علوان السلمان : صيد البط البري والواقعية السيرية

alwan alsalman 4(لكي تبصر شيئا كما ينبغي لا تحدق اليه وانما سلط عينيك فوقه وتحته وحوله..)على حد تعبير الروائي البريطاني هاكسلي.. وعملية الخلق الفني الابداعي نتاج محصلة الرؤى بتصوير حركة الاحداث بوعي ينحصر في الربط الجدلي بين المبنى والمعنى والنظر اليهما كوحدة تشكل حضورها في النص الذي يدخلنا في حالة من الوجل النفسي ناتجة من جماليته واسلوبه الفني..
والسرد الروائي هوانعكاس لوعي ورؤية المبدع نتيجة تصوراته التي تكشف عن قدرته على التغيير والابتكار الذي يحقق وجوده بتأسيسه لفضاءات سردية تحرك الخزانة الفكرية لمتلقيها..
و(صيد البط البري) الرواية التي نسجتها انامل مبدعها محمود سعيد واسهمت دار ضفاف على نشرها وانتشارها/2013..وهي ترحل في ثنايا النفس البشرية والطبيعية من خلال ادانتها للحروب التي هي وسيلة لتخريب العوالم الحضارية وتدمير الوجود الانساني والحياة..اذ العيش في كوابيس نفسية منهكة للذات الانسانية..من خلال الكشف عن العواقب المفجعة لحرب الخليج الثانية 1991 والثالثة 2003..المرتبطة بها جدليا كونها امتدادا لها عبر بطلها (منصف)خريج كلية اللغات والمجند الزاميا واسهامه في غزو جنوني لاحتلال الكويت فصار شاهدا على سلبها ونهبها من جهة والهروب منها مع مئات الالوف من الجنود والضباط باتجاه الاراضي العراقية تلبية للنداءات والبيانات التي توزعها القوات الامريكية من جهة اخرى….
mahmood saeed 4(القضية حدية..موت او حياة..اسقطت الطائرات الامريكية مناشير الترهيب على مدى ثلاثة ايام..اين يذهب يجدها ملصقة امامه على الحيطان..)ص14..
فالسرد يسهم في تشكيل صورة الانا والانا الآخر في حرب تبدا فصولها الدرامية يوم 2/8/1990 وتنتهي بالانسحاب التراجيدي يوم 28/2/1991..وقد تركت تاثيرها العميق على المنطقة والوجود الانساني..ابتداء من العنوان الايقونة الدالة على مقصدية  يكشف عنها السياق عبر بنية ثنائية تقوم على التراجيديا والمفارقة والذي تشكل من جملة اسمية مضافة وموصوف  وقد حذف احد اركانها..فتشكلت من ثلاث فونيمات دالة مستلة من متنها النصي..
(معه مذياع ترانسستر صغير اشتراه في الكويت..عثر على اذاعتي لندن وصوت مونت كارلو الممنوعتين في العراق.. فرحة طاغية خففت التعب.. ارعبته الاخبار..صحف عديدة فرنسية.. انكليزية.. امريكية.. اوربية.. صباح اليوم السادس والعشرين من شباط تم في البنتاغون تخطيط مذبحة كبرى للعراقيين..تمنى لو استطاعت فرنسا..روسيا..الصين منع تدمير العراق..حماية الابرياء..يعرف ان ذلك مستحيل..شطت به الاحلام فتخيل نفسه مواطنا في دولة اخرى لكنه عاد فتمنى لو اكتفى بحفظ ولو مقالة واحدة عن الموضوع ليتذكرها بعد انحسار المصيبة..ثم استسخف امنياته تترى التقارير:قائد جناح جوي امريكي يقول بمرح شديد(سنصيد العراقيين مثل صيد البط)…ص15..
فالبط رمز للجيوش المنسحبة بفضاء مكاني مفتوح يكشف عن حركة الشخوص البطيئة التي تشبه حركة البط طيرانا وسباحة..لذا فصيده سهلا ويسيرا..هذا يعني انه استعارة رمزية مقصودة لتجربة انسانية مأزومة..    اما ابواب السرد التي امتدت الى واحد وعشرين فصلا معتمدة العنونة الرقمية التي توحي الى بنية الفجيعة وتوليداتها واتساع آفاق الفضاء النصي باعتماد مهارات تقنية في(السرد/التصوير/الحوار بشقيه(الذاتي والموضوعي)..مع تداخل الخطابات والانتقال بين عنواناتها بعفوية تنم عن واقعية سحرية تنحو منحى سيري وصلات وجدانية من خلال(منصف) الشخصية المركزية الذي منح النص صفة السيرة من جهة والحكاية من جهة اخرى..حتى انه  يطرح نفسه بوصفه جزء من حبكة الاحداث..   (استدارت الطفلة…اتكأت على صدر امها لوحت له بيدها الصغيرة اهلا ..ابتسم منصف..اهلا ما اسمك؟اجابت في الحال:آشلي وانت جيمس؟ضحك منصف بسعادة.ابتسمت امها:آشلي هذا ليس  جيمس جارنا هذا غريب لا نعرفه نراه اول مرة.
ـ ما اسمه؟
ـ منصف..
رددت منسف..منسف..ثم التفتت الى امها..اعنده اطفال؟ضحك ضحكة قصيرة..ابتسمت امها:لا ادري..نظرت اليه هز راسه نافيا..قالت امها لها:لا..
ـ لماذا ليس له اطفال؟
وضعت امها اصبعها على فمها قالت برقة:آشلي قلت لك اكثر من مرة لا تسألي الغرباء..اصرت لماذا ليس له اطفال؟ ابي عنده اطفال..جيمس عنده اطفال..ما اسم زوجته؟هز راسه مرة اخرى..قالت امها لها:اعزب..
ـ لماذا؟اهو فقير؟ليس عنده بيت كعمي جورج..
ضحكت امها ومنصف..قال:انها ذكية..
ـ نعم هي كذلك..
التفتت اليها:الا تريدين ان تنامي؟
ـ ليس الان..
سالته امها:اسيتوقف الثلج؟
ـ لم اشاهد الاخبار
kh mahmood saed 5 اجابت الفتاة السوداء التي تجلس الى يمينه:نعم سيتوقف الثلج بعد السادسة مساء..وستصحو السناء..)/ص140 ص141
فالروائي يتفنن في تقديم المكان بشقيه(المغلق الذي يحسم عزلة الشخصية بمعناها النفسي والسايكولوجي..والمفتوح الذي يشكل بعدا محوريا من ابعاد النص وعنصرا مسهما في تصاعد الحدث وتناميه وانفتاح دلالاته التعبيرية..فضلا عن انه رمز دلالي متعدد الرؤى يجسد الانا والانا الاخر..لذا فالروائي يوظف طاقاته الفنية وقدراته التعبيرية ومهاراته التشكيلية في خلق صوره وتحريك مشاهده وسرد حكاياته وتجسيد رؤيته بما يتناسب وابعاده.. فالمكان المفتوح وشخوصه  تدعم الحكي وتوميء الى الحدث وتمهد للفعل وتحرك الساكن وتستفزه فتكشف عن الرؤية والموقف وتساير الواقع الانساني  بديناميته المتغيرة..فضلا عن انه يسهم في الكشف عن ملامح الشخصية وصفاتها واتجاهاتها واساليب حياتها..لذا كان البر مكونا رئيسا من مكونات الرؤية الكلية يتأثر بها ويؤثر فيها..ويحتضن ابعاده البنائية والتجسيدية والايحائية.. (نزل بضعة جنود وحينما تهيأ هو ليقفز الى الارض وجد تحت يده شيئا خفيفا يعود لمن نزل قبله..تحسسه خمن انه ناظور عسكري..اخذ يصيح..جنود..جنود من ترك ناظورا..لم يسمع ردا توقع ان من تركه جندي استطلاع او ضابط..وحدهما يزودان بناظور..نزل جنود اخرين..لابد ان هناك باقين..كم عددهم..الظلام دامس..لا يستطيع التخمين..علق الناظور في عنقه..اخذ يسير مع غيره نحو جنوب العراق..) ص16 ـ ص17
فممرات الحبكة السردية تنطوي على نبرة تنبيء عن ذهول من خلال تجسيد فظائع الحرب وتستمد معطياتها من واقع مؤلم يكشف عنه وعي المبدع بانتقائه تجربة اختبرها بالفعل وحققها بلغة محكمة ضاجة بالواقعية المقترنة بالسيرة..فهو يستثمر ذاكرته في اعادة تاريخ مدينة ليست مجرد خريطة جغرافية بل مدينة نابضة بالحياة داخل ثراء مكاني معبأ بالقيم المتفاوتة التي تحملها شخوصها بحلتها الاجتماعية ومشاعرها التي تغوص في اعماق سياسية تسهم في تحريك الحدث..الذي يبدأ بحدث استرجاعي يعتمده الراوي السارد ضمن السياق الكلي المرتبط ومرجعية النص المشتمل على عناصر الخطاب التي تجمع ما بين العجائبي الاستثنائي والواقعي السيري..فضلا عن انه يرقى برمزيته لاستيعاب الواقع المعاصر من خلال البناء السردي الذي اعتمده السارد الذي تميز بقدرته على تحليل نفسيات الشخوص وتماسك الافكار وترابط النسيج الداخلي للنص..فضلا عن تصوير المشاهد والانتقالات عبر فضاءات متنامية..فحقق وجودا في تصوير الفوضى التي تضرب عمق الانسان في ذاته ووجدانه..لذا فالرواية لا تعيد انتاج التاريخ بل تستعيده..فتقدم افكارا ومواقف درامية لتاريخ انساني متداع ينسج خيوطه سارد  يركز على الذاكرة التي تلعب دورا محوريا في بناء الاحداث..
وبذلك قدم الروائي نصا جمعيا للمكان والانسان بتعبير جمالي اقرب الى الخيال منه الى الواقع..فضلا عن تعبيره عن الوجود الانساني المتناقض والمتصارع في ذاته فكشف عن قدرته على التغلغل في عمق الذات الانسانية وابراز خفاياها ورغبتها في تغيير معالمها..عبر تنوع تقنيات السرد(استرجاع/حوار بنوعيه/زمكانية/شخوص/احداث..)لتحقيق وظيفة جمالية تكشف عن قدرة على تحريك الواقع وتفجيره من خلال الوعي والخزين المعرفي..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *