أحمد خلف : من ينقذ الشاعر من محنته ؟

ahmad khalaf 5هذا النص او المقال  الذي ارى فيه تجانسا , يقترب من النص الذي كتبته عن الشاعر مظفر النواب وكذلك المقال الذي تحدثت فيه عن الشاعر حسين مردان وكلاهما منحني القدر بضع سنين للعيش معهما او معايشة الحياة اليوميه التي مارساها والحقيقة حاولت في المقالين عن النواب وحسين مردان الابتعاد عن البنية الشعرية لكلا الشاعرين , لأن الخوض في مجال ليس من اختصاص الكاتب يولد لدى بعض المتطفلين استسهالا في تناول اي موضوع يراود مخيلتهم البسيطه مما يخلط الكثير من الامور, ولن يدع لذوي الاختصاص والعناية بالجنس او الظاهره فرصه للتفرد في مجالهم اويسد الطريق على المتابع الادبي للتشوف الميسورللظاهره او الموضوع  , لهذا تأتي قراءتي لجانب من حياة الصديق الشاعر محمد درويش علي من باب اطار كتابة السيرة الثقافية للشاعر الذي انغمس في الشعر كما تعلق  بالثقافه – انغماسا كليا وجعل منهما مسأله شخصيه , لكن المؤسف له اننا نرى المبدعين بصورة عامه   يتساقطون في مهاوي الردى ولكن دون اهتمام ملموس بهم باستثناء الايام الاولى للرحيل حيث يتبارى الكثير من المعنيين في الجانب الاجتماعي او الذين تلك هي طبيعتهم الشخصية لكسب الثواب لتخفيف العقاب في الحياة الاخرى , هؤلاء ينتهي دورهم حالما نواري التراب على المبدع او الشاعر , لهذا يمكن اعتبار هذا المقال تمجيدا خاصا للذي عشناه معا او كنت على قرب منه  او شهاده  شخصيه عن الذي عاناه محمد درويش علي كواحد من الشعراء المخلصين لفنهم  وقد تحكمت معرفتي بحياته دافعا للكتابه وهي معرفه لا يعوزها التبصر بما كان يكابده بصمت ووحدانيه لا تخص الا الشعراء الذين لم ينصفهم القدر( او المجتمع الصغير الذي هو الوسط الثقافي وبصورة اوضح الدولة التي قد لا تعرف ذلك المبدع ابدا ما دام هو يبتعد عن ممارساتها عن قصد واصرار )  , هذه المعرفه التي اسميتها بالمتشوفه لعذابه ووحدانيته جعلتني اكتب عنه بدراية تامه وكذلك تلمسي الهاديء لمعظم ما عاناه محمد درويش علي وعاشه تحت شظف العيش وقدعلمت منه ومن اصدقائنا المشتركين انه تنقل في مهن حره كثيره وكنت اتساءل عن مصادر عيشه على استحياء لاني لم اشأ التدخل في تفاصيل تلك الحياة التي بدت لي غامضه بشكل من الاشكال في اول الامر لكني تيقنت انه عمل في اصناف من تلك المهن التي لا نستطيع التوائم معها كأ دارة مقهى في احد اطراف بغداد او في مدخل شارع الرشيد , ولقد اكد لي صديقه الحميم الشاعر محمود نمر : –  mohammad darwish 4(( انه كان يعمل في تلك المقاهي ويديرها بعد ادائه خدمته العسكريه الطويله على انه جعل هذه المقاهي عبارة عن ملتقى لعدد كبير من اصدقائه الشعراء الصعاليك منهم  اولئك الباحثون عن الهدوء والسكينه لكي تتيسر لهم سبل انتاج نص هم بحاجه لمكان مناسب لكي يكتبوا نصهم فيه .. ))  وليس بعيدا ان يكون   وجود عدد من الادباء في المقهى يحفزه على ممارسة هوايته المحببه لقلبه في كتابة الشعر— الحديث — الذي جعله في الايام الاخيره من حياته مشروعه الذي لا ولن يتخلى عنه  وبالفعل استمر في عطائه الشعري حتى الرمق الاخير من حياته القصيره وكانت مشاعر الغربة ورفض الاخر للشعر الذي لم يكن ينسجم والمحافل الرسميه جعلته في حالة من حالات الافتراق التي ركزت عليها معظم مدارس واتجاهات علم النفس وتأكيدها على وحدانية الشاعر بل وغربته بين الاخرين .
ولعل هذا المقال بقدراقترابه من روح النص المفتوح ألذي يتسم بالحرية في الكتابة وكذلك استقبال كل الممكنات التي يوفرها السرد القصصي الذي نعتمده في معظم ما نتناوله من كتابات سواء التي تتصدى للظواهر اللأجتماعية او الأدبيه او تلك التي نتناول بها حياة  مبدع اوفنان , السرد القصصي والروائي الذي التزمناه في الكتابة, هنا او في اي نص من نصوصنا الأخرى , والسرد منفتح بطبيعته على كل الموضوعات والممكنات على حد تعبير الباحثه اللأمريكيه مارت روبير , هذه الوسائل والسبل الفنيه والأسلوبيه الممكنه,   كلها عملت على تزكية هذا النص او المقال وسوف اترك للمتلقي حرية التوصيف الشكلي لكتابتي عن شاعر كان تلميذا نجيبا للشاعر الستيني عبد الرحمن طهمازي وكذلك تشرف بتلمذة كافيه على يد الروائي الاستاذ عبد الخالق الركابي قبل ان يودع الحياة المدرسية في مرحله مبكره ويلتحق بخدمة العلم التي منحته فرصة نادره لاكتساب خبرة وتجربة متميزتين , وقد دامت سنوات خدمته العسكريه اكثر من احد عشر عاما , وهو من مواليد: 1959—وقد حتمت عليه المده الزمنيه في العسكريه ان يخوض اكبر المعارك واكثرها شراسه  في ثمانينيات القرن الماضي , ولم تكن لديه فترة هروب كما حصل مع الجنود الذين ماثلوه في سنوات الخدمه وكانت اجادته للهجة اهل الجنوب العراقي اجادة تامه مثار دهشة للذين يتعرفون عليه باعتباره من ابناء القومية الكرديه ومع هذا كان من الصعب على من يلتقيه لأول مره ان يصدق تلك الحقيقة خصوصا وان الشاعر ذو بشرة سمراء تكاد تكون طاعنه بلونها الداكن اذي يعرف من خلاله اهل الجنوب , مما يخلق لديه مقدرة ملموسه في الانسجام مع شرائح عديده من قطاعات الشعب  ..
والحق اردت في البداية ان يكون عنوان المقال , هو :– طفولة محمد درويش علي المفقوده  — لكني جعلته عنوانا داخليا او ينبغي التنويه عنه في سياق المقال هذا لأن الكتابه في أطار الشخصيه الواحده وحصرالكلام في مجال الانا  فحسب قد يضيق على الكاتب حدود الرؤيا او الحيز الذي يطمح ان يسترسل فيه لغرض الوفاء للنص او للكتابه التي تطمح ان تكون رائده في كتابة نص يتفرد بخصائصه الفنيه التي قد تكشف عن العديد من خلجات النفس او الامكانات الضروريه التي نحن بحاجه ماسة للتيقن منها واعطائها دفعة قويه للأمتثال لضرورات المقال الأدبي وابداع نص يمتاز بمهارة السارد  , هنا تتم المزاوجه بين النص القصصي والخطاب الوجداني وروح النقد الادبي دون الانزلاق في متاهاته التنظيريه التي لا حاجه لنا بها هنا , الا من حيث هي ضروره قصوى لغرض التقصي او تحليل الحقائق الماديه الملموسه ليس في شخصية الشاعر بل في تفسير الظاهرة الوجدانيه والأخلاقيه  وربما الاجتماعيه ايضا , وفي هذا الاطار التفسيري ينبغي استثمار معرفة كاتب النص ببعض مستلزمات النقد الأدبي بصوره لا يتحول فيها النص هذا الى دراسه نقديه عن محمد درويش علي , الذي تهمنا سيرة حياته الأدبيه والأجتماعيه وما عاناه او كابده في مرضه الذي استشرى عليه خصوصا وان الشاعر قد اهمل نفسه في نوع تدميري موغل في اللامبالاة والتقاعس من انتظام تناوله للعلاج اليومي المطلوب وكان يذوي ويموت ببطء امام ابصارنا ولم يكن ثمة امل في انقاذه من محنته , التي لخصها الطب ب: تشمع الكبد , او هذا ماظل يردده على مسمعي ومسمع اصدقائه المقربين , وهم في حيرة من الامر , اذ كان على الجهات المعنيه ( وأعني الرسميه هنا بالطبع ) ان تبادر الى اسعافه , وحاولت احدى المؤسسات الثقافيه معالجة الأمر ولكن مبادرتها  الأنسانيه  جاءت متأخره , فقد كان المرض قد ثبت اركانه في جسد الشاعر الذي راح يزداد هزالا ونحولا بحيث وجدنا في الاخير : أن لا مفر من مواجهته لمصيره المحتوم ,ويعتقد الصديق عباس لطيف  , في حديث شفاهي موثق لدينا , ((ان معضلة محمد درويش علي تتجسد في ثلاث مهيمنات واضحه , لعل من ابرزها : الحرب , ثم الفقر واخيرا , المرأه وهذه المهيمنات انعكست  على حياته الخاصه وعلى الكثير من قصائده , ان لم تكن قد وسمت معظم تلك القصائد التي جمعتها مجاميعه الثلاث التي نشرها على حسابه الشخصي  وبطبعات شعبيه بسيطه .)) ونلاحظ هيمنة الحرب بصوره مباشره على سلوكه واحاديثه معنا  وفي موازاة حاجته اليوميه للمرأه التي هي ضروره لا يمكن التعبير عنها الا في عدد من القصائد التي تعطي للموضوع اهميته , وقد حاول الشاعر درويش ان تكون له حياة سويه اسوة بزملائه واصدقائه ومجايليه , وان يكون له بيت وأسرة , وكانت له محاولات جاده في تأسيس مشروعه  ولكن دون جدوى لأن الحاله الماديه او ما يمكن ان يساعده على تحقيق مايصبو اليه غير متوفر, لا في الفترة التي كان فيها عسكريا او تلك التي انغمس فيها في العمل الصحفي  وكلا العملين لا يدران من المال على المنتسب ما يعينه على متطلبات الحياة اليوميه التي تأخذ بالتطور الحثيث بحيث لا يمكن لمتوسطي الحال اللحاق بها في عراقنا الحالي , لذا كنا نراه عن كثب كيف يقاتل ويصارع خطوب حياته والاخيرة تشيح عنه في بعض الاحيان وتعيد النظر معه في احيان اخرى , والمرات التي يكون الفقر او العوز فيها واضحا عليه ليست قليله في حياته وعلى امتدادها وكان عليه ان يساعد عائله كبيره تكفلها مع اخيه الكبير على ما ذكر لي في احد لقاءاتي المتكرره معه..
اعرف جيدا حجم المكابدات التي تتولد فينا تلقائيا , حين ننوي الكتابة عن احبابنا الذين ضاعوا منا فجأة او دون توقع صريح بنهاياتهم الفاجعة , لم يكن الصديق  الشاعر محمد درويش علي , يشكو مرضا معينا طيلة معرفتي  به , عام 1994في سوق شارع المتنبي ايام تعاملي مضطرا في بيع وشراء الكتب , وشكواه من تردي حالته الصحيه , جاءت في ايامه الاخيرة وعدم عناية احد به حيث ظل وحيدا بلا زوجة ترعاه او صديق يسنده ويؤازره ضد المرض الذي استفحل عليه في ايامه المتبقيه ( باستثناء صديقه  الشاعر محمود نمر الذي لا يقل خيبة عن صاحبه من الوسط الادبي الذي لم يدرس قصائد نمر دراسة جادة حتى الان ) وهو يقاوم يقينه في اقترابه من النهاية المحتومه , لقد ودعنا مأسوفا عليه من قبل احبته واصدقائه الخلص , وذلك في تاريخ 6/ 6/ 2010  ولم يترك سوى ثلاث مجموعات شعريه  ( قلق الراحه وحياد المرايا والاقاصي وهناك مجموعه اخيره تسلمتها احدى الاتحادات الادبيه ولم تنشر رغم الوعود الكثيرة حتى الان ) ونصف دزينه من الاصدقاء الذين احبوه دون قصد مبيت اوغيره فقد كانت خصال الشاعر تحميه من الانقياد الى النزوات التي قد تأتي على حساب الشعر او الاصدقاء الذين ظل يطري على قصصهم وقصائدهم بدافع من حبه للمعرفه المجردة والطريف المحير في امر هذا الشاعر الذي اصرعلى الانحياز الكلي لقصيدة النثر , ان اغلب ما يقتنيه من كتب ثمينه ونادره , كنت اجده –هو –يحاول اعارتها للاخرين لكي يقرأوها بعد قراءته لها ,  كنت لا اكف من البحث عن اسباب هذا الدافع لسخاء ممكن حدوثه في اي مجال الا مجال اعارة الكتب الثمينه , كان يضحك ضحكته الدافئه التي تظل ترن في آذاننا بخفوت ملموس ومعلن بل وتشير هذه الضحكة الخافته الى سخاء الروح ومقدرة هذا الشاعر على العطاء . انني هنا لست بصدد الرثاء او التذكير –وقد يكون الاخير ممكنا –الا انني اردت تناول حياة احد الشعراء المثقفين ثقافة تتسم بالحداثة والكثير من المرونة والانفتاح على الاخر الذي يعنينا من حيث هودافع من دوافع وجودنا الضروري له ايضا , لذلك اجد محاولتي هنا هي مزيج شديد التماسك من حيث العناصر البنائية التي قد لاتدخل في البنيه الشعريه لقصائده , وقد تكون الدراسه النادرة المثال التي قدمها لنا ستيفان زفايج عن دستويفسكي وتولستوي وهولدرن وكذلك بلزاك خير نموذج يؤخذ به , كذلك ينبغي التذكير هنا بتلك الدراسه الحياتيه, التي قدمها لنا جان بول سارتر عن الشاعر الفرنسي الشهير شارل بودلير خير دليل عمل لنا في اطار معالجة عدد كبير من ظواهر ثقافتنا المعاصرة , فقد مزج سارتر في دراسته لبودلير بين مفهومه للحرية ودعوته المعروفة للالتزام الوجودي للكاتب لقضايا عصره  رغم انه استثنى الشاعر من هذا الشرط وفرق بين الشاعر والسارد او ما كان يسمى في ذلك الوقت –المقصود هنا هو الزمن الستيني للقرن العشرين حيث نشأ الجيل الستيني في فرنسا على الفلسفه الوجوديه وفلسفة سارتر والبير كامو تحديدا —  ورغم ان سارتر فرق تماما بين الشاعر وبين الناثر اي السارد بلغة حقبتنا هذه الا انه كتب احد اجمل كتبه عن بودليرالذي كان احد العنوانات البارزه  في الشعر الفرنسي , لذا لم نجد ثمة حراجة في قراءة الحياة القصيرة المؤلمه للشاعر محمد درويش علي على ضوء ما قدمه سارتر في قراءته تلك ,  ربما الحراجة والمكابدة تترسخان في الوجدان  المعذب الذي يحاول القفز على كل العواطف والحنين الى ايام معينه عشناها معا , لايمكن للذاكره الحية ان تنساها او تهملها فهي ايام ترسخت في الروح , كان محمد مركز الثقل فيها والمحرض الديناميكي على تجسيد معانيها , ولقد عشت معه , ايام التسعينيات من القرن العشرين في فسحة كبيرة من تلقائية التصرف وارض شاسعه كنا نتحرك فيها , انا وهو واخونا النجيب : عباس لطيف .. ارض الطفولة التي صاغتها لنا عفوية محمد وحبه الصادق الصافي تجاه اصدقائه أولا وتجاه ما توفره لنا الحياة من فرص التكيف معها وكان صراعنا , نحن الثلاثة قاسيا مع ظرف حياتنا العابث, بل يكاد يكون طفوليا تجاه ما يعانيه كل واحد منا على انفراد او مجتمعين معا ( يالاصرارنا العجيب على ادامة ذلك النسغ من البراءة وحب الكتابة والشعر والفن , كنا نحن الثلاثة – انا وهو وعباس لطيف –مدركين ما نحن نرنو اليه من محبة الفن والمعرفة والادب ) في تلك الايام غير البريئة التي حفرت في روح شاعرنا , ذلك الانكسار تجاه الاشياء في ايامه الاخيرة , وكان الشعر مأواه وملجأه الوحيد , وكنت دائما افكر فيه حين نفترق نحن الثلاثة , كل في طريقه ماض , ولا يلتفت الى شيء , افكر في وحدته القاتله وعزلته التي اختارها دون انيس وكنت افكر ان كانت تلك الوحده المختاره من قبله بوعي وأصرار احدى دوافع انشغاله بالشعر وأتخاذه قضية مصيريه وذلك للأيمان الكبير الذي يحمله تجاه الشعر وتجاه المرأه ايضا بأعتبارها الجانب الخصب من الحياة المنتظره التي يريد بأدراك ان يصنعها .. ترى هل كانت عزلته غير المنكفئه باعثا على تنامي وعيه المطرد باتجاه  الحياة التي يسمها العلم والتقدم بميسمه .
دائما كنا بحاجة له ولم يكن بحاجة لاحد , حتى خيل الي ان لديه من الاكتفاء الذاتي ما يكفيه لسنين , ان ما لدى محمد درويش علي من البراءة والصدق مع نفسه ومع الاخرين ما يجعله يتغذى على خزين من المحبة للاخر واحترام عالمه واشيائه ولم يكن ليتشغله تلك النعرات الطائفيه والقومية الضيقه او النزعات الفرديه او الفئويه  , وحتى حين ينتابه الغضب من احد اصدقائه , فأن غضبه منا او من ذلك الصديق لا يستمر في حياته اليوميه سوى ساعة واحدة , ثم ما يلبث ان يحيل الموضوع برمته الى درجة الصفر , ويخيل الي ان فراره من العيش مع اسرته , اعني اختياره للعزلة عن امه وابيه وبقية اخوته كان الدافع الحقيقي لهذا الانفصال عن الاسرة الكبيرة , جمله من الاعتبارات لعل من ابرزها هو ميله للفوز بأكبر قدر من وقته للشعر الذي اعتبره في احدى المرات بمثابة لقيا نادره ينبغي الحفاظ عليها والامر الاخر هو ممارسته لحياته اليوميه كيفما يشاء وكانت طاقته التعبيريه الجياشه التي كانت تتجسد في سلوكه اليومي , رغم حيائه الملموس تفرض عليه نوعا من الانفلات الكيفي  .. روحه الوثابة دائما كانت تطرق ابواب المحبة والخير لأحبته الذين قد يفتديهم في لحظة نعرفها جيدا, فقد كان معنيا بصداقات تدوم طويلا , وهذا ما استطاعه بجدارة كان من الممكن ان يحسد عليها , لو امهله القدر بضع سنين اخر ومن الغريب ان يجد تطابقه الروحي والعقلي في الصحافة اليوميه ومع مجمل العمل الصحفي الذي كان يجد نفسه فيه تماما , ولقد كان لمعرفته بالشاعرعبدالزهره زكي فرصة مثلى لتجسيد معرفته  بحرفيات عمله هذا التي راحت  تزداد يوما بعد يوم, وهي معرفه خضعت لأصراره هو وما اتسمت به ارادته  من عناد على التعلم , والشاعر عبد الزهره زكي هو الذي التزمه عمليا وجعله يرتبط في اول الامر بجريدة المدى لسنوات عديده , وكنا نلاحظ ذلك التطور النامي باطراد , حتى اصبح مسؤولا لأ كثر من صفحة في الجريدة , كان شعره يعكس تلك الروحيه الناضجه  التي امتاز بها , كأن القصيده لديه تعبير يومي عن حاجته الى السلام وراحة البال , وبتعبيراخر , كانت قصائده ترفض ان تكون دافعا لخلق قطيعه مع الاخرين .. لقد فاجأني في الايام الاولى من السقوط المروع للبلد بزيارته لي , شاهدته من بعيد متجها نحو بيتي الذي يبعد عن بيته عشرات الكيلو مترات , ترى كيف اتيت يامحمد من الرصافة الى اطراف ألكرخ ؟ قال لي وهو يدخل البيت باريحيته وحيائه العالي  النقي :
— مررت على عبد الرحمن طهمازي وفكرت بتفقدك ..!
ضحكت حقا لصراحته أذ لم يقل زيارتك انما يتفقدني انا صديقه الذي اكبره بحفنة من السنين , جاء الشاعر يتفقدني في الايام الاولى للتغيير , كان ذلك في –17 /4 / 2003—  وقد انطلقنا معا في رحلة اسميناها –الذهاب الى اقصى الخراب – نتفقد فيها ما تهدم من بغداد وما اجهز عليه الغوغاء بالحرائق والسلب والنهب وكان ما نمر به من خرائب يثير في داخله لغطا لا اعرف فحواه اذ رأيته يتكلم مع نفسه همسا وسمات العجب مما يرى بادية عليه  ..
في عام 1994 ايام كنت ابيع واشتري الكتب في سوق شارع المتنبي ,تعرفت على صاحب المجموعة الشعرية ( قلق الراحه ) دعونا نتأمل العنوان , اية راحة كان محمد قد فاز بها ؟ هل لكم ان تتذكروا تلك الايام التي عنونها القلق بسماته ؟ وحتى لو قدر له الفوز بايام محدوده من راحة البال  ولكن اي قلق ينتابه تجاه نفاذها ونهايتها ؟  لا احد يصدق اني وانا اكتب عنه هذه السطور جعلت صورته المنشوره في احدى المجلات العراقيه , قبالتي وانا اكتب عنه كأني التمس منه الغفران لاني لم اصدق انه ضاع من بين ايدينا , نحن الذين نحبه دون مواربه .. اكتب عنه وصورته في المجلة وخبر رحيله عنا , حيث اصرت معظم الاخبار على ذكرتلك العبارة التي تبدو وحدها كافيه لااثارة سخطنا ,ضد جمهرة السياسسين والرسميين , حيث تقول العبارة :- (( وكان الاتحاد العام للادباء والكتاب  في العراق قد ناشد الحكومة العراقيه ان تقدم ما بوسعها لانقاذ حياته باعتباره صحفيا وشاعرا عراقيا , قدم افضل ما لديه لخدمة الصحافة والادب العراقيين  ))لاحظوا معي الاصرار العجيب على كلمة العراقي والعراقيه , كأن ملتمسي دعوة الحكومه قبل رحيله الفاجع لانقاذ حياته, كانوا يأملون  تحريضها بدافع من عراقية محمد درويش علي ومن خلال ما قدمه في حياته القصيرة التي توارت  بصورة عجيبة ,.  تعالوا نقرأ له قصيدة :– اكاد لا اصدق — وهي من قصائده المتأخره نسبيا وكيف استطاع النفاذ الى عمق مأساته بحدس الفنان وادراكه لنهايته التراجيديه :
(( كل شيء يمر بسرعة
اكاد لا أصدق
الاصدقاء
الاعمار
الذاكرة
الشوارع
النساء
يمرون من بين ايدينا
يتناسلون في ازمنة جديدة
ويتركون لنا السؤال
اكاد لا اصدق
امد يدي باحثا عماذا
اذا مروا
غابوا
وفي اماكن جديدة يتنازعون
على ميراث لا ناقة لهم فيه او جمل
على اشلاءلغرباء متجهمين
ربما انا الذي مررت بهم سريعا
اكاد لا اصدق   ))

كتبت هذه الصفحات عن الشاعر محمد درويش علي , في مرحلتين الفارق الزمني بينهما قرابة السنتين , كان اولهما بعد رحيله بعشرة ايام في 6/6/ 2011 والثانيه جاءت في 3/ 8 / 2013  وانا هنا ادرك ثمة مجال للدخول على صفحات اخرى من طفولة شاعر اقل ما يمكن ان نقول في وصفها انها طفوله مفقوده , وان الكثير من الشعراء والكتاب والمبدعين المنسيون الذين تركوا دنيانا هذه والحسرة تأكل فلوبهم للأهمال الذي لاقوه في حياتهم , فلا الاصدقاء قاموا بواجبهم تجاه ما يفرضه وعينا بواجبنا تجاه مبدعينا  , ولا الدوله على مر الحقب والسنوات وتعدد العهود استطاعت ان تسعف حالهم وتؤازرهم وتشد من عضدهم عندما كانوا احياء يرزقون ليس لهم سوى الأمل في ان الحال لابد ان يتغير وان الدنيا حتما ستلتفت لمعاناتهم ولكن لا سمع لمن تنادي , بعدها نراهم يكظمون الغيض منا والصمت يلفهم , ونحن الذين ندرك في ألأخير عمق المأساة , نظل نتحسر على ساعة من تلك الساعات التي عاشوها معنا , لكي نقدم لهم حقيقة اخلاصنا ومحبتنا , اليست حياة الروائي غازي العبادي جديرة بالكتابة عنها بحيث تقدم الى القراء من الاجيال الجديدة بصيغة تنسجم ومتطلبات التعرف على روائي وكاتب , نشأ في  ميسان/ قضاء العزير وشق طريقه بعناد وسافر الى موسكو وعاد منها  بشهادة عليا ؟, وبنى له مكانة بين كتاب القصة في العراق , اليست حياة القاص فهد الاسدي ومعاناته مع المرض لسنين , اليست جديرة بكتابة سيره لهذه الحياة التي بدأت في الكبايش , حيث ولد فهد هناك حتى اذا قيض له ان يستمر في دراسته , حصل على شهادة جامعيه في الحقوق ومارس المحاماة,وانتهت حياته في قلب العاصمه بغداد .. وقد خاطبته بعدد من الكلمات ساعة رحيله الى مثواه في مبنى اتحاد الادباء اذ شيعناه من هناك  : لا بد وان لديك الكثير من القصص والروايات التي لم يمهلك الرحيل من روايتها لنا , ولكن من سيروي قصتك انت ياصديقي ؟ وبعد هؤلاء ترتسم عشرات الوجوه الجديرة بالكتابة عنها ,ابتداء من الشاعر البريكان الى القاص نزار عباس ورشدي العامل وغيرهم , لذا اجد ان القائمه ستطول  , لأن ما نتذكره من مبدعين غادرونا وهم يشعرون بالغبن لسنين طويله كثيرون

احمد خلف        

25/8 / 2013

شاهد أيضاً

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

عبد الرضا حمد جاسم: الراحل علي الوردي في ميزان: انتفاضة الحي

اعود في هذه والتاليات للبحث في طروحات الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر ونحن …

د. رمضان مهلهل سدخان: كوفيد-19 أم كوفيد 91؟!

منذ أن اجتاح فايروس كورونا أو ما يعرف بـ كوفيد-19 العالم، تواترت وتضاربت الأنباء والتقارير …

2 تعليقان

  1. فرحان اسد

    مقالة أقل ماتوصف بانها صادقة عن شخص عزيز وهو محمد درويش علي لست من عالمكم الثقافي الجميل ولكني من عالم الفقيد الدرويش بحكم قرابتي له واكثر من ذلك تأثري به كمثل أعلى طفولتي كانت بعد تجاوزه طفولته قد تسائلت عن طفولته المفقودة أذكر تلك الفترة كان وسيما كان متكلما ذات شعور عالي بالمسؤولية تجاه الجميع انا ضمن ذلك الجميع هو من اصطحبني لدرسي الأول وتكفل بدراستي واقناع اهلي بذلك كان يد يد العون للجميع كأنه شيخ أصيل الكل عشيرته كنا ننظر اليه بوقارواحترام شديد أنا وأخوته وجيرانه وكبار السن من الأهل وكل من يلتقيه حتى ولو للمرة الأولى كان شجاعا وان لم يحمل السيف له هيبة رغم حداثة سنه طيب القلب ذو حياء واحيانا أسد يفرض نفسه ضد أي باطل مهما كان حجمه أو شكله كبريائه لم يساوم عليه منذ طفولته وشبابه الأول الجميل مساعدا لوسطكم الثقافي ولأسماء كثيره وكبيره لم يتكلم عنها من كده اليومي كصاحب مقهى أو سائق اجرة أو كثير أو بيع مكتباته أو كثير من أعمال شريفة عملها وجعل منها قصص وحكاوي كان يمعنا به أخي صاحب المقال محمد درويش مات قبل الأوان لن يكفي صفحات وصفحات للحديث عن في مايخصني أنا شخصيا وربما حتي في أيامه الأخيرة وأنا على فراش معاناتي من أصابة أرهاب ويشملني بعطفه ومساعته وحتى أعطائي غرفته في منزل العائلة بعد أن أخذ مصاريف علجي كل ما أملك لا أطيل كان نبيلا كان شامخا كشر الموت له عن أنيابه أعرف أنه لم يهزمه لأنه سخر من كالعادة كما سخر بنفس الأبتسامة من كل من أرادوا لهذه الذاكرة أن تموت أن أردت طفولته فهي شبابه هي قصيدته هي صبيايا باب الشيخ وعذرا

  2. احمد خلف

    اخي فرحان اسد ..
    اشكرك جدا على تعليقك هذا واعتبر انيي قمت بواجبي تجاه صديقي الشاعر الراحل محمد درويش علي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *