د. حسين سرمك حسن : علي الوردي : (5) إطلاق إشارة الهجوم على وعّاظ السلاطين

hussein 7نأتي الآن إلى الكتاب الثاني الخطير للعلّامة الدكتور علي الوردي ( وعاظ السلاطين – رأي صريح في تاريخ الفكر الإسلامي في ضوء المنطق الحديث ) . في هذا الكتاب كان أمام الوردي هدفان : الأول هو المواجهة المباشرة مع العقليات الدينية الجامدة التي أصابت النص الديني بالجمود من ناحية ، وجعلت مراجعة التاريخ الإسلامي من المحرمات ، وتمسكت منغلقة على أطروحات دينية قديمة متحجرة من ناحية أخرى . أما الهدف الثاني وهو الأشد خطورة فيتمثل في المراجعة النقدية الصارمة للتاريخ الإسلامي وللفكر الإسلامي على أساس هذا الفهم الجديد للطبيعة البشرية . ولتحقيق هدفه الأول يبدأ بعملية تفكيك أولية للعقليات الجامدة التي هي عقليات من أسماهم ( وعاظ السلاطين ) والذين بدأ هجمته عليهم من فقرة الإهداء التي قال فيها : ( أقدم هذا الكتاب إلى وعّاظنا . فقد ظل المجتمع الإسلامي يستمع إلى مواعظهم وخطبهم الرنانة مئات السنين ، فلم ينتفع بها شيئا . فقد آن الأوان لكي ينقلب لهم ظهر المجن ؛ فنعظهم كما كانوا يعظوننا من قبل ) ومعنى هذا كما هو واضح تسفيه العقلية الدينية المتحجرة التي كانت تجترّ المقولات الجامدة والجاهزة لمئات السنين من جهة ، والدعوة إلى أن يأخذ المثقفون ( الإنتلجنسيا كما يلقبون الآن ) ، زمام المبادرة في ( وعظ ) المجتمع الإسلامي من جهة أخرى . كما أنه يشير بوضوح وجرأة إلى أن هذه المواعظ والخطب الرنانة التي كانوا يجهرون بها ويكررونها على عقول الناس ، جوفاء ولم ينتفع بها المجتمع الإسلامي شيئا ، رغم أنهم قد استولوا على الساحة المعرفية لمئات السنين . وكونه يعلن في جملة الإهداء الأولى أنه يخص الوعّاظ بهذا الكتاب ( أقدم هذا الكتاب إلى وعّاظنا ) وليس إلى الجمهور ، فإنه يضع نفسه وجها لوجه أمام سلطات الوعظ المرجعية في المجتمع ، وهو تصرف صدامي له تبعات خطيرة آنذاك بسبب طبيعة سطوة العقلية الدينية على المجتمع في ذلك الوقت . وقد كان هذا الموقف الجسور الأول من حيث حدته وسعته وشموله الذي تواجهه تلك العقلية في المجتمع العراقي وعلى المستوى العربي أيضا . لقد كان مشروع الوردي في كتابه إدانة هائلة ومحاولة صدام مباشرة لا تداور ولا تناور ، حيث تتصاعد لهجة الوردي في الإهداء الطويل حيث يقول عن الوعاظ :
( إنهم دأبوا على وعظ المظلومين وترك الظالمين ) .
alwardi 14أي أن الوردي يضع الوعّاظ في موقع التواطؤ مع الظالمين الطغاة لأنهم بدلا من أن يقوموابدورهم المنصوص عليه دينيا في الأخذ على أيدي الظالمين الجلادين ، انشغلوا ، وفي مفارقة غريبة ، في وعظ الضحية . ولا يكتفي الوردي بذلك فقط ، بل يوغل في تحدّيه فيضع الوعاظ ليس كمتحالفين غير مباشرين مع الطغاة ، ولكن كأداة قمعية بيدهم فيقول – وكل ذلك في فقرة الإهداء – :
( ولقد اتخذهم الطغاة آلات بأيديهم يصعقون بها الناس ، وينذرونهم بعذاب الآخرة ، فأنسوهم بذلك ما حلّ بهم في هذه الدنيا من عذاب مقيم ) .
إنهم هنا – وحسب رأي الوردي أو التهمة التي يوجهها إليهم – لا يختلفون عن أي جهاز من أجهزة السلطة المتحكمة برقاب الناس ، تمعن في تخدير المسحوقين ، وإطالة عمر تسلّط الحاكمين . ثم يختم الوردي إهداءه بالتسمية التي سارت من بعده لقبا تشخيصيا شديد السلبية لرجال الدين السلفيين الأصوليين من جانب ، وبالتأكيد المتكرر على قصديته المحكمة في استهدافهم في مشروعه الفكري هذه من جانب آخر فيقول : ( إنهم وعّاظ السلاطين ، وهذه هديتي إليهم ) .
إن اللغة التي تحدث بها الوردي عن عقلية وسلوك وعاظ السلاطين ، هي الأولى والفريدة آنذاك في مواجهة العقلية الدينية المتحجرة ، فقد كانت شديدة الحدّة ، هجومية وصارمة ولا تعرف المهادنة ، منذ الأسطر الأولى لـ ( المقدمة ) وحتى نهاية الكتاب. فهو يستهل مقدمة الكتاب بمهاجمة سلطة الجلاوزة – كما أسماهم سابقا في كتابه الأول : ( خوارق اللاشعور ) – وليس السلطة المسيطرة على إذاعة بغداد آنذاك حسب بل وعلى المؤسسات الثقافية في العراق عموما . وبعد إدانة السلطة الرسمية يزاوج بينها وبين سلطة الواعظين وأسلوب تفكيرهم :
( أقدم بين يدي القاريء العربي بحثا صريحا لا نفاق فيه حول طبيعة الإنسان . وهو بحث كنت قد أعددت بعض فصوله منذ فترة غير قصيرة ، لإلقائه من دار الإذاعة العراقية ، فرفضته جلاوزة الإذاعة ( في الهامش : حق على المذيع آنذاك أن ينادي : هنا بلد الجلاوزة .. هنا بغداد !!) لسبب لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم . والإذاعة كغيرها من المؤسسات الثقافية في هذا البلد ، تجري على أسلوب في التفكير يحاكي أسلوب الواعظين . وقد ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الافلاطونيين الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عمّا يمثلون من مثل عليا ، دون أن يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل . فقد اعتاد هؤلاء المفكرون أن يعزوا علة ما نعاني من تفسخ اجتماعي إلى سوء أخلاقنا . وهم بذلك يعتبرون الإصلاح أمرا ميسورا . فبمجرد أن نصلح أخلاقنا ، ونغسل من قلوبنا أدران الحسد والأنانية والشهوة ، نصبح على زعمهم سعداء مرفهين ونعيد مجد الأجداد . إنهم يحسبون النفس البشرية كالثوب الذي يغسل بالماء والصابون فيزول عنه ما اعتراه من وسخ طاريء ) (28) .
إذن الهدف الأساسي لمشروع الوردي هذا هو بحث طبيعة الإنسان ، هذه الطبيعة هي مثار الخلاف الأول بين الوردي وخصومه من وعاظ السلاطين . فهم يعتقدون أن خطبهم ومواعظهم واللوم والتقريع الذي يصبونه على رؤوس الناس تكفي لتغيير سلوكاتهم السيئة وتطهير نفوسهم من سلبياتها وشهواتها الشريرة . ويرى الوردي أن هذا الرأي ( أسخف رأي وأخبثه من ناحية الإصلاح الاجتماعي  ) (29) لأن الطبيعة البشرية معقّدة ولا يمكن تغييرها بالكلام حتى لو بقينا مئات السنين نفعل مثلما فعل أجدادنا من قبل . وعلى العكس من موقف الوعاظ هذا يدعو الوردي أولاً إلى دراسة الطبيعة البشرية دراسة علمية لغرض فهمها ، فهي ليست على هذه الدرجة من البساطة التي يعتقدها الوعّاظ . كما أن الإنسان ليس كائنا حرا عاقلا يختار ما يشاء من أفكار وأفعال في حياته في ضوء المنطق والتفكير المجردين . والإنسان ، إضافة إلى ذلك ، ليس كائنا خيرا بصورة خالصة ، بل هو محمل بالحسد والشهوة والأنانية التي هي صفات أصيلة في الإنسان ولا مفر منها . والطبيعة البشرية هي التي تحتاج إلى الدراسة التي لا يرى الوعّاظ أي حاجة إليها ، لأنهم يرون طبيعة الإنسان وكأنها من طبيعة الملائكة .
وللتقرب أكثر من جوهر هدفه وتوضيحه أمام القراء ، يضرب الوردي مثلا جريئا عن أحد رجال الدين من الأزهر ممن زاروا باريس ضمن البعثة العلمية الأولى التي أرسلها الوالي محمد علي باشا إلى هناك عام 1826 ، وعاد ليكتب ذكرياته عن طبيعة المجتمع الفرنسي في مجلة ( الهلال ) . يقول الوردي :
( يقول هذا الأزهري في مذكراته التي كتبها عن هذه السفرة إنه اندهش جدا حين رأى سفور المرأة الفرنسية وتبرجها واختلاطها بالرجال . فهو يعيب ذلك الأمر ويعتبره من الفواحش والبدع . ولكنه يعطف بعد ذلك فيذكر من محاسن الفرنسيين أنهم لا يميلون إلى اللواط أو التعشّق بالصبيان . فهو يقول عنهم ما نصّه : ” عدم ميلهم إلى الأحداث والتشبيب بهم فهذا أمر منسي الذكر عندهم . فمن محاسن لسانهم وأشعارهم أنها تأبى تغزل الجنس في جنسه ، فلا يحسن في اللغة الفرنساوية قول الرجل عشقت غلاما ، فإن هذا يكون من الكلام المنبوذ ) (30) .
ويعلّق الوردي على قول الشيخ الأزهري هذا الذي يمدح الفرنسيين لأنهم لا يعشقون الصبيان ، ويذمهم لأن نساءهم سافرات ويختلطن بالرجال بالقول أن هذا الشيخ لا يدري أن الظاهرتين متلازمتان . وينطلق من هنا للهجوم على موقف آخر للوعّاظ وهو تحبيذ الحجاب وحجر المرأة ، حيث يرى أنهما السبب في الانحراف الجنسي الذي يشيع في مجتمعنا بين الرجال والنساء على حد سواء . فهو يرى أن درجة انتشار الانحراف الجنسي من لواط وسحاق وغيرهما ، تتناسب طرديا مع درجة انتشار الحجاب والتضييق على حرية المرأة . والوعّاظ يظنون ، من جديد ، أنهم قادرون على معالجة الانحراف الجنسي في المجتمع من خلال الوعظ والترهيب الكلامي ، في حين أنهم يسهمون في انتشار هذا الداء من خلال إشاعتهم مبدأ الحجاب في المجتمع الإسلامي وتأييده بالأدلة العقلية والنقلية . ويضع الوردي هامشا جريئا يقول فيه :
( ويبدو أن وعاظنا يستسيغون انتشار الانحراف الجنسي بين الناس ولا يستسيغون انتشار السفور . ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إن الانحراف الجنسي منتشر بين الوعاظ أنفسهم أكثر من انتشاره بين غيرهم . وهذه هي عاقبة من يغفل أمر الطبيعة البشرية ويعظ بما يخالفها  ) (31) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بلقيس خالد : مصادر موهومة (تعاليم الصوفيين التصوف بين الشرق والغرب: ولتر ستيس ).

يتوزع  كتاب (تعاليم الصوفيين التصوف بين الشرق والغرب) إلى عدة أبواب. يسأل المؤلف نفسه : …

| عبدالله نوري الياس : (ذاكرة الطين) .

فصل في ترتيب الخلق  خلق على معلقة الارض ذاكرة تملأ الطوفان  بالعشب والمياه  الغبشة تبحث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *