الشاعر والباحث خزعل الماجدي: الشاعر لا يستطيع أن يغيّر العالم!

السلوك السياسي جعل العراق صحراء ثقافية !!
مؤسساتنا  الثقافية  مخازن لموظفين عاطلين !!
كل جهل يقود إلى الخراب !

حاوره في بغداد: ناظم السعود

إشارة : ببالغ الاعتزاز تسلمت إدارة موقع الناقد العراقي هذه المساهمة المهمة للصحفي المرابط ( ناظم السعود ) الذي لم يحصل إلى الآن على خيمة لعائلته في وطنه ويعيش حارسا في دائرة في منطقة الفضل .. يقدم السعود كعادته حوارا مستفزا وثرا مع شخصية ثقافية عراقية إشكالية وكبيرة هي ( خزعل الماجدي )..هذا الشاعر المبدع والمثقف الموسوعي المثابر الذي يقدم آراء مهمة جديرة بالمناقشة .
———————————–
عرف عن الشاعر خزعل الماجدي إهتمامه الشديد بتحقيق ما يمكن تسميته بـ ( تعدد الإبداع ) ذلك ان نوافذه الإبداعية أكثر تنوعا و مغايرة منذ ان حط خطوته الأولى على الجغرافية الأدبية في بداية العقد السبعيني .

و لا شك ان كثيرا من مجايلي الماجدي قد توقفوا عن المسير فوق الخط ( القويم ) الذي اجترحه الجيل السبعيني في سعيه لإثبات ذاته و قدرته على الإضافة محليا و عربيا برغم تعدد المسالك المقترحة و كثرة الأجيال المتوثبة للبروز .

الماجدي , بموهبته الكبيرة و قدرته على تلوين حضوره و تحديثه بشكل دائم و متجدد , قدم صورة أخرى لما يمكن ان تفعله الموهبة الأصيلة في ظل عالم مزحوم بالاختلافات و المتكالبات و النوايا  ( غير الأدبية ) فقد اظهر تجاربه المتلاحقة في الشعر و النقد و الدراسة و المسرح و البحوث الميثولوجية , بما رسخ اسمه كواحد من أكثر الناشطين المبدعين خلال ثلاث عقود زمنية , و ما يزال سعيه في تزايد يدعو للغبطة .
خزعل الماجدي،الشخصية الثقافية القلقة، قدر له ان يسفح سبعة أعوام من عمره متجولا في متاهة جغرافية خارج العراق بحثا عن حرية وأمان لم يوفرهما له وطنه.. وما ان سمع  بالتغيير النيساني( الذي يطلق عليه البعض تحريرا والبعض الآخر احتلالا في حين أراهما أنا وجهين لخيبة واحدة!) حتى أسرع بالعودة لبغداد مستبشرا ومستفزا قواه الإبداعية لتعويض ما فاته ولكنه بعد سنتين عجفاويتين أيقن ان لامناص من العودة صاغرا للشتات مرة أخرى، وها هو اليوم يجول مجددا في تيه لا يعرف احد مداياته او نهاياته.

التقيته في بغداد أثناء زيارته الأخيرة واستكملت معه حوارا مفتوحا – فاغرا دهشته للمزيد- منذ تسعينات القرن الماضي:

السفر أصوب قرارات حياتي!

*أود ان أسألك صراحة عن السبب الذي جعلك تقطع سبع سنين من حياتك وأدبك وبحوثك في شتات صحراوي مع ان هناك من يقول انك لم تكن في حال معوز هنا وقت فكّرت  في  المغامرة, هل إفادتك الرحلة شعريا ومعرفيا؟

– أنا لم انقطع عن حياتي وأدبي وبحوثي في شتات صحراوي بل على العكس مع ذلك كنت اشتغل بحثا وكتابة ونشاطا شعرا وفكرا, وقد قلت في أكثر من مكان أنني أصدرت أكثر من عشر مجموعات شعرية واثني عشر كتابا عندما كنت في ليبيا تحديدا, ثم أنني لم أكن في شتات صحراوي فلم ارع الإبل هناك بل كنت في منطقة الجبل الأخضر في ليبيا وفي أجمل مدن هذا الجبل وهي مدينة (درنة) الجبلية الواقعة على البحر وكنت اعمل في جامعة درنة أستاذا للتاريخ القديم والفن القديم فلم أكن في شتات صحراوي اوعاطلا عن العمل.

