ليث الصندوق : أبواب الفردوس الثلاثة في رواية ( أبواب الفردوس ) ( * )

laith alsandook 4في ( أبواب الفردوس ) يرصد الروائي ناطق خلوصي حركة الدخول والخروج لبابين من أبواب الفردوس من بين أبوابها التي لا تُحصى ، الأول : باب الجنس ، والثاني : باب المال  ومن هذين البابين دخل كل ابطال الرواية باستثناء العم منير الذي ظل محتفظاُ بفردوسه الخاص الذي لم يلوثه النعيم الخادع لفراديس الوهم ، يدخل إليه من بوابة أخرى ثالثة لا تعرفها شخصيات الرواية ولا تقرب منها ، وتنظر إليها وإلى الداخلين عبرها نظرة ريبة وكره ألا وهي بوابة العقل . والعم منير يشكّل نقطة التوازن الوحيدة في الرواية بما يمثله من إعتدال وحيدة ما بين ثلاثة جبهات قلقة تتوزع ما بين التطرف الناجم عن ضيق الأفق ، ويقود الصراع على هذه الجبهة ( ألخال الحاج رمضان ) . وجبهة الجشع بحثاً عن الإثراء السريع ويقودها الأب ( منذر الحسيبي ) . والجبهة الثالثة هي جبهة المنحرفين وراء اللذة الطارئة وغير المشروعة وتمثلها أغلب شخصيات الرواية سواء من الذكور أو الإناث . ووسط الجبهات الثلاث المستعرة بحروب مضمرة كان العم منير يقف وحيداً مدافعاً عن قيمه ومبادئه دون أن يستسلم ، أو يهادن ، معزولاً من الجميع الذين لم يستوعبوا رؤيته المتفتحة والمستنيرة للحياة . ولتوضح صورة الصراع ما بين العم منير والجبهات الثلاثة نبدأ من الجبهة الأخيرة ، التي لم نقف على نص في الرواية يكشف موقف الجبهة الثالثة منه إلا أن ذلك لا يعني أن حرب العم منير مع تلك الجبهة كانت في هدنة ،  فموقفه من الإنحلال الأخلاقي والسائرين في ركابه يكشف أن الصراع بينهما كان في قمة احتدامه دائماً ( هذه الشهوة أساس بلاء البشرية ، محض رغبة محمومة لا تتجاوز الدقائق قادرة على أن تُهلك نفوساً ، وتهدم بيوتاً ، وتُشرّد أطفالاً ، وتُسيل دماءاً حين تتمرّد على العقل . ص / 301 ) . أما صراع العم منير مع الجبهة الأولى التي يقودها الخال الحاج رمضان فقد كان متأججاً دائماً بحكم التناقض البين في الانتماءات العقائدية ما بين قيادتي الجبهتين ، وهذا ما يكشفه رأي الخال رمضان في العم منير في كل مناسبة ، ولعل أقسى تلك المناسبات عليه يوم علم بخطبة إبن أخته غزوان على رؤى أبنة منير ، وكان يتوقع أن يخطب غزوان إبنته الحمقاء الدميمة سندس ليعلن بتلك الخطبة انتصاره الحاسم على العم منير ، ولكن غزوان خيب ظنه وحسم المعركة لصالح عمه ، وهذا الحسم هو في الحقيقة حسم لصالح لعقل في معركته مع الخرافة والتخلف ، ولعل الحوار ما بين غزوان وخاله يكشف أبعاد الصراع ما بين الخال والعم :
( – لم تبارك لي يا خالي
هزّ خاله رأسه متسائلاً ، فقرّب الخاتم من عينيه
– لقد تمت خطوبتي من إبنة عمي رؤى
رآه يرتعش غضباً ولم يصبر أكثر :
– لقد ارتكبت إثماً عظيماً يا غزوان
–    لماذا يا خالي ؟
–    لأنك اخترت إبنة ذلك الكافر الذي رباها على الخروج على ما جاء به القرآن والسنة النبوية ، وتركت من هي أهل لك وأنت أهل لها ، وكانت ستصبح خادمة لك طوال حياتك .
ص / 219 )
nateq  2وبالرغم من إن الراوي لم يقدم مقارنات بأفكار الطرفين ولم يسع إلى عرض حواري بين الرجلين يكشف فيه كل واحد منهم عن نفسه وقضيته ، إلا أن الراوي استعان بآلية ذكية لبسط أفكار العم منير من خلال عرض جانب من الفكر والسلوك النقيض ممثلاً بالحاج رمضان ، وبذلك منح القاريء فرصة تشكيل صورة معاكسة للخال هي بالتأكيد لن تكون سوى صورة العم منير . أما صراع العم منير ضد الجبهة الثانية التي يقودها أخوه الثري ( نذير الحسيبي ) فقد تبدّى من خلال حالتي الصدود والمقاطعته التي فرضهما الثاني على الأول لسنوات طويلة بعد ان كان قد استولى على ميراثه ، وسنأتي على ذلك لاحقاً ، بيد أن حدة المعارك على هذه الجبهة قد خفتت بعد ظهور طرف ثالث محايد حكّم العقل ليحل عقدة النزاع ما بين الأخوين ، ويكسر طوق المقاطعة ، ويعيد مد الجسور من جديد . ذلك الطرف هو غزوان ، الذي لم تنعكس حرب أبيه ضد عمه سلباً عليه وواصل الإتصال بعمه والإفادة من طروحاته الفكرية الغنية ، وقد توج علاقة وده معه بخطبة بنته رؤى ، وبتلك الخطبة أعلن انحيازه التام لفكر العم وخطى الخطوة الأولى لدمج الأسرتين المتنازعتين في أسرة واحدة .
من الباب الأول للفردوس ( باب الجنس ) دخل غزوان مسلحاً بوسامته لاجماً في بداية بحثه عن الفردوس اندفاع أخته المراهقة الطائشة نسرين التي تصغره بسنوات قلائل والتي كانت تجنح بها مراهقتها وتهورها العاطفي باتجاه منطقة محرمة من الحب مع أخيها . ومن الواضح أن غزوان كان يحتكم في لجم اندفاعته مع أخته إلى اتزانه المبكر ونضوجه الفكري الذي نمته لديه ودعمته تلقينات عمه اليساري ، فقوّمت مسيرة حياته بكاملها وأرته بالعقل والمنطق مناطق تعيا رؤيتها بالعين . ولكن اتزان غزوان ونضجه عجزا عن كبح اندفاعته الطبيعية باتجاه الجنس حين إدرك بغريزته المتفتحة لتوها بأن نهال المدرسة المطلقة في مدرسة أخته تبحث في نظراته عن الفردوس دون أن تعرف كيف تطور طريق النظرات لتصبح قمينة بإيصال سالكيها إلى بوابة الفردوس ، كما أنها لا تعرف كيف تصل إليه لتأخذه معها باتجاه تلك البوابة ، ومن البدهي أن بوابة الجنس لا يدخلها الأفراد إلا مقترنين ، وكانت الباب هذه المرة – دون المرات التي أعقبتها طراً – بحاجة إلى مفتاح ، ولعل تأمين وجود المفتاح سيضمن ليس فتح الباب فحسب ، بل وحل كل الإشكالات المعرفية التي تحول دون الوصول لتلك البوابة ، وكان المفتاح الذي استعان به غزوان لفتح باب الجنس له ولنهال لدخول الفردوس هو أخته نسرين التي أقنعها بحاجته إلى دروس خصوصية من نهال في مادتي الكيمياء والفيزياء ، وبما أن المادة الثانية ليست من اختصاصها فقد اتخذاها شفرة يخفيان وراءها عن الأخرين رغبتهما في دخول الفردوس ويعلنان عبرها لبعضهما رغبتهما في ذلك . وفي علاقة غزوان بنهال يتجلى مبدأ المقايضة ما بين طرفين كل منهما يفتقد إلى مزية ما يمكن للآخر أن يعوضها له ، مزية نهال في العلم وفي الأنوثة الحرّة وغزوان بحاجة للمزيتين ، ومزيته في الوسامة والذكورة الحرة ، ونهال بحاجة للمزيتين ، وبهذا ضمن كل منهما أن يؤمكن للأخر حاجته وفق اتفاق أقرته الأرواح المتعطشة ووافقت عليه الغرائز ، وكان من الممكن أن يستمر العمل بهذا الإتفاق زمناً أطول ، ولكن المقايضات عادة لا تستمر طويلاً ، فسحب غزوان نفسه مخلاً بالاتفاق دون أن يعلم الطرف الأخر بنيته في الانسحاب وبعد أن نال بغيته منه ، وحقق مراده ( النجاح بتفوق ) ولم يتذكر العقد ولا إخلاله به إلا بعد سنوات . وهكذا سرعان ما فترت هذه العلاقة ، ثم انقطعت تماماً ، فقد كانت مرهونة بحاجة غزوان إلى الدروس الخصوصية حتى يجتاز مرحلة الدراسة الإعدادية بتفوق وعندما زالت الحاجة زال الاحتياج . أما دخول الفردوس مع ( أم رهيف ) موظفة الإدارة في كلية الهندسة ، وهي إمرأة كأغلب شخصيات الرواية بلا تاريخ ، لا يُعرف عنها أكثر من انها زوج ضابط شهيد ، فقد اقترنت علاقته بها بالهدايا الباهظة الثمن التي قدمها إليها ، علماً أن تلك الهدايا لم تكن ثمناً لإقناعها بمرافقته إلى الفردوس لأن دافعاً أكبر كان يحثها على تلك المرافقة ألا وهو الحرمان ، بل كانت تلك الهدايا ترجمة لرغباته إلى اللغة التي تفهمها الأنثى . كانت علاقته بأم رهيف مرتبطة بمواصلة الدوام في الكلية ، وعندما انقطع غزوان عن الدوام فيها مجازاً لمدة عام انقطعت علاقته بها ، وظل باب الفردوس موارباً في إنتظار أن يدخلاه من جديد . وبعد انتهاء عام الإجازة عاد إليها ومعه هديته ، ولكن هذه المرة ليس لمرافقتها إلى بوابة الفردوس المواربة ، بل لتنقية علاقتهما السابقة من شوائب الحرمان ، وبناء علاقة جديدة لا تعوي فيها ذئاب الأجساد الجائعة . لقد كان الفضاء المكاني لهذا الفردوس في بيت ( أم رهيف ) بينما كان الفضاء المكاني لفراديسه السابقة في ( بيت العائلة ) وفي ( بستان العائلة ) وبإضافة الموقع الجديد يكون قد وسع من خياراته المكانية التي تعني توسيعاً في خياراته العاطفية ، ويكون بتمرين المسافات البعيدة الجديد هذا قد انطلق من مدينته ( الداخل ) باتجاه بيت أم رهيف في بغداد ( الخارج القريب ) إستعداداً للانطلاق بتجربته العاطفية إلى مواقع أبعد في الدولة الخليجية ( الخارج البعيد ) . والمفارقة أن تجربته في الموقع الأخير ( الخارج البعيد ) لم تكن غنية ولا مثمرة  كما يُفترض أن تكون بعد كل تلك التمارين .
أما خطيبته رؤى فقد كانت بوابة الفردوس مفتوحة لهما دائماً لكنهما لم يدخلاه سوى مرة واحدة – والعهدة على الراوي –  إنه فردوس من نوع آخر ، فهي خطيبته ، وإبنة عمه وأستاذه الذي يبجله ، إضافة إلى أنها زميلته في الكلية وكل تلك العوامل جعلت من الفردوس الجديد مغايراً عن كل الفراديس الأخرى التي سبق أن ولج بوابتها ( فشعر تلك اللحظة أن باباً مغايراً من أبواب الفردوس ينفتح أمامه . ص / 182 ) .
kh natek 4وفي الفضاء الخليجي من الرواية كان غزوان على موعد مع الفردوس ، ولكنه في الحقيقة لم يكن فردوساً بل كان جحيماً مؤثثاً بأثاث الفراديس ومرسوماً على أشكالها ، فقد عكست زوجة أبيه ريم الشهلاوي في علاقتها معه أخلاقيات الخائن التي كانت قد اكتسبتها من عائلتها الخائنة فاستدرجته مجبراً إلى فراش أبيه الغائب . وكما يمهّد ويخطط الخائن ويستعين بآليات التهديد والإغراءات لتحقيق أهدافه المخابراتية ، مهّدت وخططت  واستعانت مع غزوان بذات الآليات لإطفاء شهوتها الجنسية . وفي الخليج أيضاً كان غزوان يرنو إلى فراديس أخرى يدخلها من بوابة الجنس مع نساء أخريات ( ياسمين ) الخادمة الباكستانية المطلقة ، وهبة ونيفين المضيفتان الجويتان ، ولكن تلك المحاولات لم تتحقق . ولكن غزوان لم يستأثر مع صويحباته على بوابة الجنس للدخول إلى الفردوس ، بل دخلت من ورائه أمه مع عشيقها هشام . وإن كان هشام في قمة اندفاعه لم يجد من الضروري أن يبرر اختياره لتلك البوابة يدخلها مع زوجة عمه ، إلا أن عشيقته وزوجة عمه ( فطم ) ربما وجدت من الضروري أن تبرر خطيئتها بأن تجعل من زوجها مشجباً تعلقها عليه ، وتجعل من غيبته سبباً فيها ( لامت مع نفسها زوجها الذي لم يكن يهمه سوى اكتناز المال . نسي أن له زوجة عاشت معه لأكثر من عشرين سنة . ص / 207 ). والحقيقة أن تلك الغيبة لم تكن السبب في دفعها لممارسة الخطيئة ، ولكنها كانت السبب في التمادي فيها فقد كانت الأم ( فطم ) تراود هشام منذ أيام طفولته الأولى .
وفي حين اقتصر دخول غزوان للفردوس من باب الجنس ولم يحاول دخول الباب الثانية باب المال والثروة بالرغم من انه أدار أعمال شركة أبيه لفترة محدودة في الخليج . إلا أن والده نذير الحسيبي دخل الفردوس من البابين ، باب الجنس وباب المال ، لكن متابعة الراوي له اقتصرت التركيز على دخوله من باب المال ، و لم يعدم التلميح إلى أن الرجل ظل بالرغم من انشغاله بماله وثروته لم ينس احتياجاته الذكورية خارج فراش الزوجية وقد اقتصر ذلك التلميح على علاقة واحدة مع خادمته الباكستانية ياسمين التي ركز عليها الراوي مرتين ، الأولى : عندما شك إبنه غزوان في وجود تلك العلاقة فاستجوب عنها الخادمة ، والثانية : عندما هربت زوجة نذير الثانية بثروته في أعقاب الاجتياح العراقي للكويت ، يومها لم يجد الرجل وهو في أحرج ظروف حياته من غضاضة ان يبيت ليلته الأخيرة ببيته مع ياسمين في فراشها . وعدا ذلك الدخول لنذير الحسيبي إلى الفردوس من بوابة الجنس فقد عاش عمره يدخل الفردوس من بوابتة الثانية ، بوابة المال والثراء ، لقد أسرته حياة الفردوس فنسي وراءه في الجحيم عائلته . أن التناقض ما بين عالمين لا يلتقيان ( الفردوس / الجحيم ) جعل الذين يعيشون في الجحيم يتطلعون إلى عالم بديل يعوضون به عن ما حرمهم منه الأخرون ليحولوا جحيمهم إلى فردوس دون أن يدرك الطرفان – وهم في أقصى حالات الانتشاء والتمتع بفراديسهم – بأن تلك الفراديس ليست سوى وهم صنعوه بأنفسهم ، وأثثوه بأخطائهم وخطاياهم ، ومع ذلك فتلك الخطايا – مهما عظُمت – فهي بالتالي تبقى خطايا بشر والراوي يعي ذلك ، لذلك وقف محايداً في مواجهة أبطاله ، ولم يُنصّب نفسه قاضياً أو مفتياً فيهم ، ولم يُصدر حكماً أخلاقياً عليهم لا بالتأييد ولا بالادانة مهما تطرفت المواقف وتباعدت ، وتركهم يمارسون الخطايا مستمتعين ومأسورين إلى أقصى حالات الانتشاء إلى أن تأذن لحظة الحقيقة ، فهم صور كتابية عن بشر يضعفون أمام مغريات الحياة التي وضعها الكاتب ( القدر ) في طريقهم . ينحنون خضوعاُ أمام سلطان الشهوة الجبار ، وينحرفون ، ثم يعودون – وإن بعد زمن بعيد – لتصحيح اتجاه البوصلة بتأثير واحد من الأسباب الثلاثة التالية :
–    قناعة أملاها نضوج في التفكير كما انتهت إليه مسيرة غزوان الذي لطالما انحرفت بوصلته بالرغم من الكوابح الأخلاقية التي كان يضعها في طريقه بنفسه بحكم ما عرف عنه من اتزان أوبحكم ما تعلمه من عمه المستنير من دروس في الحياة .
–    أو ان ذلك التصحيح ناجم عن صحوة ضمير كما حدث لنذير الحسيبي في عودته بعد غربة طويلة إلى عائلته ليعوضها عن ما حُرمت منه ، وليبني لها في وطنها مستقبلاً جديداً .
–    أو ان ذلك التصحيح املته التغيرات في الظروف التي قادت إلى الإنحراف كما انتهت إليه العلاقة الملتبسة ما بين فطم ( الأم ) وإبن حميها هشام .
وسواء كان دافع التصحيح هذا ، أم ذاك ، فهناك من نجح في تقويم اتجاهه ، وتنقية شوائب ذاته ، ليكمل مسيرة الحياة ، أو ما تبقى منها ، وهناك من أخفق ، وخسر كل شيء مثل نذير الحسيبي الذي فقد ثروته في الكويت عقب احتلالها .
ففي ظروف حرب لم يُفصح الكاتب عن إسمها – وتركها محض احتمال لا يخطيء القاري العراقي في تحديده – غادر الأب نذير الحسيبي ( وهو أكبر تاجر جملة في مدينته . ص / 152 ) بيته تاركاً زوجة في ريعان شبابها وولداً ( غزوان ) في السابعة عشرة ، وبنتاً ( نسرين ) في الخامسة عشرة في مدينة تركها خلواً من الإسم ، مثلما ترك قبلها تحديد ملامح الحرب الطاحنة في وطنه ، مخلفاً أملاكه بيد خال أبنائه الحاج رمضان يديرها ويعيل عائلته من أرباحها . توجه الأب في البداية إلى دمشق وهناك تعرف إلى تاجر خليجي ، والنص لا يتطرق إلى تفاصيل العلاقة التجارية ما بين الرجلين لكنه بعد مضي أكثر من ثلث الرواية يفاجئنا بأن نذير الحسيبي يملك شركة تجارية كبيرة في إحدى الدول الخليجية ، وهذا ما ورد على لسان إبنه ( ترك محلاته بعهدة خالي ، وسافر إلى الخليج ، وافتتح شركة هناك تحمل إسمي . ص / 152 ) . لقد كانت مبررات تلك المغادرة غير مقنعة للعائلة ، وهذا ما يكشف عنه تصريح إبنه ( لا أظن أنك في حاجة لأن تغترب ، كل شيء متيسر لك هنا . ص / 91 ) ومع ذلك فلتلك المغادرة تبعاتها على مصائر الابطال ، فقد كانت السبب في الفرز الذي أحدثته الشخصيات لبعضها البعض ما بين موقعي الفردوس والجحيم ، وهذا على الأقل بالنسبة للعلاقات داخل عائلة نذير التي رأت إليه وكأنه جحيمها ، وحملته تبعة ما تواجهه من مصاعب ، وردت إليه كل ما تقترفه من ذنوب وأخطاء خصوصاً بالنسبة للأم ( فطم ) التي ربما وجدت في سفره فرصة للتتخذ من ذلك ذريعة تبرر بها ما تقترفه من خطايا مع أبن حميها هشام بالرغم من أنها كانت قد سلكت طريق السقوط قبل رحيل زوجها بسنوات طويلة . أما خارج إطار هذه العائلة فقد كانت ظروف أخرى أكثر تعقيداُ هي التي فرزت العلاقات ما بين الشخصيات وموضعتها في إطاري الفردوس والجحيم .
في البدء تحدد الشخصيات الأساسية مواقفها من بعضها لترسم بموجب ذلك التحديد صورة الفردوس أو الجحيم الذي ستُحبس في إطاره ، فمنذ الصفحات الأولى كان لا بدّ أن يكون الأب ( نذير الحسيبي ) هو محور الجحيم بالنسبة لكل شخصيات القصة الأساسية :
–    ألزوجة التي هجرها وهي تعيش أصعب مراحل تطورها الجنسي الطبيعي
–    ألولد وهو في بدايات عمر المراهقة وفي أصعب مراحل الدراسة ، وقد حمله مسؤولية عائلة بكاملها يدير شؤونها نيابة عنه .
–    ألبنت المراهقة المتهورة تركها تواجه مصاعب شتى في دراستها وفي علاقتها العاطفية المحرمة مع أخيها ، وفي علاقتها غير الودية مع والدتها ، وفي علاقة خفية لم تتوضح أبعادها مع إبن عمها هشام .
–    ألاخ منير الذي تركه معوزاً بعد أن حرمه وأسرته من الميراث واستأثر به لنفسه .
–    الخال الحاج رمضان الذي يدير اعماله في غيابه والذي يتشابه معه في جشعه وحبه للمال ، لكنه يختلف معه في طريقة التفكير ، وكذلك في المصالح وفي حساباتها . وكثيراً ما مضت العلاقة بينهما إلى طريق اللاعودة ، لكنها سرعان ما تعود لتصفو من جديد .
من جهة أخرى فإن الصورة التي رسمها الراوي للخال الحاج رمضان جعلت من جشعه وتخلفه آليتين سرديتين مناسبتين لوضعه في الموضع الذي يؤهله أن يكون جحيماً بالنسبة ل ( غزوان ) الإبن ، ول( منير ) العم . ولأن كلاُ من نذير الحسيبي والحاج رمضان رضيا لشخصيتيهما أن تتموضعا في ذات المكان ، وهو الجحيم بالنسبة للاخرين ، إذن والحالة هذه فهناك اكثر من عنصر مشترك وصم شخصيتهما بالسلبية ووضعها في دائرة النقد والإدانة .
أما الحرب التي أبقاها الراوي عديمة الملامح ، فسرعان ما تكشف بعض ملامحها كلما اتجهت مسيرة الأحداث باتجاه العمق ، فهي حرب على الجبهات وليست داخل المدن ، ثم هي حرب استغرقت شهور الصيف الحار ( والراوي يقتطع بذلك الوصف جزءاً من المدى الزمني الذي استغرقته الحرب ) وذلك يميزها عن الحروب الأخرى التي عاشها العراقيون والتي جاءت كلها خلال شهور الشتاء ، إضافة إلى إنها حرب مدفعية وليست حرب صواريخ وطائرات ( صيف ساخن يجرجر أذياله وراءه ، خفف من غلوائه صمت المدافع على جبهات القتال . ص / 104 ) ويقتطع مقص الراوي جزءاً – يبدو إنه ليس بالقليل – من زمن الرواية المتوجه إلى الأمام منذ البداية حتى الختام ، حبث اننا ما نكاد نجتاز ثلث الرواية حتى يفاجئنا النص – دون سابق إنذار – بأنه يدور في ظروف كانت الحرب فيها قد انتهت منذ زمن بعيد ، فغزوان الذي ذهب إلى بيت أم رهيف موظفة الإدارة في كلية الهندسة لاستشارتها في أمر إرجاء التحاقه بالدراسة لمدة عام واحد هي زوج ضابط شهيد ( استشهد قبل وقف إطلاق النار بأسابيع . ص / 148 ) .
أما المدينة التي سبق أن أبقاها كالحرب بلا إسم ولا ملامح ، فقد بدأ يمنحها بتقتير بعض الملامح العامة التي ربما لا تخلو منها أية مدينة ، ولكنه لم يسمها . وفي كل الأحوال فهي ليست العاصمة بغداد ، ولكنها على مقربة منها وهذا ما يتبين من حديث العم منير الذي رافق إبنته رؤى وخطيبها غزوان ليسجلا نفسيهما في الجامعة بعد تخرجهما بتفوق من الدراسة الإعدادية ( وما حاجتنا للغداء ؟ ساعة واحدة أو أكثر ونصل إلى مدينتنا . ص / 107 ) وهي مدينة محافظة أكثر من بغداد كما يقول غزوان لأخته نسرين في أول زيارة برفقته إلى العاصمة ( إرفعي الربطة عن رأسك ، إننا في طريقنا إلى بغداد ولسنا في مدينتنا . ص / 186 ) ومع ذلك تبقى ملامح المدينة التي تحتضن الأحداث والشخصيات في الفضاء العراقي من الرواية ( للرواية ثلاثة فضاءات مكانية عراقي ودمشقي وخليجي )  أقول تبقى دون الوضوح والتفصيل الذي خص به بغداد ، بالرغم من أن أبطاله يرتادون تلك الأخيرة إرتياد الضيوف ، فقد رصد طوبوغرافيتها برسم خارطة وصفية تتبع حركة الانتقال فيها عبر الشوارع الرئيسة ( شارع الجمهورية وشارع السعدون وشارع أبي نواس ) والساحات ( ساحة التحرير وساحة الباب المعظم ) والجسور ( جسر الشهداء ) والأسواق ( سوق الكاظمية وسوق الصالحية ) وسواها . ولعل وراء هذا التمييز في إيراد التفاصيل نية في توسيع بعض المساحات الفارغة بما يمكن الكاتب من الإبقاء على بعض أسرار السرد طي الكتمان لدواع ربما تبقى ملكاً له وحده .
وبانتقال غزوان للعمل في الخليج تكون مركزية الرواية قد تفتتت بانشطارها وتفرعها  ما بين موقعين :
ألموقع الأول : وهو الموقع ألذي سيدير منه نذير الحسيبي ( الأب ) الأحداث في مدينته العراقية الأولى بعد أن عاد إليها من الخليج ، وهذا الموقع هو ذاته الذي كان يشغله غزوان في مدينته . ولكن نذير لن يستنسخ دور إبنه بل ستكون له من خلال هذا الموقع الفرصة ليضفي على الدور سخصيته وسيكون أثر تميزها واضحاً على مواقف الشخصيات المحايثة له .
ألموقع الثاني : وهو الموقع الذي يكون قد تشكّل بعد سفر غزوان ( الإبن ) إلى  الخليج ، حيث إنه سيدير من خلال هذا الموقع محوراً جديداً لدور جديد بالنسبة له وبالنسبة للقاريء ، ولكنه ليس جديداً بالنسبة لمنطق السرد الذي يفترض أن ليس ما تجاوزه الراوي غير موجود ، لأن دور غزوان الجديد هو في الحقيقة ذات الدور المضمر الذي سبق للأب بالتأكيد أن أداه سواء في إدارة الشركة أو بالنسبة لتولي شؤون أسرته الثانية ولكن الراوي تجاوزه نزولاً عند ضرورات السرد ومتطلباته التقنية .
وفي حين لم يغن السرد انتقال الأب ( نذير الحسيبي ) إلى مدينته العراقية الأولى فقد ظل محبوساً في حدود الدور التقليدي المرسوم لكل أب ، لم ينجز ما يميزه باستثناء المبنى الذي أنشأه لمشروعه الجديد ، وحتى هذا المشروع لم يذق ثمرة نجاحه . إلا أن المهمة السردية لانتقال غزوان للعمل في الخليج كانت أكثر فعالية إذ إنها سلطت الضوء على الدور السردي المحتجب للأب في الخليج وقدمت شخصيات جديدة فاعلة ومؤثرة وكشفت أوراق زوجته الثانية ريم الشهلاوي وعلاقاتها المشبوهة .
وكما أخفى الراوي إسم المدينة العراقية التي تدور فيها أحداث الرواية وتفاصيلها المكانية ، أخفى بشكل تام إسم وتفاصيل البلد الخليجي الذي حل فيه غزوان بطلب من أبيه ليدير نيابة عنه شركته هناك متحاشياً توسيع دائرة الأحداث خارج الإطارين اللذين ينشط ما بينهما ( البيت /الشركة ) إلا في الحدود الدنيا تلافياً للاستعانة بالجغرافيا ، وحتى إذا ما اضطر البطل لكسر الحواجز المحيطة بهذين الإطارين ودخول إطار أخر فأنه ينشط من داخله وليس من المناطق المجاورة له والمؤدية إليه ( دار السينما / عيادة الطبيب ) ومن البدهي أن يكون الداخل مختلف عن الخارج من حيث إمكانية تواري الأول خلف ضبابة من العمومية ، بينما يتطلب الخارج المزيد من الوضوح والتفصيل . بيد أن هذا التكتم على إسم المدينة الخليجية ينفرج في الصفحات الأخيرة من الرواية ، فإذا بها الكويت التي ساءت علاقتها السياسية مع وطنه وبدأت نذر الحرب تلقي بظلالها على علاقة نذي الحسيبي  التجارية مع شركته ومحيطه التجاري وكذلك بدأت نذر الحرب تلقي بظلالها على علاقته العاطفية مع زوجه الثانية ( فردوسه على الأرض ) التي هربت ومعها كل أموال شركته إلى أمريكا بعد أن كانت قد ضمنت لعشيقها مكاناً في مستقبلها هناك وكأنها تعيد إلى ذاكرة الحاضر فصولاً من تاريخ الخيانة الذي كانت قد استنته عائلتها في سلوكها ورسخته في ممارساتها وأورثته إلى أبنائها عبر جيلين . وإن كنا نجهل الأسباب التي دفعت الراوي إلى إخفاء أسماء الحروب والمدن وجنسيات كل الشخصيات العربية التي مر ذكرها ومن بينهم ريم الشهلاوي ألزوجة الثانية لنذير الحسيبي في البلد الخليجي الذي يدير منه اعمال شركته التجارية ، إلا أن القاريء سرعان ما يكشف تلك الجنسية ، وربما يخمّن دوافع إخفائها وهو يقرأ تاريخ عائلتها المخزي الذي تفتح ريم صفحاته بنفسها لغزوان فإذا به تاريخ عائلة من الخونة لا يُشرّف القضية النبيلة التي يفترض أنهم ينتمون إليها ، ولا يُشرف الجنسية التي يُفترض أنهم يحملونها .
يتسم النص بتفرعاته عن الخط العام وإيغاله في تفاصيل غاية في الخصوصية، لكن تلك التفريعات لا تقطع الخط العام إذ سرعان ما تعود لفك الخطوط المتشابكة من جديد ويعود السياق إلى سابق عهده . ومع تلك التفرعات يسمح الراوي لأبطاله باستراحة قليلة يتحررون فيها من ضغط الخط العام للأحداث والتحرر من مسؤولياتهم السردية ليمارسوا حياتهم الخاصة بمنتهى الحرية والتبسط دون حذر من احتمال الانزلاق بعيداً عن الدائرة التي حُبسوا داخل محيطها ، وفي فسحة الحرية تلك يتحدثون بدونما حرج في أمور ربما لا يجرأ المرء من التحدث فيها حتى مع نفسه مثل العلاقات المحرمة ما بين المحارم ( غزوان وأخته نسرين ) أو هم يتحدثون في أمور غاية في الخصوصية مثل تفاصيل شراء غزوان احتياجات أخته ومن ضمنها الملابس الداخلية ، أو التطرق إلى إزالة الزغب من جسد نسرين وأمثلة كثيرة من هذا القبيل . وبالعموم فقد تعامل الكاتب مع تلك التفاصيل والتفرعات بمنتهى المرونة واليسر حتى بلغ في بعض المواقع حدود السهل الممتنع مذكراً بأسلوب الكاتب الأرمني الأمريكي وليم سارويان في روايتيه ( أمي أحبك ) و ( الكوميديا الإنسانية ) . ولكن الإيغال في التفاصيل والتفرعات لا يعدم أن ينطوي النص على فراغات هي في حقيقتها نصوص أو أحاديث محذوفة بإمكان القاريء توقع مضامينها عبر السياق ففي المقبوس التالي ردٌ من غزوان على عتب خاله الحاج رمضان بعد تقدمه للزواج من إبنة عمه ، ولكنه رد لا يخلو من بتر ( صمت لحظة وقال فجعل خاله يشعر كأنه مسّ سمعه بشواظ من نا . ص / 220 ) ولكن ماذا قال غزوان وما مدى قسوة ما قيل لكي يحس الخال بشواظ النار . لقد غيّب الراوي مقالة غزوان عن القاريء تاركاً للأخير تخمين المغيّب بالاستعانة بسياق العلاقة الموتورة بين الإثنين . وإن كان القاريء قد نجح إلى حد ما في تخمين القول المحذوف في المجتزأ السابق إلا إنه سيخفق قي تخمين النص الغائب في الحوار التالي ما بين الخال الحاج رمضان وأخته فطم بالرغم من أن القاريء على علم بسياق العلاقة بين المتحاورين ذلك لأن السياق لم يقدم التفصيلات الكافية لتخمين احتمالات النص المحذوف :
( – سامح الله زوجكِ الغائب الأن والذي لا ندري ما الذي يفعله هناك ، إنكِ لا تصدقين أنني حججت ، وغسلت كل ذنوبي في بيت الله الحرام .
ضحكت :
–    وذنوبك التي ارتكبتها بحقي ؟
ص 224 )
وحوار الذنوب لا يتوقف عند هذا الحد ، بل يتواصل دون أن يتطرق الطرفان إلى طبيعة الذنوب التي اقترفها الحاج رمضان بحق أخته ، ودون أن يزودنا الراوي بذخيرة نصية تمكننا من تخمين ذلك . ففي اللقاء ذاته ما بين الأخ وأخته تطلب إليه أن يعينها في معرفة إسم الشخص الذي رفع تقارير أمنية ضد إبنها إلى الجهات الأمنية ، مذكرة أياه بأنّ علاقته السابقة بالجهات الأمنية تمكنه من معرفة ذلك ( كنت على علاقة بالجهات الأمنية ، ويمكنك أن تعرف هذا الشخص ناقص الذمة . ص / 224 ) وهذا المقبوس يشير إلى نص غائب ، أو محذوف ربما كان مكانه في بداية الرواية ، أو قبل زمن القص ، ولكن الراوي قفز عليه ليفاجئنا بالتلميح إليه بعد أن كانت الرواية قد تخطت ثلثها الثاني . وفي أماكن أخرى تتستر الشخصيات على نصوصها الغائبة بيد أن الراوي المفارق يتكفل بنبش الماضي وتقليب أوراقه واستحضار المغيب منها ، وهذا ما حدث مع الخادمة الباكستانية ( ياسمين ) التي تعمل في بيت نذير الحسيبي في الخليج ، والتي استنطقها إبنه غزوان بشكل مباغت عما يشكّ فيه من سلوك أبيه معها ، وعن سلوك زوجة أبيه ريم الشهلاوي مع مساعدها في الشركة حمدي الأسيوطي ( بدون أن يسبق ذلك بالتمهيد للقاريء بما يمكنه من تدعيم أوتأكيد تلك الشكوك ) ، لقد كذبت ياسمين على غزوان ، ولم تكشف له كل الحقيقة ، ولكن ما انطلى على غزوان وعلى القاريء من ذلك الاستنطاق الزائف لا ينطلي على الراوي الذي يعرف أسرار أبطاله وخفاياهم ، فجاء يصحح ما كذبته الخادمة مرتين ( مرة حين قالت بأن سيدها الكبير لم ينم على سريرها ، وهو الذي فعل ذلك أكثر من مرة . كان يصعد إليها عندما تغيب سيدتها بصحبة أبنتيها ومربيتهما مثلما فعلت تلك الليلة . وكذبت عليه مرة أخرى حين لم تبح له بما وقع بصرها عليه في خلوة سيدتها مع حمدي الأسيوطي . ص / 290 ) وبالرغم من كشف الراوي لأوراق ياسمين وتصحيح ما تعمدت الكذب به في مداخلته السابقة إلا إنه تعمد في عبارته ( مثلما فعلت تلك الليلة ) التلميح إلى وجود نص غائب لم يشأ كشف تفاصيله تاركاً لفضول القاريء استحضار ذلك النص عبر ذلك التلميح .
من كل ما سبق يبدو جلياً أن الأحداث تترابط مع بعضها على خط الزمن المستقيم ترابطاً منطقياً يمليه منطق السبب والنتيجة بحيث يسهل على القاريء أحياناً توقع ما ستأتي به الصفحات التالية ، بيد أن ذلك لا يُفقد النص عنصر المفاجأة لأن التوقعات غالباً ما تنحصر في الأحداث الفرعية التي تمثل الامتدادات الأفقية . أما الأحداث الرئيسة التي تمثل البنية العمودية للرواية فتبقى محتفظة بحيويتها المستمدة مما تضخه من أسرار ومفاجآت . ولكن بالعموم تبدو إستراتيجية الكاتب في زمنيتها وفي تدفقها وفي ترابط أحداثها وفي إيثارها العرض الحواري على السرد الخبري وفي تفريعاتها وتفصيلاتها ، تبدو قريبة إلى حد كبير من إستراتيجية الكتابة الدرامية ، ولربما تكون تجربة الكاتب مع الدراما التلفزيونية متابعاً وناقداً قد انعكست على هذا النص .
ومع اجتياح النظام البعثي للكويت وتوجه الرواية نحو نهايتها تتسارع وتيرة الأحداث ، وتفقد بالتدريج تدفقها وانسيابيتها وتجنح نحو الترميز والإيحاء عن طريق تكثيف الدلالات وذلك عبر تمثيل الأشخاص ( أفراداً وجماعات ) للمجموعات الكبرى التي ينتمون إليها ، ويكتسبون منها خواصهم ، فنذير الحسيبي هو الجزء الذي يمثل الكل ( الشعب العراقي ) ، وثروته التي تعب عمره بطوله في سبيل بنائها ، وضحى براحته وأمان وطمأنينة عائلته في سبيل تضخيمها هي جزء من الكل ( ثروة العراق ) . وريم الشهلاوي الزوجة الثانية لنذير الحسيبي التي خدعت زوجها بملقها ووفائها الزائف حتى جاءت ساعة الصفر ، فسرقت ثروته وهربت بها إلى أمريكا ، هي رمز لبعض الأعراب الذين لطالما تملقوا النظام البعثي السابق حين كان بقوته واستحوذوا منه على ثروا العراقيين ، لكنهم لم يقفوا معه حين سقط وفروا بما نالوه منه بعيداً عنه .
وعلى مقربة من النهاية كان نذير يتقدم بسيارته شمالاً عائداً إلى وطنه وعائلته بينما كان جنود وطنه يتوجهون جنوباً ويتوغلون في أرض احتلوها للتو  ( صوت إطلاق النار يتناهى إلى سمعه ، ويرى عبر شاشة التلفزيون جنود بلاده وهم يحتلون شارعاً بعد آخر . ليس أمامه سوى العودة إلى وطنه ، فهل سيفلح في ذلك ؟  . ص / 342 ) وكأنّ التعاكس الذي رسمه الراوي في وجهتي الطرفين : منذر ( المدني ) المتوجه شمالاً  من جهة ، والقطعات العسكرية المتوجهة جنوباً من جهة أخرى هو تعبير عن التناقض والصراع الخفي ما بين الطرف الأول المدني ( الشعب ) ، والطرف الثاني العسكري ( السلطة ) . ولعل قمة ذلك التناقض تأتي من النهاية المفجعة التي آلت إليها ثروة نذير ، او ما تبقى في حوزته من ثروته فقد سرقته منه مجموعة من جنود وطنه في تكثيف ذي مغزي مبطن لموقف الطرف الثاني المتمادي في تغافله لأبعاد هذا الصراع الذي تجاوز الحدود السياسية فاستحوذ على ثروة الشعب وسخرها لمصالحه ومخططاته التدميرية ، ولم يكتف بذلك ، بل أمعن في توسيع دائرة اعدائه بإضافة طرف خارجي إليهم ألا وهو الكويت والقوي الإقليمية والدولية المصطفة وراء قضيته .

( * ) أبواب الفردوس – ناطق خلوصي – دار ميزوبوتميا – الطبعة الأولى – 2013

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مقداد مسعود : القاص والروائي غانم الدباغ : قراءتان متباعدتان .

عرفتُ القاص والروائي غانم الدباغ  في منتصف سبعينات القرن الماضي من خلال أربعة أعمال :  …

| جمعة عبدالله :  حزن الغربة في المجموعة الشعرية “لا أحد يعرف أسمي” للشاعر خالد الحلي .

يمتلك الشاعر تجربة غنية وخبرة  طويلة  في الصياغة الشعرية العميقة في الإيحاء البليغ في المعنى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *