محمود سعيد : إحدى رواياتي عُدّت من أفضل سبعين رواية في العالم
لا وجود لإمرأة معينة في حياتي وأعمالي

mahmood saeed 4# حاوره : ناطق خلوصي

لكي نتعرف على محمود سعيد  ينبغي أن نتطرق إلى مجمل سيرته وأعماله وهذا ما حاولنا تحقيقه في هذا الحوار
( تعرّفت عليك ساردا ً من خلال روايتك ” زنقة بن بركة “ثم تابعت قراءة أعمالك التي صدرت بعد هذه الرواية . ثمت من يدّعي ان ” الزنقة ” كانت ذروة ما كتبت وان ما جاء بعدها انما هو تنويع على ايقاعها . فماذا تقول للرد على هذا الادعاء؟
ــ لا مجال لنقاش من يدعي ذلك . القضية قضية ذائقة ، والذائقة شخصية كبصمات الأصابع، فهناك من يعتبر  “بنات يعقوب ” أهم ما كتبت ، وهم كثر، وهناك ناقدان قرءأ :” فوهة في الفضاء ” واعتبراها أفضل ما كتبت ،وفي رسالة لأحدهما انها أعظم ما كتب في العراق . أما بالنسبة للقارىء الغربي فيعتبر ” أنا الذي رأى ” التي ترجمت باسم “Saddam City  ” ليس أفضل رواياتي بل هي أفضل رواية عراقية بحيث اختارها موقع Library Thing ” “واحدة من أفضل سبعين رواية في العالم ، وأعطاها 4 نجوم ووضعها في مستوى روايات غارسيا ماركيز ويوسا  وأورهان ياموق وساماراكو ، وعندما كتبت عني مجلة ” The New yorker “قارنتني بماركيز وكافكا ، وهناك بروفيسورة درّست وتدرّس إلى حد الآن ” الدنيا في أعين الملائكة ”  وتعتبرها أفضل ما كتبت ، وقد قرأت ” زنقة بن بركة ” المترجمة ” Ben Baraka Lane” ” وهكذا ترى ان الموضوع محط اختلاف  تماما ً، أما بالنسبة لي فاعتبر ” فوهة في الفضاء ” أفضل ما كتبت ُالى حد الآن . وأنا متألم لتصرف الناشر ، فقد حاربها ، ولم يرسلها لمسابقة البوكر .
هذا هو الشق الأول من السؤال ، أما الشق الثاني كون رواياتي اللاحقة لزنقة بن بركة تجري على ايقاهها فهذا ما لا أتفق به مع من يقول ذلك . عندي ثلاث روايات مترجمة  فقط والنقاد الأجانب يشيرون إلى تنوع موضوعاتي واختلافها . أنا لا أكتب في مجال معين أكثر من رواية . موضوع الزنقة يختلف اختلافا ً كبيرا ً عن” صيد البط البري ” ، وموضوع ثلاثية شيكاغو يختلف عن الأثنين ، وكل هذه الروايات تختلف عن ” فوهة في الفضاء “.
القليل من النقاد العراقيين قرؤوا معظم ما كتبت  ، وربما لا يوجد من قرأ كل أعمالي ، فمعظم رواياتي غريبة عليهم : الإيقاع والهاجس ( وموضوعها المضطهدون بعد 1963 ومنعتها الرقابة العراقية سنة 1968 ) 2ـ نهاية النهار ( حازت على جائزة القصة في مصر ) 3 ـ حافة التيه 4ـ أسدورا  4ـ زيطة وسعدان  6 ـ الموت الجميل 7 ـ قبل الحب بعد الحب  8 ـ الطعنة  9 ـ وادي الغزلان  10 ـ نطّة الضفدع 11ـ بنات يعقوب  12 ـ الشاحنة   13 ــ صيد البط البري

natiq khulusi ( يشعر من يقرأ الزنقة ويعرف جوانب من سيرتك الشخصية ان ملامح من شخصيتك تسللت إلى شخصية بطلها ( سي الشرقي ) أي أنك تقمصت هذه الشخصية أو هي التي تقمصتك . فهل تتفق مع هذا الرأي ؟
ــ أظن ان كل كاتب يضع في بعض رواياته شيئا ً من شخصيته ، عاداته ، تصرفاته الخ ، حتى لو لم يكن ينوي ذلك . بالنسبة لي ، لا أفكر في هذه النقطة مطلقا ً. أفكر في كيفية إقناع القارىء بأن ما جرى في الحادثة التي أصورها حقيقة حتى لو لم تخلق الحادثة . هذه النقطة تملكتني منذ أول جملة  كتبتها  والى الآن . في رسالة شخصية من الناقد فاضل ثامر لمّح إلى أني هو منصف الشخصية الأولى في ” صيد البط البري “، بالرغم من كون منصف في ثلاثينياته . فاضل ثامر صادق لأني تخيلت نفسي لو كنت في سنّه ورُميت في تلك الأحداث الساخنة  الملتهبة الخطرة في القوات التي غزت الكويت فكيف أتصرف ؟ أنت محق في ذلك . كُتب عن ” زنقة بن بركة  ” ثلاث وثلاثون مقالة ، وكنت أحب أن يتناولوا نقطة معينة ، ولكن لم يشر اليها أحد قط، وهي نقطة مهمة. ولحسن الحظ ، فقط قرأت الرواية بالانكليزية صديقة تدرّس الصحافة ، ثم دعتني إلى بيتها لنقاشها ، وطرحتها ، فأكبرتُ فيها  دقة ملاحظتها  . سألتني : لماذا رسمت شخصية سي الشرقي ضعيفا ً تجاه النساء ؟ قلت لها انها أول من يشير  إلى هذه النقطة . نعم تعمدت أن أجعله ضعيفا ً ولو كان قويا ً تجاه النساء لرفض أن ينصاع لرقيّة من اليوم الأول ولطردها من حياته ، فأمامه غير فتاة جميلة . ولو فعلت ذلك لما باتت رواية . ربما قصة قصيرة .

( كيف تيسر لك أن تكتب رواية مثل هذه عن بيئة مغايرة للبيئة التي كنت نشأت فيها وأنت لم تتعرف تماما ً على خصائص البيئة الجديدة هذه ؟
ــ لم يكن المغرب بيئة مغايرة للبيئة التي نشأت فيها مطلقا ً . قضيت في المغرب ثلاث سنين كانت كافية بكل ما للكلمة من معنى للتقولب ولكي أصبح مغربيا ً عادة ً ، كلاما ً ، تصرفا ً ، وما ساعد في ذلك:
1 ـ وجود مصادفة حسنة تمثلت بلقائي نخبة من أطيب الشباب المغاربة ، أصبحت واحدا ً منهم .
2 ـ كانت المحمدية صغيرة وذلك يعني انني استطعت هضمها واستطاعت هضمي وإعادة انتاجي  مرة أخرى كمغربي .
3 ـ الشعب المغربي بطبيعته شعب طيب متسامح كريم  رائع كشعب الإمارات العربية المتحدة ، ولأن المدينة صغيرة فقد شعرت بأني واحد من الشعب المغربي من دون تمييز أو استبعاد .
4 ـ أهدتني المصادفة شخصيتين رائعتين مثقفتين إلى أقصى حد ، كان بإمكانهما تحليل الحوادث التي مرت  بالمغرب منذ استعماره من قبل فرنسا حتى وجودي هناك ، وهذا مكنني من تقديم رواية اعتبرها موقع الرواية التاريخية ( Historic Novel ) في مقالته عنها باللغة الانكليزية انها رواية تاريخية ، وهو شيىء لم أكن أتوقعه .
ان مما حزّ في نفسي وآلمني جدا ً بعد صدور رواية ”  وليمة لأعشاب البحر ” التي صورت الشعب الجزائري معاديا ً للمشارقة ، يتربص بهم الفرص ، ويهم بالتخلص منهم ، وهو ما لا أستطيع أن أتخيله في المغرب وحتى في الجزائر لتشابه الشعبين الشقيقين .

 ( شعرت وأنا أقرأ ” ثلاثية شيكاغو ” ان ملامح أبطال الروايات الثلاث وأضيف اليها ” صيد البط البري ” ، تلتقي هي الأخرى بملامح من شخصيتك انت . هل كنت تضع محمود سعيد في ذهنك وأنت تكتب ؟ وهل شخصية  الشهم المنقذ التي تكرر حضورها في الروايات الأربع هي شخصيتك في الواقع ؟
ــ تجارب الناس تتقارب ، تختلف ، تتنوّع ، لكنها تبقى دائما ً تجارب انسانية ، ومن هنا تأتي عظمة الرواية ، وسحر القص ، وفتنة السرد وإغواؤه . ولأني كما ذكرت أعلاه ، أتخيل نفسي مكان شخصية الرواية الرئيسة ، فالقارىء يتخيل ان الشخصية الرئيسة هي أنا . حسنا ً لأذذكر لك شيئا ً . بعد نشر ” الضالان ” أرسل لي الأستاذ علي الشوك يطيب خاطري ، ويرجوني أن أتحمل الظروف ، ولم أجد داعيا ً لذلك فحالي مستقر ، ثم اتصل بي صديق من جامعة بوسطن يسألني أين أعيش ، ويدعوني للسكن عنده ، وكرّر مثل هذا شخص يعيش في ديترويت وبالحاح لأن عنده غرفتين زائدتين ، وأخذت أتساءل لماذا جاءت هذه الدعوات الفجائية ؟ ثم التقيت صديقا ً سوريا ً كان قرأ الرواية فقال لي : والله لولا أنني متأكد أنك تعيش في هذه الشقة لقلت انك تعيش في الغابة كما في الرواية . أما عن الشهامة ” المنقذ ” فتلك كلمة أطمح وأطمع منذ خلقت أن أكونها ، وأتمنى أن أفعل ما يجعلها لصيقة بي .

  (اقتربت في ” بنات يعقوب  ” من تاريخ العراق القديم وكتبت عن السبي البابلي فهل كتبت الرواية بتعاطف مع أو ضد ضحايا ذلك السبي ؟
ــ  قرأت في السبعينات عشرات الكتب التاريخية ، ودرست شخصية نبوخذنصر بالذات ، وكان عظيما ً بكل معنى الكلمة ، وانسانا ً رائعا ً ، ولم يُعط حقه من الدراسة  . وتأتي عظمته   من كونه أول ملك في التاريخ حتى ذلك الوقت . لم يقتل أسراه ، أما من يقول انه استبقاهم ليستخدمهم سخرة لإنجازاته فذلك تشنيع ووهم ، فاليد العاملة الرخيصة موجودة في كل مكان آنذاك . أراد نبوخذ نصر أن يوطن العبريين في العراق ويحضّرهم ليتغيروا ، إذ كانوا يعيشون على النهب  والسلب وإبادة الخصم . ومن يقرأ التوراة يرى ذلك واضحا ً ، فتعاليمها تقضي بقتل العدو رجاله ونساءه وأطفاله وحتى حيواناته . فولدت آنذاك فكرة الرواية ، وبدأت بوضع الخطوط العريضة سنة 1974 ومن عادتي أن لا أكمل الكتابة إن اعترضتنني عقبة ، بل أبدأ يرواية أخرى ، فإن صادفتني عقبة ، أتركها وأبدأ برواية ثالثة ، وكوّن هذا عندي خزينا ً دائما ً يحتاج لإكماله بين روايتين إلى أربع ، وهكذا ، وفي كل عودة إلى” بنات يعقوب ” أكتب ما تيسر ،  حتى كملت في حرب الخليج الثانية ، لكني أجلت تنقيحها حتى 2006 لترى النور بعد ذلك . وركزت على السبي لأنه مشكلة انسانية قبل أن تكون وطنية ، ولم يرد التعاطف أو الكراهية في ذهني قط فأنا أتعامل مع الناس كلهم المعاملة نفسها . مثلا ً ، احدى قصصي نُشرت في الثمانينات ( في مجلة لوتس ) وهي عن جندي ايراني جريح في مستشفى البصرة ، ويصر الجرّاح على اجراء العملية له بالرغم من ممانعة مسؤول الحزب .

  ( بدا  وصفك السردي في هذه الرواية وكأنك كنت تصور بعدسة كاميرا سينمائية . ما مدى تأثير السينما في تجربتك السردية ؟
ــ  لا أدري . تلك نقطة لم أفكر فيها مطلقا ً ، ولم أضعها نصب عيني قط  . ولكي أكون أقرب إلى الحقيقة أقول إننا كلنا متأثرون بالسينما ، فكلنا نحب أن نرى الأفلام ، والحب نوع من التأثر . وعندما كنت  أحاضر في جامعة دي بول ، اكتشفت حبي للسينما طالبة تخرجت ، فأخذت تدعوني إلى الأفلام العظيمة ، وهي قليلة طبعا ً . ربما في السنة فلم واحد . فأصبحت عادة لدينا أن نتبادل الدعوات . لكن لم  يخطر في بالي أن أقلدها مطلقا ً

(  كنت مباشرا ً وحادا ً في رواية ” الشاحنة ” حتى بدا كأن شاحنتك السردية كانت تسير بلا كوابح ( فرامل ) مما جعل النقد يحذر من الاقتراب منها ، ما الذي دفعك إلى أن تفعل ذلك ؟
ــ نعم ، هذا صحيح . التقيت هنا في شيكاغو اختين ساعدتُ احداهما بالتوسط لكي تعمل معلمة في مدرسة عربية . قُـتل أبوهما وأخوتهما الثلاثة ، وخرجتا من العراق إلى سوريا ، وهما لا تمتلكان سوى خمسين دينارا ً عراقيا ً . فقدتا كل شيء وكانت حياتهما مأساة كبرى . وعندما رأيتهما كانتا محبطتين جدا ً ، وخشيت أن تفقدا عقليهما إن لم أساعدهما . ثم ذهبتُ إلى سوريا . وهناك في سوريا رأيت ما لا يمكن أن ينسى ، من الأطفال المشردين ، العوائل المنكوبة ، النساء المعتدى عليهن الخ . كتبت ” الشاحنة ” تحت تلك الوطأة التي تمزق القلب. وعندما زرت العراق  في سنتي 2001 و  2012 تمنيت لو كنت أملك ولو كوخا ً صغيرا ً لأمكث وأكتب رواية أخرى أكثر واقعية من” الشاحنة “، ولكن ما في اليد حيلة .

 ( وظفت ذاكرة الطفولة  في روايتك ” الدنيا في أعين الملائكة ” . لماذا توقف توظيفك لهذه الذاكرة  عند رواية واحدة فقط ؟
ــ أنت على حق . كان يجب أن أستمر وبخاصة ان الرواية نجحت نجاحا ً جيدا ً . فقد كُتب عنها الكثير بالعربية، وكتب عنها طلاب الماستر في الجامعة باللغة الانكليزية أكثر من عشرين مقالة . وفي نيتي أن أكتب عن عائلة موصلية لكن قبل ذلك عليّ أن أنهي  رواياتي التي لم أكملها . ولعلك تفاجأ انها الرواية التي لم أفكر فيها قط وكان ذلك مفاجأة لي أنا بالذات . كنت ذهبت إلى المكسيك وعادتي حين أذهب إلى أي بلد أحب أن أراه عن كثب . أنزل في مدينة معينة  ثم آخذ الحافلة أو القطار إلى مدينة أخرى كي أرى الريف على حاله الطبيعي . وهذا حدث عندي في بريطانيا ، فرنسا ، ماليزيا ، بلجيكا ، السويد ، سوريا ، المغرب الخ . فنزلت في مدينة تيو انا ( على الحدود مع أمريكا ) وعزمت أن أقضي يوما ً في المدينة الصغيرة ثم أتابع إلى العاصمة ، لكني وجدت في تيوانا الموصل في الأربعينات والخمسينات : العادات ، الأسواق ، الازدحام ، عربات الطعام ، كأني في باب الطوب . فقط اللغة تختلف. فأخذت الذكريات تتالى . أحببت المدينة . قررت أن أبقى اسبوعا ً فيها . ولما كنت كثير النسيان ، فقد ذهبت إلى مقهى انترنيت ، وأخذت أكتب في بريدي الألكتروني صفحة صفحتين وارسل الرسالة وأكتب أخرى وهكذا . وعندما رجعت إلى شيكاغو جمعت ما كتبت .

(لا يجد القارىء حضورا ً كثيرا ً لمدينتك الموصل في أعمالك في حين يتكرر حضور البصرة التي عشت فيها زمنا ً، أكثر من حضور مدينة طفولتك وشرخ شبابك . بماذا تعلل ذلك ؟
ــ كتبت عن الموصل أربع روايات  احداها ” قضية قديمة ” والأخرى ” ضجة في السوق ” . صدرت الأولى وبعد يومين حدث انقلاب شباط فاتلفت مع أختها وكانتا مودعتين في اتحاد الأدباء العراقيين وذكرهما الأستاذ على الشوك في مقالته عن” زنقة بن بركة “. ” نطّة الضفدع ” عن الموصل ايضا ً والرابعة أعدل فيها الآن وربما تذهب للنشر هذه السنة إن استطعت أن أوفر تكلفة النشر . وكتبت عن البصرة خمس روايات : نهاية النهار ، الموت الجميل ، قبل الحب بعد الحب ، الطعنة ، فوهة في الفضاء ، وعشرات القصص ورواية أخرى ضاعت ، أتلفها أهلي بعد اعتقالي الأخير سنة 1979. أما تعليل ذلك  فيعود إلى عمل الموظف في العراق . فهو لا يملك حرية التعيين ، إضافة إلى أن وجودي في البصرة كان في فترة محتدمة من حيث الضغط الحزبي والأجواء المتشنجة ومعاداة غير المنتمين ومشاكل العمل  المختلفة والمعوّقة . وهذه الأمور تغني خيال الكاتب .

( يحد قارىء أعمالك ان ” شيكاغو ” ــ مكانا ً ــ تتكرر في عدد من هذه الأعمال .هل كنت تنظر اليها وطنا ً بديلا ً يعوض عن غياب الوطن الحقيقي؟
ــ لا ، ليست ولا يمكن أن تكون وطنا ً بديلا ً ، لكن ذكرها أمر واقعي وحتمي . أنا أكتب عن أحداث تجري في شيكاغو . لا أستطيع أن أضع تلك الأحداث في بغداد أو الموصل ! لكن ما وجدته في شيكاغو لا أستطيع أن أجده الآن في أي مدينة عراقية . هذا الأمان ، السلام ، الاطمئنان إلى الغد ، الحرية في الكتابة ، وفوق هذا الاحترام والتقدير . لي أصدقاء أمريكان مثقفون : كتّاب ، مدرسون جامعيون ، شعراء ، نتبادل الدعوات : هنا تستطيع أن تستخرج أي وثيقة رسمية ، كجواز سفر مثلا ً ، بكتابة طلب ثم تنتظر البريد ويأتيك إلى البيت . ومقارنة بالعراق يصبح الأمر كارثة . فعلى سبيل المثال عندما أردت تمديد جوازي العراقي ، ذهبت أربع مرات إلى قنصليتنا المحنرمة في ديرويت ، ومرتين إلى سفارتنا المبجلة  في واشنطن . وسفرتين إلى العراق ومراجعة شهرين ، وصرفت 6000 دولار ودفعت 800 دولار رشوة ، ولم أحصل إلا على هوية أحوال مدنية ساقطة لأنهم قالوا لي أنت من الموصل  وسجلك في البصرة والكاتب الذي كتب الهوية تعمّد أن يحاربك  لأسباب …. فكتب اسم والدتك خطأ إذ أرفقه باسم ابيها ، وهذا يجعل الهوية ساقطة . رغم كل هذا أود أن أرجع إلى العر اق لو كان لي سكن .
( للمرأة حضور صارخ في أعمالك . وبين نسائك واحدة ذات جمال خارق . هل هناك امرأة معينة في حياتك أوحت لك بالرغبة في مثل هذا التوظيف ؟
ــ لست وحدي . هذا متوفر عند معظم الكتّاب . حتى أنت ذكرت اثنتين من هذا النوع في ” شرفات الذاكرة” ، وذكرت غير واحدة في ” أبواب الفردوس :” . خذ همنغوي في ” لمن تقرع الأجراس ” في ” ثلوج كليمنجارو” ، خذ ماركيز ، يوسا ، الخ . المرأة نعمة الخليقة . أجمل ما في الوجود ، ضوء القلب ، ما الحياة من دون امرأة ؟ لا شيء . لكن لا وجود لامرأة معينة في حياتي . في كل مرحلة تطوف واحدة وتمر كاعصار ، كعاصفة ، تخلّف آثارا ً تعيش أوقاتا ً تطول وتقصر . أنا من دون أن أشعر أحترم من يحترم المرأة وأحتقر من يحتقرها .

( تتعامل مع موضوعة الجنس بشكل صريح أحيانا ً .ألا تشعر بكوابح داخلية تحجم فيك هذا النوع من التناول ؟
ــ لا . أنا لا أتعامل  مع الجنس بصراحة أكثر من غيري . في بعض الأحيان أسمي الأشياء باسمائها ، وهذا صحيح وموجود في الكتب المقدسة . وسبب هذه النظرة شائعة أثارها أحد اللؤماء متخذا ً من وصفي لراقصة شبه عارية في الرواية حجة . مثل هذا ليس جنسا ً قط . هذا عمل فني ، فنحن في الحياة نرى أمثاله الكثير . وكان الوصف في مكانه ، إذ أنني أردت أن أكشف الاغراءات التي تعرض لها سي الشرقي ، لكنه لم يستفد منها لمبادئه الصارمة . لكن ذلك لم يفت بعض الكتاّاب العرب أو الأجانب ، فلم يشر إلى الموضوع أكثر من ثلاثين كاتبا ً عربيا ً وأكثر من خمسة عشر كاتبا ً أجنبيا ً منهم الكاتب أندرو سي لونك في مقالة عن بن بركة بالانكليزية في مقالته الطويلة عنها .

  ( تحتل الحرب جزءا ً كبيرا ً من اهتمامك . ما سبب منحها هذا الحجم من الاهتمام وانت لم تعش تجربتها ميدانيا ً ؟
ــ كنت في البصرة  في الحرب العراقية الايرانية . خرجت من البصرة سنة 1985 . ألا يكفي عيشك في مدينة تُقصف يوميا ً خمس سنوات لتكتب عن الحرب ؟ ما إلفارق بينك وبين الجندي في الجبهة ؟ لقد كتبت ست روايات عن الحرب . الغريب ليس ما كتبته أنا . الغريب من مسته الحرب أو آثارها فلم يدفعه ذلك للكتابة . كانت كل قنبلة تسقط تجمّدني لحظات وتشغل بالي ساعات . ولأني رأيت ضحايا القصف : كيف تمزقوا ، كيف دخلت الشظايا في أجسادهم ، كيف تحطمت أعصاب ، أرواح ، أجساد ، عقول ذويهم من الحزن. أنا من عادتي أن لا أستعمل سيارتي القديمة إلا في الضرورات . أقضي حوائجي  بالقطار أو الحافلة . قبل اسبوع كنت أقف تحت جسر قطار أنتظر الحافلة ، ولست أدري كيف شعرت أنني في البصرة وان قنبلة سقطت غير بعيد عني ، وفتحت عيني لأدرك ان قطارا ً مر فوق الجسر فأحدث ضجة قوية تشبه انفجار قنبلة .

  ( يتذبذب الخط البياني لمستوى أعمالك  ، بمعنى ان هذا الخط لا يتجه تصاعديا ً باستمرار حتى ليبدو انك تدس أعمالا ً قديمة بين أعمالك الجديدة  عند النشر  ويمكن الاشارة إلى ” وادي الغزلان ” نموذجا ً هل يعني هذا انك تتساهل في النشر أحيانا ً من أجل ديمومة التواصل؟
ــ لا أظن ان هناك كاتبا ً في العلم كله يكتب في مستوى واحد ، معين ، . خذ مثلا ً همنغواي ، ” الشيخ والبحر” في القمة ، لكن ” الحقيقة في الضوء الأول ” و ” الجزر في التيار ” متواضعتان جدا ً . خذ مثلا ً روايات : خبر اختطاف ، والجنرال في متاهته   وذكريات عاهراتي الكئيبات لماركيز ، تراها قي الوسط. حتى كبار الكتاب لديهم هبوط في بعض  كتبهم . في البداية قلت ان الذائقة تختلف. وبالنسبة لوادي الغزلان فهي في نظر البعض من أهم الروايات. حسنا لأذكرك بشيء . ذكرت في مقالة لي عن المرحوم التكرلي ان خاتم الرمل ، كما ذكر أحد النقاد  كانت أضعف رواياته . أما أنت فرددت علي ّ قائلا ً انها أفضل رواياته . هناك من اتفق معي ، وهناك من اتفق معك كالدكتور الناقد حسين سرمك . في نظري أرى هذا طبيعيا ً ومفرحا ً في الوقت نفسه لأنه يدفع القائل برأي إلى التدقيق وإعادة النظر . الاختلاف في وجهات النظر وفي التقويم أحد أهم المبادىء  التي يتوجب علينا احترامها لأ نها تضفي على الوجود الانساني سمة  التسامح والديمومة . بالنسبة لي ما يهمني أن أستمر في الكتابة ، أما التقويم فللآخرين أي لك ولبقية النقاد .

   ( لا يرقى سردك القصصي إلى مستوى سردك الروائي كما ً ونوعا ً فما سر ذلك؟
ــ هذه قضية ذائقة أخرى أختلف فيها معك  وأحترم رأيك في الوقت نفسه . لست أدري كم قصة قرأت لي لتخرج بمثل هذا الحكم. ساذكر لك بعض الأمثلة . ترجم د. شاكر مصطفى لمجموعة  من نحو 30 عراقيا ً قصصا ً قصيرة . وحين تنظر إلى التعليقات على القصص المنشورة ( بالانكليزية ) تجد ثلاث اشارات من القارىء الأجنبي لما كتبت. وجرى الشيء نفسه عندما اختارت منظمة العفو الدولية 37 كاتبا ً من العالم للمشاركة في قصص بمناسبة الذكرى الستين لحقوق الانسان . القصة التي كتبتها  في المجموعة أثارت تعليقات غير واحد . أما أخيرا ً وأقصد في العامين المنصرمين ، فقد ترجم السيد وليم هيجنز  قصتين قصيرتين لي نُشرت احداهما في مجلة ” العالم هذا اليوم “، وهي أقدم مجلة أدبية في الولايات المتحدة ، ورُشحت القصة إلى قائمة البوشكارت ، وجاء في تقديم القصة للترشيح ما يأتي :  ان رئيس تحرير المجلة  لم يقرأ أقوى من هذه القصة إلا رواية “في انتظار البرابرة ” للكاتب جنوب افريقي كوتزي  الحائز على جائزة نوبل . ونشرت القصة الثانية في مجلة “طريق بروكلين “ورُشحت للقائمة نفسها . في نظري مجرد اختيارها في مجلة أمريكية مرموقة حتى من دون ترشيح شيء مهم .

( بمن تأثرت  من كتّاب السرد عراقيا ً وعربيا ً وعالميا ً ؟
ــ أنا قارىء نهم . أقرأ كثيرا ً وربما لا أغالي إن قلت انني   قرأت لمعظم الكتاب العرب حتى التسعينات . لكنني أشعر بالنقص الآن وأنا في الولايات المتحدة لأني لا أستطيع  أن أحصل على الروايات العربية الجديدة . ولهذا أسافر إلى بعض الدول العربية بين سنة وأخرى وأختار معارض الكتب لأشتري بين 50 إلى 100 رواية  وكتاب . وقبل سنتين زارني عراقي وسرق مني 40 رواية جديدة لم أقرأها . قرأت بشغف الكتاب الرواد كبلزاك وموبسان وديكنز  وأناتول فرانس وتورجنيف  وتشيكوف وديستوفسكي  وغوركي وشولوخوف وكل ما رأيته في المكتبات في الخمسينات والستينات والسبعينات ، وكنت وما زلت أتبنى مبدأ معينا ً هو أن لا أقرأ الكتب غير مرة واحدة باستثناء القرآن الكريم الذي قرأت بعض سوره غير مرة  / لا يوجد كتاب قرأته مرتين لذلك لا أستطيع أن أقول انني تأثرت بهذا أو ذاك  . أعجبني اسلوب طه حسين  التجديدي ، وكذلك نجيب محفوظ . ولكن هل تأثرت بهما ؟ لا أدري . عندي صديق له ذاكرة عجيبة . يتذكر جملة لهمنيغوي في الشيخ والبحر  ، وبعض جمل ماركيز  في ” مئة سنة من العزلة “. وأعرف كاتبة أمريكية جيدة عندما ترسل لي رسالة تضع في المقدمة مقطعا ً لأحد الروائيين أو احدى الروائيات ، وفي رسالتها الأخيرة لي وضعت مقطعا ً لتوني موريسون ( آخر من حصل على نوبل من الأمريكان ) فأجبتها برسالة كتبت فيها أنت أفضل من موريسون في نظري ، فلماذا ابتدأت رسالتك بها ؟أجابتني : نعم ، أنت  على حق . لست أدري . ان كلمة ( تأثر بـ ) مشاغبة ، مطاطة، غير محددة . في رأيي انها تعني كل شيء أو لا شيء . عندما تحب رواية وتقرؤها  بشغف فلابد أن تؤثر بك . لكن أين التأثر ؟ وكيف يحيل رد فعله ؟ لا أدري . لهذا أستطيع أن أقول انني تأثرت بجميع من قرات لهم ولم اتأثر بهم إلى حد ما .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

صابرحجازي يحاورالشَّاعرةِ والاديبةِ والتشكيليَّة اللبنانية “كيتي عقل”

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

مقابلة مع المحلل النفسي مصطفى صفوان
ترجمة د زهير الخويلدي

غادرنا يوم 7 نوفمبر 2020 الفارط الملقب بلاكان العرب المحلل المصري المغترب بباريس مصطفى صفوان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *