الرئيسية » مقالات » مجيد الأسدي : ماركس أديباً… ماركس صحفياَ

مجيد الأسدي : ماركس أديباً… ماركس صحفياَ

majid alasadiفي السابعة عشرة من عمره ينتسب ماركس الى كلية الحقوق في جامعة بون.غير ان اهتمامه لم يكن ينحصر في علم الحقوق بل تعداه الى الآداب وعلم الجمال وتاريخ الفنون الحديث مما دفعه للمشاركة في عمل حلقة الشعراء المحلية و الرابطة الطلابية.

ومن عادات هذا الشاب انه كان يميل الى تلخيص الكتب التي كان يقرؤها ويسجل مقتطفات منها وينقلها الى دفتر تأملاته الخاص بقراءاته.كان يكرس – الى جانب اهتماماته العلمية – وقتا كبيرا للابداع الادبي, وقد دفعه حبه الصادق لحبيبته وخطيبته “جيني” الى التعبير عن هذا الحب المشبوب في ثلاثة دفاتر شعرية,يحمل الاول والثاني اسم “كتاب الحب” والثالث “كتاب الاغاني” كما خصص دفترا رابعا لأبيه الذي وصفه بأنه انسان بارز “سواء من حيث سماته الشخصية العالية أم من حيث مواهبه الحقوقية”. ويحتوي هذا الدفتر – بالاضافة الى الاشعار- على مقاطع من مأساة شعرية تحمل اسم “أولانيم” وفصول من رواية ساخرة بعنوان “العقرب وفيليكس” . وهناك مجموعة من اشعاره في البوم ودفتر مذكرات اخته “صوفيا”. ويتألف المضمون الاساسي للدفاتر من أشعار عاطفية على شكل سونيتات .كما انه عرض آراءه الفلسفية والسياسية والادبية على شكل قصائد ومقطوعات نقدية ساخرة.
نجد في أشعار ماركس روحه المتمردة والمتعطشة الى المعارف,والنزوع العارم الى العمل والابداع .

وماركس من الذين يدينون “الفن الشكلي الصرف الذي يخلو الى حد كبير من مواضيع تثير الحماس,ومن انطلاق الافكار الملهم.” وقد تم طبع قصيدتين له سنة1841,هما “حب ليلى” و”عازف على الكمان” تحت عنوان “أغاني هائجة”.وفي نقدهما لمسرحية “لاسال” التاريخية “فرانس فون زيكنغن”,صاغ ماركس وانجلس بعض المباديء الهامة لعلم الجمال الماركسي.وكانا يدعوان الى الاتجاه الواقعي والى عكس الواقع في المؤلفات الروائية بصورة متنوعة وعميقة.ورأى ماركس أن عيب لاسال الاساسي ككاتب مسرحي يكمن في انه يكتب “على طريقة شيللر محولا الشخصيات الى أبواق بسيطة لروح العصر” وانه ” لا يستوفي في رسمه للطبائع تحديد السمات المميزة.” كما قدما له نصيحة “ألا ينسى الواقعية وراء المثالية ,وألا ينسى شكسبير وراء شيللر”. وكان يرى المثال الساطع للواقعية يتجسد في ما كتبه بلزاك,الذي كان يتميز – حسب كلماته – “بالفهم العميق للعلاقات الواقعية”.

karl marxوعن كتّاب الواقعية الانكليز, يكتب ماركس “انهم مجموعة رائعة من الروائيين الانكليز المعاصرين الذين بينوا للعالم الحقائق السياسية والاجتماعية في كتب بليغة ومعبرة ,وبصورة تبز ما فعله جميع السياسيين والصحفيين والواعظين المحترفين معا.”

يتميز ماركس باسلوب ادبي اخاذ وليس بعيدا على المطلعين رسالته الى زوجته التي تعتبر بحق من أروع ما كتب في هذا الشأن.ولنختم حديثنا بما سطره في نهاية كتابه “الحرب الاهلية في فرنسا :
“ان باريس العمال وكومونتها ستظلان موضع التبجيل الى الابد بوصفهما البشير المجيد بمجتمع جديد.وشهداؤها مثواهم الابدي قلب الطبقة العاملة الكبير. أما جلادوها فقد سمرهم التاريخ على خشبة العار التي لن تجدي في تخليصهم منها جميع الاصوات التي يرددها كهنتهم”.

ماركس صحفيا
نال ماركس شهادة الدكتوراه سنة 1841 عن أطروحته الموسومة “الفرق بين فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وفلسفة الطبيعة عند ابيقور” وفيها وقف ضد نظرة هيجل السلبية المثالية حيال ابيقور وافكاره الجريئة ضد الخرافات.. وقد وطّد عزمه على أن يكون استاذا في جامعة بون . غير ان السلطة الرجعية وقفت له بالمرصاد,مما حدا به ان يلج ابواب الصحافة لمحاربتها. وهكذا بدأ العمل في”الصحيفة الرينانية” ثم أصبح رئيس تحريرها.وهي صحيفة ناطقة بلسان البرجوازية الرينانية المعارضة أظهر فيها ماركس موهبته الادبية والصحفية اللامعة حتى أخذت الصحيفة تحت قيادته تصطبغ بالصبغة الديمقراطية الثورية.

لقد كرّس ماركس جهوده الصحفية حول حرية الصحافة والرقابة الرجعية التي كانت سائدة في بروسيا. أكد في المسألتين أنه ينبغي للصحافة أن تغدو بمثابة مرآة روحية للشعب وتعبر عن مطالبه وامانيه. كما انه رفض فكرة أن تكون الصحافة وسيلة للارتزاق ومورد مادي للمعيشة وفي هذا الصدد يقول “من الطبيعي انه ينبغي للكاتب أن يكسب بغية امتلاك امكانية العيش والكتابة, غير انه لا ينبغي له باي حال من الاحوال أن يعيش ويكتب بغية الاكتساب”.

ورغم الرقابة الرجعية على الصحيفة وموقف المساهمين البرجوازيين فيها فان ماركس خاض على صفحاتها “نضالا جريئا لا نظير له ضد الجور الاقتصادي والسياسي والروحي الفادح الذي كان يسود المانيا”. لقد قام ماركس بالخطوة الاولى في تبيان الدور الفعلي للدولة في المجتمع الطبقي وذلك من خلال استنتاجه من ان الحكومة البروسية لا تعبر الا عن مصالح رجال الدين والنبلاء وهما الفئتان المميزتان آنذاك.

ان سعي ماركس الى الربط في الصحيفة بين الانتقاد النظري وبين النشاط السياسي الثوري هو ما دفعه الى رفض نشر مقالات “الاحرار” المشبعة بمناقشات مجردة عن الفلسفة والدين والثرثرة السطحية بصدد الشيوعية.

أصيبت الحكومة البروسية بالذعر من اتجاه الصحيفة الرينانية ومن تزايد نفوذها السريع,فأخذت تراقبها ومن ثم اصدرت قرارا بمنع صدورها. وحين طالب المساهمون بموقف اكثر اعتدالا,رفض ماركس ذلك واعلن انسحابه من هيئة تحريرها,ومن ثم قرر مغادرة المانيا حيث اغلقت امامه امكانية النشاط العلمي والصحفي على السواء, غير انها لم تستطع ان تثني عزمه على مواصلة النضال, لذلك قرر اصدار مجلة ثورية تدخل المانيا من الخارج ، فكانت “الحولية الالمانية الفرنسية” التي اصدرها في باريس والتي اعلن ان مهمتها “نقد بلا هوادة لكل ما هو قائم” وعلى صفحاتها كتب “نقد فلسفة الحق عند هيجل” وفيها تحدث عن مسألة الدولة وعلاقاتها المتبادلة مع الظروف المادية حيث يستخلص استنتاجا فى غاية الاهمية مؤداه ان المجتمع المدني ليس هو الذي يتحدد بالدولة بل العكس هو الصحيح فالدولة هي التي تتحدد بالمجتمع المدني. وفيها يرى ان الملكية الخاصة في اكثر الدول تطورا هي التي تحدد مجمل مضمون الدولة والحقوق.. وبهذا يصل الى الفهم المادي للدولة بوصفها أداة للسيطرة الطبقية.

وفي”الحولية الالمانية الفرنسية” يصرح ان رسالة الفلسفة الطبيعية تقوم في تحويل محاربة الدين الى محاربة الظروف الموضوعية التي تولده, وتحويل انتقاد السماء الى انتقاد الارض أي انتقاد الحقوق وانتقاد علم اللاهوت الى انتقاد السياسة.. وهذا الانتقاد يجب ان يكون فعالا وثوريا.

“مثلما تجد الفلسفة في البروليتاريا سلاحها المادي تجد البروليتاريا في الفلسفة سلاحها الفكري” بهذه الفكرة العبقرية حوّل ماركس الاشتراكية من طوباوية الى علم.

لقد نشرت “الحولية الالمانية الفرنسية” كتاب انجلس – الذي لم يتم تعارفه بماركس بعد – “ملاحظات في نقد الاقتصاد السياسي” مما حفز ماركس – اثر تأثره بهذه الملاحظات – الى نشر”المخطوطات الفلسفية لسنة 1844″ حيث نجد فيها اول محاولة للكشف عن التناقضات التي تأكل النظام الرأسمالي من الداخل,وهنا يخصص مكانا كبيرا لمقولة “العمل المنتزع” ويبين ان ناتج العمل في النظام الراسمالي لا يعود للعامل بل لمالك وسائل الانتاج وان هذا الناتج يتحول الى قوة تستعبد العامل كما اكد على ضرورة تصفية الملكية الخاصة لانها الاساس الاقتصادي للعمل المنتزع كما انتقد شتى اشكال الشيوعية الطوباوية التي تدعو الى التساوي البدائي.

بعد نشر انجلز مؤلفه السابق, جرت مراسلات بين الاثنين قادت الى صداقة قال عنها لينين “ان الاساطير القديمة تروي أمثلة مؤثرة عن الصداقة وبوسع البروليتاريا الاوربية أن تقول ان علمها قد خلقه عالمان ومناضلان تفوق علاقتهما الشخصية ما ترويه جميع اساطير الاقدمين البالغة الاثر عن الصداقة بين الناس”

الصحيفة الرينانية الجديدة
بعد ان احس ماركس بفشل “عصبة الشيوعيين”- وذلك لقلة أعضائها وضعفها التنظيمي – أن تكون أداة للتأثير على الجماهير الشعبية التي أخذت بالتحرك,أوجد طريقين للشيوعيين في تربية العمال وجماهير الشغيلة سياسيا وفي تنظيمهم من أجل حل المهام الاساسية للثورة البرجوازية الديقراطية وهذان الطريقان هما:
(1) صحيفة يديرها ماركس وانجلز
(2) الانتساب الى الجمعيات الديموقراطية

وهكذا صدر العدد الاول من “الصحيفة الرينانية الجديدة” في 31 آيار1848حيث تجلت عبقرية الرجل كنظري يبني سياسته على أساس علمي ومهارته الرائعة كصحفي ثوري وسماته البديعة كرئيس للتحرير.

ولا ننسى دور انجلز المساعد الامين لرئيس التحرير ويده اليمنى بفضل سعة افقه وقلمه السيال الرشيق واسلوبه الشعبي الواضح ومعرفته المدهشة باللغات كل ذلك اتاح له متابعة الاحداث العالمية .

ظلت الجريدة تساعد الجماهير الشعبية في التوجه عبر التشابك المعقد للنضال الثوري فقد تميزت بقدرتها على التبصير وحماسها الثوري ومهارتها الادبية كما استخدمت سلاح التهكم والسخرية القاتلة لتحطيم الاعداء .

لقد وجد القائمون على الصحيفة ان مهمتها الاولى هي فضح الاوهام الخطيرة المنتشرة في أوساط الشعب والقائلة ان الثورة قد تم انجازها بمعارك آذار/ مارس التي أوصلت الليبرالية الى السلطة وفي هذا الصدد كتب ماركس”ان الباستيل لم يسقط بعد” اذ اوضح ان هذه الثورة (النصفية) لم تحطم عرشا وابقت على الجيش القديم بضباطه النبلاء على حاله وان جهاز الدولة لا يزال بايدي البيروقراطية الجشعة والقاسية ، ان الملاكين العقاريين لا يزالون كالسابق يملكون عقاراتهم ويستغلون الفلاحين . وتنبأ – ببصر ثاقب – بان البرجوازية اذ خانت الشعب ليست بقادرة بنفسها على البقاء في دست الحكم وان ممثليها سيطردون حالا بمجرد ان تشعر الرجعية بثبات موقعها من جديد.

ما ان هزمت الانتفاضات على الراين حتى حانت نهاية الصحيفة الرينانية الجديدة اذ تمت ملاحقة العاملين فيها اما بالسجن او الترحيل وبذلك صدر العدد الاخير في 19 آيار مطبوعا بالحبر الاحمر – لون الرايات البروليتارية – ونشر فيها نداء وداعي من هيئة التحرير الى عمال كولونيا انتهى بالكلمات التالية “ان محرري الصحيفة .. اذ يودعونكم فهم يعبرون لكم عن الشكر على العطف اذي ابديتموه نحوهم ولسوف تبقى كلماتهم الاخيرة دائما وفي كل مكان : في سبيل تحرير الطبقة العاملة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *