ليث الصندوق : رواية ( خلف السدة ) – حكايات عن المدينة والناس

laith alsandook 4لا أحد يعرف طبيعة البيئات التي جاء منها ( المستكشفون الأوائل ) كما أسماهم عبد الله صخي في روايته ( خلف السدة ) ، ولكنهم سيخوضون في بيئتهم الجديدة صراعاً مريراً من أجل البقاء هم وأبناؤهم ثم أحفادهم من بعدهم ، والبيئة الجديدة التي تشكل فضاء السرد تتوزع ما بين مكانين ، الأول طاريء بالرغم من تعاقب ثلاثة أجيال للعيش فيه لأنه نتاج الضرورة التي ربما تتعارض مع قانون التطور ، ويقع هذا المكان خلف سدة ناظم باشا . أما المكان الثاني فهو مدينة الثورة في أيام نشوئها الأولى . وما بين المكانين ستدور أحداث الرواية مواكبة مرحلتي إنشاء ثم هدم المكان الأول وترحيل ساكنيه منه ، ومن ثم إنشاء المكان الثاني بديلاً دائمياً له .
من أرياف الجنوب وحقوله انحدروا باتجاه بغداد في واحدة من الهجرات الكبرى داخل الوطن . ومع موت قائد المجموعة الأولى من المستكشفين الأوائل ( السيد جار الله ) ودفنه في المكان الذي مات فيه تكون إرادة الموت قد اختارت القبر – الذي أصبح فيما بعد مزاراً – ليكون حجر الأساس للمدينة الجديدة ، وستبنى من حوله بيوت وأزقة وأسواق المدينة الجديدة . وكما أصبح الضريح بؤرة مكانية ، سيصبح بؤرة سردية تدور من حوله وبتأثيره الأحداث ، وتبجله الشخصيات لما له من قوة غيبية مؤثرة  . ومن تفاعل عناصر الثنائية الضدية ( الهجرة / الإقامة ) تبدأ نقطة انطلاق الرواية في زمن مطمور تحت ركام النسيان ، لم يحدده الراوي أو يلمح إليه ، ولم يلتقط من أحداثه إلا ما يُنبّه إلى الأساس الذي بُنيت عليه المدينة ، وهو أساس لا يخلة من القداسة التي يحتاجها العقل الشعبوي لمباركة كل خطوة لأصحابه في الحل والترحال . ويتوقف زخم تلك الثنائية أو يضعف على الأقل مع ابتداء زمن القص ، فعلى طول هذا الزمن لم يُستثمر سوى الطرف الثاني من الثنائية ( الإقامة ) أما الطرف الأول ( الهجرة ) فقد اقتصر على حادثة واحدة ، إذا لم تصل منطقة خلف السدة سوى أسرة واحدة هي أسرة خلف اليونس ( وسنأتي على ذلك لاحقاً ) ، بينما كانت كل الأسر والشخصيات الأخرى قد وصلت المدينة قبل ابتداء زمن القص . ومن الطبيعي أن تكون وراء كل هجرة جماعية أسباب قاهرة ، بيد أن الملاذ البديل في بلدتهم الجديدة لم يكن فردوساً ، ويجتزيء الراوي قصة المعاناة العريضة عبر قصة عائلة سلمان اليونس زوج مكية الحسن وكلاهما من أبناء المكتشفين الأوائل . وإن كانت قصة المكتشفين الأوائل هي قصة الهجرة وما رافقها من معاناة الحل والترحال ، فإن قصة عائلة سلمان اليونس هو فتح لبوابة عريضة ستدخل عبرها نصوص ومحكيات كثيرة ، كما سيغير هذا الانتقال في إتجاه السرد ، من سرد معني بقصة الجماعة المغلقة على نفسها سواء في طريقها للبحث عن ملاذ في منفاها الإختياري الجديد أو بعد عثورها على ذلك الملاذ ، إلى سرد معني بقصة أسرة مفتوحة على سرديات الأسر المحيطة بها والتي ستقترن بها مصيرياً ، وكذلك سرديات الشخصيات الثانوية والنوعية في ذات الوقت . ولا بد من الإشارة هنا إلى أن ستراتيجية السرد التي اعتمدها الكاتب لم تقصر البطولة على أسرة abdulla sikhiواحدة أو على شخص واحد لتضعه في الواجهة بينما تحشر كل الشخصيات الأخرى في ظل الأبطال ليكونوا شخصيات ثانوية أو هامشية ، فلقد فتح الكاتب فضاء السرد لكل الشخصيات تكشف فيه ما في خزينها من محكيات قابلة للضم إلى خزين الراوي الذي لا يتحرج أن يضم إلى روايته كل ما تخوضه الشخصيات من أحداث ، أو ما يضمرونه من أسرار ، أو ما تنطوي عليه نفوسهم من نوازع ورغبات ما دامت الرواية غير قابلة للحبس في إطار عام فهي مفتوحة وقابلة للإضافة باستمرار . أما النهاية التي ختم بها الراوي روايته فهي نهاية مبتورة لا تمثل سوى نهاية الكتابة ، أو نهاية مرحلة التدوين ، أما الأحداث فبإمكاننا التصور أنها ما زالت مستمرة عبر المدينة التي كانت حين ختم الراوي تدويناته في أول عهد إنشائها . وبناء على ما سبق تختلط الأدوار ويصبح الجميع أبطالاً نوعيين لهم ما يقولون ويفعلون ، وهذا لا يتعارض مع الدور الذي أوكله الراوي إلى عائلة سلمان اليونس .
تشكل عائلة سلمان اليونس والعوائل والشخصيات الأخرى محاور متداخلة مع بعضها ، أو مستقلة بذاتها ، بعضها يقدم محكيته ثم ينزوي إلى الظل ، والبعض ينزوي حتى يقدم الاخرون محكياتهم ثم يعود للظهور من جديد . وتبقى عائلة سلمان اليونس والداينمو المحرك لها الأم مكية الحسن حتى النهاية في دائرة الاحداث . والمحكيات لا تقتصر على الأسر والاشخاص ، بل تتعدى ذلك إلى الحيوانات أيضاً ، مثل القنافذ التي تصنع من عظامها مكية الحسن علاجاً لأطفالها المرضى ، ومثل الكلاب السائبة التي تنزو على إناثها في الطرقات فتثير حفيظة الأطفال ، ومثل بقرة فاطمة زوجة خلف اليونس التي رافقتها من الجنوب بعربة حمل ، وظلت مصدر رزق لها ولزوجها العاطل عن العمل ، ومثل الأفعى التي تتنقل بحرية دون أن يعترضها أحد أو يقتلها في بيت مكية الحسن مثل ضيف معزز مكرم ( تتجول في أرجاء البيت مستمتعة بهبوطها البطيء الزاحف أو المتدلي نحو الطعام الذي تقدمه لها : صحن حليب أو قشور بطيخ أحمر . ص 85 ) وعندما أسلم سلمان اليونس الروح لم يكن من أحد معه في البيت يشهد ميتته سوى أفعى البيت تلك التي كانت قد أدت دور الشريك الممارس لحقه الطبيعي في حصته من الشراكة بالحياة والسكن مع بني البشر .  وعدا تلك الأفعى البيتية فهناك ثمة أفاع أخرى كان قد أخرجها الحاوي من كيسه وشاهدها مبهوراً الطفل علي في زيارة لمنطقة باب الشيخ وقد تبين فيما بعد أنها استثمرت لتأدية دور سياسي يتمثل بالتغطية على فعالية سياسية سرية كان يؤديها الحاوي يوزع خلالها منشورات حزبية يسارية سرية على من يتابع رقصات أفاعيه .
وكما تبين سابقاً فالرواية تبدأ من حيث كان المستكشفون الأوائل قد أقاموا مدينتهم الجديدة والقاريء – وهو يتولى ملء فراغات الراوي – لا يصعب عليه اكتشاف أسباب الهجرة التي تركها الأخير منسية في طيات الزمن ، لكنه لمح إليها للقاريء الذي تأهب لاستقبال أية إشارة تلبي متطلبات فضوله ليعيد إنتاج فضائه المعرفي . فمكية الحسن بعد ميتة أولادها الذكور الثلاثة واحداً وراء الأخر كانت قد ولدت طفلها الرابع ، وكانت مع الطلق تصرخ وتنادي الأولياء والأئمة ( كان النداء يستطيل ويمتد ليشمل عمراً بأكمله ، ثمّ يتحوّل إلى صوت ، إلى همس يأتي من تواريخ سحيقة من أزمنة الخوف والعزلة . ص 18 ) ولعل ذلك الخوف وتلك العزلة هما من أهم نتائج القهر الإجتماعي الذي كان سبباً رئيساً من أسباب نزوح تلك الأسر ، وهو فيما بعد السبب في استمرار معاناتها التي ستتعاظم مع القهر السياسي الذي سُلط عليها في أعقاب إعدام رئيس الوزراء ، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .
ويختلط الواقع بالاسطورة اختلاطاً ساحراً دون أن يكون هناك ما يميز بينهما أو يشكك في إمكانية ذلك المزج ما دامت العقول تتقبل الأسطورة وتنتجها وترسخها في ثقافتها ، فسوادي حميد الذي هرب مع حبيبته من الجنوب وجاء ليسكن خلف السدة سرعان ما كُشف أمره وجاء إخوة البنت متسللين ظهيرة أحد الأيام ، فأخذوها وأشبعوه بخناجرهم طعناً ، ولم ينج من الموت في المستشفى التي نقل إليها إلا بعد أن أنقذت حياته بمعجزة ( إذ أن طبيباً هندياً زرع في رأسه مخ kh abdullah sikhi 3كلب بدلاً من مخه الذي اندلق بضربة بلطة حادة وانتشر على الأرض . ص / 21 ) ولعل غرابة النص تزول ، ويصبح مقبولاً ومعتاداً حين يقبله الأخرون ويتعاملون معه وكأنه حقيقة لا تحتاج لمزيد من التوضيح أو حتى إلى معرفة المدى الذي كان بمقدور الطب تلبيته من تلك الحالات فالعقل الأسطوري كفيل بردم تلك الثغرات ، لذلك ( لم يكن أهالي البلدة يكترثون بالأخبار التي ينقلها من أسواق بغداد ومحالها التجارية بسبب شكوكهم بسلامة عقله . ص / 21 ) ولسوادي الغريب الأطوار طبل يعتز به ، وعندما وقع الحريق في مخازن الوقود الذي التهم نصف المدينة ، لم يفكر بانقاذ شيء سواه من بيته المحترق ، وعندما سُئل عن ذلك قال ( هو أغلى شيء عندي ، ثمين مصنوع من جلد لبوءة . ص / 49 ) وكما تقبل الناس فكرة زرع مخل كلب في رأس الرجل تقبلوا المعلومة الجديدة دون أن يسأل أحدهم إن كانت اللبوءات تعيش أم لا في البيئة التي جاء الرجل منها . وكما تنطلق الاسطورة من عقالها ينطلق الوهم بذات اليسر ، ثم يشيع بين الناس ، فكلاهما وليد خيال جامح وذاكرة ظلت حبيسة لقرون في سجون الحرمان . فكنيّز الذي ماتت زوجته ولم تُنجب له طفلاً ، ظل وفياً لذكراها ولم يتزوج بعدها ، وصار في غيابها يتصرف في بيته وكأنها موجودة ( يعود من جولته النهارية بابتسامة واسعة تنم عن شعوره بالتفاؤل والقناعة ، يعطيها كسبه من بيع الباسورك ، فترتسم على وجهها المدور علامات الفرح والرضا ، يمازحها ويقرصها فيما تسكب الماء على يديه ليغسل وجهه وقدميه . وحين تذهب لتجلب المنشفة يلومها على تأخرها . ثم يجلس يتناول عشاءه معها ، يشربان الشاي ويتسامران . ص / 128 ) والتفكير في الرواية ليس سمة الأحياء فحسب ، بل هو سمة الموتى أيضاً ، وسمة أشباحهم وخيالاتهم الحاضرة ، ومن ذلك الحضور تُكتسب سمة التفكير ، فوهم الأحياء ، أو توهمهم لا يُعيد الموتى إلى الحياة فحسب بل يعيد معهم أيضاً طاقتهم الروحية للتفكير التي يملأون بها الفراغ الذي أحدثوه بغيابهم . ففي مقطع نصي غاية في الروعة يعود كنيّز بعد خصام مع صديقه غناوي إلى بيته مكتئباً ليفرّج عن كآبته بممارسة الوهم مع زوجته المتوفاة ( نادى على زوجته أن تأتي بالطست والماء ليغسل يديه وساقيه . قال لها أنهما تؤلمانه من المشي في الطرقات . فكّرت ، ليس من عادته ان يدخل البيت دون ابتسامة أو ضحكة ، وتساءلت عم حدث له خلال النهار ، أخبرها عن الشجار مع غناوي ، وقال إنه تلقى منه إهانة واتهامات باطلة . ضحكت ساخرة من غناوي وأفكاره وطلبت منه أن يرتاح وينسى الأمر والأيام كفيلة بمعاقبته . إنتبه كنيّز إلى إنه يجلس وحده ، وإن زوجته توفيت منذ زمن بعيد ولم تعد سوى ذكرى محزنة . إستلقى في مكانه ونام . ص / 128 ) ترى أية طاقة غيبية كلية القدرة مكنت الراوي من اختراق ذهن الرجل الأرمل والتسلل عبر معاناته لاستحضار صورة الزوجة الميتة وتقدير ما يمكن أن تفعله لزوجها المتعب ، بل وما يمكن أن تفكر به ، وبمعنى أخر أية طاقة إبداعية مكنت الراوي من استجلاء تفاصيل طقس من طقوس الغياب تمارسه إمرأة غائبة أصلاً .
لقد ظلت منطقة خلف السدّة مصدراً للأساطير التي تولد بخصوبة وتشيع بين الناس ، وكما انبعثت المنطقة من أسطورة السيد جار الله فقد أزيلت المنطقة بأسطورة أخرى عنه . ففي يوم هدمها تناقل الناس ( أن الألات وهي تتجه في سيرها نحو مرقد السيد جار الله كانت تتباطأ وتتوقف كأن قوة خارقة تمنعها من التقدم أو تسحبها إلى الخلف . ص / 147 ) ومن أجل أن تصبح الأسطورة حقيقة في أذهان مطلقيها ومردديها فلا بدّ من دليل يؤكدها ، وليس من دليل أحسن من سائقي الألات ذاتها فقد نسبوا إليهم قولهم ( إنهم وهم يقتربون من المرقد كانوا يسمعون أصواتاً عالية تهتف وتستغيث ، ألاف الأصوات المختلطة تطلق نداءات متصلة تشبه العويل أو الصراخ . ص / 147 ) كما نُسب عنهم قولهم ( إنهم لم يروا بشراً بل كانوا يسمعون أصواتاً تصم الأذان وتبث فيهم الذعر ، وإن إحدى البلدوزرات تعطلت حين لامست جدار المرقد لمساً خفيفاً . ص / 148 ) وأمام انتشار تلك المرويات وتدعيمها بأسانيد لا تقبل الشك يصبح انتصارها على العقل والمنطق مرهوناً بإقرارها رسمياً ، وأعلى مستويات ذلك الإقرار في العرف الشعبي عندما تحظى  بتصديق السلطات الحكومية لها ورضوخها لقوتها وسطوتها ( عندها أصدرت السلطات أمراً بمنع تهديم المرقد ، والاستمرار بتسوية الأرض من حوله . ص / 148 ) .
لكن التجانس الذي تشيعه المحكيات في كونها جميعاً حكايا ( قادمين ) يجمعها فضاء واحد ( منطقة خلف السدة ) لا ينفك أن يتضعضع حين تشذ عن تلك الحكايات حكاية واحدة هي حكاية راجعين ( خلف اليونس / فاطمة / البقرة ) لم يفارقهم الإحساس بالغربة في مكانهم الجديد بالرغم من محبة الوسط المحيط لهم ، وبالرغم من قرب تنفيذ الوعد بتمليك السكان أراض مجانية ، ومحكية هؤلاء تُستكمل في أربعة فضاءات ( الريف قبل الرحيل / الرحلة / الإقامة المؤقتة / العودة ) . وقلب هذا الثلاثي ومصدر قوته وفعاليته في عنصره الثاني ( فاطمة ) ألعاقر ، الحيوية ، الجميلة ، سريعة الغضب وسريعة الرضا ، الطيبة ، النظيفة ، الورعة وكانت تلك الصفات كفيلة بأن تكسبها محبة الأسرة المضيفة ، أسرة حميها سلمان اليونس ومحبة الجيران أيضاً ، وأن يتسع إطار ذلك الحب ليشمل عنصري الثلاثي الأخرين . ومع ذلك فقد صمم الثلاثي على العودة المعاكسة إلى الريف التي لم تكن سوى عودة إلى العزلة والرتابة ( هكذا ارتضى العودة إلى موطنه ، إلى الحقول والحياة الرتيبة الخالية وانتظار موسم الغلال . ص / 106 ) ومفردة العزلة تتبعها مفردة الحياة موصوفة بالرتابة والخلو لا تكشفان ملامح الحاضر والمستقبل المنتظر فحسب ، بل وتكشف أيضاً ملامح الماضي وطبيعة الظروف القاهرة التي هربت منها كل الأسر المهاجرة من الجنوب والقاطنة في منطقة خلف السدة والتي تجاوزها الراوي لأنها خارج إطاره السردي بادئاً من ماض آخر غير مؤطر بزمن محدد وبظروف لا تقل عن ظروف موطنهم الأول حرماناً وقهراً وقساوة .
وتقف الرواية أمام أحداث تاريخية مصيرية مر بها عراق نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات ( ألثورة / حريق مستودعات الوقود قرب سدة ناظم باشا / ألمحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الوزراء / توزيع الاراضي على سكان منطقة خلف السدة / ألترحيل / الانقلاب / ظهور تنظيم الحرس القومي وحله / بناء مدينة الثورة ) والراوي لا يعزل الحدث التاريخي عن الحدث السردي بل يفتح منافذ المنطقتين على بعضها من خلال إشراك الشخصيات السردية في الحدث التاريخي من جهة ، ومن جهة أخرى إشراك الشخصيات التاريخية في الحدث السردي وخصوصاً بالنسبة إلى شخصية رئيس وزراء الثورة الذي حتى بعد إعدامه ظل حاضراً في ذاكرة الأبطال من خلال وعوده وأحلامه وصوره الفوتوغرافية ، بل وحتى من خلال الأساطير التي نسجوها عنه حين رأوه على صفحة القمر ، بل حتى من خلال التشكيك في موته ويقينهم بأنه سيعود ذات يوم إلى الحكم . أما التاريخ فقد خرج من بطون الزمن وأفواه الرواة والمدونين لينضم إلى فصول الرواية ويمتزج مع محكياتها في نص ينتسب إليها أكثر مما ينتسب إلى مضانه ، فشخصيات الرواية تعيش داخل منطقة التاريخ وتشارك في أحداثه وتقدم قراءتها التحليلية الخاصة لها ، . وتربط مصائر أبطالها بمصائر أبطاله ربطاً جدلياً له دلالته مثل ميتة سلمان اليونس بعد إعدام رئيس الوزراء مباشرة ،  وتجعل من أفعالها ومشاعرها ردود فعل لأحداثه ، مثل لجوء عائلة مكية الحسن بكامل أفرادها إلى بيت أختها في منطقة معامل الطابوق هرباً من احتمال انفجار خزان الوقود الثالث في حريق مخازن الوقود قرب ساحة الطيران . وكذلك مثل ردود فعل سكنة المنطقة في أعقاب الانقلاب مباشرة ( حين سمعوا بيان الانقلابيين من الاذاعة ميزوا الأسماء ، فرأوا فيهم رفاق الأمس ، وما هي إلا لحظات حتى اندفعوا إلى شوارع بغداد حاملين السكاكين والبلطات والخناجر والعصي لمواجهة الدبابات والمصفحات التي وجهت ماسوراتها نحوهم . ص /  114 ) . وفي حدث الانقلاب ذابت العينة ( أبطال الرواية ) في مجتمعها ( سكنة منطقة خلف السدة ) ثم ذاب الكل في الشعب في بوتقة الرفض العفوي العارم للانقلاب الذي يعنى من الوجهة الأخرى تأييداً مطلقاً لرئيس الوزراء ولخطاب التضامن الطبقي الذي أخلص في تبنيه وسحرهم به ( وفي ساحة الميدان ، وباب المعظم ، وشارع الرشيد ، التحموا مع جموع غفيرة أخرى خرجت لمواجهة الإنقلابيين بأسلحة بدائية . ص / 114 ) بيد أن الراوي يحاول الإيهام بأنه يقف في رصد بداية حدث الانقلاب في منطقة محايدة ما بين حكومة رئيس الوزراء والشعب المؤيد لها من جهة ، وما بين قوات الانقلابيين من جهة أخرى ، يروي عن تقدم هؤلاء وعن ردود أفعال أولئك ، ثم ينقل عن شهود عيان مفترضين زعم أنهم شهدوا محاكمة رئيس الوزراء . وما بين طرفي النزاع وأقوال شهود العيان ظل الراوي محتفظاً بكلمته ، ولكن ذلك لم يفلح أن يؤكد حياده الذي تأرجح في انتقاء المنقولات النصية الداعمة لرئيس الوزراء ومؤيديه سواء ما ورد منها على لسان شهود العيان ( أحد شهود العيان قال إن الانقلابيين لم يجروا له أية محاكمة كما اعتاد أن يفعل هو ، بل كانوا يطلقون عليه الشتائم والالفاظ النابية ، وكان بعضهم يطلب بإعدامه بسرعة . ص / 115 ) أو ما وصفته فيما بعد مصادر تاريخية من خارج صفوف الانقلابيين للساعات الأخيرة من حياة رئيس الوزراء ( أدرك إنه سيُعدم ، فاعتدل في وقفته ، ووضع سدارته على رأسه ، رفض عصب عينيه كما رفض أن يربط جسده إلى كرسي ، في تلك اللحظة توجهت البنادق نحوه ، وقبل أن تنطلق رشقات الموت هتف : عاش الشعب ، ولم يمهله الرصاص كي يُكمل هتافه بحياة الشعب الذي أحبه حباً لم يذق طعمه أي قائد غيره . ص / 116 ) وإن كانت الجمل الفعلية في المقبوس ( أدرك / إعتدل / وضع سدارته / رفض ) قد جاءت في سياق وصفي  يتفق عليه العدو والصديق إلا أن الجملة الأخيرة تقدم رأياً لا يأتي من كاره أبداً . وشيئاً فشيئاً يقلل الراوي من حدة حياده كلما اتجهت الرواية نحو نهايتها محتفظاً داخل خطابه بالمسافة التي تحول دون تحوله إلى خطاب دعائي . أما سكنة المدينة فقد تجلى انتماؤهم للثورة في ذروته حين ربط القدر مصائرهم بمصير قائدها ( رئيس الوزراء ) فكما أطلقت أحلامه ومشاريعه آمالهم من عقالها ، فغيابه سد بوجوههم بوابة الرجاء ، بل وسد أمام بعضهم بوابة الحياة ، فما كاد الانقلابيون يعدمونه حتى أسلم بطل الرواية سلمان اليونس الروح في توقيت ذي دلالالة واضحة وقد وردت الإشارة لذلك سابقاً . وقبل موت سلمان اليونس فقد كان مرضه دلالة ذات طبيعة خاصة عما يعانيه الوضع العام من تدهور يُنذر بالكارثة .
ومع اقتراب الرواية من نهايتها تبدأ الأحداث بالجنوح نحو شكل من أشكال التناظر مع ما كانت قد بدأت به . فكما اقترن إنشاء موقع خلف السدّة بموت مؤسس المجموعة السيد جار الله في حالة من المفارقة ما بين موت القائد وولادة مدينة ، فقد اقترن وعد رئيس الوزراء بترحيل سكان المنطقة وإنشاء مدينة جديدة لهم بمقتله في مفارقة مماثلة ، مع ملاحظة أن الفرق ما بين الميتتين هو في طبيعتيهما وكذلك في صفتي الميتين ، فالأول مات حتف أنفه بينما الثاني قُتل صبراً . والميتة الأولى ذات طابع طقسي ديني بحكم انتساب الميت لبيت شريف ، يكشف عن ذلك لقب ( السيد ) السابق لإسمه . بينما الميتة الثانية ذات طابع سياسي بحكم أن الميت رئيساً للوزراء ولعل دلالات ذلك التمايز تكمن في اختلاف طبيعة التحديات التي واجهت الجيلين ، جيل الأجداد من جهة ، وجيل الأبناء والأحفاد من جهة أخرى ، وكذلك تكمن في تطور وعيهما الطبقي بما ساهم في إعادة تفسير وفهم ومن ثم مواجهة تلك التحديات .
وكما ارتسمت صورة الغربة والضياع في بداية الرواية أمام المهاجرين الأوائل وهم يخوضون صراعهم ضد المكان العدائي الموحش والخالي والفسيح ، عادت ذات الصورة لترتسم ثانية أمام أبنائهم وأحفادهم بعد ترحيلهم من خلف السدة إلى مكانهم البديل الذي تشبه مواصفاته مكان نزول الأجداد في وحشته وعدائيته والذي سيصبح فيما بعد مدينة الثورة . وجاءت هجمة العقارب عليهم أول نزولهم في موقعهم الجديد لتضفي على المشهد صورة رمزية مكثفة لعدائية المكان ووحشته .
في الفصل الأخير حيث الترحيل والاقامة في أرض خالية من البناء ، حضرت كل الشخصيات حتى الميتة منها ، فسلمان اليونس حضر في تداعيات إبنه علي ، ورئيس الوزراء المغدور حضر في تداعيات الأم مكية الحسن التي ( استمرت تحتفظ بصورته تقبلها وتتمنى أن يكون ما زال على قيد الحياة . ص / 158 ) وكذلك حضر في تداعيات أبناء المدينة الجديدة الذين صاروا يتذكرونه كلما تذكروا أن السلطات الجديدة نقضت عهوده لهم . وحضر كذلك أول الموتى السيد جار الله الذي كان قد مات من قبل تأسيس المدينة وذلك من خلال زيارة مكية الحسن وإبنتها مديحة لضريحه للإيفاء بنذر مؤجل منذ زمن بعيد . وحضر أخر الموتى أيضاً الفتى الكردي بوران من خلال تذكر جدته له ولرئيس الوزراء الذي لم يفِ بوعده لها بإعادته إليها من أعماق النهر الذي غرق فيه . لقد حضر الأحياء والأموات في فصل الختام باستثناء  ( بدرية ) حبيبة علي التي ظل يبحث عنها هائماً بصمت حتى النهاية .

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: ملاحظات سريعة عن السخرية في “عجيبة بيت أبي بشارة” لنبيل عودة

أولاً) لا مكان للهزل في العالم الساخر “النبيلي”، فالسخرية تبنى بالجاد، منذ الكلمات الأولى حتى …

سميح صباع شاعر غادرنا قبل الأوان
انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
نبيل عودة

تحل في هذه الأيام، الذكرى السنوية لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفا …

عصمت دوسكي بين الإحساس والوجود
كلستان المرعي- سوريا

* نعلم أن العدالة مستحيلة في أوطاننا فوزعوا الظلم بالعدل . !! * غنى التشابيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *