تأمل شعري حول الوظيفة النقدية*
كلير لوجن
ترجمة: حسين عجة

كشاعرة أسعى لأكون واعية، من زاوية نظر الكتابة، بعلاقتي مع القراءة والنقد. لذا أشدد على أني لا أتحدث باسم الكتابة الشعرية عامة، بل باسمي أنا باعتباري شاعرة.
أن يكون لي عمل « œuvre »، أو عندما أكتب، فذلك لكي أقدم شهادة عن المسافة ما بين رغبتي والعالم، شهادة عن أزمة « d’une crise »؛ طرح تلك الأزمة، وضعها في كتاب، على أمل واعي نوعاً ما من أجل العثور لها على حل.

تقول مارغريت دوراس Marguerite Duras ما يلي : “الكتابة هي ظاهرة على القراءة الداخلية”. بطبيعة الحال، لكنها ليست قراءة تتحول إلى كتابة بالنيةِ « intention » – فهي في آن معاً- قراءة المرء لنفسه وإن يكون مقرياً : حوار داخلي « monologue » مُرسل « destiné ».

الكتاب، إذاً، هو أولاً وقبل كل شيء، مكان التعبير عن العلاقة النقدية بين اثنين، علاقة قطبيها الكتابة والقراءة.

كذلك قد ينبغي على المرء التمتع بالوقت الكافي، لكي يتوقف قليلاً عند تكون هذين القطبين. ولأني لا أملك منهما، لنقل باختصار سوى قوة كتابة الأنا « d’écrire de je » المتشكلة بفضل الاستبطان الداخلي للأخر « par intériorisation de l’Autre »، وتطابقهما في الصمت الذي يؤسسهما « le silence qui le fonde ». ينطبق الشيء ذاته على تشكل قوة القراءة، فأنا أدرك بأن العلاقة ما بين واحدة منهما بالأخرى تماثل العلاقة ما بين العطية « le don » والمطالبة « l’exigence ».

وهكذا، تقطن القراءة المثالية صميم الكتابة، كما تلازم الكتابة المثالية القراءة، وهذا ما يفترض، في الواقع، علاقة ليس بين اثنين، بل أربعة.

عند هذا المستوى، العلاقة نرجسية « rapport narcissique » : لا تكون علاقة الكتابة بالقراءة، ولا واحدة من أجل الأخرى إلا كمرآة « comme miroir »، حتى يحين اليوم الذي تعمي فيه واحدة منهما عين الأخرى، وتدخل في عمق رؤيتها، تتشابك معها، وتقوم بممارسة الحب معها « faisant l’amour » كما قيل هنا.

تشكل تلك العلاقة بين الأربعة نوعاً من القاعدة المربعة التي قد تشبه شكل الكتاب، شكل مطروح في المجال –لنقل المجال الإقليدي-، دون ارتفاع ولا عمق، بلا تجذر في الماضي أو المستقبل، بلا صيرورة « sans devenir »، بل كون مغلق تحافظ فيه القراءة والكتابة على ديمومة عبثية، لا تواصل واحدة منهما البقاء فيه إلا باستغلالها للأخرى.

أن تدخل النقد هو الذي يُقحم –أو بالأحرى يُحَيَّن- العمودية على الكتاب. أو لنقل بأن تدخل النقد هو ما يجعل العلاقة ما بين القراءة والكتابة جدلية.

قلتُ بأن الكتاب هو أولاً تعبير عن أزمة، عن علاقة نقدية تشكل الكتابة والقراءة قطبيها. لكني أرى الآن بأن النقد هو مكان حل الأزمة، وبأن هذا الحل هو ما يؤسس حقاً النقد.

إذا ما أدركت الأمر بهذه الطريقة، سيظهر لي النقد كونه المحل المشترك للمطالبة وللعطية، للأنا والآخر؛ فنظرة النقد تبدو لي بمثابة مكان لقاء القراءة والكتابة. أنه شاهد هذا اللقاء؛ ستكون لغته إذاً هي لغة الشهادة.

لذا يبدو لي بأن ولادة فعل نقدَ متأتية من التصالح المزدوج ما بين الذاتية والموضوعية، ما بين الكتابة والقراءة، ويمر حد تعانق الجمالية بالأخلاقية « confluence de l’Esthétique et de l’Ethique ». أنه مكان العلاقة ما بين الكتابة والقراءة، الذي يكشف فيه الكتاب عن نيته الأعمق، عن غرابته، وتظهر فيه دعوته « où se révèle sa vocation ».

في صميم النظرة النقدية يتشكل حقاً انقلاباً جدلياً : فكما يحدث الأمر عبر عدسة، تصبح نظرة الكتابة عبر نظرة الناقد نظرة للقراءة الذاتية، فيما تتحول نظرة القراءة إلى كتابة. تنحل الأزمة، إذاً، في قلب النقد، وبأن هذا الحل هو ما يؤسس وجود النقد نفسه.

إذا ما تمّ إدراك النقد هكذا، ستكون علاقته بالأدب كعلاقة النظرية النسبية بالعلم؛ فهو قد جعل الأدب يمر من كونه المغلق نحو كون منفتح. يفتح النقد العمل « La Critique ouvre l’ouvre »، يحرره من ذاته، يضع العمل كعمل في العالم، ويمنح، في ذات الوقت، للقراءة والكتابة ما يماثل رغيف العيش، ما يماثل الحضور، وبذرة المستقبل، ويجعل، على هذا النحو، من العمل ليس أداة للديمومة، بل وسيلة مشتركة للصيرورة، يحوله إلى واسطة نقل، في المكان والزمان معاً، يجعله ناقلةً « un véhicule ».

بفتحه للعمل، يمارس النقد على العمل عنفاً لكي يجعله يتكلم « pour la faire parler »، حتى يخرج منه صرخته، ولكي يحرر معناه الحقيقي، الذي لم يكن قائماً من قبل لا عند المؤلف ولا عند القارىء، لكنه موجوداً في علاقتهما « existe dans leur relation ». أن يرى تلك العلاقة ويشاطر رؤيتها، أن يكون شاهداً عليها، تلك هي الوظيفة المزدوجة التي يضطلع بها النقد، كما يبدو لي. أما فيما يتعلّق بصلاحية الأداة للوظيفة، فهنا تكمن أهمية لقاءات كهذه.

*تمت ترجمة هذه المقالة عن كتاب “الدروب الحالية للنقد”، منشورات 18/10. اسم الكتاب بالفرنسية : Les Chemins actuels de la Critique, 18/10.

شاهد أيضاً

مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (2) حافظوا على حياة أمّي
تأليف: غياني سكاراغاس
ترجمة: خضير اللامي

ثمة صبي في اليونان قد عاد إلى منزل أمه للعناية بها خلال إصابتها بوباء Coved …

كيف سيغدو شكل العالم بعد فايروس كورونا؟ هناك أربعة احتمالات مستقبلية بقلم: سايمون ماير ترجمة: د. رمضان مهلهل سدخان

أين سيحلّ بنا المقام بعد ستة أشهر، أو سنة، أو عشر سنوات من الآن؟ أستلقي …

كولاله نوري: طبعة منقحة

المساء طبعة أنيقة لنساء يتفحصن دقائق المنزل أكثر مما يتفحّصْن قلوب المنزل، وهي تتدحرج نحو …

تعليق واحد

  1. Nice articles.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *