قاسم علوان : البنية الأدبية وتحولاتها مسرحيا وسينمائيا (8)

kasem alwan 3إشارة :
رحل الأخ الحبيب الناقد والفنان “قاسم علوان” , رحيلا مبكرا (كان عمره 50 عاما) إثر نوبة قلبية مفاجئة      . لم يتح له القدر الغادر تحقيق أي شيء من أحلامه الواسعة الباذخة .. وطُويت صفحته بقسوة تعاون عليها الواقع الجائر ، ومحبّوه المتعبون . أرسل قاسم كتابه هذا قبل رحيله بأسبوعين .. وطلب عدم نشره في الموقع إلا بعد صدوره . وتطاول الزمن ولم يصدر . لهذا سوف ننشره كحلقات وفاءً لذكراه . ونتمنى على السادة القراء أن يتأملوا أي قدرة نقدية وثقافة موسوعية يتوفر عليها الراحل . ألا يستحق هذا الكتاب النشر والتدريس؟

الفصل الثامن :
من الصعب جدا أن نجد مخرجا سينمائيا استطاع أن يحافظ على منحى سينمائي تميزت به معظم أعماله طيلة نصف قرن من عمله الفني في هذا الحقل، كما هو الحال عند المخرج الأسباني جان لوي بونويل. فمنذ بداية العشرينات من القرن الماضي ومنذ أيام السينما الصامتة، طرح بونويل نفسه وبشكل جدي من خلال الحركة السريالية، وفي ميدان العمل السينمائي تحديدا، وذلك منذ فلمه الأول المشهور (كلب أندلسي) فجاء منسجما مع ما تمخضت عنه تلك الفترة الملتهبة من تاريخ الأدب والفن في أوربا بعد الحرب العالمية الأولى في بواكير الحركة السريالية، فقد أخرجه بالتعاون مع مواطنه الرسام سلفادور دالي، في الوقت الذي كان فيه بونويل على علاقة وثيقة مع اليسار الفرنسي آنذاك.لقد جسد ذلك الفلم بحق عمق أزمة وعي المثقف والفنان المبدع في تلك الفترة من تاريخ دول أوربا، بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى فيه أوزارها، في البحث عن شكل جديد للتعبير في خضم ثورة هائلة على الأشكال والمضامين القديمة والبحث عن أشكال ومضامين جديدة، وهذا رغم أننا لاحظنا في الفلم تجسيدا مبكرا مما كان يعتمل في داخل الوسط الفني والأدبي من قلق وانزياح عن كل ما هو واقعي.. بعيدا عن كل ما هو تقليدي وسائد آنذاك، باتجاه رومانسي أصلا من هذا التصور (الثوري) الفاعل حينذاك ليتقاطع مع كل ما يمت للواقع والموروث الفني والأدبي بصلة، وفي استغلال ما يمكن أن تتيحه ذاكرة معبأة بإرث ثقافي كبير من التمرد والاستلاب والثورات المهزومة.
وحتى في أفلامه اللاحقة وبعد أن (عفا) الزمن على تلك الابتكارات الصورية الجديدة أو الشكلية المبالغ فيها عموما المستمدة في أغلب الأحيان من الرؤى الحديثة في الفن التشكيلي، وليس ذلك في السينما فقط، بل في الفنون الأخرى، والتي انتهت إليها تطورات ما سمي بالحركة الدادائية السريعة، الأب الشرعي للسريالية..! مثلا نلاحظ عند بونويل دأبا مستمرا لاستيعاب ذلك التنوع وتلك المؤثرات الفكرية والسياسية المتحركة، التي كانت قد غطت كل تلك السنوات وما بعدها، أو التي تركت أثرا boniolفي ذلك الوسط الفني والثقافي لسنوات طويلة، فهو الى جانب استغراقه المستمر في الشكل (السريالي) الغرائبي في التعبير الصوري ـ السينمائي، نلمس عنده في الوقت نفسه منحى للاستفادة من ما يوفره منجز فرويد تحديدا في (التحليل النفسي) في تفسيره للعلاقات الانسانية وكشفه عن طبقات اللاوعي عند الفرد وفجواته المذهلة في حينها، فكانت تلك النظرية أحد مصادر الحركة السريالية المهمة في ذلك الوقت. وفي السينما نجد بونويل يخضع لذلك المؤثر بشكل واضح، ونراه متجسدا غالبا في شكل البناء الصوري في الكثير من المشاهد واللقطات في أفلامه التالية.
وبعد كل تلك السنين الطويلة نشاهد هذا المؤثر واضحا في فلمه المعروف (روح ليونارا) ولكن بأشكال صورية جديدة، بحسب ما تتيحه أمكانية الفن السينمائي التي تتطور سريعا. بجانب ذلك النزوع الشكلي، نلاحظ أيضا عند بونويل نهوضا بالمضمون الاجتماعي النقدي للعلاقات الاجتماعية (البرجوازية) السائدة في فترة ستينات القرن الماضي وسبعيناته وما رافقها من اشكال الاستلاب، وخاصة في أفلامه المعروفة من مثل (شبح الحرية) و (سحر البرجوازية الخفي) و (حسناء النهار).
سنكتفي بالحديث هنا عن فلم (روح ليونارا) المأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الأمريكي ادغار ألن بو. ومن الجدير بالذكر أن بونويل عمل على هذا الفلم وشريطين آخرين في نفس العام (1966) هما كل من (حسناء النهار) و (العصر الذهبي). يعود المخرج في فلم (روح ليونارا) الى العصر الوسيط من تاريخ أوربا، ليأخذ الإطار التاريخي منه فقط، من غير أن يتعرض للعلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية المؤثرة أو السائدة في تلك البنية الاجتماعية وسياقاتها التاريخية.. من خلال استعارته لذلك الإطار الزمني. يعتبر هذا الفلم نظرة للإنسان من الداخل، لتحديد أو استشفاف رؤية فلسفية ما.. أو تأمل وجداني في موضوعات مهمة مثل الحياة والحب والموت.. بان يضع هذه الوحدات أو المكونات المشار إليها بجانب بعضها بعضا أفقيا.. وفي المستطيل نفسه، بالتوازي مع افتراض شكل للعلاقة المتبادلة بين تلك المفردات آنيّا. بطل الفلم ريتشارد (مثله ميشيل بيكولي) شخصية نموذجية من تلك الفترة التاريخية المشار اليها.. أي نبيل، يتمتع بقوة جسدية كبيرة، إضافة الى مكانته tumblr_mvjl7xpDu11qgydu2o1_400الاجتماعية كإقطاعي من ذلك العصر، التي لم يتعرض لها الفلم كمؤسسة اجتماعية قائمة أو مؤثرة إطلاقا، كما نتعرف تدريجيا الى شخصيته وسلوكها الفردي والاجتماعي، مثلا.. أنه لا يحترم رجال الدين.. ولا يثق بهم على حد تعبيره.. لكنه مندفع جدا في حبه لزوجته الجميلة ليونارا (الممثلة السويدية ليف أولمان) التي يفتقدها بجنون.. بعد سقوطها من على ظهر حصانه الذي يحبه كثيرا، ومن ثم موتها، ليقتل ذلك الحصان بمشهد مجازي جميل غاية في الكثافة، فقط نراه يخرج غاضبا من الإسطبل وهو يمسح سيفه من الدم. أنه يحبها حد الجنون، فلا يرى أي شيء حوله سوى الفراغ الذي تتركه في حياته، هذا رغم أنه يتزوج من فتاة جميلة أخرى بسرعة هي كاترين (مثلتها الحسناء الإيطالية أورنيلا موتي) التي تنتمي الى عائلة من رعاياه من المقاطعة نفسها. فتحاول هذه الأخيرة جهدها أن تشغل ذلك الفراغ.. تزوجها في اليوم نفسه الذي غلق فيه باب المغارة أو المدفن الذي دفن فيه زوجته الأولى وحبيبته الغالية..! فهي تجد فيه شيئا من الحب رغم بعض جفافه وصلافته التي قابلها بهما منذ الليلة الأولى.
وبعد مرور عشر سنوات لم يستطع ريتشارد أن ينسى ليونارا رغم إنجاب زوجته الثانية لطفلين منه. ورغم أنه لم يبح بذلك لأحد بذلك الشعور، فهو لم يقترب من صديق أو من أي كائن حي آخر. يبحث عن ليونارا في نفسه، وفي الأشياء المحيطة به، إذ يظهر له شبحها أحيانا، فيلجأ الى هدم باب المغارة التي دفنها فيها، وعندما لا يسعفه ذلك بشيء يندبها أمام الطبيعة.. وبالتحديد أمام وادي ذي عمق سحيق..! وهذه اللقطات ذات دلالة إيحائية، كما سنتعرف على ذلك فيما بعد، ربما تتمثل بالتقابل مع ما نحس به يعتمل في نفسه أو دواخله، ومن وجهة نظره الخاصة للحياة ونهايتها بدون ليونارا..! فيظهر له في ذلك المشهد وبشكل شبحي شخص غريب… ربما يمثل الوجه الآخر لشخصيته، ليترك انطباعا بأنه يمثل الحياة بإشكالها الحقيقية وأشيائها الحسية الأخرى.. أي الواقعية، فيدعوه الى التخلي عن أفكاره أو أوهامه بإمكانية عودة ليونارا للحياة الطبيعية مرة أخرى.. ويرد له حججه بمقابل حبه المفقود، عن أمم كثيرة وحضارات عريقة قد انتهت..! وأن موت شخص نحبه لا يقابل جزءا صغيرا من كل ذلك. فيرد ريتشارد عليه بأنه لا يقوى على نسيانها. فيغيب ذلك الشخص الغريب بالطريقة الشبحية نفسها التي ظهر فيها.
ويعود ريتشارد الى القبر وكأنه لا يدري ماذا يفعل، فيظهر له ذلك الشخص مرة أخرى ويقول له أنه إذا أصرّ على عودة حبيبته الميتة الى الحياة مرة أخرى فانه سيساعده على ذلك، لكن الثمن سيكون باهظا..!! فيوافق ريتشارد على ذلك، فيتفقان..! يدفعان غطاء القبر الحجري وتعود ليونارا للحياة من خلال عاصفة خريفية باردة تعصف بذلك المكان، ببرودة جسدها وشحوبه. تعود ليونارا للحياة لكنها فاقدة لأسمى ما في الحياة من حرارة وعذوبة. وبما أن هذه العودة غير طبيعية فأنها تحتاج الى مقابل أو تعويض يعادلها، أو ربما يصل ذلك التعويض الى درجة ثمن فادح على حد تعبير ذلك الشخص ـ الشبح الغريب.. إذ أن هذا الاختلال في ناموس الطبيعة يستلزم تضحيات جسيمة كما يبدو..! تبدأ بقتل ريتشارد لزوجته الثانية الجميلة. ثم لتصاب الحياة في الصميم وبالذات في عنصر استمراريتها، أي في الطفولة…!! ولكي تعود ليونارا الى حياتها الطبيعية تبدأ باغتيال تلك الطفولة..!
في الفلم مشهد مؤثر جدا عند قتل ليونارا لأول طفلة تصادفها.. فهي تستدرج الطفلة ـ الضحية بان تحكي لها قصة (غير مشوقة..) على حد تعبير الطفلة نفسها، قصة عن مجموعة من الناس يصابون بالعمى.. يأكلون بعضهم البعض.. فتترهل أجسادهم.. وتصبح بطونهم أشبه بدمامل كبيرة…! وما أن تنتهي الحكاية تكون الطفلة قد فارقت الحياة على يد ليونارا خنقا…! وهكذا تستمر ليونارا.. لكي تستمر على قيد الحياة. ومع هذا الاختلال في قوانين الحياة الأساسية تبدأ الأخيرة في الانهيار، إذ يتفشى الطاعون في تلك المقاطعة التي يملكها أو يحكمها ريتشارد، ووفق المنطق الذي بنيت على أساسه الحكاية، وبإحالة واضحة الى حكاية (أوديب الملك) في الموروث الإغريقي يكون الحل بيد ريتشارد نفسه بعد أن عجز الآخرون عن قتل ليونارا أو إيقافها عند حدها، عندما اكتشفوا أفعالها بالجرم المشهود، فعجزوا أمام سيف ريتشارد.. وحمايته لها..! ليهجره من تبقى من أولئك المزارعين الفقراء، بعد أن تنتشر المجاعة بينهم ويموت من تبقى بالطاعون. وتكمل ليونارا حياتها بان تقتل أولاد ريتشارد من زوجته المغدورة الثانية. عندها يشعر بفداحة الخطوة التي أقدم عليها، فيلجأ الى الحل الحقيقي بأن انتهى وإياها الى النهاية، أو الى السقوط في الوادي السحيق الذي تردد عليه سابقا قبل إعادة الحياة أليها بحثا عنها.
في هذه الرؤية المكثفة لتلك المفردات (الحياة والحب والموت) التي اشتغلت عليها الرواية أو القصة القصيرة.. نستدل على مدى تأثر بونويل بالتيارات الفكرية الفنية والفلسفية الفاعلة آنذاك، وكما أشرنا في البداية الى تأثره بمنهج التحليل النفسي الفرويدي واضحا في رسم تلك العلاقة وبنائها لدى الشخصيات التي ظهرت في الفلم، ومثلا على ذلك المشهد الذي يقطع فيه ريتشارد جذع شجرة بسيفه، كإشارة لتصريف غضبه أو لطاقته العاطفية المكبوتة بعد وفاة زوجته الأولى. كذلك نلاحظ استفادته من الطاقة التعبيرية للألوان والتكوينات في الفن التشكيلي وتحديدا الرسم الزيتي، وبالذات الاستعانة بالرسم السينمائي للمناظر السينمائية العامة قبل تصويرها. ففي جميع اللقطات العامة التي رأيناها في الفيلم فهي تدل على أن هناك عملية مسبقة في تشكيل واختيار الكادر الصوري للقطة السينمائية من ناحية توزيع الكتل والضوء واللون. إضافة الى أن هناك لقطات عامة أخرى هي عبارة عن لوحات تشكيلية قائمة بذاتها، إذ لا يمكن تمييزها عن لوحات كوربيه مثلا، وأخرى قريبة جدا من لوحات الفترة التي انتهت إليها المرحلة الرومانتيكية الفرنسية، وصولا الى السريالية، وبالذات بدايات سلفادور دالي.
ومن ناحية الشكل الذي جاءت به المعالجة السينمائية، فقد تميز بلغة سينمائية اتسمت بإيجاز سينمائي وكثافة صورية بليغة. ففي بعض الأحيان يحتاج هذا التكثيف أو الاختصار لدرجة عالية من التركيز لدى المتلقي، لكي يستطيع أن يربط المشاهد أو اللقطات ذهنيا بعضها ببعض حتى يخرج بدلالة واضحة، مثلا عندما تقتل ليونارا أول طفلة، إذ نرى بعد ذلك مجموعة من الفلاحين والرهبان وهم يستعدون لتنفيذ عقوبة الحرق بفتاة متهمة باختطاف وقتل ثلاثة عشر طفلا…!! لتنفذ فيها تلك العقوبة القاسية فعلا…!! وعندما تجبر تلك الفتاة على الاعتراف الأخير امام القس تصر على أنها بريئة… فنراها (تبول) على نفسها من الخوف من العقوبة التي تنتظرها..!!
كما لابد من الإشارة الى موضوع استخدام المؤثرات الصوتية من داخل الكادر، إلا إنها كانت كما هو الواقع القاسي نفسه، ولكن بكثافة صوتية عالية وتركيز مسبق على شدة الصوت الطبيعي ونبراته، وسواء كان بشريا أو حيوانيا أو طبيعيا، مثلا صوت صهيل الحصان من داخل الإسطبل قبل أن يقتله ريتشارد، وصوت صفير الرياح في العاصفة. كل ذلك ساعد على خلق حالة من الشعور بالانطباعية.. بمساعدة ذلك المؤثر الصوتي الآني، وهذا أقرب منه الى أي مؤثر نقدي آخر.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *