مسلم السرداح : الغدّار

moslem sirdah 5هو واحد مفرد من الكلاب ، سمي بهذا الاسم لتميزه  بالقدرة على المخاتلة والمراوغة والتصيد في الغفلة واستضعاف الضحية .
والكلب الغدار يخرج عن إطار صفات الكلاب في الوفاء ليتحول الى عضّاض . وهو يشترك مع غيره  من الكلاب في هز ذيله قبل ان يقوم بارتكاب فعلته . فيغيب عن ذهن الضحية ان هذا الكلب هو الغدار . حتى إذا ما أدار وجهه عنه ومضى في طريقه آمنا مطمئنا إن كل شئ على مايرام ، لم ينتبه ويفطن الا والصرخة على فمه والعضة من أنياب الكلب ، القاتلة ، تأتيه من الخلف في أي جزء مكشوف او غير مكشوف من جسده يرى فيه اللذة الكلبية . وحين ينتبه الضحية لما حدث له لا يحس إلا والكلب أصبح بعيدا  عن مرمى الحجر ، وهو  ينظر شزرا لضحيته الذي يبدا بالتلوي من فرط الألم ، وتبدأ بعدها المعاناة  لما يتبع ذلك من الإجراءات التي يقتضيها الطب للتخلص من جراثيم داء الكلب الذي حين يستفحل يجعل الضحية ، ينبح ، ويسير على أربع مثله مثل الكلاب . ان هذا الكلب العجيب قد تدرب على فعلته بخفة السحراء .
تبتدئ القصة من  قرية طفولتي ، التي كانت تنتشر بيوت القصب والطين  في كل جزء من أجزائها السهلة البسيطة  في حين تكثر الحفر ووعورة الأرض في جزئها المحاذي للنهر حيث كان يعيش هناك الكلب الغدار. وكان يتميز بأكثر صفات الكلاب المستكلبة  قبحا وشراسة ونذالة ، اذا صح القول ، إذ كان يخرج في أوقات متفاوتة فجرا في أوقات خروج الجنود ، والعمال ، او صباحا في أوقات ذهاب التلاميذ الصغار الى المدارس أو ليلا ، حيث  يمر القرويون متعبين من حقولهم ، الى بيوتهم ، مسرعين ، وقد فقدوا حذرهم .
كان ذلك قد حدث في فترات متفاوتة من عمري الذي قضيته في تلك القرية . التي راح أهلها يأخذون حذرهم بعد كثرة حوادث الاعتداءات من الغدار . حتى الأطفال راحت توصيهم أمهاتهم بأخذ بالهم منه أثناء ذهابهم إلى المدارس وان يحملوا بأيديهم حجرا ، على الاقل .
بعد رحيلي عن القرية إلى المدينة منذ زمن بعيد انقطعت عني إخبار القرية وساكنيها .  حتى كدت أنسى الغدار وكنت أظن انه قد مات وانتهى أمره . حتى التقيت منذ مدة قصيرة احد بلدياتي  القدماء ، الذي أخذني الحديث معه إلى السؤال عن الغدار . فقال لي بالحرف الواحد بطريقة أهالي الريف :
–    أنت وين عايش  ؟ !! الغدار كان واحدا فتكاثر وصار أكثر من عشرة  من نسله يحملون صفاته يتحكمون بالمنطقة الوعرة المحاذية للنهر  .
وراح يحدثني عما يجري الآن في قريتنا القديمة التي لم اعد امتلك فيها بيتا ، بعد ان بيع بيت اهلي القديم لكثرة الوارثين .
فقال لي :
–    اتجه الدور الان على الغرباء الذين كان بعضهم قد غادر القرية منذ فترة ليست بالقصيرة وعادوا اليها ، بعد سقوط الطاغية ، لاستنزاف خيراتها معتقدين ان كل شئ تحت السيطرة . اذ راحوا يتصرفون بالقرية ، وأهاليها ، وكانها من ممتلكات ابائهم او اجدادهم . وعند ذلك راح ابناء الغدار  يباغتونهم بالعض والاكتساح ، لغفلتهم عنه ، لان ماعادوا  من اجله انما هو مصلحتهم الشخصية وليس مصلحة القرية  واهلها المساكين ، فتركوا كل شيء بعد ان اطمأنوا لمصالحهم ، وكأنهم أصيبوا بداء الكلب .
وأضاف :
–    صارت صفحة النهر محرمة على باقي أفراد القرية وصار أبناء الكلب  يزحفون  نحو المناطق المجاورة للسيطرة عليها والغرباء ينظرون لهم دونما اهتمام يذكر لأنهم إنما عادوا  للقرية ، طارئين ، لمصلحة شخصية متنكرين لانتمائهم القديم للقرية . وهكذا ضاعت أجزاء كبيرة من قريتنا بين الغدر والطمع .

16/ 1/ 2014

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نبيل عودة :  من الأدب الساحر: هواش والقطط ..!! .

  جرى حجز محمد أبو هزاع هواش في مستشفى للأمراض النفسية، بناء على طلب زوجته …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *