فؤاد قنديل : ” كناري ” مجموعة الخميسي الفاتنة

fuad kandil 5      أشاعت مجموعة ” كناري ” للقاص المبدع الدكتور أحمد الخميسي في نفسي فرحا غامرا منذ قراءتي أولي صفحاتها ،و مصدر البهجة يكمن في تلك الكتابة الفاتنة ، وفي الكاتب المفكر الذي يجيد باقتدار تشكيل عالمه القصصي، وبين يديه وفي أعماقه تتأهب خيول الإبداع وتتحفز في انتظار دعوته لتواتيه أني طلبها ، ولتتحول الفكرة واللغة والإحساس والأحلام والوطن والبشر والطيور والزهور والأطفال والموسيقى وهو يعمل عليها بأعصابه ورؤاه كصانع الفخاريات الخبير  إلى بلورة مشعة بالجمال ، حريصة على أن تبث حوارا ناعما ونبيلا مع روح المتلقي.

     أحمد الخميسي قاص يكتنز الكثير من الجواهر الإبداعية التي ربما يكبحها تواضعه ، ولعله  بالفطرة يولي اهتماما بمشاعر البسطاء ، ويتوقف طويلا عند أحلامهم الصغيرة ، متعاطفا معها ، وسوف نجد الكثير من هذه الروح العاشقة للوجود في قصص المجموعة :  كناري. انتظار . باب مغلق. حرج خفيف . بط أبيض صغير. طفل في قفص . مشي بين الأعشاب . قصة .

        يميل الكاتب مرهف القلم والمشاعر إلى أنسنة الأشياء سواء الجماد أو الحيوان أو النبات ، وهو لابد يفعل ذلك لأنه يحاول رفع الظلم عنها ، ويود أن يوفر لها كل سبل التعبير عن ذواتها الخرساء ، ولكي يتحقق ذلك يضطر لنقلها إلى عالم البشر ، ومن ثم يطلق ألسنتها للبوح والفضفضة عبر السرد الرهيف ، ولكنه عندما يعبر عنها لا يعبر عن الحيوان والجماد فقط ولكنه يعبر أيضا عن الإنسان ، فبعض الناس أو كثير منهم حالهم كحال الجماد ، الذي كتب الله عليه ألا ينطق ، ربما لأن عذابه أقل وربما لافتقاده العقل الذي يشحذ الإحساس بالشقاء والألم .

      الخميسي من الكتاب الذين يحبون شخوصهم القصصية ، وهي سمة بالغة الأهمية والدلالة لأنها لا تكتفي بتشكيل العالم القصصي فقط ولكنها تبث في النص روح الكاتب وأعماقه ورؤيته للحياة ، ولعل القارئ الحصيف يمكنه أن يدرك بعد سطور قليلة مدى  تغلغل هذه السمة وحضورها في النص ، وكثيرا ما نفتقد هذه الروح في العديد من الأعمال مهما بذل كتابها من الجهد لصياغة عوالمها حيث تهيمن علي الأحداث والشخصيات حالة من التكلف والصنعة مع برودة المواقف وتراجع الحياة الحقيقية الدافئة والنابضة بما فيها من شجن ومرارة أو فرحة وعشق وجنون أو بساطة وحنين ومن هنا تغيب روح النص عن المتلقي  والإبداع روح شفافة قبل أن يكون

د. أحمد الخميسي
د. أحمد الخميسي

لغة بليغة وصراع وتشكيل جمالي وتألق خيالي .. النص يتعين أن يكون قادرا بأسراره على أن يتسلل بنعومة وهمس عبر عروق الإبداع إلى وجدان القارئ الشغوف للتعرف على الأحاسيس الصادقة للمخلوقات.

     لقد أتيح لي من خلال هذه المجموعة أن أعرف الكثير من ملامح شخصية الكاتب الممتزجة بأبطال القصص ، أو المتعاطفة مع أوجاعهم وتحسن التعبير عن أشجانهم ، وهو ممن يديمون التأمل والتفكر في أحوال كل المخلوقات ، كما أنه مهموم بأمته وما تكابده في مصيرها ومسيرها ، و أحسب أن كل ما تعانيه حاضر دوما على سن قلمه ينتظر اللحظة المناسبة كي يطل علينا حتى لو على جناح عصفور أو تحت حافر جواد أو في عين طفل ضاعت لعبته الأثيرة .

من القصص الجميلة جدا ، قصة ” باب مغلق ” وقصة “بط أبيض صغير” ، لكن الأجمل دون ريب قصة ” قصة ” . يبدأها الكاتب بهذه العبارات .

” كان يهم بإلقاء عقب سيجارة في الشارع عندما لمح ورقة مجعدة على الرصيف ترتعش أطرافها من هبات الهواء. انحنى ورفعها . قربها من عينيه وقرأ تحت النور الشاحب السطور الأولى منها فاكتشف أنها قصة . حدق فيها فطرفت بعينيها بنظرة غائمة محرومة . نفض ما علق بسطحها من غبار ، ووضعها في جيب الجاكتة الداخلي “

يمضي الراوي ليحكى لنا أنه بعد قراءة القصة  تعاطف معها وشملها بحنانه ، وبمرور الزمن كبرت القصة التي تحولت بمحبته واهتمامه إلى فتاة جميلة ومثيرة اعتاد عليها وقد آنست وحدته وبددت عزلته فتصادقا ، وتدور حوارات بينهما تكشف فيها عن الشخصية الجديدة التي ترعرت في بيت الراوي وبفضل عنايته المخلصة وحدبه ، وتتعدد مواقف الاتفاق والاختلاف حتى يأتي اليوم الذي تغيب فيه الفتاة ” القصة ” ، وكان لابد أن  تتباين الآراء مع النضج والاستقلال ، كما أن الرحيل لم يكن منه بد مهما توطدت المشاعر وامتزجت الأفكار.

وروعة القص لا تكمن فقط في الفكرة ولا في الخيال الجميل فحسب ولكن قبل هذا جميعه في التشكيل وحسن اختيار الكلمات والوصف بل وفي الروح الكامنة وراء النص على النحو الذي رأينا في المقتطف الأول ، وكما يمكن أن نلتمسه في السطور التالية من قصة ” حرج خفيف ” :

” كان المحصل يتابع الصاعدين إلى الأوتوبيس وهو يطرق خشبة التذاكر بقلم . كان محنيا برأسه وكتفيه وظهره في قوس ناعم . استند بمرفقيه على مستطيل خشبي مرتفع أمامه وفرد ذراعيه باستسلام وهدوء. وجهه مدبوغ من شمس كل يوم . منعزلا عما حوله بيأس صاف . فبدا كشخص ألقي به إلى قاع بئر بعيدة وظل وحده إلى أن فقد الأمل في كل شيء. فكف عن إرسال صوته للعالم . وانصرف إلى نفسه مثل يمامة تنقر ريش قلبها في صمت “

     kh ahmad alkhamisi وفى واحدة من أفضل ما قرأت من قصص خلال السنوات الأخيرة هي قصة ” باب مغلق ” نتعرف على أسرة مسيحية صغيرة مكونة من زوج هو موريس وزوجته جانيت دون ذرية يعيشان في شقة بالدور الأول من احدي العمارات وتحت السلالم يعيش محمود البواب مع ابنته الصغيرة هدى التى اعتادت أن تلبي حاجات السكان .. مالت الأسرة المسيحية لها ، وكانت جانيت كثيرا ما تدعوها لالتقاط أنفاسها بالجلوس لديها ..يقول الكاتب الذي يتميز بدقة غير عادية في اختيار الكلمات بحيث يتعذر استبدال كلمة بكلمة ولا أن تحذف كلمة :

” تجلس هدى على حافة الفوتيه كأنها تخشي أن تجلس عليه كله.. تبحلق في التليفزيون بصمت ، فإذا قدمت جانيت لها قطعة كيك صغيرة قضمت منها دون أن ترفع بصرها عن الشاشة.. تظل جالسة حتى ينادي عليها أبوها لتلبي مطلب لأحد السكان .. تغادر الشقة فينسل لون ما من الجو ويحل شعور خفيف بالوحدة والأسف في الصالة وعلى كسوة المقاعد  ، ويتفادى موريس وجانيت أن تتقاطع نظراتهما “

” في يوم آخر تطرق هدي الباب وتجلس على حافة الفوتيه تتفرج على فيلم كوميدى تأكل مما يقدم لها بينما تقيس مدام جانيت فستانا قديما ضاق على نجوي بنت أختها . تفرح هدي وتنهض بعد ذلك لمساعدة جانيت في غسل الصحون “

” كل يوم أربعاء يتجه أبو هدي إلى مستشفي قصر العينى لغسيل كليته ويعود منهكا أصفر الوجه .. يرقد على فرشته وهدي تناوله الماء والخبز.. في آخر مرة رقد ساعتين تحت السلم يئن حتى فارق الحياة”

” بقيت هدي أياما تبكى وجانيت تلح عليها كي تنتقل إلى شقتهما حتى وافقت أخيرا وأصبحت واحدة ضمن الأسرة الصغيرة وتعامل معها موريس وجانيت على أنها ابنتهما ، وبعد شهر فكر الزوجان أن يدخلا هدى المدرسة . لكن موريس اكتشف بعد أيام أن أهل الحي يتناقلون عبارة قاسية  ارتعد كلما استمع إليها ” موريس أخذ البنت في بيته وح يخليها نصرانية وح يربيها على طريقتهم”

ثم فوجئ موريس ببعض أصدقائه من المسيحيين ينصحونه بالتخلص منها حتى لا تتسبب له في مشاكل .. نقل موريس الكلام لزوجته وجلسا يبكيان في انزعاج شديد إذ لم يتصورا أن بالإمكان طرد البنت وجرح مشاعرها. ولما زاد الغمز واللمز والقيل والقال ولم يعد موريس ينام من وطأة الهم  نادي هدي وشرح لها بمنتهى الرقة والحنان وعلى قدر عقلها أن عليها مغادرة الشقة، وهي تبكى وترد عليه بأنها لا تعرف لها أهلا غيرهما. كرر ذلك عدة أيام وهي لا تغادر ، وتبكى وتتجول في الشقة على غير هدى دون أن تعرف معنى مغادرة هذا البيت الحبيب وهذين الشخصين الطيبين ، وفي الوقت نفسه كان موريس لا يزال يسمع من الناس كلاما جارحا وثقيلا ،إلى أن عجز عن الاحتمال فعاد يوما وأمسك بذراع هدي وجرها خارج الشقة وأغلق الباب.

     يقول الكاتب الذي كان فيما يبدو يعاني أكثر من الشخصيات الثلاثة ” البنت خارج الشقة، ملتصقة بالباب المغلق تخمشه كقطة وتبكى : أنا زعلتك في حاجة  ؟ .. والنبى تدخلنى يا عم موريس.. تتساقط  دموع موريس وراء الباب المغلق وهو يقول : ما اقدرش يا بنتى .. والعدرا ما اقدر

 والنبي والعدرا والنبي .. الباب مغلق وخلف كل ناحية شخص وحيد بحاجة للآخر”

    من سيسألنى عن معنى الأدب وجماله سأقول له : هذه القصة وغيرها مثال للأدب الرفيع في أنقى وأبهى تجلياته .

من الأمور اللافتة في هذه المجموعة أن جميع  العناوين دون استثناء نكرة ، مثل : كناري . بط أبيض صغير. انتظار . حديقة . باب مغلق. نظام جديد .بدلة. حرج خفيف. محاكمة. طفل في قفص. مشي بين الأعشاب. مسافة . حصان أحمر. الخ

وأزعم أن ثمة فلسفة تكمن وراء هذا الاختيار الذي قد يبدو غير مرض للبعض ، لأن النكرة توحي بالاستبعاد أو التجاهل ونقص الأهمية والحميمية ، لكن النكرة هنا أظنها تدل على الخصوصية ، فلو كان العنوان ” البط الأبيض الصغير” قد يعنى كل البط المماثل في الحجم والنوع ، ولكن الكاتب يقصد هذا البط بالذات ، ولو قلنا حديقة وليس الحديقة فهو بالقطع يقصد حديقة معينة لها سمات محددة وجري فيها حدث ما ودار حوار أدي إلى نتيجة خاصة بأطراف الحوار .. وعنوان مثل ” نظام جديد ” بالطبع لا يقصد منه النظام الجديد لكنه نظام معين أرساه شخص أو فئة لجماعة ما تقصده بالتحديد لأنه يخص الحالة أو النشاط المحكي عنه،وعندما يكون العنوان ” مشي بين الأعشاب ” فعينه على مشي شخص بالذات مر بتجربة مميزة نتيجة مشيه بين الأعشاب وهو مختلف تماما عن العنوان المُعَرف ” المشي بين الأعشاب ” الذي يخص كل سكان الأرض ، وهكذا يؤكد الخميسى بالنكرة خصوصية هذه الوحدة الإنسانية بالذات ويريد التركيز عليها ويطالبنا بأن نشملها وحدها باهتمام زائد لنتمعن في سرها ومحتواها غير المألوف.

     يتسم سرد الخميسي عموما بالحميمية والإحكام واللغة المجنحة  القادرة على التصوير بدقة ، وهي تسعى جاهدة كي تنسج عالما تكاد لا تعرف الحدود التي تفصل فيه بين الذاتي والموضوعي ، وقد شعرت في كل القصص كأن الخميسي بالفن يدافع عن الحياة ضد أعدائها ، ويحاول أن يقودها نحو الأجمل من المشاعر والسلوك  ليس كواعظ أو مبشر ، ولكن برؤية الفنان الذي يعبر في الأصل عن ذاته ويتيح لها الفرصة كي تتلفت نحو آفاق مفتوحة على الجمال والحب والتسامح ، وعلى سماوات خالية من الغيوم .

*سوف أعود لقراءة هذه المجموعة وأرجو أن تتاح الفرصة للقراء والكتاب الشباب كي يفرحوا بها كما فرحت

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء” : جبران خليل جبران /الأسطورة الخالدة

1/ في مقالته التي دأب علي كتابتها في صحيفة “القدس العربي” اللندنية والتي تعودت أن  …

| الكبير الداديسي : كيف يسوِّق كتاب آسفي علاقة مدينتهم بالبحر روائيا (ج2) .

  بعد الجزء الأول التي رصدنا فيه النظر السوداوية لمدينة آسفي في كتابات روائييها، ونوعا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *