ميشيل بوتور : الأدب الأوروبي في خطر

 

ميشيل بوتور
ميشيل بوتور

ترجمة:سلمى حربــه
ميشيل بوتور هو آخر من يمثل الرواية الفرنسية الجديدة بعد أن غيّب الموت زملاء له مثل ناتالي ساروت و آلان روب كرييه و كلود سيمون ،كان هؤلاء جميعا قد اثاروا الكثير من الجدل بكتاباتهم المغايرة للمألوف في الرواية بعد الحرب العالمية الثانية، كتب بوتور روايته (التغيير) عام 1957 في هذه الفترة ظهرت  رواية (الغيرة) لآلان روب كرييه ، و (الريح) لكلود سيمون ،
و ( بلانيتاريوم ) لنتالي ساروت .هنا حوار مع ميشيل بوتور أجراه معه القسم الثقافي في جريدة دي تسايت (الوقت) الألمانية و نشر بتاريخ 21-7-2012
– أستاذ بوتور،هل يوجد الآن أدب أوربي ؟
 لا يوجد أدب أوربي ، لقد اختفت الحدود بين الدول الاوربية ،هذه الحالة الجديدة لم تلعب بعد دورها الحقيقي في الأدب.
– هل انتهى العصر الذهبي للرواية الأوربية  في رأيك؟
 بالتأكيد ، كانت هناك آداب وطنية مختلفة باختلاف طبيعة البلد الواحد ، اليوم أصبحت هذه البلدان موحدة  ، ذابت تقريبا الفوارق بينها و لم يعد هناك ما هو خصوصي  لهذا البلد أو ذاك ، نحن اليوم في حقيقة الأمر لا نعيش الازمة الاقتصادية فقط  بل الثقافية ايضا .الأدب الأوربي اليوم مهدد بالخطر ،دعني أقول لك أن اوربا بعد وحدتها أصبحت تعاني من أزمة الروح .
– ما هي معالم هذه الأزمة ؟
 قبل عشر سنوات أو عشرين  تقريبا مع انطلاق الثورة المعلوماتية ، حدثت أزمة في الأدب الأوربي ،صار هناك طوفان في المطبوعات ، و أصبح بإمكان أي أحد أن ينشر، مع هذا ظلت الروح ساكنة ،و سائل الاتصال الجديدة جديرة بالإعجابلكن هذا الصخب المخيف هو السبب في الأزمة ، كل يوم هناك ما هو جديد ، و هذا الجديد يختفي في اليوم التالي ليحل شيء آخر جديد، و هذا كله مرة ثانية يختفي ، هذا الطوفان في المعلومات أسهم في هدم أو خراب النفس ، اليوم يوجد صعوبات كبيرة لمعرفة ماذا حدث حقيقة ، كم المعلومات الهائل هذا أسهم في ذلك ، كان الأمر قبل أكثر من عشرين سنة مختلفا .
– يعتقد ميلان كونديرا أن الرواية الأوربية ستختفي لأن العالم الذي أتت منه لم يعد موجودا .
 هذا ممكن ، قد تختفي الرواية  لأن المناخ السائد لم يعد ملائما لها .ربما الرواية غير الأوربية لها شان آخر، بحسب ظرفها الذي يختلف .
– هل يمكن أن تحدد لنا من هم الذين أثروا فيك من الكتاب؟
 ذلك صعب ، قبل الحرب أثر فيّ الكثيرون ، اما بعد الحرب فقد تأثرت بسارتر و كامو .
– لقد كنت من ضمن أسماء كتبت قبل الحرب مثل : لامبدوزا ، كولدنك ، بيكيت ، دو ديرر ، بروفسكي ، باسترناك ، هؤلاء مجموعة من الكتاب  كانوا معاصرين لبعضهم و كنت  من ضمنهم
 هذا ممكن ، كل شيء ممنوع آنذاك ،كان لا يوجد ورق ، و المعلومات كانت شحيحة ، لا يمكن أن يتصور احد ذلك.
– و بعد الحرب ؟
 كل شيء سار ببطء، خذ اسبانيا مثلا ، كانت دولة مغلقة ،تحت حكم فرانكو ،الكتاب هناك خاضع للرقابة من عدة أجهزة ، و المطبوعات قليلة جدا و لا توجد ترجمات .
– هل يعني هذا أن كل شيء بعد الحرب بدأ من الصفر ؟
 لا ، سارت الأشياء في البداية  ببطء، و نحن كنا نكتشف مرة بعد مرة اشياء جديدة .
– ألم يكن هناك انهيار كامل ؟
 هذا شيء معقد جدا ، في فرنسا كان هناك انهيار لكن ليس كاملا ، بالنسبة للدول الاوربية  الأخرى الوضع مختلف لأن لكل دولة ظرفها .
– بعد سنتين من نهاية الحرب نشرت ناتالي ساروت كتابها ( عصر الشك ) ، بعدها ظهرت و في باريس بالذات الرواية الجديدة .
 هذا المعلومة غير دقيقة تماما ، ناتالي ساروت اكبر من عمري بست و عشرين عاما ، هي بعمر أمي ،و روايتها غير المعروفة ( بورتريت ) اطلق عليها سارتر ( الرواية المضادة ) و في حقيقة الأمر جاءت بعد ذلك .
– روايتك ( التغيير ) هل هي رواية مضادة .
 لا ، أبدا .
–  في هذه الرواية نحن أمام رجل يجلس وحيدا في عربة قطار طول مسافة قطعها من باريس الى روما ، هل العزلة برأيك هي محورها  ؟
 نعم بالطبع ، لقد أطبقت أجواء الحرب على كل شيء و لا تنس الاحتلال ، أنا شخصيا عانيت من هذا الشيء ، كنت أشعر و أنا شاب أني أعيش داخل سجن ، كامو ايضا كتب عن هذا الشيء و جسّد هذه الحال بشكل جيد ،سارتر كذلك في مسرحيته ( الجدار ) .
–  ما الأثر الذي خلّفه أو لعبه سارتر و كامو فيك ؟
 سارتر بالنسبة لي و للجميع فيلسوف الأدب الفرنسي ، انا عرفته لكن ليس عن قرب تماما ، لكني كنت مأخوذا بأفكاره ، تعجبني و كنت اصدقها .  كانت مشاريعه كثيرة و افكاره في الالتزام اعجبت الحزب الشيوعي ، لكن لدى الحزب موقفا واضحا منه ، و كان هذا بالنسبة اليه تراجيديا حقيقية ، لقد فعل كل ما يستطيع لمد الجسور بينه و بينهم لكن دون جدوى ، ربما بسبب موقفه الضعيف و السلبي من احداث المجر عام  1956هذه  المواقف أثرت عليه سلبيا ،و أنزلت من مكانته الأدبية .
– رغم كل ما طرحه من أفكار في الأدب الملتزم ؟
 لا ، دعني أقول لك أن الادب ملتزم دائما ، لكن يجب أن لا يعرف الكاتب بذلك ،الكتب هي جزء من التاريخ و الحقيقة و هي تلعب دورا عظيما في الحياة ،و في هذا الوقت يلعب الأدب دور الشاهد على كل شيء، فهو الذي يحفظ الحقيقة ،لتقوية و بناء المجتمع ، و ليس لتغييره نحو الأحسن أو الأسوأ ، الأدب يحاول انقاذ الأشياء من النسيان ،و الكاتب المثالي في رأيي هو ناقد و فيلسوف معا .
– مثل سارتر ؟
 لقد كان كاتبا كبيرا، لقد تخطى كل الكتاب بجميع تصنيفاتهم .
– لئلا ننسى أنه ألبس شخصيات رواياته أفكاره الخاصة .
 صحيح ،هذه هي مشكلة الالتزام ، لكني مع هذا معجب به ككاتب و فيلسوف
– كامو ايضا ، كانت عنده صورة واضحة عن الناس في اوربا .
 كانت لكامو مشكلات سياسية و وجودية ، عندما كان في الجزائر ،و هو كما نعلم جزائري فرنسي قضى جزءا من حياته هناك ، لم ينجح في أن يبلور موقفه من الحرب الفرنسية الجزائرية ، كانت أوربا بالنسبة له فوق كل شيء ،أما غيرها كدول شمال أفريقيا التي عاش فيها فلا  تعني له شيئا .
– وجدت الرواية الجديدة بعد الحرب العالمية مقابل الرواية الكلاسيكية ، كان كامو و سارتر ثوريين، اخترعا طرقا و تركيبات و بناء مغاير لما كان سائدا ، كما انه بعد الحرب كانت هناك معجزات في الاقتصاد ، كان سارتر مثلا معجزة في الادب .
 بعد الحرب عشنا في سوء فهم جماعي ، ما عاد احدنا يفهم الآخر . الفرنسيون  لم يفهموا الألمان و كذا الأمر بالنسبة للألمان ،المواطن لم يعد يفهم العامل و العامل لم يعد يفهم المواطن .ما عاد الأهل يفهمون أولادهم ، كذا الأمر بالنسبة للأولاد ،لقد دمرت الحرب كل شيء ،لم تعد بيننا لغة مشتركة ،الرواية الجديدة حاولت تجسيد هذه الحالة ، حاولت أن تجد لغة مشتركة من اجل أن يكون هناك توافق ما و أن يتم تحسينه دائما .
– أنت آمنت بالتفاهم ،على عكس ما كان عليه صموئيل بيكت ، هل أخذت موضوعاته  جانبا من اهتمامك ؟
 أنا قرأته ، كانت الفرنسية التي يكتب بها خالية من الروح ،كان متشائم جدا . لكن على الصعيد الشخصي كانت له رغبة في العيش ،بيكت كان ايرلنديا ، لغته انجليزية ، و كان يكرهها ،لهذا السبب كتب بالفرنسية بعضا من أعماله ، لكنه كتب بها كما يكتب الأجانب ،ربما لهذا السبب كانت شخصياته في الأعمال التي كتبها بالفرنسية مختصرة و مثلها لغته .
– لكن رواياته لم تصل الى ذروة التشاؤم بعد الحرب العالمية ، كان الأكثر تشاؤما منه هم الكتاب اليهود و منهم  بروموليفي و تاديوس بوروفسكي .
 لا أعرف ، أجد الحــديث في هذا صعــب جدا ،لقد كـــانت هناك صدمة هـائلة بعد الحرب ، و الجميع كانوا ضد النــازية ، ما تصورها أحد أن تذهب الى ذلك الحــد ،لكن هل علينا أن نكتــب بشكل مباشر عن هذا الموضوع ؟ لا ، هذا الــدور قام به الكتـــاب اليهود لما جرى لهم و قد اخذوا الأمر على عاتقهم.
-أنت ككاتب فرنسي هل تشعر انك بعد الحرب قمت بما يجب أن تقوم به ؟
 اعتقد الفرنسيون أنهم ربحوا الحرب و كانت هناك رغبة كبيرة بالاستفادة من هذه التجربة ، و نحن الشباب آنذاك كنا نعتبر ذلك ضربا من الخيال ، لأن أوربا كانت مدمرة فكيف يمكن أن ترجع كما كانت ؟
-لم تعد أوربا مركز العالم .
 هذا صحيح جدا ،و كان من الصعب جدا بالنسبة للفرنسيين فهمه ،لقد احتاج الأوربيون عقدا من الزمن لفهم ذلك ،لم تعد أوربا كما كانت ،ما أدركت كم تحتاج من الوقت لاستعادة عظمتها .
– ألا تدرك أن عظمة اوربا هي مجرد وهم ؟
 صحيح جدا ،الشعور بالعظمة أعمى الجميع آنذاك .
– و ما زلنا نعتبر أنفسنا ورثة الامبراطورية الرومانية.
 بعد حرب الجزائر أدرك الفرنسيون بشكل بطيء أن تلك الامبراطورية قد ذهبت الى غير رجعة . انا فهمت هذا من البداية لأني  سافرت كثيرا و أدركت أصناف المعرفة ،لقد كنت أرى اوربا من الخارج .
– المركز الفكري للعالم الآن هو أمريكا .
 صحيح تماما ،لقد تغير الوضع في أمريكا بعد الحرب بشكل كامل ، لقد أصبحت هناك نخب أدركت أن أمريكا انتقلت بعد الحرب العالميةالى  مرحلة الاستعمار الكولونيالي ،و ترى أنها ثقافيا تعتمد على اوربا ،خلال الفترة بين الحربين ، سافر الكثير من الكتاب و الفنانين الأمريكان الى لندن و باريس و بعد الحرب كان هدف الشباب من الكتاب هنا هو الهجرة الى أمريكا .
– قد يكون هذا صحيح بالنسبة للفرنسيين ،لكن الألمان ليس بهذا الشكل ، هل قرأت للروائيين الألمان ،كونتر كراس مثلا ؟
 روايات كونتر كراس كتبت كما لو كانت للألمان فقط .
– أي الكتاب الألمان بعد الحرب قرأت لهم ؟
 قليل جدا ،أوفه يانسن ، و أنسن بيركر .
– هل كان للايطاليين حظ أوفر لدى القراء الفرنسيين ؟
 بالطبع ،مباشرة بعد الحرب قرأ الفرنسيون فيتوريني ومورافيا و آخرين كثيرين ، و قد ترجمت أعمال هؤلاء الى الفرنسية بسرعة أكبر من الكتاب الألمان.
– بعد الحرب بدأت ما أطلق عليه المعجزة الاقتصادية ، هل هناك في الادب ما يمكن أن نطلق عليه المعجزة الأدبية ؟
 لا اعتقد ذلك ، كان هناك بدلا من هذا خطوات الى الوراء ،من هو  الى اليوم ذلك  العبقري الذي فعل شيئا ما قدر عليه الآخرون ،أو الذي رفع الادب الى مستواه الحقيقي ؟
– لكن التطور موجود و التجديد كذلك.
 الادب الممتع يجلب دائما التجديد ، لكن اغلب الكتب هذه تجلب لنا كل شيء ما عدا التجديد ، لذلك هي سريعا ما تنسى ، الكتب التي تجلب التجديد هي التي تقلق القارئ و هذه صعبة القراءة و لا يعرف المرء حقا كيف يتكلم عنها ،هذه النوعية من الكتب هي التي تجدد الادب .
– ألا يمكن للتجديد أن يأتي من خارج أوربا ؟
 لا أعرف .
– أريد أن أعرف رأيك بهذه الأسماء : بوميل هارابال ، دانيلو كيس ، الكسندر تسما ، بيتر استرهازي ، اندريه ستاسيوك ،هؤلاء أدباء يمثلون قاعدة الادب الأوربي .
 أنا لا أعرفهم .
– على هذا أن اعادة توحيد اوربا ما تزال غير ناجحة تماما ، ينقصنا الآن شعور  جماعي أوربي مشترك.
 هذا الشعور الأوربي المشترك يعني أن كل شيء سيتقاسمه الجميع ، و هذه كارثة بالنسبة لألمانيا .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

علي عبد العال وأسطورة المارد الحكيم
اجرى الحوار: د. توفيق التونجي

(وجدت في الاستمرار بالكتابة والاهتمام الجاد بمعاناة العراقيين المنفيين بشتى أصنافهم ومذاهبهم وانتماؤهم الفكري هي …

الروائي العراقي حميد الربيعي: مصيبة الكاتب العربي أنه يتحرك في حقول ألغام مازالت فعالة
حاوره: مروان ياسين الدليمي (ملف/4)

بنية الخطاب السردي في العمل الروائي تتعامل في تقنياتها بمستويات مختلفة في الممارسة الدالة الإنتاجية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *