قاسم فنجان : “موت الحفيدة” ؛ “حكاية مسرحية عن نساء الحرب”

kasim finjan           “الجدة و الأم في وسط المسرح وخلفهما صندوق قديم”
الأم : لقد تأخرتْ ، تأخرتْ !
الجدة :ستأتي حتماً .
الأم : أخشى أن تتأخر كثيراً .
الجدة : لا داعٍ للقلق عليها ، لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً ، إنه إستحمام فحسب .
الأم : بل إستحمام و تزيين و تسريح وتزويق ، سوف تتاخر كثيراً !
الجدة :قلت لكِ لن تتأخر، ستأتي قريباً .
الأم : حسناً ، سأنشغل بتهيئة لوازم الفرح ريثما تأتي ، أين الثوب ؟
الجدة : أي ثوب !
الأم : ثوب الزفاف .
الجدة : لقد إصطحبته معها .
الأم : لا أعني ثوبها بل ثوبك يا أماه ؟
الجدة : أي ثوب ؟
الأم : ثوب زفافكِ ؟
الجدة : “بأندهاش” زفافي !
الأم : أجل يا أماه ثوب زفافك الجميل .
الجدة : إنه نائم منذ عقود في الصندوق القديم ، لاتوقظيه ياأبنتي ، إن هذا أفضل .
الأم : وأكليله الملكيّ الغريب ؟الجدة : في داخله أيضاً .
الأم : “تقتح الصندوق القديم” ثمة رائحة زكية تنبعث من جوف هذا الصندوق القديم .
الجدة : إنها رائحته !
الأم : رائحة مَن ؟
الجدة : أبوك ياأبنتي .
الأم : أبي !
الجدة : أجل أبوكِ يا أبنتي ،مَن كان أجمل الرجال و أوسمهم .
الأم : إنكِ تبالغين ياأمي .
الجدة : لا  لم ابالغ ، لقد كان كذلك و أكثر، كان أوسمهم و أرشقهم و أجلهّم وأشجعهم، وجهه المنير يشع على الدوام بسحر ما أن أن وقعت عليه عيناي حتى مستني لوثة العشق في الصميم .
الأم : فأجهرت له في الحال .
الجدة : لا لم نقوَ آنذاك على المصارحة و أعلان الحب .
الأم : كنتما خائفيّن من الأهل ؟
الجدة : و من الصحب والجيران أيضاً ، لذلك إكتفيت بأستراق النظر إليه عبر نافذة يطل منها قلبي عليه .
الأم : ما أشقاكما يا أماه !
الجدة : على العكس يا أبنتي ، كنا سعيدين بهذا الأضطهاد الجميل ، ألتهب من لسع الحنين إليه ويحرقني الشوق حتى أخال كل مراجل العشق تفور في داخلي الرقيق ، أبكي و أندّب و أصرخ و ألطم و لكن بصمت مرير ، كنت حريصة على كبتِ كل ذلك الوله المجنون في قلبي ، لا لشئ إلا لأحافظ على دوام ذلك العشق من شبح الزوال .
الأم :كان يحبكِ ؟
الجدة : أكثر من أي شئ في الدنيا .
الأم : لماذا هجركِ إذن ؟
الجدة : لم يهجرني ! إنها الحرب ! الحرب ! الحرب “تنتشل الجدة ثوب الزفاف من الصندوق و تحتضنه وتدور مع الحوار”كانت الحرب زانية كالحياة ،تقطف من حدائقنا االأزهار اليانعة البيضاء وتمتص قلب رحيقها مخّلفة وراءها السواد والخراب ، كنت مثل كل النساء خائفة على زهرتي الوحيدة ، لذلك أوصدت الأبواب والنوافذ و لم أدع ثقباً إلا وطمرته بالدعاء ، كنت أصرخ يا ألهي حياتي مرهونة بحياته لكن الأله لم يكترث بي ، صرت أسمع خطوات الموت المرعبة تقترب من حياتي و أنا إمرأة عزلاء إلا من قلب رقيق فتحته له وقلت أدخل ياحبيبي أن في قلبي متسع لأمان لا ينضب أبداً ، أدخلته وأطبقت عليه أضلاعي بقوة لكن الموت كان أقوى ، إنتزعه مني ولم يمضِ على زواجي منه إلا سبعة أيام ، سبعة أيام فقط !
الأم : أماه ! “على النساء أن يتزوجّن الأشجار في بلادي فالرجال يموتون مبكراً”
الجدة : بل عليهنّ أن يعزفنّ حتى عن الأشجار ، مادامت الأثمار تهوي قبل النضوج .
الأم :  مسكين أبي !
الجدة : بل أنا المسكينة يا أبنتي .
الأم : كيف و مازلت تتنعمين بحياة يملؤها حبي وحب إبنتي إليك .
الجدة : لايكفي ! إن حبكما لايدرأ عن جسدي جليد الوحشة القاسية و لم يدفع عني مخالب الذئاب المتربّصة بي  ليل نهار .
الأم : أماه !
الجدة : مثلما سمعت يا أبنتي ، كنت وحيدة في عالم لا يرحم الضعيف ، أحملك في جوفي ، ذكرى من عاشق حطّ و طار من قلبي في لحظة واحدة ، لا أملك في حياتي إلا رائحة يقودني أريجها كيفما يشاء ، تارة الى سرير النوم حيث أوسّد رأسي المتهالك على وسائد الشوق و أغفو حالمة بعودته من هناك ، من أقصى الغياب ، من الموت البعيد !
” تخفت الأضاءة على الأم ويظهر شبح الجد العائد محتضناً حقيبته الصغيرة ،يخطو صوب الجدة التي ترتد خائفة الى الوراء ” مَن أنت؟
الجد : هذا أنا حبيبك !
الجدة : حبيبي ، مَن ؟
الجد : هذا أنا ماذا دهاكِ هل نسيتي شكلي .
الجدة :”تتفحصه” أنت ، إنه أنت ، أجل أنت ! أين كنت ؟
الجد : في الحرب !
الجدة : لمَ ذهبت إليها برجليك ؟
الجد : لأدافع عنكِ .
الجدة : تكذب ! لم أطلب ذلك منك قط ، لم أطلب منك أن تفتح في قلبي حرباً لا يخمدها إلا الموت .
الجد : لكنني عدت أخيراً .
الجدة لماذا عدت ؟
الجد : لأشهدكِ على ما في الحقيبة ” يستخرج من حقيبته دمية صغيرة و يقدمها الى الجدة ” أنظري إليها ، إنها إبنتي .
الجدة : “ترتد الى الخلف مذعورة ” ماهذا المسخ يا رجل ، إنها حرب ، حرب ، حرب
الجد : بل أبنتنا يا أمرأة إبنتنا .
الجدة : إن أبنتي التي أنجبتها في غيابك تشبه القمر ، أين أبنتي ؟
الجد : “يوسد الدمية بهدوء في حضن الجدة ” إنها هيَ ، هيَ إبنتك ، إبنتكِ ، لكنها في زمن الحرب ، هيا ناغيها لتأمن في حضنك هيا ، هيا ، هيا “تداعبها الجدة بحذر فتتعالى ضحكات تتخللها اصوات رصاص ودويّ مدافع ” .
الجدة : يا إلهي انها تضحك .
الجد : من السعادة حتماً .
الجدة : إنها تشبهك كثيراً .
الجد : و تشبهك قليلاً .
الجدة : لكنها جميلة جداً .
الجد : ستكون أختها أجمل منها .
الجدة : هل سأنجب ثانية !
الجد : أجل ستنجبين ثانية وثالثة ورابعة وخا ………!
الجدة :”تقاطعه” يكفي أرجوك ، يكفي ، لا طاقة لي بكل هذه السعادة الغامرة .
الجد : لكنها ستغمرك أكثر حينما تشاهدين البنات يحبوّن على مقربة من قلبك الكبير،سينموّن برخاء ويهرولن بسرور الى المدارس ،سوف ينضجّن قبل الأوان ويتفتحن كما الورود لتينع في الحال من أجسادهّن البضة روائح الحياة الزكية .
الجدة :  ستجتذب روائحهن العطرة الرجال فيعتدلون في طوابير على الباب، ساختار لكل واحدة منهن رجلاً لا يشبه الرجال.
الجد : سيتزوجنّ وينجبّن البنات الصغار وتشرفين على رعايتهّن حتى يبلغنّ على مرأى منك.
الجدة : لن أتوانى قط عن حمايتهن ، سأسورهن بحناني وأذود بروحي عن جمالهن حتى يعشّن دائماً في مثابة الأمان .
الجد :سينجبّن مثلك البنات تلو البنات وسيكبرّن و يلدّن البنات تلو البنات .
الجدة : البنات ! البنات ! البنات ! ألا تلد النساء الأبناء الى جانب البنات .
الجد : ستلد لكنهم سيرحلون .
الجدة : “بخوف” يرحلون !
الجد : اجل سيرحلون الى أراض لا شوارع فيها تؤدي الى البيوت .
الجدة : الى أين ؟
الجد : الى المقابر !
الجدة : لماذا لقد إنتهت الحرب وخمِدت أنفاسها الحقيرة .
الجد : انها حربك التي أنتهت أما حرب إبنتنا الصغيرة فقد إبتدأت وفاحت أنفاسها الخامدة .
الجدة : ماذا تعني ؟
الجد : ابنتنا المسكينه ستحيا أيضاً بلا والٍ أو معين .
الجدة : إلا إذا قرع باب قلبها الصغير عازف الليل الجميل .
الجد :  سوف يموت و يفني بموته الفتاة .
الجدة :  لا لن يموت  سيحرص على الحياة من أجلها وسيحيا.
الجد : لا يقوى على هكذا قرار لأنهم عازمون .
الجدة : مَن هم ؟
الجد : مشعلوا الحرب الجديدة، اني أراهم يتوافدون من كل حدب وصوب ولا غاية لهم إلا موت الرجال و ترميل النساء .
الجدة : لا ، لن أسمح لأي رجل بالوصول إليها ، لن أدعها تترمل مثلي .
الجد : حتى عازف الليل ياإمرأة  لقد بات منها قاب قوسين أو أدنى ، ألا تسمعين ؟
الجدة : ماذا هناك ؟
الجد : ترانيمه الساحرة الرقيقة ، إنه يدعوها إليه فتستجيب .”صوت ناي حزين تلتفت على أثره الجدة الى الوراء،تخفت إلأضاءة على الجد حتى يتلاشى ويضاء يسار المسرح لتظهر نافذة كبيرة تجلس خلفها الأم في شبابها و على مبعدة منها عازف الناي ”
الأم : هل تعلم ؟
العازف : ماذا ؟
الأم : ترانيمك المقدسة يتشربها دمي حد النزف ، مالحل و أنت متجذر في قلبي كالأرض ؟
العازف : وأنت كذلك أيتها القلب الطيب ، تتسربين بعشقك الى صدري في كل شهيق حتى يزفرك ناي القلب بأنغام ، تصدح جميعها بصوت واحد “يصرخ ”  أيتها الحبيبة الواحدة  أحبك أكثر من روحي.
الأم : إلامَ سنبقى متأرجحيّن هكذا بلا إقتران ؟
العازف :الى أن يأمر الله عقل أمكِ بالقبول .
الأم : لا خيار إلا الصبر !
العازف : بل َثم خيار وحيد للخلاص .
الأم : ماهو ؟
العازف : الهروب ! لنهرب بعيداً عن جبروتها الرافض .
الأم : لا لن أفعلها و أهجر أمي  بعد إيثارها المستحيل .
العازف : لا حلَ ياحبيتي ، لقد طلبتك كثيراً ولم تستجب  !
الأم : إنها خائفة علينا مما يدور .
العازف : إن مايدور الآن سيبقى ولن يزول .
الأم : لننتظر ريثما تنجلي غيمة الحرب السوداء .
العازف : حتى وإن إنجلت ستعقبها حرب أخرى تقطف ما شاء لها من الرجال .
الأم : إذن ستموت وتتركني للعذاب .
العازف : لا فالأعمار بيد الله ، سأحرص على حياتي من أجلكِ ولن ادعك تتحسرين قط على غيابي .
الأم : ماذا ستفعل ؟
العازف : سوف أهرب و أظل الى جانبكِ أبدا .
الأم : هل هذا وعد ؟
العازف : وعد ياحبيبتي !
الأم : لقد عادت أمي ، هيا أمضِ ياحبيي هيا أمضِ و سيمضي الأمر حتماً على مايرام !” تظهر الجدة وتخطو صوب إبنتها التي تغلق النافذة ويغيب العازف في الظلام”
الجدة : إلامَ تطاردنا بقصبتك المسحورة ايها المجنون ، لِمَ لا تتركننا وشأننا !
الأم : لا يقوى يا أماه إنه الحب !
الجدة : في الزمن الحرام يصبح حتى الحب حرام .
الأم : لكنه يطلبني بالحلال .
الجدة : وسيخلفك بعد غيابه للحرام .
الأم : ليس كل مَن يقترن بإمرأة يموت .
الجدة : بل يموت والدليل أنا و شمل من الأرامل المنكوبات .
الأم : انه يحبني بجنون يا أماه .
الجدة : ما كان ينبغي عليه أن يعشق ما ليس له .
الأم : ماذا تعنين ؟
الجدة : أننا عرائس الحرب يا أبنتي ، مَن يشاركها بنا يموت !
الأم : لقد وعدني ووعدته بالحياة!
الجدة : سوف تحنث الحرب وعده !
الأم : لن أتنازل عن وعدي له حتى لو إشتعل العالم بأسره .
الجدة : لا قِبل لك بما سيؤول اليه الحال إن مات وخلفكِ للذكرى فقط !
الأم :  سأحيا على ذكرياته .
الجدة : سوف يترك لكِ ما لاتقوين على أمانتها ، نطفة سيزرعها في جوفكِ ويمضي بلا رجوع .
الأم : سوف أحجب أمانته في قفص لاتصله أبداً أيادي الرجال .
الجدة : تكذبين ، لقد حرصت على فعل ذلك ولم أفلح في أبعادك عن قلب العازف .
الأم : إنها الحياة يا أماه وهذه شريعتها في دوام الحب .
الجدة : لا حب مع الحرب !
الأم : ستفنى الحروب حتماً وينتصر الحب أخيراً .
الجدة : إلا في حربنا ، إنها تتناسل كالمسوخ المشوهة مخلفة لنا الأرامل و الأيتام
الأم : سأدحرها بمن أحب .
الجدة : ستفشلين !
الأم : سأجعلها تنصاع حتى تلين وتهرب .
الجدة : ستشقين .
الأم : سأنجب الأبناء الواحد تلو الآخر حتى أملأ الأرض بهم .
الجدة : ستأكلهم الحرب الواحد تلو الآخر و ستندمين .
الأم : لن أندم يا أماه  .
الجدة : بل ستندمين ، ستندمين ، ستندمين “تخفت الأضاءة بالتدريج عليهما و تعود مع أصوات هلاهل يتزامن إنبثاقها مع ظهور العازف بحلته العسكرية متأبطاً حقيبته وعلى مقربة منه تظهر الأم بزي ملون ”
الأم : هل ستذهب ؟
العازف : لكني سأعود قريباً .
الأم : لم يمضِ على زواجنا إلا أسبوع واحد ، إبقَ أرجوك ؟
العازف : لا أستطيع .
الأم : حسناً إبقَ اليوم من أجلي .
العازف : ما أن تطأ قدماي الجبهة حتى أعود ثانية ، لقد وعدوني بأجازة طويلة .
الأم : لَمَ لا تهرب ، لقد وعدتني ، انني خائفة !
العازف : لا داعٍ للخوف ، إنه يوم واحد فقط .
الأم : وتعود ؟
العازف : أجل وهذا وعد !
الأم : هل ستعود حقاً ؟
العازف : سأعود ، سأعود ، سأعود “تخفت الأضاءة بعد خروج العازف ويتصاعد أنين يمهد لعودة  الأضاءة على الجدة والأم المتشحتان بالسواد في بداية المسرحية”
الأم : لكنه لمْ يعد ، لم يفِ بوعده لي ،لم يحرص على حياته من أجلي ، لم يخلف لي إلا نطفة في أحشائي ، خلوت بها في حضني متأملة في تضاريس جسدها الهائجة ، سويعات السعادة القليلة التي عشتها معه !
الجدة : سرير بارد كالصقيع وجسد ملتهب كالنار  .
الأم : طريدة تلوذ بأستار الليل ومخالب وحشية تتربص بها في الليل والنهار .
الجدة : نساء ثلاث يعشنّ على روائح رجال صاروا في غفلة منهنّ وقوداً لحروب باطلة .
الأم : أي تدبير إلهي في هذا و أية حكمة قاسية تلك .
الجدة : لماذا ينصاع الرجال لها كالقطيع ؟
الأم : لماذا تخطف الحرب أحلامنا ؟
الجدة : لأننا بلا رجال يا أبنتي!
الأم : انهم الرجال إذن يا أماه وليست الحروب!
الجدة : أجل الرجال،مَن صيّرنا الله من أضلاعهم أحالونا الى نعوش باردة لا تحمل في أجوافها إلا جثامين الذكريات الموجعة،لذلك يجب أن يتوقف هذا النزيف المزمن ، يجب أن يتوقف حتى لو كان الحل هو الموت !
الأم :الموت .
الجدة : أجل ! سنعلن الموت على الحياة .
الأم :  ماذا سنفعل ؟
الجدة : سنغلق أرحامنا .
الأم : إنها مغلقة منذ زمان يا أمي .
الجدة : بل ما زال رحمنا مفتوحاً برحمها .
الأم : مَن تعنيين ؟
الجدة : لبَّ قلبي و حسرتي .
الأم : إبنتي !
الجدة : بل إبنتنا يا أبنتي ، يجب ألا تشقى مثلنا .
الأم : إن ليلتها الليلة ؟
الجدة : أعلم و قد هيأت لها الخلاص الأخير ، إنه هنا ” تستخرج من مكان موشّح بقماش كعكة مسّورة بالشموع مغروسة فيها سويقات ياسٍ بأوراقها الخضراء” .
الأم : هذه كعكة جميلة .
الجدة : إنها كعكتها المسمومة ، لقد دفتُ عجينها بالسم .
الأم : “بخوف” ماذا ؟
الجدة : مثلما سمعت يا أبنتي .
الأم : أماه ! لماذا ؟
الجدة : لأنها حبيبتنا !
الأم : لماذا أماه ؟
الجدة : لننقذها من مصيرها المحتوم .
الأم : لن أنصاع لكعكتكِ المسمومة أماه ! أنها أبنتي الوحيدة .
الجدة : و أبنتي أيضاً يا أبنتي .
الأم : لن أحتمل موتها ، سوف أموت !
الجدة :سيسدل الموت الستار على شقاءها الطويل .
الأم :  لتشقى يا أماه ولكن لتعيش !
الجدة : لا تقوى على العيش بمفردها لا سيما ونحن ميّتتان لا محال.
الأم : زوجها القادم سيكون لها الملاذ حتماً .
الجدة : أي زوج سيبقى و مشعلوا الفتن قد أضرموا النار ،إنها على عتبات أبوابنا ، ألا تشمين شواطها القاتل .
الأم : بلى إني أتشممها بقوة .
الجدة : ستقضي عليه في إسبوعها الأول ، سيرحل ويخلف لها في جوفها جمرة حارقة ، ستلسعها وتدمغ حياتها أبداً بالنار .
الأم : هل ثمة حلٍ آخر غير الموت ؟
الجدة : لاحل يا أبنتي إلا الموت .
الأم : إذن لأمت قبلها !
الجدة : بل بعدها ! بعد أن تلقمينها بيديكِ لقمة الخلاص الأخير .
الأم : إنه إختبار مرير يا أمي .
الجدة :  ستقوين عليه يا أبنتي .
الأم : لا أستطيع أن أرسلها بيدّي الى القبر .
الجدة : سنحّفها بالأمان و نتجرع معها دفقات الرحمة حتى تنام .
الأم : هل سنموت معها ؟
الجدة : أجل سنموت معاً .
الأم : أماه ! إنه الموت !
الجدة : بل النوم عميقاً بلا مخاوف أو كوابيس يا أبنتي .
الأم : إن يديّ ترتعشان ، لا أستطيع .
الجدة : ستسكن حتماً بعد أن تسكن الأحزان الى الأبد .
الأم : هل ستسكن الأحزان حقاً ؟
الجدة : أجل يا أبنتي وسيسكن معها الصخب و العنف وتستكين كل الأشياء ، عندها يا أبنتي سنتوسد أجساد بعضنا البعض ونغفو بأمان لا تشوّبه الأوجاع حالمين بحياة  أخرى .
الأم : حياة أخرى !
الجدة : أجل ! حياة لا حروب فيها تنتزع من أحضاننا الأحبة و الأخلاء ولا زمان فيها لزمان يقضي الرجال فيه قبل الأوان .
الأم : آنذاك سيموت الأنتظار و الخوف المرير .
الجدة : وسنحيا بسرور و ننام .
الأم : هل سننام ؟
الجدة : أجل يا أبنتي سننام نومتنا الأخيرة و لكن بعد أن تفعلين ، ها ستفعلين ؟
الأم :”بعد صمت قصير ” سأفعل .
الجدة : سترحمينها من العذاب ؟
الأم : سأرحمها من العذاب .
الجدة : ستلقمينها الخلاص بيديكِ ؟
الأم : سألقمها الخلاص بيديّ ” تحتضن الجدة الأم وتبدا موسيقي على أثرها تدخل الحفيدة مسرورة بثوب الزفاف ”
الحفيدة : لقد تأخرت عليكما ؟
الجدة : لا يا أبنتي ، لم تتأخري كثيراًً .
الحفيدة : كيف أبدو ؟
الجدة : أروع النساء و أجملهنّ .
الحفيدة : و بعد يا أمي ، أحتاج الكثير من الأطراء .
الجدة : “بوجع “سيدة الجميلات وعروستهنّ .
الحفيدة : لماذا تلفظينها بوجع ، إنك حزينة يا أماه .
الجدة : إنه الفراق يا أبنتي .
الحفيدة : كيف سأحيا من دونكما و أنتما نسغا قلبي الصغير .
الجدة : هل ستواظبين على المجئ بعد الزفاف يومياً ؟
الحفيدة : في كل نهار و لن يفرقني عنكما إلا النوم .
الأم : النوم !
الحفيدة : أجل يا أماه سأنام الى جانبه في الليل فقط ، أما في النهار فسأروي لكما عما يجري خلف أستار الليل الدافئة .
الأم : “تبكي ” آه ما أشقاني !
الحفيدة : لا تبكي ياحبيبة عمري لا تبكي، لن أتكلم في أي شئ ، لن أذكرك بأي شئ،اقسم بكِ اني لن أفعل ذلك ما حييت ولكن إبتسمي من أجلي ، إبتسمي يا أماه إنها ليلتي الأخيرة .
الأم : سأبتسم يا أبنتي ما دمت سعيدة سأبتسم .
الحفيدة : أريد أن أحيا هذه الليلة بسعادة غامرة .
الجدة : سيكون لكِ ذلك مادمنا الى جانبكِ .
الحفيدة : مَن سيجمّلني للعريس المنتظر .
الجدة : أنا !
الأم : بل أنا ! سأزينها مثلما كنت أزينها في كل الليالي السابقات “تمسك المشط وتبدأ بتسريح شعرها” ها يا بضعتي الغالية ، إلامَ متشوقة أنتِ ، إليه أم لنا ؟
الحفيدة : إليه يا أماه حتى أملأ فراغ هذا البيت بالحياة .
الأم : هل ستنجبين مثلنا البنات فقط .
الحفيدة : بل سأنجب الأبناء والبنات و أوزعهم عليكما بالتساوي حتى ……”تقاطعها الأم” .
الأم : أياكِ أن تحلمي إياك ، انها حرب !
الحفيدة : سيخمد حتماً أوارها المجنون وستسطع من رمادها شمس السلام.
الأم : إنها شمس رمداء سرعان ما يخبو بريقها وتترملين !
الحفيدة : ما أشأم لهجتك الليلة يا أماه ؟
الأم : انني خائفة عليكِ .
الحفيدة : لا تخافي فلن أخاف حتى من الموت  ما دمت الى جانبي .
الأم : حتى الموت يا أبنتي ؟
الحفيدة : أجل يا أماه حتى الموت “تنتزعها الجدة برفق من حضن أمها” .
الجدة : هيا أيتها الجميلة إنهضي ، لقد أعددت لكِ زاداً لن تجوعي بعده أبدا .
الحفيدة : “بفرح ” ماذا يا جدتي ؟
الجدة : كعكة ضمنتها خلاصة عمرك المجهول وعمري المهدور و عمر أمك المستلب .
الحفيدة : يا إلهي إنها كعكة جميلة ، ولكن ماهذا ، ثلاث شموع فقط .
الجدة : انها شموعنا الخابية يا أبنتي ، ستوقدها أخيراً اصابعك الرقيقة .
الحفيدة : سأوقدها في الحال .
الأم : لا ليس الآن ، مازال في الوقت متسع للحياة .
الجدة : بل الآن ، قبل أن يطرقوا الباب ويمضون بكِ بعيداً ، هيا ياعروستنا الغالية أوقدي أعمارنا و ليبتدأ إحتفالنا الأخير .
الحفيدة : سأوقدها و سترقصان لفرحي ؟
الجدة :  سأرقص يا حفيدتي الغالية حتى تتداعى الأرض تحت قدميّ .
الحفيدة : و أنتِ يا أماه ؟
الأم : و أنا كذلك سأرقص و أرقص ولن أكف عن الرقص حتى أتداعى “صمت يصاحب المشهد حينما توقد الحفيدة الشموع و تبدا بتقطيع الكعكة وسط خوف المرأتين ، موسيقى دفوف راقصة تدخل خافتة عندما تشرع الأم بإطعام أبنتها و أمها وتتلوها الجدة التي تطعم إبنتها وحفيدتها ثم الحفيدة أخيراً تقوم بأطعام الأم والجدة،تتصاعد موسيقى الدفوف تدريجياً مع تموجات موجعة تنبثق من أجساد النساء الثلاث يختمّنها بالنهوض راقصات على إيقاع الدفوف ”
الجدة : هيا يا إبنتيَّ لنحتفل إحتفالنا الأخير .
الأم : هيا لنرقص رٌصتنا الأخيرة .
الحفيدة : ” تبدأ بالتماوج راقصة على مرأى من الأم و الجدة ”
االجدة : هيا يا حفيدتي إطلقي العنان لفرحتكِ و أطرحي لجام الحياء جانباً .
الحفيدة : سأرقص يا جدتي سأرقص .
الأم : هيا أخلعي عن روحك كل الأحلام و أطرديها بالرقص بعيداً .
الحفيدة : سأرقص يا أماه سأرقص ” تتصاعد الموسيقى وتنطلق الحفيدة راقصة في فضاء المسرح بشكل دائري تتابعها بسرور نظرات الجدة و الأم ” .
الجدة : ما أجملها الليلة عروستنا الجميلة !
الأم : ما أسعدها اللحظة بضعتنا الغالية !
الحفيدة : آه ياللسعادة ! إني أصغي لوشيش يهطل كالأمطار على جسدي ،إنه يصلني ممزوجاً بترانيم  تهبط من هناك ” تتطاوح وتشير الى السماء” ، إقتربا لتسمعاه جيداً ، إقتربا !
الجدة : إنهضي يا أبنتي إنهضي ، لقد آن الأوان .
الأم : تماسكي يا بضعتي ها نحن قادمان لنسمع .
الحفيدة : أماه أخالني أستحيل الى روح طافية تملأ الحياة بالحب و السرور .
الأم : كذلك أنتِ يا أبنتي ، أرض طاهرة لا ينبغي أن يطالها الشرور .
الحفيدة : ثمة خدر لذيذ يدبّ في عروقي الظامئة .
الجدة : إنها السعادة و قد وجدت أخيراً طريقها إليكِ .
الحفيدة : آه ! مالَ قلبي يرتجف مثل عصفور خائف .
الأم : سوف يسكن بعد أن يحطّ في عشه الأخير .
الحفيدة : أماه ! دوار عظيم يدور بي ويدفعني للهاوية .
الجدة : انه دوار الحياة وقد دارت طواحينها فينا .
الحفيدة : أماه ثمة ما يحتدم في كتفيّ ويوجعني كثيراً .
الأم : إنها الأجنحة يا أبنتي تحتدم الآن في صدرك وستنبثق عما قريب من كتفيكِ .
الحفيد : “تتطاوح بشدة” هل سأطير يا أماه ؟
الأم : أجل ستطيرين عالياً .
الحفيدة : إمسكا بيّ بقوة ، لا أريد أن أطير لوحدي .
الجدة : لن نتركك تحلقين وحيدة ، نحن جناحاكِ يا أبنتي .
الحفيدة :”في رمقها الأخير”ستطيران بي عالياً  ؟
الأم : سنطير بك عالياً
الحفيدة : سنطير معاً يا أماه .
الأم : معاً ياأبنتي ، سنطير !
الحفيدة : سنطير ، سنط …………….!”تخمد أنفاس الحفيدة فتحتضنها الأم و الجدة وتخفت الأضاءة مع الموسيقى بالتدريج حتى إنسدال الستار على موت الحفيدة ”

في ليل كركوك 12/10/2013

شاهد أيضاً

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

د.عاطف الدرابسة: أعيدي الطَّريقَ إليَّ ..‎

قلتُ لها : لن أُصغيَ إلى دمعكِ بعدَ اليوم فنصفي صارَ في الماء .. لن …

شذرات
حمزة الشافعي
تودغة/المغرب

(1) ظل سحابة، استراحة نملة، إرهاق. (2) جدار أحجار، ألعاب ثقيلة، هروب طفلة. (3) ورقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *