د. حسين سرمك حسن : مظفر النواب : (8) عشبة خلود الشاعر : “اسعيده” المرأة العراقية العظيمة

hussein sarmak 5يئس جلجامش وانخذل ولم ييأس مظفر النوّاب من الظفر بعشبة الخلود ، عشبة خلود مظفر هي شعب مظفر العظيم ؛ شعب العراق العظيم – هدية الله للبشرية –  أرضه بترابها وحبها وبصلها وشمسها وطينها ، وكلّها مشتقات من الحضور النفسي اللاشعوري المختزن والوجودي الكوني والفردي الفعلي لحضور الأنثى الأسطورية العظيمة : الأم . وعليه فإن عشبة الخلود النوابية هي ليست حچام البريس ولعيبي وسعود وجابر .. و .. و.. من الأبطال الرجال على أهمية حضورهم وفعلهم النضالي المقاوم وكما يحاول مظفر أن يرسخ ذلك في أذهاننا بفعل دور حچام في الحكاية .. بل هي اسعيده وكل النماذج – الأصوات الأنثوية التي تصدت لتبليغ رسالة الشاعر – راجع قصائد حسن الشموس ، مضايف هيل ، عشاير سعود ، مامش مايل ، سفن غيلان ازيرج وغيرها الكثير الكثير – حتى ليمكننا القول بلا تردد أن المنجز النوابي بأكمله قائم على حقيقة اكتشفها من خلال مقومات لاشعوره التي رسمت للصورة الامومية / العشتارية كإلهة منقذة بخلاف الأطروحات المتعسفة التي دامت آلاف السنين . هذا الاكتشاف شيء يتململ في أعماق المبدع ، يعرفه حدسيا ويصوغه شعريا لكنه لا يستطيع وليس من مسؤوليته أن يوصفه ” علميا ” أو ” نظريا ” . وكان معلم فيينا يأخذ ضيفه ليريه محتويات مكتبته ، ويشير إلى أوديب ملكا لسوفوكل وهملت لشكسبير والاخوة كرامازوف لدستويفسكي ويقول : هؤلاء أساتذتي . لقد اكتشف الأدباء الكثير من قوانين النفس البشرية بصورتها الأولية قبل علماء النفس الذين قاموا بوضعها بعد ذلك في صورة قوانين علمية ونظريات نفسية . ليس في مجال علم النفس فقط ، بل حتى في المجالات العلمية الفيزيائية ، وليس طرفة أن نقول أن الكثير من المخترعات العلمية الحديثة كانت نوى أفكارها موجودة في تخييلات ألف ليلة وليلة مثل المناطيد والغواصات والسينماتوغراف والتلفاز والمدفع الرشاش . قوة الخلق تأتي من أعماق اللاشعور وليس من الوحي الذي قد يضل طريقه وهو يهبط من السماء ، والمبدعون يمتلكون هذا الشرط الحاسم للإبداع الذي يؤجج خيالاتهم . إن النواب يكتشف حقيقة نفسية لاشعورية غيبت طويلا من خلال الموروث الأسطوري عبر عشرات القرون من تاريخ البشرية mothaffar 9الطويل وذلك عندما إلحقت سمة إله الخصب والإنقاذ بالآلهة الذكورية . فـ ” اسعيده ” الأنثى هي (إلهة الخصب) و(إلهة الإنقاذ) وليس حچام رغم وقفته المقاومة التي تكللت باستشهاده  ، وفوق ذلك فهي (إلهة الإنتظار) :
( من غبتو ، التفگ ملهاش خطّابة ..
واگلكم روحي عثها الليل ..
واختنگت عليكم بيها عطابه ..
مضغبره .
وأچول من الچول ..
وگامت بيها وحشة ليل وترابه ..
يبريس .. روحي معيوبه عگب موتك ..)
وفوق ذلك فهي (إلهة التحمل) الخارق .. هي التي تتحمل عذابات كل العصور بكافة أشكالها . تتحملها نيابة عن الجماعة كلها .. وهي نتيجة طبيعية مادامت هي الأم التي (خلقت) الجماعة وتكبدت المشاق الجسيمة من أجل استيعابها ضمن جنّات  رحمها وقاست أهوال آلام المخاض في إنجابها – وليس عبثا أن أول إله عبد في التاريخ كان أنثى – ولذلك نجدها تعبر عن قسوة معاناتهم بضمير الجماعة المتكلمين :
( وأگولن عيب أخت بريس ..
جرحنه ، يواكح صوابه ..
جرحنه من وگع ( شعلان ) ..
ما يوگف عليه رماد …
جرحنه چبير ما لمته ديرة ناس …
ولا نامت عليه الگاع ) ..
وهي (إلهة الانتظار) .. الانتظار المديد المتطاول الذي يجعل عيني روحها تبيضان لكنها تبقى محتفظة بإرادتها المتفائلة المسننة .. فهي (إلهة الأمل) ، الأمل الذي يزهر مع الربيع حيث الانبعاث والتجدّد :
( يبريس ، روحي خلصانه ثلثترباع ..
وما چلت ..
وأمل بيها ، بكثر ما خضّر البردي ..
وتظل الگاع ..
أمل بيها ..
وأواكح بيها جوع ضباع
جرح البينه لو بالله
.. كفر ..
واحنه بعدنه اوساع )…
وهاهو الشاعر يعود إلى استخدام الفعل الافتتاحي الأول في القصيدة ” أواكح ” لكن ليس لليد بل للروح التي يقاوم بها جوع الضباع .. وهي تتفق في قصورها مع الصورة الاستهلالية التي تتحدث عن جسارة يد مقطوعة الأصابع إلى حد كبير ، إذ الروح المستميتة هنا قد استهلك ثلاثة أرباعها ورغم ذلك ما زالت تقاوم بثبات منتظرة الغائب ورفاقه . وإذا كانت هذه هي العودة الثالثة إلى فعل مفرد لغرض تحقيق الوصل الذهني بين حبات المسبحة وتأكيد وحدة القصيدة وتقليب المفردة على وجوهها المختلفة فإن النواب يدخل سمة أسلوبية جديدة في بنية القصيدة الشعبية شاعت من بعده حتى يومنا هذا ولم تكن موجودة ومبررة فنيا قبله ، وهي اللازمات  التفسيرية ! ( جرح البينه .. وساعه .. ويكولولك احنه نموت ..)  حيث يكرر الشاعر لازمة ثم يفسرها بصورة مختلفة في كل مرّة ليضاعف أثر معانيها الذهنية والنفسية والجمالية لدى المتلقي . هذا حصل في مواضع كثيرة من القصيدة تعرضنا لبعضها سابقا بصورة سريعة . هنا يستخدم مفردة (جرحنه) أربع مرات في الأولى أعلن فيها أن جرحه ” يواكح ” جرحه ، وفي الثانية والثالثة يصعّد نقمة هذا الجرح الذي لا تسعه أرض ولاتستوعب مديات احتراقه فضاءات ، لا يتصالح ولا تهدأ نيرانه ..هو إذن بسعة الكون ولو كان في جسد الآلهة التي هي أوسع من الكون وتحتويه بإرادتها الجبارة لكفرت ولم تستطع استيعابه وتحمله . ورغم ذلك فما زالت أرواحنا – والحديث لـ “اسعيده” ، (إلهة الأهوار العظيمة) ، وهي تتحدث بلسان شعبها – تتسع لجروح أخرى . هنا يستخدم مظفر أسلوبا مميزا في الوصول بالصورة الشعرية إلى أقصى مستويات تجسيد وتشخيص ضراوتها من خلال التقابلات المتضادة والمتناقضة أو المتجانسة بالضرب على وتر حدة التجاوز المعنوي . لاحظ تقابل الجرح مع “الصواب” الذي يقاومه الأول لأن الأخير أكثر مضاء وألما ، والأهم أشد سعة منه ، وتقابل : ” وگع ” و ” يوگف ” .  ويستخدم – ولأول مرة – لازمة طويلة هي عبارة عن بيت كامل بعد أن كان كلمة هو ” ويگولولك احنه نموت ! ” التي تزين هامة الإيقاع  التفاؤلي التصاعدي الذي يبدأ تناميه المطلق من تساؤل اسعيده ” يصح ردّوا ” التي جذب الشاعر تركيزنا بعيدا عنها حتى وصلنا ذروة التفاؤل عند ختام القصيدة ” ويگلولولك العفنين احنه نموت ” الذي يصف الشاعر فيه الأعداء بالعفونة التي هي أقسى درجات الموت المؤجل القذر المصحوب برائحة التفسخ المغثية الـ ” تلعب النفس ” التي تعيدنا إلى رائحة ذلك الكائن المسخ الذي لاهو بالكلب ولا هو بالإنسان ، وحيث نقف مقتنعين تماما بأن الظفر قد تحقق ، وأن الأرض الطيبة قد عانقت ربيعها وتطهرت من أدران الثعالب والذئاب ، وجاء الفجر بالبشائر ، والأخطر وغير المتوقع هو أن حچام الشهيد قد عاد معافى ، مع الحصاد ، إلى ” ديرته ”  التي نمت واتسعت بيوتا ومعامل وحقولا – فماذا “سينقذ” حچام وقد أزهر كل شيء وأينع ؟ – لكنه وكأن مظفر يلمح – بمكر – ولا يصرّح ، ويدع الأمر لإدراكنا أن كل ما بني .. وكل ما نما من خير ورخاء وهناءة ظليلة .. كل بهاء الديرة وإشراقها والمحبة التي نحيا بسلام تحت خيمتها ، هي من صنع أيدي اسعيده التي رغم أنها ثُكلت بأخيها ” حچام ”  المقاوم إلا أنها استطاعت بإرادتها وإرادة أهل ديرتها الحديدية أن تحيل الديرة الخربة المستلبة إلى فردوس أخضر –  هذا يحيلنا إلى مهمة الدور الاجتماعي للأدب الذي تمسك به النواب حتى اليوم رغم أنه تضاءل في ظل الفهم السيء لموجة الحداثة وما بعد الحداثة وهذا ما نبه عليه فوزي كريم – ، اسعيده هي إلهة النماء والخصب ، وقبله وضعها مظفر إلهة للشجاعة وأنموذجا للإرادة المقاومة التي تحث حچام على الفداء والتحلي بالروح التعرضية:
( قصتنه اعله حچام الحذر بالهور يمشي الراگ ..
صاحت أخته : لا يا خوي … لا يا زين ..
لا تمشيش راگ ، الراگ ..
يا ابن الحرّه .. لابد … إلخ ) ..
ثم تبدأ تغرس في وجدانه ، وقبلها في وجدان أهلها ، ضرورة العودة إلى دروب الكفاح والصمود حتى بالزجر : “ولك ردّوا” .. وهاهي تستقبل عودته الإنبعاثية وقد تحقق حلمه في ديرة متحررة ناهضة .. لكن الشاعر غيّب عن أذهاننا صيحة اسعيده : “يصح ردّوا” .. فيكون الأمر كلّه كحلم أمومي باذخ .. هذا الحلم هو الذي تقلبه تصورات الإبن الفنتازية – الأوديبية ليشكل صورة بطولته الذاتية في صورة إله قتيل ” يغيب ” فتصاب الارض – الديرة من بعده بالجدب والقحط ، والأهم أن الأم ، موضوع الحب الأثير العظيم ، وحسب خيالاته ، تُستلب من بعده ، و” تنتظر ” قدوم المنقذ و ” انبعاثه ” وعودته الظافرة لـ ” انقاذها ” . هذا السيناريو المتخيل هو مقلوب وقائع القصة الحقيقية التي خطّت مساراتها اسعيده – الأنثى ذات الفعل الأمومي . هذا ما ” اكتشفه ” النواب بحدسه العميق الكاشف الخلاق منذ الخمسينات ، ولم تظهر النظريات التي تعيد تصحيح تسلسل أحداث واقعة الغياب والبعث والإنقاذ كفعل عشتاري – أنثوي أمومي أصيل . هذا الفعل الذي تختم اسعيده نهاياته الحلمية بصيحة مستخفة بكل قوى الغدر والموت والخراب لتؤكد المعادلة الصحيحة التي يراهن من خلالها مظفر الذي يعيش حالة ” ما بعد الحب ” لشعبه الجبار رغم كل قيود الإحباط والذل والمهانة :
(ويگولولك احنه نموت …
هاي الدنيه ما يبنيها غير أهلك …
وميّتنه أرد أگلك …
من تشيله الناس ..
يدير العين للديره …
ابمحبه ….
وهوه بالتابوت …
ويگولولك العفنين ، احنه نموت ) .
فكيف يتحرك الميت ويدير رأسه نحو ديرته المحبوبة وهو في جوف التابوت المظلم ؟ تبقى أنظار النواب شاخصة نحو بغداد ، الديرة – الأم حتى بعد الموت . هذا يذكرنا بختام قصيدة أخرى لمظفر هي ( يجي يوم نرد لهلنه ) حيث ينهيها بقوله :
( يجي يوم اركض بالدرابين ..
أتعلگ بالشناشيل ..
أبوس البوب ..
أگولن ييزي يا بغداد …
يجي ذاك اليوم ..
وان ما جاش …
ادفنوني عله حيلي .. وگصتي لبغداد )
وهذه هي حالة ” ما بعد الحب ” .                                                                                                                                                                    وكل ذلك الإبداع المهيب والبهي من نتائج حالة ” ما بعد الحب ” .
لكن الشاعر لا يستطيع إنهاء قصيدته دون أن تبرز روحه التحرشية ، التحرّش بالوجه الحمايوي للعملة الأبوية الخاصية ، لذلك تكون رجفة الانبهار عبارة عن مزيج من رعدتي  انتشاء وتشف وعودة إلى سحر اللغة المفقود الكامن في التجديف . يحصل هذا في موضعين أخيرين :
أ – ( يصح ردّوا ..
وأزامط بيهم الله
وشرطة الزرگة ؟ )
ب – ( جرح البينه ، لو بالله
كُفَر ….
واحنه بعدنه وساع )
وفي الموضع الأول تتضح بقوة حالة “ما بعد الصبر” التي لا يخفف من آلام جراحها الباهضة التصور المتخيل المعبر عنه بـالتساؤل  ” يصح ردّوا ؟ ” الذي يضع وقائع القصيدة – في حركتها الرابعة والأخيرة – كلها موضع التشكيك . ولكنه تشكيك ينتفض ويقفز بشراسة إلى مرتبة التحرّش الأعلى والأكثر إغواء بالانزلاق على منحدر درب ” التأليه ” الذي هو آخر وأعلى مراحل الدفاع الخلودية الدفاعية ، وذلك من خلال تعبير اسعيده اليائس والمبهر في أن جرحهم – وهي تتكلم الآن بلسان جماعتها المسحوقة – وهذا جانب من لعب مظفر بالضمائر الشعرية الذي لم يجرؤ شاعر قبله على الانغماس فيه بهذا الشكل الخلاق . لكنه يحقق الانتقالة من حجم جرح نسبي ويمكن تحمله نسبيا إلى جرح لا تتحمله حتى الآلهة من خلال شعرية المضمون ومخادعة الشكل وتمويهه ، فيها – وبصورة غير مسبوقة لكن الشاعر استخدم الوصف نفسه في قصيدته اللاحقة “جرس عطلة ” التي سندرسها لاحقا – من الإيهام ” التكثيري ” المربك :
( يبريس ! روحي خلصانه ثلثترباع
وما چلّت
وأمل بيها ، بكثر ما خضّر البردي
وتظل الگاع
أمل بيها
وأواكح بيها جوع ضباع )
إن تلاشي ثلاثة أرباع الروح وبقاء ربعها المقاوم الذي يضخم الشاعر دوره بصورة كبيرة من خلال أنه يستطيع – هذا الربع –  تحدي الآلهة ونشر هذه ” الخدعة ” بحيث أن الشاعر لا يتردّد في الإعلان أن :
(كل ميّت مثل حچام )
… هو الذي يمنحنا سمة الدخول إلى عالم الإله المنقذ المتعب الذي نعتقد خطأ انه الإله تموز – الذكر ، في حين أن الكثيرين من الباحثين يرون أن الإله المنقذ الحقيقي هي الإلهة عشتار – أنانا . فقد هرب دموزي مرتعدا من شياطين العالم الأسفل التي جاءت كي تقبض عليه وتهبط به إلى غياهب عالم الموت ، لكن عشتار الأم – الحبيبة هي التي اختارت القيام بالحركة التعرضية التي أغاضت الآلهة – آلهة العالم السفلي- الموت – والعالم العلوي – الحياة – على حدّ سواء من أجل إنقاذ حبيبها – ابنها – زوجها . تنوح إنانا قائلة : ( راح ولدي الحبيب .. راح زوجي الحبيب ). في أغلب قصائد مظفر يكون (الإله المنقذ) – بطل القصيدة المخلّص – إما أنثى ذات هوية صارخة وواضحة ، وإما أن تكون مموهة جزئيا ، وبمهارة عجيبة بحيث نقع في فخ الالتباس الملغز الذي يعطل فك أسرار الهوية لكنه لا يجعل هذا الأمر مستعصيا حد الاستحالة . وهذا هو من أسرار حداثة النواب المدهشة التي حسمت أشد معضلات الحداثة العربية اشتباكا وتشنجا ، إنها البساطة المركبة ، وأعتقد أن هذا هو روح ما نسمّيه بـ ” الشعرية – poetic ” الذي نمتلك للأسف أكثر من ثمانية عشر تعريفا لها في النقد العربي ،الأمر الذي يفضح الأمية المشوشة المتغطية بغطاء اللعب الاصطلاحي . وهنا تكمن واحدة من أشد السمات الأسلوبية دلالة .
وتبقى ملاحظة أخيرة شديدة الأهمية وهي أن النواب هو الذي أدخل مفهوم القصيدة الطويلة ذات الروح الملحمية والوحدة الموضوعية ( مبنى ومعنى ) في فضاءات الأدب العامي العراقي والعربي وفق صيغة ابتكرها هو بخلاقيته العالية ومعرفيته الموسوعية و” العامل الآخر ” كما أحب أن أسميه . دائما هناك عامل متخف لا نستطيع الوصول إلى أماكنه المظلمة . الإبداع يختمر وينضج دائما في زاوية عميقة معتمة اسمها اللاشعور . في هذه الزاوية تتم حركة فواعل العملية التي نسميها خطأ إلهات الإلهام أو شياطين عبقر أو ملائكة الوحي . النواب يعمل كحدّاد منظّم لكنه ليس شرطا أن يكون عارفا بكل تلك الشروط . هنا تتجلّى عظمة اللاشعور ودوره في الحياة الإنسانية من اتخاذ القرارات السياسية التي تدمر حياة البشر في الحرب وتحصد أرواحهم بلا هوادة إلى انتقاء الناقد مفردة معينة من قصيدة مظفر والإمعان في ” تحليلها ” الذي قد يكون تحليلا ذاتيا مناورا ومسقطا لا يعيه الناقد نفسه الذي لم يخضع للتحليل ، لأنه يُنجز عبر مداورة شديدة التعقيد والإيهام بـ “لا قصدية ” اختيار المفردة وتلقائيتها ، مثلما قد لا يدرك النواب نفسه الكيفية لتي اختار وفقها هذه المفردة دون غيرها شاعرا أنه يركّبها وفق أحكام شعوره المنطقية . لقد نظمت قبل النواب قصائد طويلة ، على سبيل المثال نظم الشاعر ” عبود غفلة النجفي ” قصيدة سياسية طويلة في ذكرى ولادة الرسول الأعظم (ص) سنة 1930 استعرض فيها الأحداث السياسية منذ الثورة العراقية الكبرى عام 1920، ودعا فيها إلى ظهور زعيم من العراق يحكمه وكان عدد أبياتها أكثر من (180) بيتا  يبدأها بالقول :
( يا ربيع امتاز فصلك بالكرام اعله الفصول
مثل تمييز الكواكب ، عل جنادل والرمول  )
لكن ناهيك عن اللغة اليومية اللّاشعرية التي تكتسب ميزة الشعر من خلال ” الترتيب ” الموسيقي والقافية الموحدة فإن الإطالة كانت مقطعية بل ” بيتية ” كل بيت فيها يستقل بوجوده ليلحقه البيت التالي .. وهكذا .. لم يكن هناك ، وهذا الشيء الأهم ، بؤرة صراع مركزية تتفرع منها بؤر صراع ثانوية .. لم تكن هناك شخصية مركزية تكون محورا أساسيا للأحداث وترتبط بها شخصيات أخرى وتشتبك معها في الصراع المركزي والصراعات الثانوية الانعكاسية التي تتفرع من الثيمة الأساسية وتبتعد عنها لتعود إليها في المآل الأخير . في قصيدة مظفر هذه ( حچام البريس ) – وكذلك قصيدته ( حسن الشموس ) – لا نجد شرط الطول في القصيدة  ( أكثر من 120 بيتا ) حسب ، بل تنصهر القصيدة  في وحدة شديدة الالتحام بؤرتها فعل البطلين حچام واسعيده رغم أن الشخصية – البطل المسيطرة كفعل وكحضور وكتحكم في الإمساك بخيوط مسارات القصيدة حتى نهايته هي “اسعيده” . وفي القصيدة نجد البؤر المكانية والحدثية المتفرعة عن البؤرة الرئيسة والتي ترتبط بها وتنفصل عنها في الظاهر لتقويها في الباطن وترتد لتجتمع وتتكثف في البؤرة الابتدائية . ثم هناك حكاية القصيدة و حبكتها كي تكون ذات طابع ملحمي . فالملحمة ” حكاية ” يقصها السارد الذي قد يكون معلنا أو متخفيا ، حكاية تتمظهر أمامنا بلباس الشعر ، لكن لها أيضا حبكة . إنه ، هذا التوتر الدفين الاستدراجي الذي يشير إلينا بسبابته المغوية كي نتبعه إلى آخر مسار الوقائع حيث مفاجأة الفخ السردي الذي هو ليس من مسؤولية الشعر أصلا ، بل من مسؤولية الحكاية . لكن النواب كتب ملحمتـه ؛ بمعنى أنه ابتكر شكل ملحمته الخاص ، شكلا غير مسبوق قبله ولم يعرف بعده حتى اليوم . في الملحمة التقليدية يقف السارد منفصلا ومراقبا مستقلا يصف لنا ما يدور من وقائع الحكاية ، هنا موّه الشاعر حركة الضمائر بحيث لم يعد الحكّاء ” الملحمي ” ضميرا مراقبا ذا موقع علوي مهيمن ، بل انسرب بين الضمائر حتى وصلنا إلى حد أننا صرنا نبحث عن موقع ” صوته ” أو أننا ، مع ” تمادي ” المبدع في فعله الشعري المغيب والساحر تعايشنا مع وجود صوت سارد مركّب ومتناوب الحركات لا نعرف نقطة انطلاقه لكننا نتناغم مع إيقاعه ونتسق مع وقعه المحايث لكل الأصوات الداخلية في القصيدة – الحكاية . هذا ما حصل في مقدمة القصيدة من ” أواكح ، چني إيد .. ” حتى بداية  ” سالوفتنه عن فلاح … ” حيث التبس علينا موقع الصوت السارد وهويته . ثم تكرر الأمر طوال مسار القصيدة في مواضع عدة لم نستطع من خلالها فك خيوط أصواتها لأنها امتزجت بصورة خلاقة وتناوبت في أدوارها بحيث أنها ابتعدت عن الأداء ” الخطي ” الذي يكشف هويتها . ولهذا نجد صعوبة في ” شخصنة ” صاحب الصوت الأساسي في الخطابات الموجهة إلى حچام بين لحظات فعله الجزئية القصيرة ومديات حضور اسعيده الشاسعة حركة وكلاما .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. خيرالله سعيد :إلـى المطـرب كـاظـم الســــاهِـر .

إلـى المطـرب كـاظـم الســــاهِـر :                                                       189-  قـــــط مـا نسـيــت العَــــهـــــد ،،،،، لا والـــــذي حــــــــــاجِــــبـــــك …

| عصمت شاهين دوسكي : قراءة في كتاب العلاقات الإسلامية الكوردية في ظل الحكم الأموي للباحث جوتيار تمر.

الأدب الكوردي بكل معطياته يعتبر من الآداب الإنسانية العميقة الذي يتأثر بالواقع كصورة معبرة عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *