جاسم عاصي : استظهار مفردات الذاكرة عن الفنان طالب القره غولي

jassimما زلت أستحضر في ذاكرتي صورة تلك اللحظة التي تحدد الزمان الذي انقطع فيه رنين جرس الفصل في دار المعلمين في الستينيات من القرن المنصرم، وهذا يعني انتهاء فرصة الراحة والعودة إلى غرفة الدرس. ربما كان الصف هادئا  حين شرع بالدخول بيننا وليس إلينا.  لم تثر  سمعه كلمة مراقب الصف (قيام) بل رأيناه مختارا الرحلة الأولى كي يستقر عليها. فما كان منا، وكما اعتدنا، الجلوس دون أن يوعز إلينا بذلك، إنه الرجل ذي القامة متوسطة الطول، والوجه المائلة  بشرته إلى السمرة، ذي شعر الرأس الخفيف مسترسل  الخصلات، كان مرتخي النظرات، هادئا  ليس في لباسه بهرجة، بقدر ما كانت مشاركة لتواضعه.  دخل بيننا الفنان القدير  (طالب القره غولي) مثل كل المرات حاملا كيس القماش الذي يدثر به آلة العود، أشار مؤخرا  بأنه اشترى أول عود من الفنان (محمد فاضل) وهو في  الرابعة عشرة من عمرهً، وبمبلغ خمسة عشر دينارا ، وهي كل ما كان يمتلكه أثناء سفره إلى   بغداد، آتيا  إليها من الجنوب القصيّ، معبأًً ومبتهجا  بأحلامه المبكرة. دخل بيننا مع عوده المتدفىء بكيس القماش، ثم جلس في أول الصف بك الكبرياء الذي استله من الفن الوقور الذي صقل سمات شخصيته الكبيرة ؛ الاجتماعية والفنية وأجلسه بيننا نحن طلاب دار المعلمين الذين نجهل مكونات الفن، لكننا نتذوقه في مدينة سكنتها الأصوات المنبعثة من كل زقاق وبيت، مدينة رددت ألحانا شجية لداخل حسن وناصر حكيم وحسن ناصرية وجبار ونيسة ونضال آخر العنقود. كان لا يبتدئ درسه إلا باللحن والأغنية الأصيلة، فقد تعرف على ما كنا نتذوقه، وعرف توحدنا في هذا الجانب،  التوحد الذي استنبت من توحد المجتمع ببنيته الكبيرة والمستقرة، وندرك نحن بالحس، كما يدرك هو بالمعرفة والموهبة قيمة الفن في تاريخ الشعوب، فهو ليس فحشا ولا عهرا ، وإنما شأنه شأن فعاليات الحياة الساعية إلى ديمومتها. يدرك تماما إن هذه الظواهر المرفوضة متوفرة في الأقبية السرية غير المعلن عنها والمغطاة بسمات وإشارات لا تقبل الحوار والنقد.

taleb 3كان (القره غولي) وهو بيننا يتعامل معنا كأفراد أولا ً، وكمجموعة ثانيا ً يستطلع أذواقنا ورغباتنا في ما نُحب، ولا يخدّش أسماعنا بالنشاز أو المرفوض ذوقيا ً، بل يبدأ بالضرب على أوتار العود، حتى يجمع أحاسيسنا ويهيئها في بؤرة واحدة، مراقبا ًاستجاباتنا بدقة، مطأطئاً رأسه تارة، منسجما ً مع إيقاع أوتار عوده، وفي أخرى يرفعه إلينا، لكي لا يكون بمعزل عنّا. كيف بنا ونحن أمام هذه القامة الفنية التي تمنحنا كل ما تمتلك بجرعات متتالية. يبدأ بالجملة الأولى من الغناء، ونحن نضمر ما يفاجئ مداركنا حد الاستفزاز في كوننا أمام مدرس يُغني، غير أن تواصله ينسينا حتى غرفة الصف، لاسيّما أن صوته لا يعبر نحو الصفوف الأخرى، فهو من الهدوء ما يلزمنا الإصغاء المركز خوف أن تفر عن أسماعنا جملة واحدة. هكذا يستمر، ولا يثير فينا تجاوزه لمقامه كمدرس، وإنما تزداد صورته هيبة وجمالا ً من سحر صوته ورقة أنامله وهي تداعب أوتار العود، بل يبقي وقاره محفوظا ً بسبب غزارته، وقدرته على استقراء ما نطلب ونُحب.
طالب القره غولي فنان مؤثر عرفته من غرفة الصف، ولم أترك صورة قامته، فقد ألفته جارا ً لنا في المحلة قرب مدرسة (المنتفك) في الناصرية، وناشطا ً في نقابة المعلمين ومانحا ً صوته ولحنه للآخرين من الفنانين. نشأ وترعرع في حاضنة فنية تمثلتها مدينة الناصرية. المدينة التي ما برحت موقعها على تخوم أرض سومر، فهو سليل (شولكي) وغزارة فنه، وتحفه (نيدابا) وهي تصنع له من قصب الماء أول ناي نفخ في فمه، مُطلقا ً فراشات ملونة تراقص الفضاء القريب، مبتعدة نحو آفاق بعيدة بإيقاعاتها المتواصلة التي طرب لها القاصي قبل الداني. لم يبرح ما كان معه، فقد أكمل مشواره مع الجميع، مبتهجا ً متباهيا ً بفناني المدينة وشعرائها. يطرب لشدو عود (كمال السيد) ويصغي، ومن ألحانه استمد القوة والرقة، وهو يعرف أن السيد يمتلك طاقة غير محدودة بسبب حسه الفني المبكر، ونظرته الآنية والمستقبلية للفن، فواكبا معا ًالتماس مع الفنانين، وعرفا عن كثب ما تمنحه المدينة من أصوات، هي امتداد للرواد الذين كابدوا الكثير من الضنى والتعب لكي يمنحوا الحياة فعالية الموهبة بأصوات ترجمت حياتهم الاجتماعية والرومانسية. إنهم جميعا ًسليلو سطوح المياه وهي تبعث بإيقاعاتها إلى نفوسهم فتشدو بها غناء وطربا ً يكشف لوعة النفس والقلب والعقل. كان ينظر إلى تجربة (فتاح حمدان) باحترام تجسّد  في اهتماماته به وبصحبه من الفرقة الموسيقية في المدينة. كان مع حسين نعمة وستار جبار وكمال محمد ومع كل من يضيف لتاريخ المدينة الفني  من عطائه عطاء متجددا ً. يصغي إلى (زامل سعيد فتاح وكاظم الركابي) فيستلهم من كلماتهم السحر الذي كان ينتظره، فهم جمعٌ ما فارق مجلسهم أحد، بل يتآزر مشهدهم بأسماء وقامات فنية، تستشرق الرقي والرفعة في ما هم عازمون على الوصول إليه.
طالب القره غولي ذاكرة محتشدة بالعطاء، لكن بؤس الواقع ساهم بإيقاف المواهب، فتبعثرت وتباعدت أواصرها، فكانت نهبا ً للزمان والمكان. ما استقر له حال، لكنه أبقى هويته مستقرة على صورة وجه الفن المشرق. لم يرحل عنّا، بل بقي بيننا، يدخل بيننا كما كان قد أعتاد دخول غرفة الصف، ويجلس بين صفوفنا  فنانا ً كبيرا ً شجي الصوت ومرهف الإحساس.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : الزمكانيّة المصاحبة للنصوص الأدبيّة وأثرها في توجيه النصّ.

ماذا يستفيد الدارس من تثبيت الشاعر أو الروائي لزمان كتابة النصّ ومكانها؟ سؤال طرحته كثيراً، …

| د. فاضل حسن شريف : النقد في القرآن الكريم .

لا توجد كلمة بحروفها او مشتقاتها في القرآن الكريم تشير الى النقد. ولكن من تعريف …

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    لفتة بارعة في استذكار رجالنا المبدعين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *