قحطان جاسم : رواية مشرحة بغداد لبرهان الشاوي : تراجيديا الرعب والموت اليومي في العراق !!


kahtan jasim* شاعر وباحث من العراق
“رواية الجريمة- الواقعية “: 

يعتمد نجاح أيّ عمل روائي على قدرة الكاتب باعادة صياغة الواقع، لا بصورة استنساخ فوتوغرافي او حبك دراما تشابه فن الميناتور الدقيق بحيث تقبض على كل التفاصيل المطلوبة للحدث، بل بالقدرة على تشذيب وانتخاب ثيمات هذا الواقع وبسطه امام القاريء على شكل بنيان سردي خاص به، للدخول معه في عملية اقناع او حوار من اجل تشكيل علاقة معه في سياق القراءة. وهذا ما فعله الروائي والشاعر برهان الشاوي في روايته ” مشرحة بغداد”، التي صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2012. والرواية تدخل ضمن ما يمكن اسميه رواية  ” الجريمة – الواقعية”، تمييزا لها عن رواية الرعب، التي روجت لها السينما منذ ايام هتشكوك، على الرغم من الفرق الكبير بين النموذجين. ففي هذه الرواية يتماهى الواقع مع الخيال، الموت الحقيقي مع الرعب المتخيل، الى درجة تطابقهما.

أجواء ولغة الرواية:
يحتاج المرء لقراءة رواية مشرحة بغداد الى جرعات كبيرة  من الصبر ومحاولات دائمة للتوقف عن القراءة والخروج الى الهواء الطلق لاستنشاق جرعة من الهواء النقي، حيث يحسّ المرء وهو يقرأ احداثها بانه جالس في مسلخ انساني لا يمكن تصوره حتى في قصص الخيال العلمي .. الرواية مزج ذكي بين الخيال والواقع ..لكنه خيال مغموس في الواقع الى درجة انه يمكن شم رائحة الدم الجارية على بلاطات المستشفى وأسرّة المشرحة التي تدور احداث الرواية حولها . انه خيال يجمّع تفاصيل ثيماته بدقة من واقع بشر عاديين يترك لهم ان يحدثوننا عن حياتهم ، وآلامهم بلا رتوش واحيانا بتقريرية تقارب العمل الصحفي او تقارير الشرطة. ورغم ان هذا الاستخدام اللغوي قد يُعتبر في السرد الادبي نقصا في اسلوبية الكاتب،  الا انه هنا في هذه الرواية يُحسب له. فقد اختار طريقة للسرد تُناسب فظاظة الاحداث وصلادتها وعنفها. فلو لجأ الى اللغة الشاعرية فسيكون قد اضر بنقل محتوى الاحداث ودمويتها. لكن الروائي التفت بشكل ذكي ومبصر الى تطعيم الحوارات بمنولوجات لغوية ذاتية مختصرة ذات حس فلسفي شفاف للتخفيف من جفاف لغة السرد، دون الاغراق بها متجبنا بذلك أرهاق الرواية بلغة فلسفية مقحمة قد تغيّب احداثها وتجليات افكار شخوصها في سياق الاحداث.

burhan shawiبنية الرواية وعالمها:
الشخصية الرئيسية في الرواية، الشاب آدم ذو الثانية والعشرين ، حارس في مشرحة احدى المستشفيات المهمة في بغداد، الذي اضطر الى قطع دراسته الثانوية بعد موت أبيه للبحث عن العمل وإعالة امه الوحيدة. وقد تنقل بين اعمال عديدة حتى وجد له عمل كحارس للمشرحة بوساطة احد اقاربه.ص19
في عالم بغداد- المشرحة رأى آدم الحارس ” عشرات الجثث المشوهة. جثث مقطوعة الرؤوس. جثث مقطوعة الاطراف.جثث بعيون فُقئت أو قلعت من محاجرها. جثث بجماجم مهشمة بالمطارق أو مثقوبة الجماجم بأزاميل حادة. جثث مقطوعة اللسان. جثث مقطوعة الآذان. جثث محروقة. جثث تم تعذيبها ومن ثم أعدمت. جثث تالفة قد أنتشلت من الأنهار. بقايا أجساد بشرية لملمت من أماكن انفجار السيارات المفخخة أو الانتحاريين الأسلاميين. جثث  يراها يوميا في القاعة الكبيرة”. ص17
نكتشف عبر عيون ومعاناة هذا الحارس عالما غريبا ، ليس عالم الموتى داخل المشرحة وحده بل عالم الاحياء في الخارج، في بغداد ومناطق اخرى خارجها ” فحين ينتهي الدوام تقفر المشرحة، تتحول الى مكان خارج الزمان           والمكان، خارج التأريخ. يختفي الكون كله، وتنتقل الحياة في بغداد  الى مشرحة” ص39. انه عالم مصغّر لما كان يجري وجرى  في العراق منذ سقوط النظام العراقي عام 2003 واندلاع الحرب الطائفية فيه. وفي هذا العالم كل شيء مبرر. أنه عالم اللوياثان الذي وصفه توماس هوبز في كتابه الشهير ” اللوياثان”، حيث الكل ضد الكل من اجل البقاء ، وحيث يهمين قانون الحيوان،  حيث البقاء  للاقوى. وفي سياق هذا الصراع والاقتتال الهمجي تكون النتيجة؛ ان من يبقى يتحمل ويحمل في ذاكرته صور كلّ ما هو مخرب ومنخور ، دموي ، اسود ، كريه ونتن؛ بقايا من جثث في مشرحة، حيث البعض يتصيد البعض الآخر الى مصيره المحتوم، فلا مجال للرحمة او التفكير هنا ، او اعادة النظر ، لان موت الآخر يمثل بالنسبة للبعض بداية لحياة أخرى، لكنها في نفس الوقت بداية لموت مرعب..
الرواية تكشف عبر حكايات ومرويات كل جثة في المشرحة، كيف ان كل شيء كان مدنسا ، منحطا : علاقات الناس، سلوكهم، قيمهم، تطلعاتهم ، احلامهم.. كلها كانت محسوبة ضمن مقايضات. ففي عالم كهذا تغيب الفضيلة تماما..وليس فيه من يستطيع ان يقدم تعليلا او تفاصيلا ما لما كان يجري.  فالكلّ مشغول بترتيب وضعه و متهم. في هذا العالم لا وجود للمشاعرالانسانية..فهو عالم جثث، موتى . وحتى هذه المشاعر التي كانت يوما ما تمتُ للانسان بصلة فهي في لبوس كاذب..تمارس الكذب حتى في موتها ” إنهم يكذبون ، حتى وهم موتى” ص 142، وباصرار خادع، الى درجة ان القاتل والضحية يتماهيان في سياق الرعب والموت فيرددان نفس المنطق الذي يحكم علاقاتهما الغير متساوية وااللاعادلة والقبول بحكم الاعدام ذبحا” على بركة الله” ص15، الذي يختتم به الفلم الذي يشاهده آدم الحارس في غرفته وحيدا مرعوبا.
وشخصيات الرواية ، الجثث، تتشابه ، رغم اختلاف قصصها عن موت متنوع، وخلفياتها ومكانتها الاجتماعية وجنسويتها . انها آدم المتنوع ، المتعدد، الذي يتلبس جسد الانسان ، و يحمل خطيئته الأبدية، تقابله حواء ، متعددة، متنوعة، مقموعة،  لكنها خليلته، وهي تساويه في جرائمه ومساوئه ومأساته “هذا انا آدم التاجر، وهذا نائبي آدم الشيخ، وهذا الحاج آدم الروحاني وهاتان السيدتان (…) هذه حواء الشقراء، اما تلك فحواء المحجبة. اما بقية الاخوة فمن رجال الحرس الوطني ، وهذان  هما الطبيب الخفر ومساعده.” ص 140 . اضافة الى العديد من اصناف اخرى لآدام وحواء مبثوثين  على امتداد الرواية. وكل هؤلاء ، اشباه آدم وحواء، أشتركوا في جرائم قتل وخداع وكذب وسرقة يقدمون انفسهم كأبرياء وهم يحاولون تبرير جرائمهم او الدفاع عنها.

kh borhan shawi 2فسحة لتأمل الانسان:  
ومع سيادة مشهد الموت والدم على امتداد الرواية تبرز هناك فسحة من روح انسانية، تمثلها شخصية آدم الحارس المرتبكة، كما لو ان الكاتب برهان يدعونا للتوقف برهة ليعيدنا الى رؤية الواقع بأبصار اكبر في محاولة لدفعنا في التفكير الى ابعد من صورة الموت والجثث الطاغية، لرؤية الانسان بدلا عن ذلك، في كل تحولاته، عبر تصوير مشاعر آدم الحارس المضطربة، وهو يتنصت لقصص الجثث وما يصيبه من رعب وتقزز، فتراوده حالات تتراوح بين الشك من الوضع اوالتماهي بين حياته الواقعية وحياة الجثث التي يعيش معها، الى درجة انه يطرح السؤال وهويفكر مع نفسه لحظة ” هل نحن اموات وهذه هي ارواحنا تعيش، مثل ابطال الفيلم، ام نحن أحياء فعلا؟” ص24. فعبر مشاعر آدم الحارس وقلقه النفسي والأسئلة التي يطرحها على نفسه باستمرار، حيث يجد نفسه جزءً من هذه التراجيديا المظلمة، مقذوفا قسرا وسط عالم الموتى، يسعى الروائي تذكيرنا ، بان وسط كل هذه الجثث والدم ، ثمة انسان حي ، آدم الحارس، الذي يعيش بين كل اشباهه من ” الآدميين”، وان هذا الانسان ما يزال يصارع مع نفسه وضد خطيئته الازلية المتمثلة بافعال اشباهه، التي كتب عليه ان يحمل صليبها بنفسه. بيد ان الرواية لم تقدم آدم وقد نجا تماما ممّا يحيطه من موت وخوف ورعب  سلوكيات الجثث المشوّهه وافعالهم الشنيعة فيصاب هو الآخر بنوع من النيكروفيليا ، اي الشهوة لمضاجعة الموتى او الوقوع بحبهم.. ص21-22. في الوقت الذي نراه في مكان آخر من الرواية يبدي تقززا من هذه النيكروفيليا، متجسدة في سلوك مساعد الطبيب، وهو يمارس الجنس مع احدى جثث النساء” ص31. وهذا التجاذب في شخصية آدم بين الاحتجاج على الشر أوالاقتراب منه هو تجسيد للصراع القائم بين الخير والشر في الانسان عموما في معمعة صراع وجودية من اجل الذات، تقوده بدورها احيانا الى التفكير للعثور على تفسير لسلوكه هو ذاته ” صار يفكر في الروح. تأكد من أن السمة الحقيقية في الانسان هي روحه. حين تغادر الروح لا يبقى من الانسان سوى هذا الجسد البشع من الداخل.”ص31. وكأنه يعزو التشوه الانساني والموت وحيوانيته الى انشغاله بجسده ، بفيزيقية وجوده، ومحاولة لاقناع نفسه بان هذا التشوه لا يمس في الحقيقة الا الجسد، اي انه يقع خارج الانسان ويتعلق بمظهره، أما روحه فانها ستبقى سالمة لو ركز اهتمامه عليها. بيد انه لم يعط حسما لهذا القلق الذي سيظل يتابعه حتى آخر الرواية، إذ لا يعثر على جواب نهائي لأسئلته ” لا بد ان يأتي احد ليقول لي الحقيقة.” ص158
لقد تمكنت الرواية من تصوير حدّة البشاعة الانسانية وتراجيديتها   ووحشتيها لكي تساعدنا على ادانة المساهمين فيها، ولكي تسجل لنا وضعنا الانساني الشديد الحساسية . وقد اقتربت من الواقع بصورة دقيقة عبر اتاحة الفرصة لشخوصها للتحدث، دون قسر من المؤلف، لكي تخبرنا عن تاريخها وحياتها وسلوكها وآثامها او حسناتها، على قلتها  ..انها حكايات واصوات تتحدث بصوت الماضي ، وهو امر يتطابق مع شخصية الموت والجثة ، فالموت لا مستقبل له ..وكأنما اراد الروائي ان يقول لنا ..ان الموت هو موت الحياة ..وعلينا ان نواجه هذا الموت لكي ننتصر للحياة.

    خاتمة الرواية:  
وتتطابق خاتمة الرواية مع الانفتاح على الامكانيات التي يحملها المستقبل.    فالخاتمة تُعتبر مفصلا مهما من مفاصل نجاح العمل الروائي. وتتوقف قدرة المؤلف على نجاح اختيار خاتمة ناجحة على معارفه الادبية وطول خبرته ومرانه الادبي.
وقد نجح الروائي برهان الشاوي لتنوع معارفه وخلفيته الثقافية ومرانه  على اساليب متنوعة من الكتابة ان يعثر على  الخاتمة الصحيحة للرواية. إذ  وفق بايجاد تحقيق تناسق بين تفاصيل العمل الادبي ونهايته الممكنة. بحيث جعل النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات رغم عتمة الموت ورغم اعلان آدم الحارس، الشخصية الرئيسية في الرواية، بان “لا احد سيأتي”ص158. الا ان هذا الاعلان هو أعلان موارب خادع.. فشخصية آدم الصغير التي ظهرت في نهاية الرواية، وبدون مقدمات مسبقة، كانت اختيارا سليما كمقابل لليأس  والعدمية اللتين خيمتا على آدم الحارس .كما يتوافق ظهور آدم الصغير مع الحقيقة الوجودية؛ بان الموت الذي شهدناه في المشرحة هو ليس موتا كليا ، نهائيا، بل مؤقتا.  فنحن لم نعرف عن آدم الصغير انه تلوث بالموت خارج المشرحة او حياة الجثث في داخلها.  اضافة الى ان ظهوره في نهاية الرواية، وبعد ان طغى الاحساس بالموت على كل شيء،  كان بمثابة اعلان على حتمية تجدد الحياة، كونه سيكون الشاهد القادم على مأساة آدم الحارس وحيرته وزمنه. كما يتوضح عبر الحوار بينهما الذي تُختتم به الرواية”
“أخذ بيد الصبي ، قائلا له:
– عليّ أن أعرف هل أنا ميت أم حي يا آدم، لكن كيف لي أن أعرف ذلك؟
نظر الصبي اليه نظرة مليئة بالطيبة والحزن والشفق، وقال للحارس آدم وكأنه يخاطب طفلا:
– لا اعرف كيف ستعرف ذلك، وأنا لا أستطيع أن اجيبك هل أنت حي أو ميت؟
– من يستطيع أن يجيبني إذا؟
– لا احد
– لا بد أن يأتي أحد ليقول لي الحقيقية
– لا احد يأتي .”           ص158
ورغم ان الخاتمة تبدو حاسمة وقاتمة في محتواها على لسان آدم الحارس، الا انها في الحقيقة بقيت مفتوحة، لأن آدم الصغير سيكون الحامل لهذه الحقيقة وهو الذي سيعيشها مستقبلا، ولهذا لا يمكن معرفة نتائجها بثقة مطلقة، وستبقى حقيقة مفتوحة على كل الاتجاهات والاحتمالات.

 

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *