علي الامارة: قراءة في كتاب جابر خليفة جابر القصصي: طريدون

في تأويل الفهرست 
( الحلقة الثالثة )

بتماهى المؤلف مع لغة اللوحة وقراءتها بشكل اعمق واكثر شمولية حين يقترح لنا – او للقراءة – مدخلا اخر وطريقة تسلسلية مختلفة عن ما قرأنا بها الكتاب وتسلسلنا بتناميه السردي مستبدلا الفصل الاخير (الرسام) بدل الاول (المسلة والمنظار) ثم يغير عناوين الفصول بينها فيرفع اسماء الشخصيات كعناوين للفصل الثاني والثالث والرابع (الكابتن شهاب البحر، احد البحارة، طباخ الباخرة) ليضع عنوان الفصل الثاني (تخطيطات) والثالث (ظلال) والرابع (اضاءات)..

وهو بهذا المقترح القرائي يجعل من النص لوحة قرائية يمكن النظر اليها – قراءتها – من اكثر من جهة مثلما ننظر الى اللوحة المعلقة على جدار – بحرية نظر – ومشاهدة تمكننا ان نبدا من اكثر من نقطة على اللوحة بلا تسلسل بصري محدد فتكون قراءتنا للوحة مرهونة بما يستدرج بصرنا اليها من الوان وظلال وثيمة ودلالة موضوع .. فالمؤلف اراد ان يمنح افق القراءة هذه الحرية من الحركة في قراءة النص الذي يحتمل القراءات التشكيلية او السينمائية او الشعرية ولا يقف عند حدود القراءة القصصية المحضة .. اما التماهي الاخر بهذا المقترح فيكمن في ان توزيع اقسام الكتاب يكون بلغة اللوحة اكثر منه بلغة القص فالفصل الثاني (تخطيطات) وهي المرحلة الاولى من تشكيل اللوحة ثم الفصل الثاني (ظلال) فهي ظلال اللوحة ومؤثراتها الداخلية وكذلك الفصل الرابع (اضاءات) وهي المعادل البصري التشكيلي – او الفني – للظلال على سطح اللوحة .. اما الفصل الاول المعنون (رسام) فهذه رسالة قرائية اولية تشير الى ان الذي سيقدم النص لنا هو رسام أي ان النص الذي سنقرؤه هو لوحة جاء بها مؤلفها _ رسامها – الى فضاء القراءة لذلك تقدم هذا الفصل فصول الكتاب في المقترح الثاني للقراءة مقترح قراءة النص من باب اللوحة ..

كما انه يضع في القسم الثاني (تخطيطات) مفردة من كل فصل من القراءة الاولى الفهرست الاول فيجمع في الفصل الثاني (تخطيطات) – تخطيط اول، لوحة، زيت، صورة صاج – وهذا تدرج للغة اللوحة المتماهية مع لغة النص القصصي وبهذا الجمع لمفردات اللوحة المتماهية مع لغة النص القصصي واضافة مفردات فنية رسمية- من الرسم – اخرى على الفهرست (ظلال، اضاءات) تكون القراءة الثانية متوجهة نحو فضاء اللوحة بشكل اعمق ..

اللازمة المتكررة اما اللازمة المتكررة عبر فصول الكتاب المكتوبة بخط اوضح واغمق من خطوط النص الباقية فهي تشير الى اهمية هذه الجملة – الصيحة – حين تطفو على سطح النص مثل نشيد مائي يردده البحارة
(لتغتبط شهيدا بقاربك ولترض طريدون عنك، سيدي شهاب البحر) وهذه اللازمة تتكرر ثلاث مرات في الكتاب، وهي دائما تاتي بعد ان ينزل الكابتن شهاب البحر من الباخرة ويأخذ قاربا بمجذاف قاصدا الجهة الغربية من الشط فيكون هذا الدعاء البحري الوداعي الذي يشيعه الى طريدون الارض .. تعويذة مائية يرشها البحارة على بدلة الكابتن البيضاء مثل صفحة تنتظر نصا جديدا ..

اما اللازمة الثانية فهي صوت الكابتن نفسه او ايقاع قلبه الذي يتغنى بهذه الجملة كصدى لمشاعره تجاه الفتاة التي احبها – نور – حيث تتوسط بيتهم السدرة والبرحية وهما من اشجار البصرة المعروفة، والجملة :

(قلبي في ظل البرحية وعلى جذع السدرة قلبها )

وكان الكابتن يراها دائما بخطوط ملونة تدهش بحبرها وانحناءات خطوطها فيعيد قراءتها كأن هذه الجملة تمثل نشيد ضميره وقلبه المتعلق بالسدرة والبرحية حين يكون قلب الحبيبة على جذع السدرة ..

اما اللازمة الثالثة فهي :

(لا تبحر طريدون من دون قاربها ولن يصلح القارب الا ملاحوها)

فهي نشيد الوعي المتضمن جوابا على التاجيل.. تاجيل الزمن الطريدوني .. تاجيل الابحار وتاجيل اصلاح قارب النجاة وتاجيل المستقبل .. او هي الصرخة بوجه حياة مؤجلة، أي ان طريدون لا تنهض من هوتها الارضية وعطلها على الماء الا بحل من داخلها وبتخطيط وادارة وسياسة وامل من اعماقها ومن عقول ملاحيها وتكاتفهم وانتمائهم الاصيل الى طريدون ..

اذن فهذه اللازمات المتكررة مثلت صيحات مختلفة تاتي من زوايا النص .. مرة بهيئة خطاب سكان طريدون، ومرة تمثل هاجس البطل، ومرة تمثل هاجس الوعي الجمعي المستقل ….

قطع / مقارنة

يوسع جابر خليفة جابر من فضاء نصه القصصي على مستوى الزمن والخطاب القصصي فقد رايناه في اكثر من نص قصصي يستجمع اطراف ازمنة مختلفة نحو بؤرة موضوعية نصية تجعل من هذه الازمنة تتجلى بقاسم مشترك واحد هو الحدث الممتدة دلالته بين فضاءات هذه الازمنة .. ولكن الزمن والمرحلة التاريخية حين تنسحب بخيوط النص وحبكته تسحب معها الاماكن والشخصيات التي كانت ماثلة في تلك الازمنة .. فكما ينتقل المؤلف في نص طريدون من زمن الى اخر عبر مرآة السرد المتمثلة في اللوحة مثلا فتكون هناك لقطات سينمائية تصويرية للمشاهدة مقتنصة بعدسة راوية مختفية في فضاء اللوحة الراصدة في طريدون النص ، فقد راينا جابر يفعل هذه العدسة في قصته السابقة لطريدون المعنونة – زيد النار – المنشورة ضمن مطبوع – خاتمة القرن – وهو مجموعة قصص لبعض قصاصي البصرة يختمون بمشروعهم القصصي القرن العشرين من تموز 1991 الى تموز 2001 حيث كان جابر احدهم بقصته – زيد النار – التي يجعل فيها من الرسالة القادمة للبطل عبر بريد العشار في البصرة من صديقه الاسير العراقي في صحراء- رفحا – يجعل منها عدسة راوية متحولة ينتقل بها بين زمنين هما العصر العباسي والعصر الحالي لوجود قاسم مشترك فاعل هو الاضطهاد الذي عاشه البطل المتكرر في العصرين امام سلطة جائرة متكررة في العصرين ايضا .. ويجعل من الجنوب المضطهد فضاء للحدث ومفتاحا للتغيير المرتقب ..
(اقرا الرسالة وارى المنابر مشنوقة في ساحة ام البروم ) حيث يكون في رسالة الاسير مستويان من القراءة الاولى القراءة العامة التذكيرية والثانية القراءة الداخلية الايحائية قراءة الاستقراء للزمن ..

(وطه يطل برأسه من بين السطور، يطل ويكرر، وستقرا وانت تقرا ..)

تلك الرسالة التي تبحث عن قارئها المرتجى ..

اما الاشتراك الاخر مع نص طريدون فياتي عبر الاشارة التاريخية الشعبانية ..  (شط العرب اواخر شعبان – قال له طه واقشعر) كما ان حدث العبور كان في شط العرب نفسه التي كانت طريدون راسية او جانحة فيه .. كما يذكر الاسير في رسالته في نص – زيد النار – ..
(وانا اسبح وصاحبي يغرق، يغرق بالرصاص، وانا اسبح، رايتها، سفينة من بياض، بيارقها خضراء خفاقة والظلام من حولها نور ..)
فهي اذن طريدون كما يؤكد الاسير .. او شبيهتها
(وتذكرت طريدون باخرتك البيضاء)
وهي بالتالي لحظة الخلاص المتمثلة بسفينة النجاة ذات الاحالة الخلفية التاريخية والدينية المعروفة ..

ان نص طريدون حيوي متوالد لراو مختف بين السطور والالوان والجدران كشاهد يدفع بمرآة الحدث الى واجهة النص لكي يرى القارئ ملامحه المنعكسة على ذاكرة المرآة وينغمر مع اسرار النص الذي يتبلور جامعا الغموض والعجائبية واسرار الحياة مثل حبة لقاح … !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.