هذا من ناحية أما كوني كنت في حال غير معوز في العراق وقت فكرت في مغامرة الخروج فهذا غير دقيق على الإطلاق, لم يكن لي هنا سوى وظيفتي في دائرة السينما والمسرح / وزارة الثقافة وكان مرتبي وإنا احمل الدكتوراه هو اربعة آلاف دينار عراقي أي ما يعادل آنذاك دولارا و نصف الدولار! وكانت تعادل طبقة ونصف من البيض(!!)  ولم أكن املك اي عمل آخر سوى هذا العمل.

ومنذ 1997 أعانتني كتبي التي نشرتها في عمان على العيش في كفاف و اضطرتني الظروف إلى بيع جزء من مكتبتي ولكن ذلك لم ينفع فقررت السفر خارج العراق و البحث عن عمل بشهادتي وقد فعلت ، إضافة الى الوضع الثقافي المهين و السطحي الذي ظهر في العراق آنذاك وفقدت قدرتي على التعبير عن إرادتي الثقافية و السياسية و عدم نشر كتبي داخل العراق .. كل هذا دفعني الى السفر خارج العراق وإنا اليوم أجد ان ذلك القرار هو أصوب قرارات حياتي وكان يجب أن يكون قبل ذلك الوقت !! لقد أنجزت في رحلتي هذه ما لم أنجزه في العراق طيلة حياتي كلها فيه و الآخرون هناك يعرفون كمية و نوعية انجازاتي هناك .

الأسرة .. العيش.. الإعلام!

* أراك بعد عودتك تنشغل بأمور إعلامية وكتابات ومسؤوليات صحفية ألا ترى في هذا الانشغال ما يشتت جهودك الإبداعية ويبعدك عن ميدانك الحقيقي ؟

– هذا صحيح, ولكني أريد أن أعيش ولا يمكن ان افعل ذلك إلا بالعمل والحصول على المال اللازم لمسيرة أسرة مكونة من ستة أفراد وأنت تعرف ان وسط الإعلام هو الذي يوفر لك ذلك ولا يوفرها لك وسط الثقافة فلا بد من هذه التضحية …

أعطني ما يمكنني ان أعيش بشكل طبيعي وسأنهي كل التزاماتي الإعلامية –هل تريد ان اكرر مأساة التسعينات فأهرب خارج العراق وحتى هناك لابد ان اعمل لكي أعيش!! .

سأقول لك كلاما مضحكا .. هل تصدق أنني منذ ان عدت إلى العراق منذ سنة ونصف لم يرجعني احد الى وظيفتي رغم أني قدمت طلبات بذلك و رغم كل شهاداتي وكتبي .. وما اعمله اليوم كله في القطاع الخاص للأعلام .. فهل تصدق ذلك؟ !.

تكريس مشروع الغابة في العراق!!

* قلت لي في حوار منشور قبل سنوات ان الدم الذي سال بكثرة في جسد مسرحيتك ( هاملت بلا هاملت ) يعود لان تاريخ الانسان في الغابة يرجع الى ملايين السنوات ولم يعش فترة الحضارة الا منذ الاف السنوات اهذا هو سبب العنف و الدم و الاقصاء؟.. وماذا تقول اليوم وقد وصل الدم في بلادنا الى الشوارع ؟!

– هذا الحال يؤكد ما كتبته في مسرحياتي وقصائدي ، على الإنسان ان يعمل ليل نهار لكي يزيل وحشيته و حراشفه  وعليه ان يبرد أسنانه الحادة ويقلم أظافره, على الإنسان ان يشتغل على نفسه كثيرا لكي يتحول من حيوان إلى إنسان والثقافة هي أهم سبل هذا التحول –لقد اندفع الناس في بلدنا بغرائزهم ليمجدوا السلطة ومن لم يحصل على السلطة مجد الدكتاتور ليحصل على المال ومن لم يفعل هذا ظلم الناس لكي يعوض عن عجزه, وهكذا ترى ان الجميع أطلق لغرائزه العنان, ولم يلتفت احد إلى تثقيف هذه الغرائز وتوجيهها نحو الإبداع. ولذلك سال الدم في الشوارع  في نهاية المشهد لان الناس كرست مشروع الغابة لا مشروع الثقافة في العراق!!.

كل جهل يقود الى الخراب والعنف والدمار –وكأن الجهل في العراق يسكن الجميع تقريبا, الثقافة تابع من توابع السلطة ولم يكن هناك فكر عميق ولا علم حقيقي, كانت شهوات السلطة والمال هي التي تتحرك فقط وتسحق تحتها كل شيء.

ليست مؤسسات حقيقية!

* ماذا ترى في دور المؤسسات الثقافية القائمة حاليا, هل تساعد في إسناد الأدباء والمثقفين ام ليس لها من اثر محدد ومفهوم في هذا المجال؟ ولماذا تقوم أصلا؟

– المؤسسات الثقافية اليوم تعيش اختناقات البيروقراطية والوظيفة والرواتب والعمل الروتيني, وهي ليست مؤسسات ثقافية حقيقية بل هي مخازن لموظفين عاطلين عن العمل. وهي لا تسند الثقافة والمثقفين بل هي تعرقل ذلك.. اعتقد انه من الضروري إعادة النظر جذريا بها!

المغيّر ألان هو الاقتصاد ثم السياسة

* في عالم مزحوم بالإماتة و المحاصرة و التهميش ماذا على الشاعر ان يفعل ؟ و هل بإمكان الشاعر ان يغير ( العالم ) كما طالب بذلك غار ودي ؟!

– الشاعر لا يستطيع ان يغير العالم , و لكن مجمل الرؤية الشعرية تعطي حلا من الحلول للإنسان لكي يشعر بعمق و جمال الحياة .. الشعر كالدين يعطي بابا للدخول الى حياة أعمق و أجمل رغم ان الشعر اشد بطئا من الدين في تغيير العالم لان الدين يلعب هذا الدور منذ زمن بعيد .

الذي يغير العالم الآن يا صديقي هو الاقتصاد ثم السياسة , اما الفن و الشعر فسيكون دورهما عظيما في عالم استقرت فيه مشكلات الاقتصاد و السياسة .. او لنقل انتهت … و هذا شبه محال !.

أفكار بالية!!

* ذكرت مرة انك لم تجد في الجيل الستيني  أبا ً تحاول الخروج عليه .. فأين و متى وجدت ذلك الأب ؟ و هل تجد أن له ضرورة ؟

– لم أجد ضرورة لفكرة الأب هذه أصلا … لا في الجيل الستيني و لا في غيره .. و لا في الشعر و لا في المسرح و لا في الميثولوجيا . المسالة تكمن في التعلم الدائم و الدأب . كل من يكف عن التعلم و يرى نفسه كبيرا يسقط لا محالة . الأدب مبدؤه التعلم و الدأب في حالة وجود الموهبة , أما الآباء و الأبناء فأفكار بالية .

*قصيدة النثر تبدو اليوم في أعلى مراحل هيمنتها و سطوتها على المشهد الشعري عراقيا , و ربما عربيا .. فكيف تنظر إليها كمنجز إبداعي مضاف ؟ و هل لديك من تأرخة لمراحلها المختلفة ؟

– دعني أولا أقول لك .. ان الشعر العربي يشهد لأول مرة هذا المشهد الواسع مما اسميه ( كتابة الشعر عن طريق النثر ) و هو أمر أوسع من قصيدة النثر التي اعتبرها لونا واحدا من هذه الكتابة .

و لكي أكون دقيقا سأقول لك باني أرى ان الشعر ليس نوعا أدبيا يصطف مع القصة و الرواية و المسرح و النقد ليتشكل الأدب منها كجنس , أنا أرى ان الشعر جنس أدبي مستقل عن الأدب و في هذا الجنس أنواع شعرية احد هذه الأنواع الشعرية هو قصيدة النثر الذي ينتمي الى فرع اكبر اسمه الشعر من خلال النثر . لا بد من إعادة تجنيس الشعر او اجناسية جديدة للشعر . و بذلك تأخذ قصيدة النثر مكانها الطبيعي , هذا من ناحية … أما من الناحية الأخرى فانا لا أرى مطلقا ان قصيدة النثر هي آخر و أهم و أوسع الأشكال الشعرية .. بل هي لون شعري سرعان ما ستمل الكتابة به و سيأتي بديل آخر وهكذا , و المهم في كل الأحوال هو ان يكون هناك شعر فالحقيقة الوحيدة التي أراها هو شعر أو لا شعر مهما كان نوع الكتابة الشعرية ,قصيدة النثر في تاريخنا الشعري لها جذور , لكنها في شكلها الحاضر ثمرة من ثمرات الشعر الغربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر .

ان تكتسب قصيدة النثر هوية عربية , كما اكتسب  شعر التفعيلة فهذا أمر متروك للنقد الأدبي فهو الذي يستطيع فرز ركام هذا اللون الشعري و معرفة ذلك , و أرى انه كان لابد ان تصل قصيدة النثر الى مرحلة ذروتها هذه حتى لا تبقى في منطقة الغموض تحمل أسرارها و يصبح تداولها سريا و عصيا . كان يجب ان تنتشر لأنها سرعان ما ستنحسر .. و تأخذ حجمها الطبيعي .

الحداثة أصبحت ( بلدوزر ) تقنيات !

* منذ أعوام خططت وربما نفذت مشروعك الانقلابي ضد مؤسسة الحداثة … فما هي المتغيرات وردود الأفعال التي حصلت منذ إعلانك لهذا المشروع , و هل تفكر ألآن بإعادة النظر مجددا في رؤيتك للحداثة ؟

– لم أخطط لمشروع شعري انقلابي , بل وجدت نفسي بحاجة لأقول الحقيقة .. و في هذا الظرف بالذات , فقد بدأت أتململ من الصيغ الجاهزة التي فرضتها أعراف الحداثة علينا , بدأت انحت في التقنيات و كأني انحت الهواء , لقد أفرغت الحداثة قصائدي من شحنتها الروحية و عفويتها و براءتها .. و أصبحت ( أصنع ) الشعر و رغم أني اكتب شعر التفعيلة او الشعر عن طريق النثر إلا أني وجدت شيئا آخر غير رتابة التفعيلة ,و غير آلية النثر … أنه التقنيات .. التي كانت كابوسا حقيقيا سد منافذ العفوية .. و تدفق المشاعر .

لقد قلت في بياني الشعري ( موت الحداثة ) ان الحداثة أصبحت بلدوزر تقنيات , أصبحت كائنا تكنولوجيا مخيفا لابد من كبح جماحه و إلا تحول شعرنا كله إلى ( صناعة ) و ( موضات ) و ( العاب تسلية )! .

لقد قلت الحقيقة دون ان أخاف من ارثي الذي عشت فيه على الحداثة , و قد بدت لي الحداثة بشموليتها  و مصادرتها لما حولها , و مثل عصاب مركزي يعمل على تصفية محيطه و هكذا طالبت بدحر و موت مؤسسة الحداثة . و إرجاع الحداثة الى حركة  واحدة من عدة حركات .. اي طالبت بإلغاء إيديولوجيا الحداثة ( الموديوتزم ) و تحويلها الى حركة حداثة ( موديرنتي ) .

كثيرون عابوا عليّ ما فعلت لأنني امثل رأس رمح الحداثة ( كما قالوا ).. فقلت لهم و ما زلت أقول ( ان ذلك من اجل الحداثة نفسها ) لأنني أحب الحداثة مترافقة مع الحرية لا خاضعة لقيود خلقها تاريخ الحداثة نفسه !.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

| بلقيس خالد : طائر السعف له أرجوحة هادئة : الأستاذ محمد صالح عبد الرضا .

الأستاذ محمد صالح عبد الرضا: معلم من معالم الثقافة العراقية في البصرة، وجه لا ينسى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.