خالد خضير الصالحي: الرسام محمود صبري.. واقعيـــة الكـم Quantum Realism بين صرامة المخططات الأولية وشيئية اللوحة

قداسة الصلة مع المتلقي

khaled_khdaierحين اتجه الرسام العراقي الراحل شاكر حسن آل سعيد متجها (ارتداديا) من وجهة نظر قيم الشكل في لوحته بدا وكانه تخاى عن (المشخصات)، ومن ثم عن قيم جماعة بغداد للفن الحديث، الا انه ترك الباب مواربا لإدامة الصلة مع المتلقي،ومع قيم جماعة بغداد من خلال التنظير الذي استند إلى معطيات مستمدة من الصوفية بصفتها جزءا من التراث، وما يخص على وجه التحديد رؤيتها  حول النقطة باعتبارها “أزل كل شيء” كما يقول الحلاج، مازجا معها معطيات مستمدة من النقطة في الخط العربي، والهندسة العربية حينما غدت النقطة ، من خلال ترحيل المفاهيم التي مارسها آل سعيد، غدت أزل الأبعاد (الدايمنشن)؛ وصار الخط عندها العنصر البنائي للبعد الواحد، الذي تم تعزيزه بعد سنوات من خلال دراسة الأنظمة الرياضية الصارمة للاوفاق فتم تأسيس المرتكز الأقوى للصلة مع المتلقي الذي تشبع بقيم جماعة بغداد وطروحاتها.

بينما كان ما حاولته الأكاديمية والرسامة والناقدة العراقية هناء مال الله، في بحثها الموسوم (النظم المنطقية في الفن) الذي نالت به شهادة الدكتوراه في فلسفة الفنون التشكيلة (الرسم)، هو انها انطلقت من “افتراض وجود بنى منطقية تتخلل المستويات الصياغية في الرسم” وذلك من خلال “اختيار المنطق Logic الذي ينتمي إلى مجموعة العلوم البرهانية.. ذات النسق الاستنباطي كأداة للتحليل” أي كبديل للغة النقدية والأدبية، حيث تعتقد الباحثة “إن اللغة النقدية، والأدبية، لم تمارس التحليل في قيم الصياغات البَصَرية، والرمزية للرسم، إلا بالحد الأدنى من الدقة، والوضوح بحكم طبيعتها ذات السمة التأويلية والإيحائية “.

وفي بحثها لجذر الكتابة فهي تعتقد ان مفتاح (اللغة) الكتابية نبع من اتخاذها نماذج من الألف الخامس قبل الميلاد إلى الألف الثاني قبل الميلاد أدت إلى “بوادر استقلال عن الكتابة، بعد أن ساهمت الأشكال المرسومة في اشتقاق نمط من الكتابة التالية لها، وبذلك شكلت تلك النماذج (المدخل الاشتقاقي بين الرسم والكتابة)” وهو ما قال به آل سعيد: “بأن الرسوم الأولى على فخاريات طور سامراء ليست سوى أسلوب لغوي لسرد الواقعة ولكن  قبل ظهور الكتابة نفسها، وقبل ظهور العصر الشبيه بالكتابي” (البحث في جوهرة  التفاني ، ط1،ص53 الشارقة  ، 2003)، وأيضاً يقول آل سعيد في المصدر ذاته ص155: “في حدود الألف الثالث ق.م ظهرت سلسلة من الرسوم على الفخاريات تضمنت على نظام تدويني (تصويري) ما قبل  لغوي كان من أهم عناصره الشكل الهندسي (الواسطة – التدوينة) الذي ابتدأ من (نظام التربيع) واعني بذلك ما حفلت به فخاريات سامراء من رسوم”، فتفترض هناء مال الله وجود “حدّ من التجريد في النظام الشكلي القائم على التشخيص.. وحدّ من التشخيص في النظام الشكلي القائم على التجريد، وضرورة إحالة هذا النظام إلى مرجع ما، وانفتاح هذه الإحالة في النظامين إلى تعيين حدهما الرمزي الذي يمهد للوصول إلى مفاصل منطقية في الرسم”، وإن مفهوم التشخيص figurative art والتجريد هي في درجة (محاكاة أو استحضار واقعية المظهر الخارجي)، وهو ما يفترضه كذلك ال سعيد فيعتبره “(بناء تركيبياً) يتسق فيه أن يحتوي على التشخيص figuration والتجريد اللاتشخيص non-figuration في آن واحد” (آل سعيد ،المصدر السابق، ص55).

لقد اتخذت هناء مال الله الأواني الفخارية نموذجاً في صياغة فرضياتها: فيعود أول نماذجها الفخارية إلى تل حسونة/ سامراء (العراق) 5600ق.م، وهو نموذج قائم على قيمة التربيع داخل الدائرة، مبتدئة من الصليب المعقوف الذي تفترض له قيمة اشتقاقية من المربع، والذي يشترك في تركيبة بلّورية مع أربع أسماك مفترسة، وثمانٍ أخرى تدور في حاشية الإناء، وهو تدور باتجاه عكس عقرب الساعة مشكلة حركة دائرية مع الصليب المركزي المعقوف، ويتوسع شاكر حسين آل سعيد في افتراضاته فيعيد نشأة الاوفاق بالارتباط مع الشكل الهندسي لفخاريات سامراء وهو شكل الصليب المعقوف فيؤكد “ان أقدم الشواهد على ظهور نظام الاوفاق يمثله لنا ذلك الشكل الهندسي الذي يلاحظ  ظهوره على فخاريات دور سامراء في عصر ما قبل السلالات وهو شكل (الصليب المعقوف) وهو نفسه الشكل الذي يقترن اليوم بزخارف الخط الكوفي المربع… ان الشكل المذكور يرد أيضاً في صحون فخارية تعود إلى دور سامراء أهمها صحنان: الأول يمثل رقصة ترقصها أربع نساء وهن يتأرجحن بشعورهن الطويلة التي تؤلف شكل الصليب المعقوف، والثاني يمثل أربعة طيور نشرت أجنحتها، وقد امسك كل منها بسمكة بواسطة منقاره… أن رسوم وزخارف فخاريات سامراء جميعاً يمكن اعتبارها الأشكال الأولى البعيدة للاوفاق لاسيما وان تأليف أي وفق يعتمد على رسم الجدول بشكل (المربع) ونحن نعلم أن ظهور التربيع واستخدام العلاقة بين مركز المربع ومحيطة يعتبر من اكتشافات الإنسان الرافديني بحدود 5000  ق.م” (آل سعيد ،المصدر نفسه،ص171).

وهو ما فعله الرسام محمود صبري فقد كان تحوله إلى التجريد تحولا (كارثيا)من وجهة نظر المتحققات الشكلية لجماعة بغداد للفن الحديث على اللوحة، إلا انه كان يقدس قيمة الصلة مع المتلقين لذا ترك الباب مواربا، هو الآخر، للعودة إلى القيم السائدة في سوق المتلقين ونعني به الواقع والواقعية والعلاقة بالطبيعة، لذلك، فهو لم يطرح نفسه إلا باعتباره مجددا للواقعية ليس إلا، وهو ما فعله الرسام التكعيبي الفرنسي فرنان ليجيه حينما أبقى أقوى الصلات بين مشخصات الواقع وبين التكعيبية، على عكس بيكاسو وبراك، واعتبر نفسه واقعي أو بدائي العصر القادم فتحققت نبوءته حينما غدا الآن واحدا من بدائيي الرسم الحديث، فإن صلة محمود صبري بالواقعية، وبقيم التعبير الاجتماعي، كما هي صلة آل سعيد بتلك القيم التي تنتمي إلى الواقعية، والتي كان محمود صبري واحدا من ابرز رساميها، إن صلته بهذه القيم انتقلت من المنجز المتحقق إلى النص المكتوب، وبذلك تم تأسيس نظام سابق على وجود اللوحة: منطقي عند هناء مال الله، ووفقي عند آل سعيد، وشكلي عند محمد مهر الدين وهاشم حنون، وعلمي عند محمود صبري، وهي أنظمة يسبق وجودها وجود اللوحة وترتكز عليه.

لوحة “أسى” للفنان الراحل محمود صبري

الا ان واقعية الكم، من وجهة نظر محمود صبري ذاته، “تقدم اطارا يختلف عن محاكاة الطبيعة او رفض محاكاتها – من وجهة النظر التقليدية –  فمفهومها الجديد يمكن تلخيصه بان: الفن هو محاكاة الطبيعة ولكن ينبغي تحديد معنى (محاكاة الطبيعة)، إنها ليست كمية ساكنة ثابتة، بل متغيرة، متطورة على الدوام، انها محددة بمستوى معرفة الانسان… وان واقعية الكم: اولا، تتفق مع (الواقعية التقليدية) في ان الفن (محاكاة) لاشكال الطبيعة غير انها تختلف عنها في انها تنقل (محاكاة الطبيعة) من مستوى المظهر الى مستوى الجوهر، الى عمليات الطاقة، وثانيا، رفضها مظهر الطبيعة في الفن، غير انها لا تتفق معها في تعميم هذا الرفض بشكل مطلق ليتناول كامل الطبيعة، أي بما في ذلك جوهرها العميق… أي ان ابعاد الاختلاف الجوهري بين واقعية الكم والمدارس الفنية الاخرى هي في العلاقة مع الطبيعة، ففي واقعية الكم… تغلغل الانسان الى عمق جديد، جوهري، من المادة، وبالتالي لمستوى جديد (خلاق) مع التعامل مع الطبيعة كعمليات من الطاقة”، هذا ما يخص العلاقة بين واقعية الكم ومحاكاة الطبيعة، اما ما يخص ما يخص سوسيولوجيا الفن فان “الفن التشكيلي يخلق صورا تستهدف (كوظيفة تطبيقية اجتماعية) تغيير المجتمع عبر تغيير الوعي الانساني”

لوحة موت طفل للفنان محمود صبري

اعتراضات

لقد اعترض الدكتور عدنان الظاهر، المتخصص بالفيزياء، على المعطيات العلمية والرياضية في واقعية الكم الا انه اشاد بطرافتها “كنت شديد الدفاع عن نظرية الكم، رغم ما فيها من ثغرات علمية، نظرا لطرافتها ولكونها طريقا جديدا في الرسم غير مسبوق”

، بينما كان إطراء الرسام ساطع هاشم نابعا من قبوله لدرجة مقبولة من (الأخطاء) في تطبيقات علوم تدخل في عالم الرسم مستندا في ذلك على عالم التشريح حينما يتم وضعه في التطبيق على اللوحة باعتباره إن بعض حقائقه خارج الموضوع، فبينما كان محمود صبري يحاول وضع قواعد صارمة تماثل علامات اللغة ولكنها هنا ليست اعتباطية بل صارمة يقترح ساطع هاشم قبول درجة من (الأخطاء) كحد مقبول، فهو يقول “ان الفنان غير معني بمعرفة اين تقع الاوعية الدموية فهذه امور من اختصاص الاطباء. ان واقعية الكم مثل كتاب التشريح للفنانين، فهل نريد من واقعية الكم ان تتحول الى ما يشبه كتاب في التشريح وهذا مستحيل”، ويبدو هذا المنطق مناقضا للروح التي بنيت عليها واقعية الكم حيث صرامة العلم التي يثق بها محمود صبري ثقة مطلقة، رغم انها أنتجت ، كما يؤكد باشلار في كتابه (تكوين العقل العلمي) مزيدا من الخرافات التي الصقها العلم بفهمنا للحياة والتي كانت من الضخامة حتى أنها شكلت (عقبات ابستمولوجية) أعاقت تقدم العلم والحياة معا.

يؤكد فيصل لعيبي “كانت مشكلة واقعية الكم هي انها تناست المشاعر والاحاسيس البشرية وكذلك الرؤى والافكار التي لا يمكن ترجمتها على اساس ذري مادي خالص، اين الحزن والفرح والحب والحقد، اين موقف الفنان من الظلم والاستبداد”.

يقول صادق الصائغ “قد نختلف في تقييم واقعية الكم ولكن لا نختلف اطلاقا في انها محاولة صبة جدا ومعقدة جدا، الا انها تشير الى استمرارية تفاعل محمود صبري المؤثر”

“يعثر الانسان، في رسوم محمود صبري، على نفسه كانسان زمننا الراهن، زمن بداية الطريق نحو العصر النووي”

مؤرخ الفن الجيكوسلوفاكي

د. رودولف خدربا

العلاقة بين الفن والعلم

علاقة العلم بالدين هي علاقة طرفي مثنوية طرفاها الثبوت والتغير، الدين بقيمه الأزلية المفترضة والعلم بذاته المتغيرة والتي تحتاج ترميما في كل لحظة كما يقول باشلار، واجد لذلك صدى بنمط العلاقة بين الفن والعلم، الفن بقيمه غير الخاضعة لأي منطق قادر على الإمساك بها وبين العلم الذي يحاول أن يقنون كل شيء، فما هو مصير اللوحة في حال ارتداد العلم عن إحدى حقائقه.

ننتهي إلى السؤال الجوهري الذي أردت أن اطرحه أكثر مما أجيب عليه: ما هي واقعية الكم؟ هل هي المدونة التي كتبها محمود صبري والمدونات التي شكلت هوامش لها، أم هي المنجز المتحقق في لوحات محمود صبري. وبذلك يثور تساؤل: هل أن القيم الفنية أو البصري كامنة في الأنظمة الرياضية الصارمة، أي في (المخططات الأولية) أم في المتحقق الشكلي الذي هو شيئية اللوحة وجوهرها

مهما يكن شكل جوابنا فنحن نعتقد أن الانشغال بالمدونات قد افسد متعة كان يمكن أن تتحقق لو أننا تلقينا إعمال محمود صبري باعتبارها نمطا من الرسم التجريدي الهندسي أو الفن البصري.

“ان العناصر التشكيلية التي تستخدمها واقعية الكم مستمدة من عمليات الطاقة، ولكن هذه الاشكال والتراكيب والالوان تبدو وكانها تجريدية”

شاهد أيضاً

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

عصام الياسري: الخيال والإبداع يقاوم الإكليل.. ومهرجان غينت السينمائي الدولي شكل فني غامر

لا يوجد استقبال افتتاحي تقليدي، ولكن يوجد وقبل كل شيء الكثير من الترفيه السينمائي. هكذا …

فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *