الرئيسية » نقد » ادب » يوسف علوان : العبثية والضياع في رواية “الراقصة” لشاكر الأنباري

يوسف علوان : العبثية والضياع في رواية “الراقصة” لشاكر الأنباري

yuosef alwanيقول مارتن إيسلن: “الكاتب العبثى، يتخلى عن النقاش حول عبثية الوضع البشري، ويحاول أن يظهره ويجسده فقط فى الوجود من خلال أدواته الإبداعية والفنية. بعبارة أخرى إن الفن العبثى لا بد أن يتجلى من خلال اللغة والحدث والمضمون والشخصيات، فهو لا يسعى من وراء أدبه إلى أهداف أو غايات أخرى تتجاوز الوعى بعبثية الحياة”. فهل اراد شاكر الانباري من شخوص روايته هذه ان يقدم لنا فئة من الناس تعيش على هامش المدينة، دمشق وأزقتها، ليس لهم من هم سوى الضياع في قاعها. وانتظار الموت الذي سوف يأتيهم واحداً بعد الآخر، مثلما حدث لرفيقهم رؤوف؟
تبدأ احداث رواية “الراقصة” للكاتب شاكر الانباري، بموت رؤوف وحيد الدين، الشخصية التي تدور حوله أحداث الرواية: “في ليلة موته، وقف رؤوف وحيد الدين مسحورا أمام تمثال صغير، أحتل منتصف الصالة. جره التمثال الى ماض بعيد، امكنة دار او جلس فيها محدقا الى روح الجمال، في خمارة الوردة الزرقاء، متوحدا مع المرأة الخالدة التي حلم بها ليالي طوال. كان في ذهنه وجه زوجته فاطمة المتوفاة، وماغي، وزنوبيا ملكة تدمر، وسامية، والمرأة الغامضة في مساكن برزة، وهي من اطلق عليها ماغي المعاصرة، ووجوه كل النساء اللواتي عرفهن خلال ثلاثين سنة من بحثه عن الأنثى، وعن الأم ذات ذات الرحم الذي يحن ويتوق الى دفئه” (ص12). “اجتمع في موكب التشييع خلق كثير. البعض لم يُعرف سابقا. والبعض يمتلك سحنات غريبة، عيون قوزاقية ووجوه مغولية، كما لو أنها تحدرت قبل ايام من سمرقند وبخاري وبلاد ما وراء النهر. كان نعشه محمولا في سيارة دفن الموتى”(ص 5). ما الذي اراده الكاتب من هذه البداية/ النهاية لحياة هذه الشخصية، رؤوف، الذي ورث محلات الصابون التي امتلكها والده ذات يوم وبعثرها على ملذاته. ذكرياته البعيدة عن اسرته التي هاجرت منذ قرن من البلد البعيد… حياته سلسلة طويلة من أحلام اليقظة. يدمج الخيال بالواقع، يمارس التقمص بالاحداث. فيتحول الى خلطة بشرية، تستعصي على أكبر الفلاسفة فهمها. هذه الشخصية العبثية التي تعيش الضياع في كل معانيه.. “الا ان لهذه الليلة طعمها الخاص. هناك شبح غامض يتحول بين الصخور والأقراط، ينسل الى الزوايا العاتمة، له حضور غير مرئي. لكن ماهو؟ ثمة shaker alanbarikh shaker alanbariملقط يداعب روح رؤوف القلقة. وثمة قبعة سوداء لها حفيف كما لو كانت شجرة توت متننقلة (ص13). هكذا أذن.. يتلمس القارئ رائحة الموت والفناء. الموت الذي يدور بين حنايا شخوص الرواية، هؤلاء الشخوص الهامشيون.. كثيرا ما تجدهم في رواياته الأخرى – أنهم ضحايا المدينة وضحايا العبث الذي يمارسونه للخلاص من حياتهم التي يكرهونها- “كم مرَّ على هذه المدينة صعاليك ومشردون ومتسكعون؟ كم شهدت أزقتها خيانات وبكاء وتوسلات؟ الموت وجه من وجوه الحياة” (ص108). صور سوداوية، يغرق فيها اشخاص ليس لهم من أمل أو هدف في حياتهم.. اليأس وحده، يستطيع القارئ ان يحس به في أجواء الرواية.. عندما تغلق الأبواب في وجوهنا.. فلابد من البحث عن منفذ ولو بحجم الابرة، لاقناع النفس بجدوى المحاولة.. وإذ كانت المحاولة لن تؤدي إلا الى الموت البطيء. شخوص تائهة، تجدها في كل مجتمعاتنا التي تتشابه في طرق ضياعها، والموت فيها واحد. متوحدون في ضياعنا وبؤسنا وشقائنا.. هؤلاء تجدهم في ازقة بغداد مثلما صورهم الكاتب في زوايا دمشق وفي ازقتها المظلمة الرطبة، التي يحيط بها اليأس والضياع والموت: “الموت له حضور. له رائحة، يعانقه الانسان كل يوم إلا أنه لم يستطع جلاء سره. الاف السنين وهو يفتك بالبشر. وآلاف السنين والاحزان ذاتها” ص10. نفوس متعبة تغطيها وجوه كالحة.. ترك عليها التعب آثاره: “تلك المخلوقات التي في طريقها الى السماء بسبب امراض الكحول. وبما ان معظم الزبائن يشربون السبيرتو الازرق الذي يستخدم لاشعال بولبير الكاز، ويدعى تحبباً كونياك فليت” ص35. في احدى تعريفات الشخصية في الرواية؛ “الشخصية الناجحة في الرواية هي التي تجذب القارئ، فتحقيق الاختيار الصحيح لها، هام للغاية. وللوصول إلى الاختيار الصحيح، لابد أن تكون الشخصيات ذات أبعاد ثلاثية مثل باقي شخصيات الحياة: أشخاص لها مخاوف وآمال، لها نقاط ضعف ونقاط قوة، لها هدف أو أكثر في الحياة”.. فأين هدف هذه الشخصيات التي كانت تدور حولها الرواية؛ “الجميع صعاليك فقط. من أين جاءوا والى اين يمضون، ذلك في ضمير الغيب. ستتذكرهم ارصفة شارع بغداد وساحة المرجة وصبار الربوة وضفادع قصر البلور ونساء الميدان المحجبات. اللواتي يهجسن من خلف الحجاب بالعرسان” ص96. لابد لنا من الغور في اعماق هذه الشخصيات التي رعاها الكاتب وتابع تفاصيلها اليومية بصبر وروية، “تجمعت الشلة على احدى الطاولات منتظرة وجبة المشاوي. خليل وأكرم الداية وزكي ابراهيم السمكري. لعب السكر في رؤوسهم، وراحوا يتفلسفون كالعادة. شرحوا سياسة امريكا في المنطقة، وتناولوا بالتفصيل قصيدة النثر وروادها. ودخلوا في متاهة العوالم السفلية لمدينة مثل دمشق” (ص119). ربما ما نراه غرائبياً يراه الآخرون طبيعياً، لان مفهوم الغرائبية، مفهوم نسبي متغير من شخص إلى آخر، ومن زمن لآخر، والحياة مبنية على الأضداد والتناقضات، ولان العمل الروائي ينادي بالانفتاح وألا ينظر إلى هذه الحالات على أنها مؤشرات تعقيد وألغاز، بل على أنها حالات طبيعية، سواء كانت في الطبيعة أو داخل الإنسان، إنها طاقات عليها أن تخرج، فعليك أن ترى وتعيش هذه التناقضات ويكون مفهومك أوسع واشمل، لايزال هناك حتى الآن من لايؤمنون بأن الرواية يجب ان لا تتناول إلا الاحداث والشخوص السويين! فما المجدي ان نقحم انفسنا في حياة شلة من الناس ليس في حياتها غير الضياع والعيش في قاع المدينة؟ يبدو لهذا التساؤل بعض الصحة من الافتراض القائل.. “الوعظ أو القيمة التي يتم تقديمها في الرواية ويدور حولها مضمون الرواية بأكمله، أنه الرسالة أو الدرس الذي يحاول الكاتب أن يلقنه للقارئ. ويُكشف الستار عن هذه القيم من خلال العقبات التي تواجهها شخصيات الرواية”. شخصية الراقصة ماغي هي الشخصية الوحيدة التي تحمل رغم عبثيتها أيضاً، بعداً انسانياً، تشعر بالكراهية لنسيم بيك الذي كان واحدا من المجتمع الارستقراطي، كان يمتلك قصرا في الزبداني بواجهات عديدة وشرفات مليئة بالزهور والنباتات. فهي تكره ذلك الجو المرتبط بالاستعمار الفرنسي، البسطاء اقرب الى روحها” (ص 41).. بجنون تتيم ذلك الارستقراطي بماغي، التي كانت “تلعّبُ الرجال على اصابعها، ترقّصهم، تفتعل بينهم المعارك، تقودهم الى المذبحة، الجمال يقود الى الموت، والدم يسفح على ساقي ماغي وجيدها وعينيها النجلاوين اللتين رمتا السيد نسيم بسهام لا تخيب” (ص42). هكذا اذلت ماغي هذا العجوز الارستقراطي المتصابي، لذلك طلبت منه ان يزورها في عملها لكنه استكبر ان يذهب الى حانة الوردة الزرقاء لان المكان لا يليق به فشارع شيكاغو عبارة عن شلة من اللصوص والسكيرين والقتلة. غير ان ماغي ظلت تلعب باعصابه.. لكن: “العشق، كما تعلمت لاحقاً، ينبغي ان يكون بين شخصين متكافئين وإلا تحول الى لعنة ومرض وهوس” (ص42). فخضع ووعدها بانه سيشرب العرق، امام الجميع من حذائها. بدم بارد ستحطم سمعته الكاذبة، ذلك العجوز المخصي، فاقد الذكورة، مصاص دماء الشابات الفقيرات. وذات ليلة تفاجأت ماغي بدخوله الى الحانة.. جالبا معه ذلك المغني الذي لايحبذ سوى: الهوان وياك معزة لمحمد عبدالوهاب. عمت المكان دهشة هائلة: البوابون، السائقون، الآذنون، الموظفون الصغار، رواد الوردة الزرقاء، صعقوا من دخول نسيم بيك، الموظف الكبير، المتنفذ، صاحب الاطيان والمحلات الذي يفك المحكوم من حبل المشنقة كما يقال. بفرح المنتصر دعته: “- ابدأ يا نسيم بيك! تدعوك ماغي الى جنة اقدامها. تلك متعة لا يحصل عليها اي رجل. نزع حذائها بأبهة، وصب فيه العرق. نزل الى الأرض وسجد، متأهباً لارتشاف الوجبة النسائية التي ستنقله الى ملكوت المرأة المتأهبة للانقضاض عليه وكأنها متاهة لا قرار لها”(ص50). “كانت ماغي في العمق، تنتقم من تلك الطبقة الحقيرة التي تربعت على سلطة هذا البلد عشرات السنين. البوهيمية القاتلة في شخصها نار، تحتقر كل ما هو مادي” (ص50).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *