شوقي يوسف بهنام* : حوار مع العدم ؛ قراءة نفسية لقصيدة “سأم” للشاعر بلند الحيدري

 

شوقي يوسف بهنام
شوقي يوسف بهنام

* مدرس علم النفس
جامعة الموصل
e-mail:-shawqiyusif@hotmail.com           

اللجوء الى قوى الكون دالة على وصول الضعف الإنساني مداه الأقصى . والعلاقة بينهما علاقة طردية فكلما زاد الضعف ازداد اللجوء إليها توسلا وتقربا . ونحن نعلم ان الله هو رمز لهذه القوى على اعتبار وضعته الأنساق الدينية . ولعل تجربة ” النبي  أيوب ” تعد نموذجا لهذه الصورة ، كما سبقتها شخصيات أخرى أطلق عليها الدارسون ” البار المتألم ”   سميت بذات الاسم عرفتها الحضارات العراقية والمصرية  القديمة لأنها عانت ما عانه نبينا ” أيوب ” مثل حوار اليائس مع نفسه في مصر ما بين (2200- 2000) والحكيم ايبو في بلاد أور والصلاة المرفوعة إلى الإله  ” مردوخ ” في بلاد ما بين النهرين في القرن الثالث عشر ق.م . (1) وشاعرنا ” بلند ” سوف يعيش ذات اللجوء ولكن بطريقة معاكسة . فبدلا من اللجوء الى الله لطلب العون والمساعدة ، لجأ ” بلند ” إلى تلك القوى المظلمة التي تقابل قوى الخير والنور في منظور الأنساق الدينية ، وهو يحدد هذه القوى ب ” طيوف الفناء ” . والمفروض ان يرافق الفناء .. الظلمة والعدم والعتمة وكل ما يرمز أو يعبر عنها . لقد قاد السأم شاعرنا الى هذا اللجوء . ويمكن تسميته ، وانطلاقا من تعبير ” بلند ” نفسه ” سأم الوجود ” . لنحاول إذن الدخول في ثنايا القصيدة للتعرف على دواعي لجوء شاعرنا إلى تلك القوى البغيضة … قوى الفناء . يقول ” بلند ” :-
boland 3يا طيوف الفناء هذي حياتي
دمريها
فقد سئمت الوجود !
بد ّلي النور
بالظلام
ودوسي
تحت رجليك عمري المكدودا
قد سئمت الحياة أطلال صمت
ودموعا
ينسجن حولي الشقاء
وركاما من الهموم الجواثي
فوق قلبي
تهده اعياء َ
(الديوان ، ص 127 –  128 )
*********************
ذلك إذن هي الصورة الأولى لشكوى الشاعر وقد وجهها الى تلك القوى . نحن نجد من وجهة نظر نفسية ، هنا ، صورة لاكتئاب شديد تفوح منه روائح لميول انتحارية صبها الشاعر في هذه القصيدة . و لا ندري هل جرب ” بلند ” مرة ان يترجم هذه الميول الى محاولة فعلية للانتحار نتيجة ذلك السأم العميق من الوجود . فلجأ الى قوى العدم مطالبا إياها بتدمير حياته . ونحن لا نريد ان نحاسب الشاعر على استخدامه لمفردات تقترب من الاستخدام الشائع لها . هذا جانب أسلوبي لا علاقة لنا به . نحن ننشد الدلالة التي تقف خلف المفردة . طيوف الفناء هي بمعنى آخر عجلة الزمن التي لا تعرف الوقوف وتسحق كل ما أمامها بلا هوادة . هنا الشاعر هو الذي يبادر بأن يكون أمام هذه العجلة الخرساء . لنتخيل حوارا  مع شخص اخرس . كيف يكون هذا الحوار .. انه حوار معطل لا يؤدي الى  غرض .. حوار عقيم .. هكذا هو حوار مع طيوف الفناء . ومن المؤكد أنها لم تك مصغية له عندما دعاها . هل داست تلك العجلة بالفعل عمره المكدود . من المؤكد لا . لأنه استمر في الدعاء والشكوى وصب اللوم على ذاته وعلى الوجود في وقت واحد . بعد كتابة هذه القصيدة . نجد ان رائحة الحزن والهم والقنوط واليأس هي التي تفوح في هذه المقطع وإذا كانت أحزان ” بلند ” بهذا القدر فله الحق كله ان يكون على هذا الحال . لنقرأ المقطع التالي لنرى ما هي . يقول الشاعر :-
قد صحبنا الزمان حتى  …
مللنا
وجرعنا من السنين الكفاية
فاسدل الستر يا فناء
ومزق
قارئ الأمس والهوى
والرواية
( الديوان ، ص 128)
************************
هنا ينتقل الشاعر الى الزمان . والواقع ان ” بلند ” يعتبر ان الفناء أقوى من الزمان . الفناء خاتمة المطاف بينما في الزمان لا يزال الموجود يعانق الوجود ما دام موجودا . وقد عبر ” بلند ” عن هذه الصورة بعبارته :-
قد صحبنا الزمان حتى
مللنا
وجرعنا من السنين الكفاية
*********************
لقد مل ” بلند ” الزمان إذن  وجرع من السنين ما يكفي فتعال الآن يا فناء وأسدل الستار ومزق و… و  .. . هنا ” بلند ” لا يريد الفناء الذاتي فقط .اعني انه لا يطلب الفناء  لوجوده فقط . بل يريد الفناء العام .. الكلي .. المطلق .. وكأني به يردد عبارة الفيلسوف الألماني الكبير ” لا يبنتز ” ” لماذا كان وجود ولم يكن بالأولى ثمة عدم ” لقد عاش الشاعر هذا الحلم اللايبنتيزي ، إذا صح التعبير ، أو تمناه . لكن هذا الجو القاتم الملبد بالغيوم الذي يسير فيه ” بلند ” لا يخلو من لحظات فرح أو اتكاء على من يقبله  . سوف يغدو هذا القبول بمثابة عزاء للشاعر في هذا الدرب العسير .. الشاق … الطويل … المر .. فيخفف من اهوال الزمان وضربات القدر عليه . لنرى كيف يصف لنا الشاعر هذه اللحظات التي باتت في عداد الذكريات . يقول الشاعر :-
كنت بالأمس إن بكيت
تمشت

فوق جفني كفها بحنان
ولكم بالشفاه سلــّت دموعي
لتروي جنانها من جناني
(الديوان ، ص 129)
***********************
إذن ليس ” بلند ” غريبا كل الغربة فهو لا يعيش متوحدا في غابة سوداء أو على قمة  جبل شامخ في كوخ مهجور . على الرغم من وجود هذه الصور في شعره . ولكنه ها هنا يعيش بين يدي امرأة تضم بها صلعته الحمقاء . فلماذا يحزن إذن ؟ هذا السؤال سوف يجيب عليه الشاعر في مقطع تالي . يقول الشاعر :-
كم رتعنا على شواطئ حلم
نتغنى  برائعات الأماني
فرأيت الحياة أطياف حب
حالمات
سماؤها عينان
( الديوان ، ص 129 )
********************
لا يزال ” بلند ” في بحبوحة الحب .. يسرد تاريخه معها  ورأى الحياة أو الوجود أطياف حب . إذن لم السأم من الوجود واللجوء إلى قوى الفناء لكي تنشله من عذاب هذا الزمان .. ولكنه يسير مثل قطار لا يعرف الى أين يمضي . نعم لا يزال في هذا المقطع والمقطع الذي يليه يعيش هذه البحبوحة . يقول ” بلند ” :-
وإذا ما الزمان لملم أفقي
أفسحت بين جفنها
لي زمانا وأراقت من ناظرين سماء
كم تنقلت بينها نشوانا
( الديوان  ص ، 129 – 130 )
***************************
لقد اختبر ” بلند ” ضغوط الزمان وذلك من خلال عبارته :-
وإذا ما الزمان لملم أفقي
*********************
هذه العبارة علامة على الضغوط التي يمارسها الزمان على الشاعر . ولكن من خلال جفنها كان الشاعر يقاوم ويواجه تلك الضغوط . لقد عبر الشاعر عن تلك الإجراءات التي كان يمارسها عندما كان الزمان يلملم افقه ويطوقه بين ذراعيه ويغلق كل منافذ الحياة أمامه من خلال التنقل بين جفونها ” نشوانا ” .. فجأة ينقلنا الشاعر الى صميم محنته . لقد أمست كل تلك الخبرات السعيدة والمواقف المبهجة والراقصة مجرد ذكريات يجترها الشاعر قرب مدفأته العتيقة وهو يتأمل الدخان المتصاعد من أخشابها المحترقة . لنرى كيف يصف لنا ” بلند ” تلك الذكريات . يقول الشاعر :-
أين ذاك الصباح
لا شيئ منه
غير ذكرى تزيد قلبي حزنا
ونشيج
مغلف ببقايا من فؤاد يذوب يأسا
ويفنى
(الديوان ، ص 130)
********************************

إذن لم تكن كل تلك اللحظات السعيدة والمواقف التي خبرها الشاعر غير ذكريات عفا عليها الزمن .
إذن لم يك سأم الشاعر من الوجود سأما وجوديا بالمعنى الدقيق للمفردة . كان سأمه نتيجة فشله في إقامة علاقة صحيحة مع المرأة ، ثم عمم هذا السأم على كل نواحي الوجود .. على الأقل في هذا النص الذي بين أيدينا . لنرى كيف يرى الشاعر الحياة وهو يعيش أزمة الإحباط والخداع . يقول الشاعر :-
يا طيوف الفناء
مـرّي سريعا ً
قد خبرت الحياة في كل دور
فعرفت الهدوء
في الموت يحيا
ومهاوي الرجاء
أرجاء قبر
( الديوان ، ص 130 – 131)
*************************
تلك هي صورة الحياة عند ” بلند ” إذن . صورة قاتمة هي . الشاعر يعمم تلك على كل مراحل حياته . لا فرق بين طفولته … صباه … شبابه .. رجولته .. خريف عمره .. شيخوخته . كل تلك المراحل خبرها الشاعر ولم يذق في أية واحدة منها طعم الهدوء الا في الموت  .. فهو هناك يحيا .. ولم يعرف مهاوي الرجاء الا في أرجاء القبر .. ترى هل خبر حقا شاعرنا ” بلند ” كل ذلك وهو في القبر ؟؟؟؟ .

الهوامش :-
1-    اونو ، جوزيف ، وآخرين ، 2004 ، قراءة في العهد القديم ، تعريب : الأب يبوس عفاص ، منشورات مركز الدراسات الكتابية ، الموصل ، العراق ، ج2 ، ص 152-154 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *