حسين سرمك حسن: كائنات البيت.. وتلقائية اللاشعور المقتدر

في الصفحة الأولى من مجموعته القصصية الجديدة : ( كائنات البيت ) كتب القاص والروائي (عبد الستار ناصر) جملة يقول فيها : (عندما يعرف كل واحد منّا بما يفكر به الآخر ، يبدأ العالم بالانقراض ).وقد يعلم القاص أولا يعلم بأنه قد قدم المفتاح المركزي الذي يفتح مغاليق قصص مجموعته هذه كلّها.وقد اعتدنا على أن يقوم كاتب القصة بجمع القصص التي كتبها خلال مرحلة زمنية معينة ليصدرها في مجموعة وليس شرطا أن يكون هناك خيطا فكريا أو نفسيا يربطها – مع استثناءات قليلة مقصودة – ويوفّر وحدة تعزّز نسيجها .لكن يبدو أن عبد الستار قد ( اختار ) تلك الجملة الافتتاحية محكوما بدافع لاشعوري أساسي يقوم على ركيزة في غاية الخطورة لأنها تحكم حركة العلاقات الانسانية برمّتها وما ينجم عن هذا التحكّم من امتدادات اخطبوطية آسرة في عروق مناحي الحياة كافة . فلو عرفت ما تفكّر فيه وعرفت بدورك ما أفكّر فيه فإن هذه
المعرفة ستجهز تماما على أمتع ما تقدمه الحياة البشرية في ساحة المراوغة الصراعية بين
دوافع العدوان والعدوان المقابل .بدون هذه اللعبة الماكرة والباهرة لن تبقى لذّة حتى في الحديث الشخصي . الإنسان حيوان معادي وليس حيوانا ناطقا حسب ، وهو حيوان مخاتل أيضا ابتكر اللغة لتصبح أداة لتوصيل الأفكار وليتربّع بها على عرش المملكة الحيوانية ولكنه – في الوقت نفسه – صمّمها لتكون أداة لإخفاء النوايا المسمومة .وهذا الاختراع –اللغة– هو الاختراع المروّع الذي به تفاقم الخراب البشري على الصعد كافة . قبل اللغة كانت الإشارة البدنية بأشكالها كافة لا يمكن إلاّ أن تكون فاضحة مباشرة أو ساذجة في تبييت القصد المخالف . لكن مع اختراع اللغة أصبح بإمكان الإنسان أن يتحدّث وبطلاقة هائلة عن الحب وهو يضمر الكره والأخطر أن يتحدّث عن الحياة وهو يبيّت مقاصد الموت .   مع اللغة اكتمل التحول الرهيب للإنسان من فرد فيه شيء من بقايا الرحمن .. إلى كائن يستتر في أحشائه الشيطان . من الناحية النفسية اللغة أداة الشيطان . ولم يكن حقد إبليس ومروقه إلّا احتجاجا على عجزه أمام امتلاك آدم للأسماء كلّها( اللغة ) .. أي أنه أحس بالقدرة التنافسية الشيطانية التي أعجزته . والوريث الأصيل لهذه القدرة هو المبدع الذي صعد بهذا السلاح إلى مستويات لم يألفها إبليس ذاته . ولعل سرّ حالة  الصعود الباهر هذه يكمن في أن الإبداع يتأسس على ركيزة لعبة ( الإخفاء ) الموغلة في الخديعة المزدوجة ؛ فمن ناحية لا يدرك المبدع  أنه قد خدع المتلقي (لاشعوريا) بتمرير نواياه المستترة في الوقت الذي يعتقد(شعوريا) أنه قد أفلح في توصيل ما صمّمه للمتلقي.أمّا المتلقي فإنه يشعر (شعوريا ) بأنه قد تسلّم رسالة المبدع لكنه لا يعلم أنه (لاشعوريا) قد تسلّم رسالة أخرى . وهذه المفارقة ليست هي الحجر المركزي في فعل الخلق الإبداعي حسب بل في حركة الحياة الجدلية كلها .
بعد تلك الجملة وفي ( احتاج إلى مقدمة ص-9) يقول القاص : ( تأكد لي بعد أربعين سنة من التأليف ، أن كتابة القصة القصيرة أصعب من كتابة الرواية وأنا كما أخبرتكم في كتاب ( الحكواتي ) أحببت القصة حدّ أنني لا أعرف كيف يمكنها أن تستمر حياتي بدونها ) .وسيستقبل القاريء هذه الفرضية بدون أن يمحصها مغيّب البصيرة بفعل الإخراج الأسلوبي الأخّاذ الذي برع فيه ناصر فلا يعرف كيف أن حياة الأخير لا يمكن أن تستمر بدون القصة القصيرة .على الأقل أنه – أي القاريء – لن يسأل لماذا، إذا كانت كتابة القصة القصيرة أصعب من كتابة الرواية ، كان انتاج ناصر منها أكثر من إنتاجه الروائي .وحتى في ختام هذه المقدمة وحيث يقول :
(أنا مؤمن إن القصة القصيرة أنقذتني من البلاهة والموت والفراغ والجنون ص – 10) لا نعرف لماذا كان للقصة القصيرة مثل هذا الدور في حياة ناصر . ولعل العامل الحاسم في تسليم المتلقي بما يطرحه الكاتب هو اللعبة اللاشعورية التي أشرنا إليها . الكاتب يعتقد بأنه ما دام يعرف ما هو دور القصة في حياته فإنه ، وانطلاقا من شعوره بالقدرة الكلّية ، سيفترض بقوة أن القاريء يعرف أهميتها في حياته بدوره . وهكذا يسلّم الطرفان بتواطؤ مستتر على الإيغال في تعمية الأدوار والدوافع . ثم يقتبس القاص عبارة للحسن البصري يقول فيها : ( واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور ، فالأسرار ظاهرة ، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ) أي أن الجانب المكبوت والمكتوم في أعماق لاشعورنا لن يستطيع أحد الإمساك به إلّا بالموت . وحين يظفر المتلقي بقصدية النص في أية لحظة فإن معنى ذلك (موت النص ) . إن ما يديم حياة النص هو تأخر المتلقي أو حيرته أمام مغاليق النص ..وهذا يزيد من متعة الاستقبال ..متذكرين أن الأمر لا يعدو أن يكون تذكيرا بوقفة أيّ من بطلات حكاية من حكايات سيدة الحكايات شهرزاد وهي تقف أمام باب الغرفة التي حرّم عليها فتحها لأن في فتحها الخراب النهائي . ولو راجعنا بتأن قصص هذه المجموعة سنجد أن الأغلبية المطلقة لهذه القصص قد صمّم على أساس هذه اللعبة المراوغة المزدوجة . خذ على سبيل المثال ( من بين القصص الإحدى والأربعين التي ضمتها المجموعة ) قصصا مثل : ذات غروب في روما ، زلّوم الشيخ ، نهاية النهايات ، الحمش ، قطار البصرة بغداد ، دفتر الطفولة ، كائنات البيت ، إذا قال فعل ، عميقا نحو الخارج ، الشرف الطازج ، حالة شك ، الدون مازال يجري هادئا ، نانسي عجرم ، رجل في محكمة ، السيدة لنجة ، آخر القصص ، موت المؤلف وغيرها ، فستجد الإقتدار الفائق الذي تمتع به القاص وهو يربط بالخيط الخفي نفسه حلقات قصصه بإحكام ومتانة . في قصة ( ذات غروب في روما – وهي القصة الأولى – يقف الراوي المتكلم – والغالبية المطلقة من قصص عبد الستار ناصر تسرد بضمير المتكلم لأن نرجسيته الفائضة لا تتيح ل ( أنا ) آخر أن يقف إلى جواره على مسرح القصة – والجوع يكاد يمزق أحشاءه وهو يرقب عازف القيثار ( الأعمى ) ويتحين الفرصة لسلب شيء من النقود التي يغدقها عليه المارّة بكرم مفرط . كان الروي يعتقد أن العازف أعمى ..والعازف أدرك بأن الراوي المتفرج في محنة ..وفي اللحظة التي مدّ فيها الراوي الجائع يده ليخطف عددا من الليرات سبقه العازف وقدّم له حفنة من النقود وقال له باللهجة البغدادية :
– تعال غدا ، وفي كل يوم ، عند الغروب ، وخذ ما تشاء حتى يفرجها الله ونعود معا إلى العراق .
هذه هي اللعبة الحاكمة بين شخصيتي القصة والتي هي ( مقلوب ) العلاقة بين المبدع والمتلقّي . فإذا كان الراوي قد وقع في وهم أن العازف الأعمى لا يراه ، فإن العازف الأعمى قد سقط في شباك خديعة الطيبة التي نسجتها خبرة سابقة تستعاد الآن وتتأجج من خلال آليّة ( التماهي –identification ) لكنه سبق أن مارس المخاتلة ذاتها وواجه المعاناة الجارحة نفسها إلى الحد الذي عرف فيه – دون أن يتساءل القاريء عن الكيفية التي تعرف بها – أن الراوي جائع وبحاجة للمال وأنه – فوق ذلك  ، وقبل أن ينطق بأي كلمة – أنه عراقي . ولن يتساءل حتى الناقد عن الفخاخ التي نصبها الكاتب لمتلقيه .. فالكاتب يتلاعب به وهو ممسك بعصا الشيطان .. اللغة .. لكن هناك شيطانا أكبر يتلاعب بالكاتب وبالقاريء وينبثق من أغوار أعماقهما ألا وهو اللاشعور

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جعفر سليمان بامرني : الثنائي الأدبي بين الإنسانية والإبداع .

اليوم سنتطرق إلى الثنائي الأدبي الإبداعي ..الشاعر المبدع والأديب الإنساني عصمت شاهين الدوسكي الذي يبدع …

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.