ماجد مطرود* : حادث شعاعي

majid matrod 3* كاتب عراقي مقيم في بلجيكا

كانت الشّمسٌ مشرقةً مثل قنديل عظيم ..
السماءُ صافيةً والجوُّ كانَ نقياً لكنّهُ شديد البرودة الى درجةٍ تشعرُ وكأنَّكَ في ثلاجةٍ عظيمة
المعطفُ الأسود الذي كنتُ أرتديه مصنوعاً من الصوف الخالص, كنتُ فخوراً به .
وهو يصنعُ لي حاجزاً من الدّفء يحمي عظاميَ الهشّة التي أكلتها أتعابُ الغربة والمنفى
القبّعةُ السوداء التي كانت تغطّي رأسي هي الاخرى كانت تمنحُني دفءاً مضافاً
ومساحةً كافيةً لكي أرى اكثر وضوحاً وأكثر تركيزاً..
أمّا العصى المصنوعة من البلاستيك المضغوط المعقوفة على شكل عكّازة
كانت تمنحني نوعاً من وقارٍ خاص وهيبةً تُشبه هيبة السّادة والاشراف
لكنّها كانت تعطيني منظراً غير محببٍ لي , الأنحناءة أو التحدّب قليلاً كأنّني في خريف العمر خصوصاً وانا احمل بيدي الاخرى بعضَ الصّور الشعاعية
والتّقارير الطبية.
لم يتبقَ على الحافلة التي كنتُ انتظرها إلاّ دقيتين وبعض الثّواني التي بدأتْ تتباطؤ
في حركتها حتّى خيلَ لي أنَّ الوقتَ قد توقف أو عادَ الى أيّامٍ خلت
تذكرتُ تلك اللّحظة القاتلة
كنتُ منتبهاً , يقظاً وكانتْ بجانبي أمّي بأعوامها التّسعين ملفوفةً بالسّواد ,
كنتُ خائفاً عليها من أيّ اهتزازٍ يمكنُ أن يهشّمَ عظامَها الهشّة , انحرفتُ عنه بكلّ ما استطيع
لكنّ دونما جدوى , توقفتُ بعدَ أن تيقّنتُ أنّهُ القدر قادم لا محال.
كانَ مسرعاً لم تسعفْهُ دواسات الفرامل ولا استغاثات أمّي الى ربّها أخر ما تذكرتُ في لحظة
الاصطدام عبارةَ الدكتور أخصائيّ الكسور والعظام , انتبه عليها , عمليةُ الامتصاص والهدم
تصبحُ اسرعَ من عملية البناء كلّما تقدمَ الانسانُ بالعمر تقلُّ الكتلةُ العظمية , تتضاءلُ كثافتُها
وتصبحُ عرضةً للضّعف وهشاشة العظام.

مسكينةٌ أمّي لم يبقَ منها سوى عباءةٍ سوداء , صورشعاعية , فحوص مختبرية
وبعض التقارير الطّبية.
كنتُ أشبهُ أمّي الى حدٍّ بعيد !!
كانتْ هيّ تُشبه المتنبئات , كانتْ عظيمةً , مثلما تعرف مولدي كانت تعرف موتي
أخبرتني ذات يوم وقالت .. في يومٍ مشمسٍ ومشرقٍ مثلَ قنديل عظيم ..
في سماءٍ صافيةٍ وجوّ نقيّ لكنّهُ شديدَ البرودة مثل ثلاجةٍ عظيمة
ستموتُ غريباً  يا ولدي في حادث سيرٍ أليم , هذا ما تذكّرته تحديدا حينما باغتني الحافلة
كانت مثل اعصار تسونامي قوية وشديدة قلعتني من جذوري ورمتني بعيداً..
لم يتبق سوى أذن تسمع بعض الكلمات ..
أنّه غريب , وهذه صورشعاعية , فحوص مختبرية  وبعض التقارير الطّبية ..
هذا كل ما في الامر سيدي

شاهد أيضاً

رفوفٌ ملتهبة
بقلم: أسيل صلاح.

يحتلني الدمعُ بلا مقاتلين أو خطاب تُمسكني الأربعون كقبلةٍ مائية جف عنها الصدى بين سطرين …

شاعرٌ يردُّ الوهمَ للوراءِ
بقلب عبد اللطيف رعري/منتبولي فرنسا

بعِشقِي هذا حينَ تكتملُ اللَّذاتُ.. سأنقرُ السَّماء بأعوادِ الثقابِ لتلِدَ الغَيْمة فجرًا ثمَّ.. فِي واضِحِ …

عادل الحنظل: ميتافيزيقيا

ألْقوكَ جسما عاريا تحتَ السماءْ أتُرى عرفتَ بما يخبّئهُ العَراءْ قالوا لروحكَ رفرفي.. واستأنسي علّ …

تعليق واحد

  1. علي المسعود

    في نص ( حادث اشعاعي ) كما في اغلب نصوص الشاعر ماجد مطرود تتدفق الصور الشعرية تدفقا ماساويا ويتحول الانسان في فضاءاته الى ذات مغتربة فاقدة للمعالم, رغم الدنس الجاثم على الامكنة والازمنة تتمكن الذات الشاعرة رغم وجعها الانساني من خلق كون شعري جديد ملىء بالضوء والحلم والقدرة على قهر الزمن عبر رفض الهزيمة والمحافظة على بقايا الانسان القابعة بدواخلها مؤكدا الشاعر بذلك البعد الحميمي في انتمائه للواقع مع اعتنائه بصياغة المفردات والتي تبعث فينا المتعة وحيرة السؤال, أن قيمة الـمتعة تنبع هنا من خلال ركام الأحاسيس الـمتنافرة التي تقبع في دواخلنا والتي تحرك فينا مكامن الدهشة والاعجاب…” كنتُ منتبهاً , يقظاً وكانتْ بجانبي أمّي بأعوامها التّسعين ملفوفةً بالسّواد”!! والام هذا الرمز العظيم المرادف للوطن و الحلم الذي يلفه السواد , دمت مبدعأ اخي الشاعر ماجد مطرود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *