991 بعنوان(هادي العلوي /حوار الحاضر والمستقبل).وفيه الكثير من الاراء التي لم ترد في دراسة الأستاذ الخيون, وجدت –تعميما للفائدة- استعراضها.
من المقدمة نقرأ”هادي العلوي صوفي النزعة والسلوك وله اسهاماته لاستنطاق تراث الصوفية الشرقية في جانبها المشاعي خصوصا وهذا ما يدفعه الى مقاربة اليات انتاج الثقافة الشرقية و(خلقنتها) بهدف اخراجها من دوائر الانثربولوجيا الغربية الى النور والممارسة واعادة الاعتبار لموقعها التاريخي في تطور الحضارة البشرية.
ان هذه الرؤية تشكل احدى الركائز الاساسية في مؤلفات هادي العلوي وتناوله للتاريخ والتراث” وهو بهذا يبتعد كليا عن العقيدة ويعتبرها ركيزة اساسية في نشأة الوجدان القمعي
الجماعي في الحضارات اليهمسلامية لانها تمعّن التاريخ دون النظر لحركته ومكوناته العلائقية
مشروعه اللغوي
———— لقد اخذ هذا المشروع مساحة واسعة من تفكيره وذلك بدمج الثقافة الشفاهية والكلام مع الثقافة الكتابية واللغة اذ اراد لغة تمنهج الفكر وليس العكس ولا يجد غضاضة في استعمال مترادفات للكلمات العربية من اللغات الكردية والفارسية والصينية لمقاربة المعاني وتوضيح دلالات المفردة العربية العلوي والشعر
————- الشعر –في رأيه- عمل لا ينتجه العقل بل هو من نتاج الذهن ويوضح هذا الرأي بقوله ان الذهن هو الوعاء الذي يتلقى انعكاسات الخارج  ويزيد في الشرح قائلا “فاذا كانت هذه الانعكاسات بسيطة وبدائية وقف الذهن عند حدود الانتاج الفني والأدبي واذا كانت فكرية تحول الذهن الى عقل “وتبعا لذلك فان الجواهري –عنده – يملك ذهنا عبقريا وليس عقلا عبقريا(؟) فالعقل ما امتلكه طه حسين لا شوقي ولا الجواهري(!!) ولا ندري هل ينطبق رأيه هذا على شيكسبير وغوتة وميلتون ودانتي والمتنبي من الشعراء المفكرين؟
ومن آرائه الغريبة ما يذهب اليه من ان الروائيين والشعراء لا يحتاجون الى الثقافة كثيرا لانهم لا يخاطبون العقل ولا يشتغلون في البحوث والدراسات بل يذهب الى ان الشاعر اذا ما كثرت قراءاته فإنها تبعده عن عالم الشعر وتحوله الى مفكر وهو بذلك يجعل ابا العلاء المعري في لزومياته شاهدا على ما يقول
hadi alalawiالتراث
———–
اما موقفه من التراث البابلي وملحمة كلكامش ومدى تأثير ذلك على دراساته؟ يوضح انه لم يأخذ الثقافة (الرافدانية )القديمة مصدرا لبحوثه لانها –برأيه –ثقافة ادبية وتشكل مصدرا للتراث الادبي يستفيد منه الادباء ,اما الجانب العقلي والفكري فلا نجده في حضارتنا الغابرة الا في المرحلة السريانية والاسلامية
لماذا لم تتحول الاسطورة الى فلسفة في حضارات وادي الرافدين والهلال الخصيب ؟يرجح المؤرخون الغربيون نزعتهم العنصرية التي ترى  تفوقا في العقل الاري على العقل السامي ,أما العلوي ,فيرى”كانت المرحلة اليونانية هي المرحلة التي قطع فيها عقل الانسان طورا جديدا من النمو فصارت له قدرة على التفكير المنظم” ومما يثبت ذلك ان الفلسفة ظهرت في الصين في وقت مقارب لظهورها في اليونان من غير ان يكون بينهما اي اتصال .ان تاريخ الفكرينقسم الى:
1-    الطور الفقير وهو طور الأسطورة سواء في اليونان او الهلال الخصيب او في الصين
2-    القديم الذي يتزامن مع مرحلة الفلسفة
ويرجع ظهور الفلسفة في اليونان وليس في وادي الرافدين الى ما تعرض له هذا الوادي من غزو فارسي اخميني حيث انتهت مملكة بابل لتبدأ اليونان
والملاحظ ان الفرس رغم آريتهم لم يعرفوا الفكر المنظم في المرحلة التالية لمملكة بابل ومعاصرتهم لليونان ,ويرجع ذلك الى نوعين من الحضارات :حضارات مثقفة وحضارات غير مثقفة ,فالأولى تنتج كتبا ومكتبات وتفكيرا عقليا ,ويضرب مثلا بحضارات اليونان والصين والاسلام والهند ,اما الثانية فتتمثل في حضارة الفرس واليمن الغابرة.
الشيعة والسنة والإسلام والأصولية
———————————- ان اختلاف الشيعة والسنة في الامامة وتكريس سيادة الاثني عشرية ,او اهل السنة في العالم الاسلامي ,يعكس واقع سقوط الحضارة الاسلامية الذي يعني في جوهره تراجع الفكر العقلي وتسيد الفكر السلفي .وهذا يفسر سر اختفاء الفلسفة والاعتزال وعلم الكلام .ومن ثمة فقد بقي الدين بعد موت الحضارة (والقرآن الذي انتفى في داخل الفكر الاسلامي نفيا ديالكتيكيا عاد ليصبح نصا مهيمنا)
–  ما الأسباب التي تجعل الحركات الأصولية أكثر نجاحا من اليسار في توظيف الموروث الإسلامي في مشروعها السياسي؟
————————– ان الأصوليين لم يوظفوا التراث وانما تحركوا على نغمتين: العقيدة العامية السائدة والهوية الحضارية وادلجوا ذلك في مطالب الصراع السياسي مع الغرب واحيانا الصراع الاجتماعي ضد الراسمالية التابعة .وهذه هي بوابة دخولهم الى الجماهير ولذلك فشل(محسن الحكيم)و(شريعة مداري) لانهما ارادا تحريك الجماهير بالعاطفة الدينية المجردة ,بينما نجح (الخميني) الاقل من مداري في موقعه الديني ,كذلك نجاح الاصولية الجزائرية في البداية لوقوفها ضد الفرانكفونية  ومع تطلعات الشعب ضد الراسمالية الحاكمة . كما يعتقد بعودة اليسار الى المقدمة اذا ما تم انشاء شيوعية محلية تبدأ من التراث المشاعي والتقاليد المشاعية الشاخصة وتدمجها  في الماركسية بعد نزع القداسة عن الطرفين بحيث يكون اليساري حرا في التعامل مع تراثه وماركسيته في ان واحد.(*)
اما اسباب نشأة الحركات الاصولية فيرجعها الى ان الحياة اليومية للجماهير تخضع الى حالات من التدين العادي متأطرة بالعادات اما حياتها السياسية فمشروطة بالثوابت الثلاثة وهي :
1-الوعي الطبقي المضاد للاغنياء
2-الوعي السياسي المضاد للاستعمار
3-الوعي(اللقاحي )المضاد للدولة
والاصولية لا تمثل هذا المنحى الا عندما تستوعبه وتتبناه وهذا سر صعودها وليس لانها تصادر الوضع الاجتماعي المتخلف (التخلف لا يحكم في الحياة السياسية وانما يشكل عوامل تعويق للتطور الحضاري)
التاو والفلسفة الإسلامية
——————— ثمة نقاط التقاء تجمع بين الفلسفتين ويبدو الامر بناء على اس واحد يتمثل بوحدة الذهن الشرقي فلغة كتاب التاو مثلا لا تختلف صياغتها بشيء عن لغة كبار متصوفي الاسلام .لغة يمتزج فيها التعبير الرمزي الادبي بالتعبير الفلسفي المباشر, كما ان الفلسفتين بذلتا جهدا كبيرا لتفسير اصل النشوء .فالفلسفة الصينية متمثلة بفيلسوفها الاكبر (لاوتسة )اعتمدت على (التاو) كمنطلق تصدر عنه الاشياء ثم تعود اليه .ومنطلق التاو ارضي متجرد من صفات الالوهية ,لكنه ساري في الموجودات ,وهي ذات النتيجة التي سيعلنها الفيلسوف الاسلامي (صدر الدين الشيرازي )بعد اكثر من الفي سنة .كما توصل الفيلسوفان الى النتيجة الهامة جدا (لا ثابت في الكون )فالمتحرك لا يفنى والثابت لا يبقى ,وبذلك تم خرق اهم فرضيات الفلسفة اليونانية ,الرابطة الشيء بعدم حركته .ومثلما فسرت التاو حركة التاريخ ,وبالتالي استمرارية هذه الحركة ,خاصة لمجتمعاتنا الشرقية ,لجهة ارتدادها ,صاغ (ابن خلدون )بعد ما يقارب العشرين قرنا بعض قوانين التاريخ الفاعلة في الشرق “بتوجهات الفلسفة الصينية نفسها رغم عدم اطلاعه عليها(؟) فالأشياء تبدأ ثم تتطور ثم تنتكس لتعود الى بدء حركتها وإن بمستويات اخرى لتعود الى النشأة من جديد”(**).
أما في المجال الإجتماعي , فقد اتفقت الفلسفتان على تحميل الحاكم تبعات الوضع الذي يصادر انسانية الإنسان . وكما كان(لاوتسة) يحلم بحكيم يقود ولا يحكم ,كانت (اللقاحية) العربية لا يتعدى مطلبها ذلك.
وما يميز الدولة الغربية عن الشرقية ,يوضح بان دور الدولة في اوربا يختلف عنه في الشرق اذ ان للنشاط الفردي ميدانا واسعا ,ادى الى بلورة الممارسة التجارية المنفلتة من قيودها ,وجعلت من الفرد النموذجي تاجرا او مشروع تاجر .اما في الشرق فقد ظهرت الدولة اولا كاستجابة للحاجة الى مواجهة الجغرافية ..جغرافية الماء وبدأت حضارة وادي الرافدين من هذه النقطة : تذليل الماء وتسخيره للزراعة حيث اقيمت اقدم مشاريع الري في التاريخ”واستمرت هذه المهمة تتولاها الدولة في العراق حتى نهاية العصر الأموي”
في ما يتعلق بمناهج البحث في تاريخ الشرق,يقسمها العلوي الى :
1-    المنهج الديني . 2- القومي . 3- الإستشراقي
وهو يجد في تفكير أحمد أمين والعقاد وسلامة موسى ومحمد اركون والجابري والعروي امتدادا للتفكير الإستشراقي . أما (طه حسين) فهو وحده الذي انتج فكرا حقيقيا, ولو انه قرأ الماركسية لتفوق في هذا المجال ,عكس (حسين مروة) اذ ان المفكرين من جيله تراوحوا بين العرض والتجميع  مع قليل من الاستنتاج .
ويستمر هجومه على المنهج الإستشراقي حيث يراه يتواصل مع محمد اركون والجابري والعروي و(شلتهم) وهذا الفريق يراه اقل تعمقا في الثقافة المحلية  من طه حسين وجيله , واكثر عدوانية في معالجته لقضايا التاريخ ,كما انه  يعبر عن مرحلة الامبريالية الامريكية  بجنوحها الماثل على شتى المستويات .
وعن (التوسير) يراه حقق دمجا  بين الماركسية والبنيوية  لتطوير منهج علمي  في البحث من غير ان يقع في مطبات الاورومركزية واغراضها الخبيثة  وهو بذلك يرفض شتراوس الذي حاول ان يحل بنيويته محل الماركسية  ولذلك عمد الى اساطير الشرق .
في رده على سؤال حول امتلاك الامبريالية الاورومركزية وسائل السيطرة من قوة وثقافة عنف ,وان هذه العملية الامبريالية في كثير من الاحيان تتجاوز القوانين الاقتصادية والقرارات السياسية  يجيب :
القوانين الاقتصادية تحكم في دور المنافسة ,عندما يكون التبادل في السوق قريبا من وضع التبادل التجاري السابق للراسمالية ,والذي يخضع غالبا لشروط اخلاقية .ولكن مع تقدم الصناعة ,واتساع الاسواق ,المرتبطين بدورهما مع التغلغل الاقتصادي ,حدث التراكم الهائل في الاموال, الذي ادى الى نشوء الراسمالية المالية وظهور المصارف العملاقة ,التي صارت قادرة على الامساك بزمام النشاط الاقتصادي وتسييره حسب مخططات  مرسومة .وقد اشار( لينين )الى ظهور الطغم المالية التي تتحكم في مجمل النشاط الاقتصادي في الدول الراسمالية الكبرى ,متخطية القوانين الاقتصادية , من ذلك ,الانهيارات المفاجئة والسريعة لاقتصاديات ما يسمى (بالنمور الاسيوية )التي (تفلشت )بعملية مصرفية واحدة .وهكذا لم يصبح الاقتصاد حركة مقنونة ,بل ميدانا لسباق الخيل تديره طغم مالية تتحكم حتى في الدول وتساهم في رسم سياستها .
للعلوي رأي في  الروح ,واختلافها عن الغيب :”الروح نتاج مرحلة متقدمة في المعرفة .وقبل الوصول الى هذه المرحلة , لا يمكن الحديث عن الروح والروحانيات ,وانما يوجد الغيب والغيبيات التي تشكل جانبا من البنى الدينية عند الوثنيين والطوطميين ثم السماويين” يوضح الفقرة السابقة بالقول” الروح اولا تلغي تشخيص الذات الالهية ,فلا يكون الاله تمثالا مرئيا او طوطميا نباتيا او حيوانيا ولا نورا جالسا على عرش..بالغاء هذا التشخيص يصبح الاله قوة داخلية .وهو لكي يكون كذلك ,يجب ان يكون جاهزا بسيطا ,لان المتشخص لا يسري في الموجودات ..وعند هذه المرحلة ينتهي الدين اي تنتهي التصورات الحسية للالوهية ,مما يترتب عليه انكار الامكان الذي ينتج النبوة ,لأن النبوة تأتي من الذات المتشخصة ,اما القوة السارية في الموجودات فهي مصدر فاعلية للوجود غير واعية وغير عاقلة”.
ويوضح هذه الفكرة في مقابلة مع الصحفية (سعاد جروس) حين يقول” الخطأ الذي يرتكبه مفكرو الغرب وتلامذتهم عندنا هو خلطهم بين الدين والروح .ان الدين في الطوطمية البدائية وفي الوثنية اللاحقة هو منحى مادي حسي خالص..وعندما تطور الوعي الديني وظهرت الاديان السماوية التوحيدية ,تقدمت خطوة كبيرة نحو التجريدعندما تصورت الها غير مرئي, لكنها لم تستطع المضي في التجريد الى مدى ابعد بسبب محدودية الوعي. تصورت الها واحدا على هيئة امبراطور ,جالس على عرش وحوله اعوان اسمهم الملائكة …ويرجع الفضل الى ابي العلاء المعري في اكتشاف الفرق بين الدين والروح ,بالاشتراك مع المتصوفة ,من خلال رؤيتهم للمنحى الحسي في الشخصية الدينية ,ومن جهة تشخيصهم للنعيم الاخروي الذي هو نعيم مادي صرف ,مقابل ذلك صنع (المعري )والمتصوفة نموذجا للملحد الروحاني في مقابل المؤمن الحسي اللذائذي, واوقعوا بذلك فصلا علميا ملموسا بين الدين والروح .ثم جاء المتصوفة الى اله الاديان السماوية ,فانزلوه من عرشه وحولوه الى قوة سارية في الموجودات ,ووصلوا من ذلك بالتجريد الى غايته القصوى”

—————————————–

هوامش :
(+)- نجد صدى لهذه الأفكار لدى الدكتور (رفعت السعيد) في كتابه (ماركسية المستقبل)
(++) ثمة رأي غريب ,يثير الدهشة والتساؤل, يطلقه الدكتور (محمود اسماعيل) في كتابه عن ابن خلدون (نهاية أسطورة) نشر دار قباء بالقاهرة/2000
من ان أفكار ابن خلدون  مأخوذة –في معظمها – من (اخوان الصفا)..ولكي يثبت مقالته ,يأتي بالكثير من الشواهد والأدلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *