د. حسين سرمك حسن : أحلام الربيع النازفة ؛ تحليل رواية “أحلام نازفة” للروائية هيفاء بيطار(4)

hussein sarmak 5ملاحظة : هذه حلقات من كتاب للكاتب عنوانه “هيفاء بيطار وجماليات السرد الضاري” سيصدر عن دار تموز بدمشق الأسبوع المقبل .

# ترويض الحزن :
——————
( كلّ منهما يعرف أن الآخر يتظاهر ويمثل ، ومع ذلك يختاران التمثيل والتظاهر بالتماسك ، يبدو أن الحياة غير ممكنة دون تمثيل ، والحقيقة العارية موجعة إلى درجة غير محتملة )

.. وسليم نفسه كان يصعب عليه – بعد أن وفّرت له الكارثة فرصة مراجعة الذات ، وهدأت انفعالاته الجامحة التي أعمت بصيرته زمناً – أن يعترف بأنه هو نفسه وأختيه السبب الرئيسي في ما حلّ بأسرتهم . فلو أنّهم قدّموا لوالدهم الإهتمام والحب الكافيين ، لما تمكن اسكندر من اصطياده باللطف والرعاية . أجل ، هذه هي الحقيقة الموجعة أكثر من الإفلاس ، بأن تقصيرهم هو الذي أعطى المجال للنصّاب كي ينصب شباكه حول عجوز متقاعد وكئيب ووحيد . فهل من طِعم مضمون أكثر من طِعم الحبّ ؟! (ص 108) .
لقد ترمّل الاستاذ نجيب وهو في الستين من عمره ، وعانى لسنوات من مشاكل طلاق ابنته البكر ، ثم زواجها من عراقي يعيش في استراليا ، وقسوة قلبها التي كان يبرّرها لها بأنها استنزفت قواها وحيويتها في مشاكل الطلاق . أمّا ابنته الثانية الشبحية – كما سمّاها – فقد تحوّلت إلى شبح حقّاً حين اختارت أن تصير راهبة مطوّحة بشهادتها الجامعية كمهندسة ، وهاربة من العالم والرجال إلى دير على قمة جبل . تنكّرت haifa bitar 5لأبوّته ولم تعد تناديه : بابا ، لأن الرهبنة الحقيقية يجب أن تسحق كل اشكال التعلق الدنيوي . لم تزره سوى مرتين ولضرورات طبّية (في عملية القسطرة وعملية استئصال حصاة في الكلية) وفي الحالتين بعد أيام من خضوعه للجراحة (ص 107 و108) .
لقد تركوه وحيداً مستوحشاً ، وهو يقترب من خط نهاية حياته ، ليقع لقمة سائغة – كما يُقال – بين فكي اسكندر المفترسين الذي كان ينتظره قرب محطة النهاية بتخطيط وتدبير . فالمحطة المثلى التي يستقر فيها النصّابون بترحاب هي محطة القلوب الوحيدة الموحشة . هل كانت وحدة الأستاذ نجيب وعزلته سبباً مهماً من أسباب سقوطه في براثن فخ اسكندر ؟
لقد كان سليم نفسه يشكر اسكندر لاهتمامه بأبيه ، وحرصه على صحته . كان اسكندر يتولى رعاية الأب صحّياً حين يكون سليم مسافراً . يزجي الوقت الطويل الثقيل معه في لعب الورق ، ويزوره عدة مرات في اليوم جالباً له ما يسعده ويسرّ قلبه . هل كان دافع اسكندر أصيلا في البحث عن أب ورعايته ؟ ممكن . لكن هل كانت وحدة أبو سليم وعزلته وإهماله من قبل أبنائه سبباً في ترسيخ علاقته باسكندر وتمتين ثقته فيه واعتباره ابناً بديلاً ؟ هذا مؤكد . وهذا ما أدركه سليم في وقت متأخر جداً وبعد فوات الأوان ، أدرك أنه مسؤول إلى حدّ كبير عمّا حلّ بأسرته من دمار وإفلاس ، بل قد يتحمّل المسؤولية كلّها (ص 107) ، لقد جعل قلب أبيه موحشاً وحيداً ، والمحتالون هم اختصاصيو فن احتلال القلوب الوحيدة . لاحظ كم وكيف تسقط النسوة الأرامل في أيدي صائدي القلوب المحتالين . علمياً لم يظهر دافع الحرمان الجنسي كسبب رئيسي ، بل الوحشة والعزلة والبحث عن عزاء لدى قلب يفهم ويسرّي ويعين .
لكن سليم أيضاً كان ضحيّة ، وصاحب قلب وحيد موحش ومتعب . كان ضحية مجتمع منافق ينخر سرطان القهر جسمه ، وينهش أوصاله بلا رحمة ، ومؤسسات استشرى فيها داء الفساد وجعلها عدوّاً للمواطن بدلاً من أن تكون عوناً له . والإثنين – المجتمع والدولة – تتعاون معهما حتى الأقدار .. حتى الله – بالنسبة لسليم – في إيقاع أبلغ الاذى في الإنسان ومحبّيه ، وفي ملاحقة آماله وسحقها بلا هوادة . فقد أحبّ سليم – ومن النظرة الأولى – زميلته الجميلة الرائعة في كلّية التجارة ، جنان ، التي انحدرت من بيئة فقيرة ، أمها تعمل خادمة في البيوت ، وأبوها موظف في مؤسسة التبغ . عاشا محلّقين على أجنحة الحب .. وأعلنا خطوبتهما في السنة الأخيرة من دراستهما الجامعية . لكن جنان أصيبت بسرطان الدم الذي بدأت أعراضه بنزف شديد في اللّثة . ثم بدأت سلسلة المصائب ، فالمصيبة عادة لا تأتي وحدها . قطع أحد الأدوية دورة جنان الشهرية أي أنها لن يكون لها أولاد .. استنزف المرض إمكانات العائلة الفقيرة حتى باعت السجادة الوحيدة ، ولم تعد قادرة على شراء أكياس الدم ، ولا إجراء عملية زرع نقي العظم .. المشافي الحكومية لا تملك الإمكانيات الكافية لعلاج هذا المرض . هنا كان سليم يشعر بأن الله يتفرّج على جنان تذوي وتنزف وتموت ببطء وهو صامت لا ينجدها (ص 112 و113) . انفتحت عيون عقل وروح سليم على سعتها على حقيقة حارقة هي : الفقر .. فلو كان ثرياً لتمكن من إجراء العملية لخطيبته . ولو كان الفقر رجلاً لقتله سليم .. لكن الفقر ليس رجلا .. إنه قدر “مصنّع” يحاصر بعض الناس – وليس كل الناس – من كل جانب ، ولا سيف يطوله . قدر حاصر حبيبته جنان وأدى إلى موتها .
لكن هذا الموت كان “تجربة فاصلة” ، نقلت سليم من حال إلى حال .. غيّرته جذرياً ، ورسمت له آفاق مستقبل جديد مغاير تماماً . كان من الممكن أن يشتغل بشهادته الجامعية محاسباً في شركة . لكن تجربة موت جنان الفاصلة جعلته يرفض هذا الخيار المرسوم قطعيّاً . وفاة حبيبته المغدورة جعلته يعرف دوره في الحياة . صار يؤمن بأن لكل إنسان دوراً في هذه الحياة ، ودوره سيتمثل في فضح الفساد الطبي ، وقصور المؤسسات الصحّية في تلبية احتياجات المواطن . لقد اختار رسالة العمل الصحفي ، وكتب المقالات والتحقيقات المهمة التي تكشف kh haifa 3فساد الوضع الصحي ، ومعاناة المرضى خصوصا مرضى الأمراض المزمنة المُنهية كالسرطانات التي قتلت حبيبته ، والعجز الكلوي وغيرها . لكن – من جديد – يتعاون المجتمع الجبان المهادن والدولة الحقود الجائرة على تكبيل حرّيته ومعاقبته على حسن وطنيته ، وإخلاصه للناس ولبلاده ، وإيمانه بأهمية الكلمة الشريفة . المقرّبون يقترحون عليه أن يلزم الصمت .. أمّه تخاف عليه فهي تفكّر بقلبها . أمّا والده فهو أستاذه وصديقه الذي غرس في روحه قيماً اخلاقية عظيمة مثل الصدق والشرف والنزاهة وحياة الحق ، لكنّه الآن – في الحقيقة – يحذّره من أن يطبّقها !!  صار خياره الجديد بعد التجربة الفاصلة التحوّلية ساحة صراع بين أبيه وبينه . خابت ظنون الإبن “الأوديبية” في الأب كرمز حام وقدوة يتماهى معها الإبن ويؤمثلها . صحيح أن ما يدفع الأب إلى هذا الموقف الإزدواجي المشروخ بين الفكر والعمل هو قلقه على مصير ابنه وحرصه عليه ، لكن الفجوة بينهما اتسعت لتصبح هوّة مميتة . هل كان هذا العامل المهم في نبذ سليم لأبيه ووقوعه بالتالي في مصيدة محبة اسكندر وولائه الزائف كإبن بديل ؟
إستُدعي سليم إلى المخابرات إثر كتابته مقالاً عن فساد اللجان الطبية المسؤولة عن إعفاء الشباب من الجنديّة . عومل باحتقار وإذلال .. انتظر أكثر من ثلاث ساعات في غرفة بائسة ، ليتكرم ضابط المخابرات الأنيق والمتجهّم بتبليغه بضرورة عدم نشر الغسيل الوسخ ، وعدم المساس بهيبة الجيش ، فـ :
(نحن نمرّ بظروف عصيبة ، سوريا مُحاصرة بتهديدات وتحدّيات خطيرة ، وأيّ مسّ بمهابة الجيش يسيء للبلد . لا أظنّك تريد الإساءة إلى وطنك – ص 118) .
خرج سليم من مكتب ضابط المخابرات مخموراً بالذل والخوف . دخل رجلاً ، وخرج طفلاً تمّ قرص أذنه ، وتحميله بوصايا “يمشي” عليها ، مع تربيتة على خدّه . جعل يحسد حبيبته الراحلة جنان لأنها ماتت وارتاحت من حياة الذلّ !
وجد والداه وأقاربه هذا الإستدعاء فرصة ودليلاً على أن العاقل والذكي هو الذي يتأقلم مع واقعه ، وأن شعار السلامة والأمان في هذا البلد هو : الحيط الحيط وياربّ السترة (ص 119) .
كان هذا الموقف الجبان والتبرير الرعديد يجعل سليم  يُجن من الغضب ، ويندفع في طريق المواجهة أبعد فأبعد . فاستُدعي مرّة ثانية إلى قسم المخابرات ، لأنه كتب مقالة عن تلوث الأدوية لأحد أهم مصانع الدواء الذي طرحها للتداول ، وسبّب أذى بالغاً للمرضى بلا رادع . وبنفس الطريقة المُذلّة المقصودة ، أُجلس مثل تلميذ مرعوب ، وقُرصت أذنه ، وحُمّل بوصايا السلوك الحسن الذي يرضى عنه “البابا” في البيت والشارع والحياة . وحين سأل ضابط المخابرات عن أيّ شيء يكتب مادامت كل الموضوعات تسيء للوطن ، فأجابه بسخرية : يمكنك وصف الربيع (ص 121) .
سار سليم في القطيعة مع أبيه وعائلته إلى حدود لا رجعة عنها . فقد كتب سلسلة مقالات عن الفساد الإداري في عدة شركات منها شركة الإسمنت ، فجُنّ جنون شقيقته سوسن وزوجها لأن الأخير هو مدير شركة الإسمنت . ثم أتبعها بمقالة أخرى عن فساد جمعية سكنية خاصة انتمى إليها أبوه وتلاعب موظّفوها بمبلغ اشتراكه “برضاه !” ، ليدفعوا رشوة للجهة التي اشتروا منها الأرض ! وهكذا كانت النفوس المنافقة المرعوبة من الجور والطغيان – حتى المحبّ منها – تنفضّ عن سليم يوما بعد آخر حتى غدا وحيداً مستوحشاً . وفي الوقت الذي ركّزنا فيه على وحدة أبيه وعزلته ، كان سليم يعاني من وحدة أشدّ وعزلة أكثر مرارة . وإذا كان الأب ضحية وضع عائلي بدرجة رئيسية وظروف اجتماعية بدرجة أقل ، فإن سليم هو الضحية الأنموذجية التي تعاونت على محاصرتها ، ومسخ أحلامها ، وتحطيم إرادتها ، قوّتان : المجتمع والدولة . ففي الثانية والثلاثين من عمره ، كان في ذروة نجاحه كاسم لامع في عالم الصحافة ، له زاوية ثابتة في صحيفتين في بيروت ودبي ، إضافة إلى مقالات في الصحف المحلية . وفي الثانية والثلاثين أيضاً صدر قرار من المحكمة بسجنه لستة أشهر ، ومنعه من الكتابة في الجرائد والمجلات المحلية لأنه كتب مقالين طويلين عن فساد المرفأ (ص 124) .
وفي السجن ، شعر بأن وطنه يذلّه ، ويعاقبه ، لأنه شهم وشريف وبفضح الفاسدين والفساد . وفي السجن أيضاً راجع مسيرة حياته ليصحو على الحقيقة الصادمة التي زلزلت أولوياته ، فالزمن قد مرّ ، ولم يحقق شيئا لنفسه ، ومازال يعيش مع والده مثل طالب جامعي .. بلا بيت أو سيارة .. وما يجنيه من مقالاته بالكاد يكفي مستلزمات الحياة (ص 146) . لقد تأكّد من أن كل حماسته وثقافته غير كافٍ لتامين عيش كريم له ، ولابدّ أنه كان يمرّ بمقارنات مستترة بينه كصحفي شريف مسجون ومُذلّ واسكندر – بائع الملابس الداخلية – الذي كان يزوره في السجن بصحبة والده ، ويأتيه بالمأكولات اللذيذة والكتب والقمصان الأنيقة .
إن الدرس الأكبر – من بين دروس كثيرة  – من عرض حياة سليم في هذا القسم “ترويض الحزن” ، متصل بالهدف المركزي بقوة ، فها نحن نصل إلى الوضع المخيف الذي يدفع جيلا كاملاً من الشباب ، جيل سليم ورياض وحتى اسكندر ، إلى الكفر بكل القيم الوطنية والثوابت الاجتماعية والدينية . وكأننا أمام اتجاه رسمي مُعلن ، تواطأ عليه المجتمع مع الدولة ، لدحر أي قيمة مرتبطة بالله والوطن والناس والنزاهة ، وإعلاء شأن الفساد والمفسدين ، ورفع راياتهم بصورة علنية تحرق النفوس الغضّة الشفيفة الباحثة عن العدالة والمساواة والكرامة . إن ما عاناه سليم من بطش الدولة – برغم أنه في حدود دنيا فهي لم تقتله حتى الآن – يعلن عدم مقبولية “الأنموذج” القيمي الذي يمثله ، واندحاره ، والخيبة المؤكّدة لمن يسيرون في طريقه ، مثلما يعلن بعبارة صريحة لا لبس فيها عن احتضان وتكريس “الأنموذج” الملوّث المضاد ، أنموذج مصباح السبع واسكندر ، وتفريخ عناصره بصورة سرطانية ، وبفعل أخطبوطي يلتف حول كل قيمة مشرّفة ، ويخنق كلّ من ينادي بها .
وإذا كان ابو سليم قد أعلن في ختام القسم السابق : “الأستاذ نجيب” ، أن الموت الحقيقي ليس هو موت الجسد ، وتفسّخه ، بل تيبس الروح ، وجفافها من نقص الحبّ ، فإن سليم يعلن بحرقة في ختام هذا القسم – وبقصديّة الكاتبة العالية طبعاً – أنّ الموت الحقيقي ليس موت الجسد ، بل هو جفاف الروح ، وذبولها بسبب نقص الكرامة في الوطن .. والأدق بسبب “نقص الأمل” . وإذا كان أبو سليم قد شكى من قسوة إبنه الذي تركه وحيداً منزوياً على رصيف الحياة بعذر فيه بعض الوجاهة لأنه – أي الأب – قد ضيّع ميراث العائلة ، فإنّ ابنه سليم قد تخلّى عنه الجميع لسبب لا يُصدّق ، وهو أنه دافع عن هذا “الجميع” ، وأخلص له ولقضاياه وهمومه . وإذا كانت خديعة اسكندر وقسوة الإبن قد جعلت الأب يعتبر الموت حلّاً ، فإن القهر والطغيان والخيبة من الآخرين جعلت سليم يختار موتاً من نوع آخر :
(لم يتوقّع أن تُبدله عدة أشهر في السجن . لقد فهم لماذا يهجّ الناس من أوطانهم ؟ ولماذا يرمون أنفسهم في المجهول ؟ إنّه مُحتقر ومُهان ومُعاقب لأنه صادق ونزيه ويحبّ وطنه ، بينما اللصوص يستحلون المناصب الحساسة ويُعاملون بكل تقدير وتبجيل ! أهذا هو الوطن الذي ترغب أن تهديه عمرك يا سليم ؟ هل عرفتَ السعادة حقّاً ؟ أمْ أنّ إحساس المرارة يتوالد في روحك كل يوم ؟
صار إحساسه بوجوده هو إحساسه الدائم بالموت ، ليس الموت هو موت الجسد ، بل هو موت كلّ القيم والأخلاق والأمل . لقد انتصروا عليه ، وسحقوا روحه ، ولن يجد حرجاً في إعلان هزيمته . انتصروا عليه لأن لا أحد من أصدقائه دافع عنه ، صار مغضوباً عليه وعاقاً ، فانفضّوا عنه . يا لوضاعة الناس ! سيسافر حال خروجه من السجن ، التعبير الأدق سيهجّ من وطن أمعن في إذلاله ، وسيعمل أيّ شيء ، أيّ شيء ؛ عامل تنظيفات ، بائعاً في سوبرماركت … خسارة يا سليم ، لقد انتصروا عليك فعلاً ، فأنت عاجز عن البقاء في وطنك – ص 126 و127) .
لقد “انجرف” سليم إلى هاوية اليأس والنقمة والقرف السحيقة ؛ القرف من نفسه ومن الحياة ومن الدنيا ، وها هو عاجز كلّياً عن مقاومة هذا “الإنجراف” . وأسوأ علامة على خراب الحياة المؤكد في أي مجتمع هو أن يسود هذه الحياة “الإنجراف” الذي يسوق الأفراد كلعنة لا تُردّ إلى مهاو مظلمة .

# الإنجراف :  
————-
( لقد نفى نفسه خارج الحياة ، ويعيش أيامه كما لو أنه في منطقة وسط بين الموت والحياة ، فلا هو ينتمي لصخب الحياة ولا إلى جمود الموت . إنه وحيد وحيد ، والوحدة هي الخطوة الأولى إلى عالم الموت )

وحين قرأت وصف “الإنجراف” الذي استخدمته الروائية لأول مرة على الصفحة الأولى من الرواية وهي تصف إنهيار سليم بعد سماعه بنبأ الكارثة :
(أحسّ بقوّة هائلة تجرفه ، وانبثقت صورة شلال هادر يجرف كلّ شيء في طريقه عن مخيلته النازفة – ص 7)
.. ثمّ على الصفحة الثالثة عشر من الرواية في قسم الإفتتاحي نفسه ، وهي تصف حالة الإكتئاب المزرية ، والمشاعر العدمية التي استولت على أبي سليم بعد الكارثة :
(إنّه ينجرف إلى هاوية سحيقة ، ولا يملك شيئاً لمقاومة هذا الإنجراف)
شعرتُ أنّ هذه المفردة – وما تعكسه وتتضمنه من معاني عبقرية اللغة العربية المظلومة – قادرة على تلخيص كلّ أوجه محنة شخوص هذه الرواية و”أحلامهم النازفة” . الحلم نفسه هو “انجراف” مع تيار إشباع الرغبات المكبوتة في النوم أو اليقظة (أحلام اليقظة) . والنزف هو سيلها الجارف الذي لا ينقطع . ومشكلة شخوص هذه الرواية ، بل كل مواطني مجتمعاتنا الطيبين المساكين هو انجرافهم المشروع والمحرّم مع نزف أحلامهم المستمر الذي يستنزف نسغ حياتهم وقواهم ، ويملأ أرواحهم بالقهر والنقمة ، حين يجدون أنّها أحلام مُحاصرة وعصيّة على التحقيق ، بالرغم من أنها بسيطة ومشروعة ، ولم تبق لائحة شرائع ، ولا رسالة سماوية ، ولا كتاب مقدس ، ولا قانون وضعي ، ولا منهج حزب ، لم تضعها على رأس سلّم أولوياتها . إنّ نزف هذه الأحلام المرهق يأتي من أنها تُطعن بلا رحمة من المجتمع الرعديد والدولة القامعة . ما الذي حلم به أبو سليم أكثر من العيش بسلام وكرامة وسط عائلة آمنة مضمونة المستقبل وقوية الأواصر ؟ ما الذي حلم به سليم أكثر من معالجة خطيبته الحبيبة ؟ وأكثر – بعد وفاتها – من أن ينتصر لهموم الناس ويكشف بؤر الفساد ويثبت إخلاصه لوطنه ؟ ما الذي حلمت به سعاد أكثر من ضمان مستقبل اولادها الثلاثة بعد وفاة زوجها ، وأن تستريح من جور العمل في البيوت ؟ ما الذي حلم به ابنها جميل أكثر من أن يردم الفجوة بين ذكائه وواقعه الفقير الإمكانات ، وأن يُطلق القوى الهائلة المُحتَبسة في داخله ويحقّقها ؟ ألم يكن أساس مرضه النفسي هو إحساسه الدائم بالألم من واقعه المُجدب والحياة القاحلة التي يحياها ؟
من العجيب أن يصبح الإنسان ضحية لأحلامه المشروعة . إن المواطن العربي في كل مكان هو ضحيّة الحلم بـ “المسرّات الصغيرة” التي هي مشروعةٌ في أعلى صورها للبشر في العوالم المتقدمة ، وفي أدناها لأبسط المخلوقات الحيوانية .
لكن علينا أن نلتفت إلى حقيقة فلسفية وواقعية . علينا أن لا نكتفي بإدانة الدولة القاهرة ولا المجتمع كمؤسسة جمعية ، بل أن نلتفت إلى ما يقترفه الإنسان الفرد في حقّ أخيه الإنسان . فحين نلاحق حال هذا الإنسان منذ فجر خليقته حتى يومنا هذا يتأكد لدينا الوصف الذي يطلقه عليه الفلاسفة بأنه “موجود شرير” و”حيوان خبيث” . وهذا لا يلغي حقيقة أنه حيوان ناطق واجتماعي ورومانسي .. بل وحيوان طيّب . فهو الكائن الذي تفصله خطوة ليصبح إلهاً في بعض الأحوال ، وأقل منها ليصبح وحشاً في أحوال أخرى .. إنه لغز الحياة المحيّر .. ومجد الكون وعاره .
الإنسان هو الذي “يجرّف” وجه هذه الحياة ويشوّهها (جرّف الأرض كسح طبقتها العليا) ، إنّه يتحوّل إلى شيطان حين يكون مريداً وعبداً لإله المال ينجرف مع إغوائه وشروره (الجرف هو المال الكثير .. فيا لعبقرية اللغة العربية !).. حينما تفور روحه بدوافع الجشع والنهم (جرف الإنسان : كثُر أكله !) فلا يقف عند أي حدّ .. لا يبقى أي أثر لنواهٍ أو حدودٍ رادعة .. فيجرف ذاته مثلما يجرف ذوات ووجود الآخرين ومقدّراتهم ، ويخرّب حياتهم ، ويعيث في الأرض فساداً (جرف الشيء : ذهب به كلّه ، جرفه الدهر : أهلكه ، أماته ، جرفه الدهر : أفقره .. جرفت الأمطار الغزيرة الماشية : ذهبت بها ، اكتسحتها) . ولنتوقّف عند سلوك اسكندر من جديد . لقد انجرف اسكندر في طريق الشيطان ، وجرف معه ضحاياه إلى قاع الخراب والخيبة والندم . لكن هناك حالة من حالات ضحياه لا تُصدّق وتكشف أي درجة من الإنحطاط يمكن أن يصل إليها الإنسان . هذه الحالة هي حالة “وديعة” . فيمكن أن لا يصل تعاطفنا مع ضحايا اسكندر درجة مطلقة . أنا شخصيّاً لا يمكنني أن أقتنع بكل المبرّرات / التساؤلات التي طرحناها لتبرير انجراف أبي سليم وسعاد ورياض تحديداً وراء الوهم الذي رسمه لهم النصاب اسكندر ، وأشعر بأنهم قد عاونوه بشكل ما على استغفالهم .. أليس كذلك ؟ أحسّ أنهم يتحملون وزراً في إيقاع أنفسهم في مصيدته . هناك قدر من “الطمع” لا يُنكر . لكن “وديعة” .. يا إلهي ! هل يُعقل أن في الإنسان مثل هذا القدر من الخبث والقساوة والوحشية ؟!
“وديعة” (ص 129 – 134) – ولاحظ الذكاء في اختيار الإسم ودلالاته – يتيمة عاشت عمرها خادمة في الكنيسة ، تسكن غرفة صغيرة ملحقة بالكنيسة ، لا أقرباء لها ، ولا معين سوى الربّ . لقبها في المدينة المرأة المقطوعة من شجرة ، دلالة على وحدتها .. وحين بلغت الخامسة والستّين من عمرها ، أقعدها التهاب المفاصل عن الحركة ، بل صارت حركتها صعبة ومصحوبة بآلام لا تُطاق . لم يكن هناك من يساعدها في غرفتها البائسة .. سلّمت أمرها لله ، فلعله كان يختبر إيمانها . وذات يوم أبلغها الكاهن أن فاعل خيرٍ أرسل لها نصف مليون ليرة ، مساعدة لها في مرضها . كانت مؤمنة بأن الله وراء كلّ ما حدث .. طلبت من إحدى السيّدات أن تؤمّن لها شابة لرعايتها .. وكانت السيدة أخت اسكندر الذي بدأ بزيارتها ، ونصب شباك اللطف والحنو والرعاية حولها .. ليتسلم أخيراً النصف مليون ليرة من المسكينة دون أن تطلب منه أي إثبات .. لم تكن تعرف شيئاً عن سندات الأمانة . أقنعها اسكندر بأنه سوف يوظّف هذا المبلغ في تجارة الألبسة الرابحة جدا ، وبأنها من فوائد المبلغ ستتمكن من دفع معاش الخادمة التي تُعنى بها (إسم الخادمة “سهام” ولاحظ من جديد دلالات الإسم ) ، وشراء أدويتها . ثم فرّ اسكندر بثروتها .. لتموت بعد يومين :
(وشبح ابتسامة مرتسم على شفتيها ، ابتسامة مُحيّرة ، لم يفهمها أحد سواها ، كانت سعيدة بأن المهم في الحياة أن تختمها بطريقة لائقة وصحيحة ، وبأن الله عزّ وجل ، جنّبها ذلّ الحاجة – ص 134) .
لقد دنت نفس اسكندر وروحه الشيطانية حتى على مال هذه المسكينة اليتيمة الوحيدة المُقعدة ، فأي وحش يكمن في الإنسان ؟!
وهذه اليتيمة الوحيدة المقعدة تقوم في كل قداس إلهي بجمع التبرعات من المصلين في صينية خشبية .. ولم تفكّر مرة – عبر خمسين عاماً – أن تدس بعض المال في جيبها ، فهي مفطورة على النزاهة ، ممتلئة بروح المسيح وحبّه .
فأي رحمن يسكن في روح الإنسان ؟!
آهٍ أيّها الإنسان ..
يا مجد الرحمن والشيطان ..
ويا فخر الكون وعاره !!
وحين اختفى اسكندر حاملاً معه ثروة المرأة المقطوعة من شجرة ، لم يخطر ببالها أبداً أنه لص هارب ، بل أحسّت بالقلق عليه ، ولامت نفسها كونها لم تسأله أين يسكن ، لتذهب للإطمئنان عليه (ص 133) .
… لكن – حين طال غيابه لأسابيع – وأخبرها الكاهن بأنه نصّاب ، سرق اقرب الناس إليه ، وهرب :
(جمّدها الذهول ، لم تنطق بكلمة ، ولأوّل مرّة في حياتها تحسّ بتشوّش في علاقتها مع الله ، كما لو أن غمامة رمادية هبطت بينها وبينه – ص 133) .
هؤلاء الأشرار يربكون حتى العلاقة الدافئة والمطمئنة بين العبد وربّه .. يشوّهون حتى سمعة الله . وسريعاً عادت وديعة لتفسّر كل ما حصل بأنه بتخطيط من الله . فكيف تفسّر ما حصل ؟ فاعل خير يلهمه الله ليرسل لها نصف مليون ، واسكندر النصّاب يقتحم حياتها ويسلبها المبلغ .. وذلك الإحساس الغامض الذي جعلها تطلب من أخت اسكندر المعونة رغم أنها تعرف عشرات السيّدات .. فلمَ طلبت من أخت اسكندر تحديداً ؟ هل هذه السلسلة من الحوادث صدفة أم أنها مسيّرة بإرادة تدرك كل شيء ؟ (نعود الآن إلى علم المعرفة الذي يؤسسه مثل موسى والعبد الصالح) .
لا تسقط شعرة من رؤوس الناس إلا بإذن الله . هكذا ترسخت قناعة وديعة التي جعلتها مطمئنة لا يربكها زلزال اسكندر الصاعق رغم هوله كما حصل لرياض ، وحتى للأستاذ نجيب وسليم . لعل يسوع المسيح قد خطط لكل شيء لتكون بجانبه وتخلص من العذاب :
(ياه ، كيف لم تدرك حكمة الله من كل ما حصل (…) لقد أدركت حكمة الله البليغة ، لعله وضع اسكندر في طريقها كي يسرّع وصولها إلى ملكوته .. كانت متلهفة للقاء أبيها الذي في السموات ، ركعت مقاومة أوجاعاً وحشية في ركبتيها وأسفل ظهرها ، أسندت جبهتها إلى أيقونة العذراء وطلبت منها أن تساعدها ، وطلبت من الربّ أن يغفر لاسكندر ، وأن يهديه لفعل الخير ، ليكفّر عن ذنوبه .
وبعد يومين من صلاة حارّة متواصلة ماتت وديعة – ص 133 و134) .
رحلت وديعة لتعود – كما كانت أبداً وكما تمنّت – “وديعة” بين يدي الله ، لتتخلّص من جور عبد الله .. رحلت وديعة ، وظلّ عباد الله في مدينتها في صراخ وجعجعة وأحاديث مطوّلة عن سفالة اسكندر ، وكبف استطاع أن يسرق امرأة وحيدة وفقيرة مثلها ، ونسوا “درسها” العظيم ، درس نادر الحدوث بينهم ولا يتكرر ، درس الدروس ؛ والمثال الفذّ للقوّة الباهرة حين تكمن في قلب طافح بالحب . ركّزوا كل قواهم الذهنية على “المال” وقدرة النصّاب على الخديعة ، وأهملوا “ثروة الروح” مفتاح كلّ نهوض ، وكنز الكنوز الذي سيغرق حياتهم بعطايا السلام والتسامح والطمأنينة . راحوا يناقشون الموقف القانوني ، واعتبروها مغفّلة لأنها لا تعرف شيئا عن سندات الأمانة والأوراق الرسمية والكمبيالات ، وأهملوا – برعونة – الفرصة العظيمة التي وفّرتها لهم عبر صلب ذاتها الطوعي لتكون الجسر الذي يربط بين الألم والتضحية ، الألم الذي هو في صميمه تضحية بالجزء من أجل الكل ، أو تضحية بما له قيمة دنيا من أجل ما له قيمة عليا . والصلة وثيقة بين الألم والموت ، لأن الألم موت للجزء ، ولكنه موت يتحقق من ورائه إنقاذ الكل . وقد ربطت وديعة أيضاً بين الألم والحب ، لأن أية قيمة عليا لا يمكن أن تفرض علينا التضحية بقيمة أخرى دنيا إلا إذا كانت أقدر منها على انتزاع حبنا . هكذا يصبح الألم هو الحافز الذي يُضطرنا إلى أن نخضع حياتنا الحسّية لنشاط روحي يتزايد سموّاً يوماً بعد يوم . وعندما يقول إفلاطون ومن بعده فلاسفة المسيحية إن الآلام أداة تطهير ، فإنهم يعنون بذلك أن آلام الحياة هي الكفيلة بأن توجّه بصرنا الروحي نحو الخيرات العليا والقيم السامية ، فترتفع بنا إلى مستوى الطهارة القلبية الحقة التي هي ينبوع السعادة الروحية العميقة . هذا ما أدركته وديعة البسيطة حد السذاجة ، بعلم معرفتها الخاص ، بلا شهادات ولا تزويقات ثقافية متعالمة كما سيحصل لدى سليم مثلاً . أدركت أن الألم هو العلامة التي تميّز الإنسان المتديّن ، لأن الألم إنّما يعني العزلة الروحية الثرة ، والحياة الباطنية العميقة ، والشعور العفوي بالتناقض الحاد بين المتناهي واللامتناهي . الألم – بالنسبة لها – هو الجو الروحي الذي يعيش فيه الموجود المتديّن ، إن لم يكن هو الجو الأوحد الذي يستطيع أن يتنفس فيه . وحينما يريد الله – حسب كيركجارد – أن يوثّق العلاقة بينه وبين إنسان ما ، فإنه يستدعي رفيقه الأمين الذي هو “الهمّ” ، وينبّه عليه بأن يلاحقه أينما توجّه ، ويشدّد عليه بأن يلازمه في كل خطواته . وهكذا يصبح الهمّ حليف الرجل المتديّن ، ويظل الألم هو الصديق الأوحد الذي يلازم المسيحي المؤمن في حلّه وترحاله كالظلّ لا يفارق صاحبه .
فهل التقط سكان مدينة “نهر الجنون” – كما وصفتهم الروائية بحق – درس “وديعة” ؟ هل بوسعهم إدراك حقيقة أن الألم في كثير من الأحيان يمكنه أن يولّد في النفس تناقضاً خصباً يزيد من عمق الحياة الباطنة ، حيث تشعر الذات بتوتّر حاد بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون ؟! وأن مثل هذا التوتر هو مصدر الشعور بكل قيمة ؟! طبعاً ليس معنى هذا أن الألم هو في حدّ ذاته “خير” ، وإنما معناه أنه قد يعود بالخير على الذات حينما تتمكن من تمثّله ، أي حينما تستطيع أن تجعل منه أداة فعّالة لتحقيق تطوّرها الروحي وتنمية حياتها الباطنة . وعن هذا الطريق نستطيع أن نقول وبثقة إن قدرة الإنسان على التألّم هي علامة طيّبة على صحّته النفسية وسوائه . إذ ربّما يكون أعضل داء يمكن أن تُصاب به النفس البشرية هو أن تصبح غير قادرة على التألّم ، وإذن فإن التألّم ليس مرضاً على الإطلاق ، وإنما هو بالأحرى نقاهة النفس ، أو هو السبيل إلى تحقيق سرور أعمق وأطهر (6) .
هل هذا الإدراك الفطري العميق والبليغ والأصيل (غير المتعلَّم) هو سرّ الإبتسامة المحيّرة التي ارتسمت على شفتي وديعة حين ماتت ؟! إبتسامة لم يفهمها أحدٌ سواها ؟! (ص 134) .
كل القرائن – الماضية والراهنة والمقبلة – تشير إلى أنّ سكان مدينة نهر الجنون لم يستوعبوا ، ابداً ، مثقال ذرّة من درس “وديعة” ، بل حتى من درس اسكندر نفسه .
لم “تنجرف” وديعة في تيار اسكندر الملوّث ، ولم تجاره في أساليبه الشيطانية الحقيرة . بل طلبت له الصفح والغفران من صاحب القلب الكبير . وهذا ديدن الديانات الأمومية . ويبدو أنّ الكائن الوحيد ، والأكثر استعداداً ، لاستقبال درسها واستيعابه برغم أن الكاتبة – وهذا نقص فادح – لم تخلق أي صلة مباشرة بين تجربة وديعة والضحايا الآخرين ، هي أنثى مثلها ، وأمّ ، وهي هنا : سعاد . فقد عادت سعاد مع ابنها بعد ان بشّرها الطبيب النفسي العطوف والمقتدر بأن ابنها يعاني من مرض نفسي يمكن علاجه ، لكن إحساساً خانقاً استولى عليها ، وهي تراجع صفحات حياتها المظلمة والمحطّمة ، إحساس بأن هناك حقيقة وحيدة أصيلة وراء مشهد الحياة الضبابي والمفكك الذي يحيط بها ، حقيقة أبدية راسخة هي : الموت . كانت في تلك اللحظة تشتهي الموت ، وترجوه أن يضمّها إلى ذراعيه الحنونتين (ص 137) . ولكن ما أن شكا لها ابنها جميل من تخوّفه من أن يعرف الناس في مدينتهم أنه مريض نفسيا ، فتعلق به “وصمة” الجنون ، حتى استفز كل مخزون الأمومة في أعماقها .. تفجّر في روحها زلزال من الحب ، وهي تعي كم تحب ابنها وأنه صليبها :
(في تلك اللحظة ، تهاوى درع تعبها، وشعرت بأنها مشحونة بقوة خارقة ، قوّة علوية سكبها الله فيها لتتحمّل صليب الحب . أمسكت يده وقربتها من شفتيها ، وقبلتها (…) وفي طريق العودة ، مستعيدة حوارها مع الطبيب ، ومستسلمة لما تعرضه لها ذاكرتها من صور ولقطات من حياتها ، آمنت أن الله أنجدها دوماً ، وبأنها في كل مرة كانت تبلغ قاع اليأس ، كان يهب لنجدتها ، ويسكب فيها قوّة عظيمة لتستمر – ص 138) .
صحيح أنها – وبفعل القهر اليومي والعذاب المفتوح – تمرّ بلحظات تشكك فيها حتى في إيمانها ، وتعتقد أنها هي التي تختلق الله لأنها بحاجة لمن يساعدها وأن من مصلحتها أن تخلق شيئاً يقوّيها ويدعمها لتحمّل هذه الحياة القاسية ، لكنها لحظات نادرة ووجيزة جداً ، سرعان ما تتملّص منها ، ولا تسمح لها بتعكير صفاء روحها في علاقتها بربّها ، وتردّها إلى محاولات الشيطان في إغوائها وحرفها عن طريق إيمانها المستقيم (ص 138) .
لكن لاحظ كم احتاج سليم ، الصحفي المثقف والمحلّل ، من وقت ليتغلّب على اضطرابه الشخصي وفوضى عالمه الذي سبّبته الكارثة ، ويتصالح مع واقعه ، ويعود إلى محبة والده واحترامه وتقديره .. سنة كاملة .. نعم ، احتاج سليم إلى عام كامل من العذاب ونوب العدوان والتمزّق ، والإدمان على العقاقير المنوّمة ، وتعاطي الخمرة ، والهروب بالنوم وتخدير الوعي ، والعزلة ونبذ الأصدقاء ، وتدمير الذات وتوبيخها وتقريعها المستمر .. عام كامل بعد هروب اسكندر :
(سحق روح سليم وبدّله تماماً . صار يشعر أنه يوماً بعد يوم ينكمش ويضمحل في دوّامات من الإخفاق والإحتقار لشخصه وشخص والده . ترسّخ لديه إحساس أنهما يستحقان ما حلّ بهما لأنهما مغفّلان وغبيّان ، وصار يمعن في تعذيب نفسه وهو يكرّر طاعناً قلبه بعبارة مؤلمة : حلال عليك يا اسكندر ، حلال عليك مال أبي ومالي ، أنت تستحقه لأننا أغبياء وسذّج – ص 145) .
والمشكلة الأدهى هي أن الكارثة دفعته للتشكيك حتى في ما آمن به سابقاً من قيم ومعتقدات ، وإلى نفض يديه مما بناه من مجد شخصي مميّز . كل القيم والمبادىء التي آمن بها خاطئة وحمقاء .. ومقولة أن الكلمات الصادقة يمكن أن تغيّر العالم هي وهم وهذيان . فليست الكلمات الحرّة الجسور هي التي تغيّر العالم بل المال – وهذا هو نفس سلاح اسكندر !! – :
(ها أنت شحّاذ لا تملك المال ، ولديك أطنان من الكلمات ، فتفضّل غيّر العالم .. الناس يثقون ويبحثون عن نصّاب مثل اسكندر ، ويأتمنونه على أموالهم وثرواتهم وحياتهم ، ولا يثقون بصاحب فكر وكلام مثلك ؟ والدك وثق بنصّاب ولم يثق بك – ص 148) .
.. هكذا عاش سليم في ردّة شاملة على القيم والمبادىء والكلمة والحق والعدالة والله والناس وأبيه ، وعلى كل شيء .. كل شيء حتى ذاته .
سليم يتألم لأنه يتألم .. أي أنه في الواقع يريد حياة بلا ألم .. إنّه لا يستطيع تصديق حقيقة أن الحياة تقوم على الألم ، وأن الشر جزء لا يتجزأ من أطروحة الخير في حياتنا . إنّه – ويا للمسكين –  مرهق لأنه يبحث عن “الحيّة” .. حيّة الخطيئة .. وهو مثل باقي البشر المساكين الذين يخادعون ذواتهم ، ويرهقون وعيهم في البحث عن مكوّنات دراما الخطيئة الأربع : الرجل ، والمرأة ، والحيّة ، والثمرة . حبيبي سليم ، ما هذه الشخصيات إلا شخصية واحدة هي الإنسان نفسه ، فالإنسان هو نفسه الحيّة ، وهو نفسه المرأة ، وهو نفسه الثمرة .. هو الشيطان الذي يغوي نفسه (7) .
ولا تعبّر الصدمة الشديدة المتطاولة ، لشهور وعام كامل ، إلّا عن عدم وعي الشخص المعني (سليم أو أبوه أو رياض وغيرهم) بهذه الحقيقة . وكلّما طالت مرحلة إنكار الفرد للكارثة وعدم تصديقها كلّما عبّر عن نكوص طفلي شديد . فهؤلاء الذين يراوحون في أماكنهم غير مصدّقين أن يكون في الإنسان هذا القدر من الشر هم مثل الذين يعتقدون أن للشياطين قروناً ، وتنتهي أعمارهم ويصعدون إلى السماء ، ولن يقابلوا في طريقهم شخصاً ذا قرنين . الشياطين حولنا .. وفينا . عليهم أن يقتنعوا وبسرعة أن الإغراء لابدّ أن يحدث لأن بذور الغواية كامنة في صميم تكويننا العقلي نفسه ، ومهما شئنا أن نبقى على سذاجة الطفولة ، فإننا لن نتمكن من المحافظة على حالة البراءة العقلية ، لأنها بطبيعتها حالة زائلة لا يمكن أن تدوم . وكما أن حالة التجانس الأولى التي تحدّث عنها بعض الفلاسفة لابدّ أن تفضي – بحكم قانون التطوّر – إلى حالة لا تجانس (أو تنوّع) ، فإن حالة البراءة الأولى التي تتمتع بها الطفولة لابدّ من أن تمّحي بتقدّم العمر لكي تحل محلها حالة التبصّر أو القدرة على تمييز الخير والشر ، ومهما حاولنا أن نؤخّر قدوم تلك المرحلة ، فإن قناع البراءة لابدّ من أن يسقط يوماً عن عيني الطفل ، لأن السذاجة نفسها تنطوي على رغبة عارمة في الخروج من عزلتها ، وهكذا تتحيّن إراة الطفل الفرص لكي تتعلّم الكذب والغش والخبث وسوء التصرّف متخذة من شتى ظروفها الزمانية والمكانية مناسبات سانحة لتقوية نزوعها الحاد نحو الخطيئة . وعبثاً يحاول المربّون أن يصوّروا للطفل خصومه الأشرار بوصفهم أعداء خارجيين لا بدّ له من أن يشنها عليهم حرباً شعواء لا هوادة فيها ولا رحمة ، فإن الطفل سرعان ما يتحقق من أن خصمه الأكبر إنّما يقبع في باطن نفسه حيث يتعذر الصراع ، وتتعثر الخطى ، ويعسر النصر .  حقّاً إنهم يسمّونه الصراع ضد الشيطان ، ولكن المرء سرعان ما يتحقق من أن مقاومة الإغراء إن هي إلا صراع يقوم به الإنسان ضدّ نفسه ، وحينما تضعف إرادتنا الخيرة ، فهنالك لابدّ من أن يصبح الإغراء أمراً محتوماً لا سبيل إلى قهره ؛ ألا تقتضي مقاومة الإغراء أن يقاوم الإنسان نفسه ، فلا يدع للغواية سبيلاً إلى نفسه ، بل يعمد عن طريق الصراع الداخلي إلى قهر نوازع الشر التي تتحفز في باطنه ؟ (8) .
سنة كاملة جحيمية مليئة بالمرارات احتاجها سليم ليحقّق “التحوّل” الذي شعر به كما تقول الكاتبة كـ “إلهام مفاجىء ومُباغت” ، و (كما لو أنّ نعمة انسكبت فجأة في روحه ، طلعت من أعماق كيانه الجريح كلمة : عدالة – ص 153) .
لا نعرف كيف انبثقت موضوعة “العدالة” في نفس سليم المتعبة الطافحة بالغضب والحقد والرغبة في الإنتقام ؟ ولا الأسباب التي جعلت هذه الكلمة – وليس غيرها – تنبثق في روحه كإلهام مفاجىء وبصورة مباغتة ؟ دائماً ، من المفترض أن ترتبط هذه الحالات “الإشراقية” ، إذا جاز الوصف ، بـ “تجربة فاصلة” كما أسميتها قبل قليل . فوفاة جنان ، حبيبة سليم ، وما صاحبها من انسحاق وقهر أمام الفقر والقدر والطغيان والفساد ، وانخلاعها عبر الموت كجزء “محبوب” من أناه الشخصي ، مثّلت “تجربة فاصلة” أشّرتْ لحظة تحوّل عميق وجذري وصادق بين مرحلتين حياتيين ، صار سليم يراقب حياته كـ : “ماقبل” وفاة جنان ، و “ما بعدها” . جاء التحوّل عبر معايشة حقيقية لأزمة هزّت كيانه من أعمق نقطة في أعماقه ، وهي النقطة المتصلة بحبل الموت السرّي ، ومن خلال عمليّة “اختمار” لتساؤلات مزلزلة هزّت أركان كل قناعاته السابقة . صار سليم “القديم” يقف أمام سليم “جديد” ذي نظرة “روحية” عميقة تنفذ إلى ما وراء الأشياء والظواهر ، وتقوم على فهم حاجة الإنسان الأصيلة للحرّية ، ولأن يكون له دور فاعل في الحياة والمجتمع ، وأن يخرج خارج دائرة اهتماماته الشخصية ، ويحقق ذاته عبر المواجهة كما رأينا ذلك قبل قليل .
لكن هذا التحوّل الجديد الذي ترصده الروائية لم يأت من خلال “تجربة فاصلة” .. وتحديداً لم يأت من خلال تأمّل الموت ومواجهته وانخلاع الأنا المزلزل . لقد جاءت إشراقة كلمة “العدالة” بعد احتقان ذاتي مختنق بالغضب والنقمة والحقد والمرارات والإحباطات الأنانية لأنّ “المال” الذي كان ينتظر “موت” أبيه – يا للأمنية الرذيلة ! – كي يؤول إليه ، قد سلبه النصاب اسكندر وفرّ به . لقد عذّب أباه بقسوة ، بل بوحشية لا تُصدّق ، وبخل عليه حتى بكلمة عطف أو نظرة محبّة وهو محطم في محنته . لم يفكّر ابداً أن والده الشيخ الذي قوّضت وجوده الكارثة يمكن أن يموت من دون أن يتصالح معه ويعتذر منه . إلتم سليم على نفسه ، ولم يمر في خاطره مجرد ذكر عابر لهذه القوة العظيمة المهيمنة المراقبة التي اسمها الله ، وممثلها الذي اسمه : الضمير . هذه “المقدّمات” الإختمارية في هذه التجربة “التحوّلية” بالذات تجعلنا نشك في مصداقية النتيجة الإلهامية هذه : العدالة ، وفي اصالة هذا التحوّل ومجراه وأهدافه .
ولنأخذ الخطوة الأولى التي أعقبت إلهام التحوّل المفاجىء والمباغت :
(اشتعل قلبه حماسة حين هبطت عليه فكرة العدالة ، ولأول مرّة منذ الكارثة يشعر أنه متجانس مع نفسه ، وبأنّ أعماقه شفّافة ، وبأنّ الشرخ في روحه قد بدأ بالإلتئام . مرّت أيام وهو يحسّ بسعادة حفيفية ؛ سعادة من يشعر أنه استعاد روحه الضائعة ، وبأنّه لم يعد مسكوناً بروح غريبة مدمّرة ، تُفقده سلامه الداخلي ، وأكثر ما أسعده أنّ حبّاً مزلزلاً تفجّر في نفسه تجاه والده ، كما لو أنّ غشاوة سقطت عن عينيه ، لقد استوعب الحقيقة دفعة واحدة ، بل شعر أنه تجرّعها كما يتجرع كأس نبيذ حتى آخر نقطة – ص 153 و154) .
فهل عودة الإبن “الضال” إلى الإحساس – بعد عام كامل – بأن أباه يستحق الإحترام ، وأنه رجل شريف وطيّب ، سقط في شراك سافل عديم الأخلاق ، هي تجربة إلهام مفاجىء ومباغت ؟ هل تتطلّب معاناة وتحوّلا وتجرّعاً للحقيقة ؟ أم أنها رعونة من الإبن الذي انساق وراء دوافعه الأنانية على حساب وجود والده وحياته ؟
إنّ لحظة الإشراق والإنعتاق العظيمة والمؤلمة التي عاشتها “وديعة” – وهنا أعود لأؤكد وبقوة على شرط القراءة الذكيّة الجدلية الخلاقة التي توصل إلى موضوعة “الترابطات” المهمة في تكوين “الصورة الكلية” لهذه الرواية ، والتي تحدّثت عنها سابقاً – حين علمتْ بهروب اسكندر بثروتها الصغيرة ، والتي تكلّلت بموتها كحلٍّ ، جاءت تتويجاً لمسيرة روحية عميقة ، وكاختيار نهائي لذات متصالحة مع ذاتها ؛ ذات صافية رحلت مبتسمة بصفاء ، ولم تجد أي تردّد أو حيف في أن تطلب الغفران لقاتلها . أمّا أن يأتي سليم وينبثق من أعماق ذاته نداء ملتهب :
(سوف أنصفك يا أبي ، سوف أنصفك ، لن أدعك تموت وحيداً ) (ص 154)
وينطلق هذا النداء بعد عام كامل من الحقد والنقمة والقطيعة مع الأب الحاني العطوف الذي أفنى عمره من أجله ، فاسمحوا لي أن أنظر إلى هذا النداء كصرخة تنطلق من قعر الوجدان الآثم مشفوعاً بالشعور الشديد بالذنب ، وليس كتمظهر لانفعالات أصيلة متّسقة مع مسيرة حياته السابقة .
وحين يتم انبثاق كلمة “االعدالة” في روح سليم لتكون عنوان التحوّل الجديد وغايته ، فإن خطوتها لأولى هي عدالة “التكفير” ، بمعنى العدالة في تسوية الآثام التي اقترفها سليم بحقّ أبيه . ثم أن هذا المفهوم يختلف عن موضوعة التسامح التي احتوت كلّ حياة وديعة الطويلة لسبعين عاماً . العدالة التي حقّقتها وديعة هي العدالة الحقيقية لإلاهة أمّ واجبها الغفران ولم تسمع في حياتها – أو تشرّع –  لشيء اسمه المعاقبة والنبذ بين أبنائها . إنها إلاهة لا تستطيع في الواقع إلّا فعل الخير ، ولهذا يعد “نيتشه” الله ليس حرّاً لأنه غير قادر على اقتراف الشرّ ! وديعة لم تسمع بالشر ، ولا تمتلك أيّ تصوّرٍ عنه ، ولهذا تجد نفسها غير قادرة على تحديد عقابٍ له من جنسه ، “العقاب” الوحيد الذي تستطيعه هو الغفران ، والمزيد من المسامحة (عدْ إلى علم معرفة تجربة موسى والعبد الصالح) . أمّا سليم فهو يعرف الشر تماماً .. ويعرف عقابه .. مارس الشر بحق أقرب الناس إليه وهو أبوه ، وبحق أعز ما يملك وهو ذاته ، وعرف بدقّة كيف يُعاقِب . ونداء العدالة الذي انبثق في روحه بصورة ملهمة ومفاجئة يتطلّب بطبيعته تحديد الفعل الشرير ورسم العقاب المناسب له . إنه – ووفق تحوّلات ذاته عبر عام كامل – يعني الثأر .. بل الإنتقام من “آخر” .. وهذه “إشراقة” مخيفة تثير الفزع :
(إبكِ يا سليم . إبكِ . طهّرْ روحك من سموم الحقد والغضب ، سوف تجد طريق الهداية ، وستكون يد العدالة ، وعقلك المشلول من اليأس والغضب ، والمعطّل ، سوف يستعيد عافيته . لن يهزمك نصّاب ، ولن يذلّك ، سوف تجد طريقة لسحقه . عجباً كيف لم يخطر ببالك من قبل أن تفكر بالإنتقام منه ؟! لماذا استسلمت لحالة الخسارة والإفلاس ، وأوقفتَ عجلة الزمن على مشهد واحد : اسكندر سرقك وسرق والدك ، سقطتَ أسير الصدمة المزلزلة ، ولم تساعد نفسك للخروج من دوامتها ، نسيتَ أن الله وهبك عقلاً لتفكّر ، لكن كيف يمكن الإنتقام من لص .. هارب ؟ – ص 154 و155) .
هنا يظهر مثال لـ “الإنجراف” الحقيقي . فكارثة احتيال اسكندر على أبي سليم ، شرارة كشفت المخزون العدواني ، والفهم الإنتقائي الخطير للعدالة في نفس وعقل سليم . هذه العدالة هي عدالة سليم ، وليست عدالة وديعة العظيمة . وعدالة سليم هي – بطبيعتها – عدالة “فرديّة” بمعنى أنها عدالة يصوغ معانيها وأسسها ووسائلها موقف ذاته المنجرح بعمق ، تصوغها انفعالاته الجامحة الباحثة عن الثأر لاسترداد الكرامة النازفة ، وتعويض خساراتها الجسيمة . وأي عدالة “فردية” ستكون عدالة “لا اجتماعية” ، هذا مؤكّد وبدهي ، ولا يتطلب براهين وأدلّة ، وبالتالي فستكون فوق القانون العام ، أكان دينياً أم وضعياً . والأخطر من ذلك كلّه أنها “عدالة” ستستخدم أساليب “الآخر” الظالم نفسها ، وبالتالي فهي “عدالة” قاتلة وعدوانية ستلد وتجرّ الحاجة إلى “عدالة” فرديّة مقابلة .. وهكذا نغرق في بحر من الثارات والعدوان والضحايا والدم والعنف والعنف المقابل .  وهذا هو الدرس الأعظم في الرواية مضافاً إلى دروسها الكبيرة الأخرى ، مع درس آخر شديد التأثير والحساسية قد لا يخطر بذهن القارىء ، وسوف نشير إليه قبيل الختام .
وحين أقول أن أي “عدالة” فردية ستكون فوق القانون ، فلأن كل فرد لديه مخزونه الشخصي الرهيب والذي لا ينضب من سبل العقاب ووسائل التعذيب . آية ذلك أن طرق التعذيب وسبل إيقاع العقاب ما زالت تتجدّد منذ فجر الخليقة ، بل أن أشد أدوات التعذيب تطوّرا تُصنع في اشدّ البلدان تقدّماً . التعذيب الوحشي المدمّر صار فنّاً متطوّراً يسمونه “الفن الأسود” . ولو فكرتَ – مثلاً – بقراءة تقارير الضباط الفرنسيين الذين اقتحموا أقبية التعذيب العائدة لمحاكم التفتيش في إسبانيا ، وطالعت طرق التعذيب التي صممها رجال دين وديعون لا يرفعون أعينهم عن الأرض ، لملّئت منها رعبا ، ووليت هاربا من “إنسانية” هذا الإنسان الذي يتمسح باذيال الله . وأي مفارقة هذه التي تجعل الدول الغربية المتحضّرة والمتطوّرة تُصبح أكثر شراسة وتدميراً كلما صارت أكثر حداثة ومدنية ؟! وإذا أردت أن تعرف الطبيعة المتنوّعة والوحشية لهذا المخزون في الإنسان الراشد العاقل ، انظر إلى أي طفل “بريء” ، وهو يقوم بتعذيب حيوان أليف مسكين . هذا الطفل هو الذي يستمر رابضاً في أعماقنا حتى الموت ، يتحيّن الفرص لإعادة لعبة “التعذيب” . قد نعتبر أنفسنا متحضّرين ومتطوّرين وصلت رؤوسنا إلى القمر ، لكن في الواقع إننا غائصون في وحل الرذيلة والإثم إلى الركب على الأرض . وسبب ذلك هو أن العالم المعاصر – أفراداً ومجتمعات ودولاً وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية – تؤسس كل يوم ، بل كل لحظة لمفهوم “العدالة الفردية” الذي يقفز على أكتاف ورأس أي عدالة جمعية في العالم ويسحقها . العدالة الفردية تذكّرك بعدالة “الكاوبوي” حيث هناك قانون فردي لكل واحد مرتبط بقواه الشخصية ومهارته في استخدام مسدسه ، وقدراته على الخديعة ، ليكون صاحب الإطلاقة المميتة . وتخضع هذه العدالة للجانب الفردي الإنفعالي المحض . وهذا ما يتجلى في فكرة “اصطياد” اسكندر التي تلح على ذهن سليم بالرغم من أن القانون قد أصدر حكماً ضده بالسجن ، اصطياده معتمداً على ذكائه وثقافته وقوّته وخبرته في الحياة كما يقول :
(إنه مؤمن بذكائه وثقافته وعارف لقوته ، وسيمكنه أن يشحذ قواه ويتدخل في تغيير واقعه . سيمكنه – لو جنّد كل خبرته في الحياة وذكائه – أن يتخذ طريقة لردّ الصفعة إلى اسكندر . ماذا سيفيده القضاء ؟ لقد أقام دعوى ضد النصّاب ، وصدر حكم بسجنه ، ومعظم الضحايا رفعوا دعاوى ضد اسكندر ، لكنه هارب ، والهارب لا يمكن التقاطه ، لكن يمكن اصطياده بالحيلة . تُرى كيف ستتمكّن من اصطياد اسكندر يا سليم ؟ – ص 170) .
ولن تجعلنا نضلّ طريق التحليل دعوات سليم المتكررة والمتحمّسة إلى نبذ المال ، وأن التفكير في المال يجعل الإنسان عبداً للمال . إن سليم – وقد يستفز قولنا هذا مشاعر القارىء – هو عبد للمال من خلال مداورة لاشعورية ماكرة . هو عبد للمال لأنه دائم التفكير في سبب حرمانه منه ، وهذا يساوي موقف عبد المال الذي يفكّر دائماً في كيفية الحصول عليه ومضاعفته . والأخير يخفّ تفكيره بعد زمن تتبلّد فيه مشاعر الجدة والطرافة من الظفر بالمال ، ويتحوّل إلى عبد آلي يؤدي وظيفته بلا أدنى تفكير . لكن سليم حوّل مشكلة حرمانه من المال إلى مشكلة كونية ، إلى معضلة فلسفية ، إلى بحث ميتافيزيقي . ويمكن أن نمسك بالنقلة الخطيرة والأكثر تعبيراً عن واقعه النفسي حين ينتقل بصورة مباشرة ببحثه الماورائي من الغاية من وجود الكون والحياة إلى مشكلة إفلاسه الشخصي . ثم الإنطلاق من هذه المشكلة إلى محاولة بناء فلسفة جديدة محورها العيش دون مال ، والتفكير المستمر في الحكمة من التوزيع غير العادل للمال بين الناس :
(أجل الروح هي المفكر الحقيقي ، وليس العقل هو الذي يفرز الأفكار . صار يفكّر بالكون وبالأحياء وغاية وجودها ، وبغاية وجود الكون أساساً ؟! وما دوره هو ، وما الحكمة من إفلاسه ؟! (…) كان يشعر أنه يؤسس لفلسفة ؛ فلسفة العيش دون مال ، يحاول أن يجعل من نفسه حقل تجارب ، يشعر أنه يبحث عن منهج تفكير ليبرّر ما يحصل في الحياة ، وأن يفهم الحكمة من التوزيع غير العادل للمال بين الناس . عالم فقير ، وعالم غني – ص 169) .
وحتى لحظات الصفاء بين سليم وأبيه التي أسرّه فيها بأنه صار يؤمن بتأثير دعاء القلوب الجريحة ، وفعل صرخة المظلومين ، شوّشتها وبقوة الشحنات الإنتقامية اللائبة والساحقة الباحثة عن الإشباع ، وقالها محصورة بين “وقفتين” عارمتين مطالبتين بالثأر والإنتقام وتدمير “السافل” وسحقه :
(لديّ حدس يا أبي أنّ نهاية هذا السافل قريبة ، وبأنني سأتمكن – لا أعرف كيف – من سحقه . لا تسألني كيف ، لكنني متأكّد من أنني سأنتقم لك ولكل المساكين الذين سرقهم وطعنهم (…) لكنني أحتاج لصلاتك ، لا تتفاجأ يا أبي . أتعرف ؟ صرتُ أؤمن أن دعاء القلوب الجريحة مُستجاب ، أنا الذي أدرتُ ظهري للإيمان طول عمري ، أجدني الآن مؤمناً بكل ذرّة في كياني أن الإنسان يجني نتائج أعماله عاجلاً أو آجلاً . سوف أدمّره يا أبي .. سوف أدمّره – ص 160) .
وهذا ما حصل فعلاً ..
فقد وضع سليم مخطّطاً جهنّمياً للثأر من اسكندر يعجز عن رسمه أمهر الشياطين . بالعكس حتى الشيطان قد يتردّد أحياناً في تنفيذ هذا المخطط خصوصاً إذا كان الضرر البليغ عند تحقق هذا الثأر سيعود على كائنات بريئة محطّمة قضت عليها الأقدار وتحاملات الحياة بالشقاء الدائم وضياع الآمال المزمن مثل : سعاد . فسعاد تواجه اليوم مصدر عذاب جديد يهد حيلها ويرعبها فوق العذاب اليومي الذي تواجهه منذ سنوات طويلة . ومصدر العذاب الجديد هذا هو مرض ابنها النفسي الذي كان لغزاً بالنسبة لها ، وهو كذلك حتى للأطباء النفسيين . وإذا كان المرض العضوي يعذّب الفرد المصاب به حسب ، فإن المرض النفسي يدمّر من هم حول المريض ممثلين بعائلة جميل الصغيرة بأكملها ، ويرهق الأم المكافحة المسكينة . هذه الأم التي لا تمتلك سوى سلاح قلبها المتعب الذي صارت تخشى أن يخذلها ، وذخيرة الحب التي أصبح فعلها على المحكّ ايضاً أمام هذا المرض المستعصي والمستفحل .
وهزّ مشاعر القاريء العراقي – بالنسبة لي – هو المحك الذي تُختبر على حدّه القدرة الإبداعية لأي مبدع في العالم ، فكل يوم يُقتل في العراق ما لا يقل عن مئة شخص ، ويُجرح ويُعوّق ضعف هذا العدد ، والناس سكارى وما هم بسكارى ، يأكلون ويشربون وينامون . عظمة المبدع تتجلى بالنسبة لي عندما يستطيع تقطيع قلب العراقي المتصخّر :
(تغرق سعاد في أفكارها وأوجاع روحها ، وهي تحاول أن تجد أجوبة للتساؤلات المتكاثرة في عقلها . تبتلع دموعها أو تسمح لها بالإنهمار بحذر على وجهها ، محاذرة أن تسقط فوق الطعام الذي تحضّره لزبائنها ، تمازح نفسها بمرارة أحياناً : تصوّري يا سعاد لو أنّ دموعك تمتزج مع أقراص الكبّة أو المحاشي ؟ هل سيشعر الناس باختلاف في الطعم ؟ لكن من يحسّ بك يا سعاد ؟ من يشعر بك ؟ – ص 185 و186) .
وبعد بداية مذهلة ، أشاع التحسّن البارز الذي أحدثه الدواء – الذي وصفه الطبيب النفسي – نسمة من الأمل والتفاؤل في روحها المتعبة المكدودة . لقد تحسّن مزاج ابنها ، وعادت علاقته الدافئة مع أمّه وأخويه الصغيرين ، وخيم الهدوء والسكينة والإلفة على بيتهم . رجع جميل إلى مدرسته وانشغل بقوّة بدراسته . ولكن سرعان ما باغتته ضربة اسكندر الغادرة فانهار من جديد وارتكست حالته النفسية . ولم يكن فرار اسكندر بالمبلغ الذي حصلت عليه أمّه من شركة التأمين بعد وفاة ابيه بحادث التاكسي المروّع ، والذي شكل سند الأمان الوحيد في حياته ، هو الذي سبب الإنتكاسة المفاجئة حسب ، بل عوامل أخرى ، من أهم الظاهر منها ، هو ان علاقة عطف ومحبة عميقة ربطت بين جميل واسكندر الذي كان يرعاه ويلبّي احتياجاته . كان الشخص الوحيد الذي يثق به جميل ، ويسمّيه “اسكندر الحبيب” (ص 141) . لقد وعده بموبايل جديد أحدث موديل إذا حقق مجموعا جيدا في امتحان الشهادة الإعدادية ، وبالفعل حقق جميل مجموعاً ممتازاً ، لكنّ اسكندر لم يظهر يوم النجاح ، ولم يُحضر الموبايل الهدية .. بل سرقهم ، وهرب مخيّباً آمال الصبي المراهق فيه ، ومحطّماً ثقته في كل شيء .
لكن ما خفي كان أعظم كما يُقال . فليست الأسباب السابقة برغم أهميتها الفائقة هي التي مزّقت روح جميل . هناك سبب آخر أفظع وأبشع . لقد لوّث اسكندر روح جميل وعهّرها بلا رحمة .. غطّس ضميره الهش في وحل الإثم . فقد دعاه ذات مساء إلى الشاليه الذي يملكه على البحر ، وغيّب وعيه بالمخدر والخمرة ، وأهاجه بالأفلام الإباحية والتقرّب المنحطّ المدروس . أوقع اسكندر ، الشاذ جنسيّاً ، جميلاً المراهق المسكين في فخّه ، وخنق وجوده بمشاعر الإثم والرذيلة . وبعد أيام من الفعل الآثم فرّ تاركاً جميل مخرّباً من الإحساس بالعار والألم ، شاعراً أن اسكندر أذلّه أبشع إذلال ، وعفّر روحه في وحل الشذوذ ، بل شعر جميل أن اسكندر تعمّد أن يمارس معه الشذوذ وهو عارف بأنه سيهرب بعد أيام . أراد أن يشوّهه إلى أقصى حدّ ممكن ، وأن يذلّه إلى أبعد مدى ، وأن يطعنه طعنة قاتلة ، بنهب ماله ، وتلويث جسده بالرذيلة (ص 190 و191) .
هنا أصبح جميل منسعراً بفكرة الإنتقام من اسكندر بأي شكل من الأشكال ، وبأية طريقة .
وهنا نكون بحاجة إلى وقفة بسيطة نتأمل فيها سلوك جميل بعد هذه الواقعة المُخزية . فبعد أن لوّث اسكندر روحه بعلاقة اللواطة السلبية ، لم يثر جميل ، ولم يتفجّع ، ولم يطالب بالإنتقام . لقد أجّل فورة انتقامه منتظراً هدية النجاح الثمينة من اسكندر : الموبايل النوكيا أحدث موديل . هل يمكن رشوة الضمير ، خصوصاً عندما يكون غضّ التكوين في مثل هذه المرحلة الحساسة ؟ والأخطر هو التساؤل : هل لو كان اسكندر قد برّ بوعده لجميل ، وجلب له هدية النجاح بعد نجاحه الباهر ، كان من الممكن أن يستمر التواطؤ الصامت المخزي ؟ أو أن مشاعر الخزي سوف تنطفىء في روحه المعذّبة أو تُعطّل بتأثير “المكافأة” الذي يطفىء الرغبة في العقاب ؟ أو أنّ الإحتقان النفسي سيتراكم إلى أن يتفجّر بعنف مدوّ بعد وخزة إحباط بسيطة ؟
المهم في إشارتي الوجيزة هذه هو أنّ هذا “التواطؤ” سمة مشتركة مع سليم ، فالأخير مارس تواطؤأ من نوع آخر ينطوي على المضمون نفسه ، تواطؤ اعترف سليم نفسه به :
(يُفكر أن والده مسكين حقّاً ، قد يكون أخطأ بثقته باسكندر ، لكن هذه الثقة لم تأت من فراغ ، النصّاب استحوذ عليه ، وعامله طوال ست سنوات بكل صدق واحترام ومحبة … ولكن أين كنت يا سليم طوال هذه السنوات ؟ كنتَ عارفاً ومتفرّجاً لما يحصل ، بل في الحقيقة كنت متواطئاً وسعيداً بأن المبلغ الذي سيؤول إليك في النهاية يتضخم بسرعة سرطانية . لا تبرىء نفسك يا سليم ، فأنت المخطىء الأكبر ، وما عنفوان غضبك على أبيك سوى محاولة مستميتة لتتهرّب من مواجهة نفسك – ص 166) .
وأنا أعتقد – وهذه ناحية فلسفية خطيرة تثيرها الرواية – أنّ للإنسان عموماً بعض الحقّ في مسلكه الملتبس هذا ، ممثلا بسلوك سليم وجميل ، تجاه الكثير من القيم . أليست القيم نفسها في تعارض صارخ ، وصراع عنيف ، وتمزّق أليم ؟ إن البعض ليزعم أن الحق يتطلّب الخير ، وأن الخير والحق يسيران دائماً جنباً إلى جنب ، وأن الجمال هو بهاء الخير ، وأن لسان الجمال إنما ينطق بكلمة الحق ، ولكن كلّ هذه المزاعم العريضة التي يصوّرها جماعة المثاليين الحالمين إنما هي في الحقيقة مجرد تمنيات طيبة تجيش بها بعض الصدور المتفائلة ، ولو أن القيم كانت كما يقولون متلائمة متوافقة ، لما وجد الإنسان أية صعوبة في تميز واجبه ، ولما كان ثمة موضع للتردد الخُلُقي . ولكننا – مع الأسف –  قلما نستطيع أن نكرم قيمة من القيم إلا على حساب غيرها من القيم ، فنحن مثلاً حينما ننتصر للجمال فقد نضحّي بالحق أو الخير ، وحينما نُعلي من شأن الحق فقد يكون ذلك على حساب الخير أو الجمال .. إلخ . ولو كانت الرذيلة هي في الوقت نفسه واضحة البطلان صارخة الدمامة ، لما كانت هناك مشكلة أخلاقية على الإطلاق ، بل لأفلس الشيطان ، ولفقد الشر كل عملائه . ولكن الحقيقة – مع الأسف – هي التي تؤلمنا (في كثير من الأحيان) ، والخطأ هو الذي يستهوي بصائرنا ، والخطيئة هي التي تغري نفوسنا ، والرذيلة هي التي تأخذ بمجامع قلوبنا . ألا تدلنا التجربة على أن ما يضرّ بالكبد قد يحلو مذاقه للفم ؛ ألا يبدو لنا “الخير” في كثير من الأحيان بمظهر الأمر العسير المُنفر ، وكواعظ ثقيل الظل يلاحقنا بنصائحه المملة ؟!
إن الشيطان – ويا للأسف – ليس بالشخصية المملة المُنفرة ، وإنما هو رجل مهذّب تطيب لنا معاشرته وتحلو صحبته ! والمرأة التافهة قد تبدو لنا أحياناً بمظهر الشخصية الجذّابة ، ذات النظرات العميقة والسحر الأخّاذ ! والجمال الرخيص كثيرا ما يستأثر بانتباهنا فيصرفنا عن تطلّب الحق ، ويلهينا عن التماس الخير ! وهكذا تدور المساومات في سوق القيم على حساب “الخير” ، لأنه حليف العسر والشدّة والصعوبة والألم والعذاب . وعبثاً يحاول رجال الدين وأصحاب الأخلاق أن يحبّبوا إلى نفوسنا حياة الفضيلة ، أو أن يوحوا إلينا بأن الدين يسر وليس عسراً ، فإن الطريق المؤدّي إلى “الخير” لابدّ أن يبدو لنا بمظهر الطريق الشاق الشائك الذي ليس فيه إلا العنت والإرهاق والمجاهدة … إذن فكيف لا يكون الإنسان “حيواناً شريراًً” ، والشرّ أقرب إليه من حبل الوريد ؛ أستغفر الله ! بل كيف لا يكون الإنسان هو الشرّ نفسه بدمه ولحمه ، مادام “الخير” بالنسبة إليه إنما يعني الإنتصار على الجاذبية الأرضية ، والتحرّر من ثقل الجسد ، والإنطلاق نحو الآفاق العليا ؟ (9) .
لنضع في أذهاننا هذه الإستنتاجات التي انبنت على السمة الأولى التي تجمع بين الطرفين : سليم وجميل ، والنابعة من الشعور بالذنب ، والحاجة الملحة للتكفير الذي قد يتمظهر في صورة “إسقاط” ساخط للخطايا على أكباش فداء حقيقية أو متوهّمة ، أو في هيئة سلوك زاهد شديد التعلّق بالفضيلة . هذه السمة ستتقوى وتوصل إلى خاصية مشتركة أخرى هي : الإنتقام ، والرغبة المتأججة فيه . سليم بحكم نضجه وتحكّم عقله بدوافعه الشيطانية ، لم يعلن انفعاله الصاخب الفج ، ورغبته في الإنتقام على رؤوس الأشهاد كما يُقال . كان يشتغل بصمت وهدوء .. ويخطّط بصبر . أما جميل ، فإنه بحكم عمر المراهقة الإنفعالي عادةً ، وبحكم قلّة خبرته وضعف تجربته ، وعمق طعنة الغدر ومضائها ، كان يزعق صراحة وعلناً بالثأر والإنتقام . ونمت في روحه شراهة غريبة للإنتقام ، وتحوّل يومه إلى يوم جهنّمي يسمّم حياة مَنْ حوله بصراخه ، وشتائمه ، وجنون غضبه (ص 143) .
وهناك سمة ثالثة لا تقل خطورة تجمع بين سليم وجميل برغم فارق العمر والتجربة وهي : الخوف الداخلي العميق الذي يشعران به ، ويحاولان عبثاً التخلّص منه . فجميل ، وعلى الرغم من مظهر الجنون الغاضب والمتوعّد ، كان يُخفي خوفاً مدمّراً في نفسه . والروائية تُمسك بأوالية التكوين العكسي – reaction formation حين تعد كل مظاهر الصراخ والتوعّد والتهديد لدى جميل أشكالاً مخادعة لإخفاء الخوف العظيم في روحه . كيف يمكن أن يثق بالناس والحياة ، وقد خدعه أقرب إنسان إلى قلبه ، الإنسان الذي عوّضه عن غياب الأب ، وانشغال الأم (ص 143) . لقد انغرز القلق وعدم الأمان في نفس جميل منذ وفاة والده ، بل قبلها حين كان الأب يغدق عليه الهدايا ، ويكفي حاجاته المادية بعيداً عن إشباع حاجاته النفسية . وركبه الشعور بالذنب المؤرق في عمر مبكر بسبب الإفراط في ممارسة العادة السرية . وبعد وفاة والده صار اليتم الفعلي ممثلاً بوفاة الأب ، والعملي ممثلاً في غياب الأم عن البيت طول النهار ، وإحساسه بالحرج من عملها في بيوت الآخرين ، وغيرها من العوامل ، سبّباً في زرع المزيد من بذور الخوف السود في تربة روحه الطريّة . ولكن الضربة القاصمة جاءت في عملية التلويث (ممارسة اللواطة) التي أوقعه في شراكها اسكندر . شذوذ اسكندر نفسه قد يعود في أغلبيته إلى الموقف السلبي (الأنثوي) من أبيه الذي كان يستدرج الصغار ويغتصبهم (رجل جرف : شديد النكاح !) . شخصية الأب وسلوكه سبّبا (تأنيث) الهوية الجنسية الداخلية ومن ثمّ سلوك اسكندر . بعض مظاهر هذا (التأنيث) كانت إيجابية تجسّدت في السلوك الإجتماعي اللطيف والرعاية “الأمومية” والحنان التي كان يبذلها للآخرين برغم أنها من مستلزمات الإحتيال كما بيّنا سابقاً . وقيام جميل بأول فعل مشين ومثير من هذا النوع مع اسكندر ، لابدّ أنه أثار مشاعر متلاطمة يتضمن بعضها أحاسيس مخيفة ، فبالنسبة لوجدانه كان اسكندر بديلاً أبوياً ، وقد تمزّقت هذه الصورة شرّ ممزق بالفعل الآثم .
أمّا سليم فقد كان خوفه من نوع آخر . سليم في الحقيقة تمّ “تدريبه على الخوف” . ففي مجتمع لا يشعر الإنسان فيه إلا إذا مشى ليس بجوار الحائط ، بل في الحائط نفسه ، وفي بلاد تترادف فيها كلمة الأمان مع الذل ، ومفردة الحرّية العظيمة مع الموت والسجن والتعذيب ، تنزرع بذور الخوف السود في تربة روح الإنسان منذ مراحل مبكرة في حياته ، حيث يبدأ الأهل بإغراق الطفل بوصاياهم المبكرة بالإبتعاد عن الشرّ حيث يمكن الغناء له بحرّية من “هناك” ، وتنهال عليه تعاليمهم بضرورة احترام ولي الأمر مهما كان (هذا يشجّع عليه وعّاظ السلاطين طبعاً) ، وأنّه إذا لم يتحرّش بجلالة السلطان فإن السلطان عفوٌّ كريم لا يتحرّش به ، و.. و.. و.. وسلسلة طويلة من النواهي والمحرّمات والتابوات تنتهي بتخليق دجاجة على شكل مواطن ، وقطعان أرانب في هيئة مواطنين . وسليم نفسه يقرّ بعملية التدجين هذه ، التي ساهم هو نفسه في تشكيلها ، وهذه أصابعه تتحدّاه أن يكتب ما يفكّر فيه بحرّية وشجاعة ، والخوف والصراع “يتبدّن” في صورة آلام وأوجاع في أعضاء الجسد المقموع  :
(بدأ سليم يشعر بوجع حقيقي ينتشر في جسده ، تارة يتموضّع في كتفه ، وتارة في رأسه ، لكن أكثر ما يؤلمه حين يتموضع في أصابعه ، كأنّ قوّة خبيثة تتحدّاه إن كان يجرؤ على كتابة ما يتوق لكتابته : الكتابة بحرّية . هل جرؤت يوماً على كشف حقيقة أفكارك على ورق يا سليم ؟ هيمن عليه شعور بالإنسلاخ عن ذاته التي طوّعها وشوّهها لتتأقلم مع الواقع ، ليصبح العيش بأمان أو ذل ممكن . ذاته التي فصّلها كما يفصّل قميصاً حسب مواصفات المجتمع ، ليتمكّن من الإنتماء إلى الحظيرة ، فالأمان الذي يحسّه المواطن هو أمان دجاجات في قفص ، أو أبقار في حظيرة – ص 162 و163) .
سليم يعترف لذاته بصراحة جارحة أنّه إنسان مرعوب خائف .. خائف من انعدام الأمن والأمان ، خائف من أجهزة الأمن ، فكلمة الأمن في العالم العربي تلتبس في ذهن المواطن فيحسّها أجهزة الأمن ، وقد تدرّب المواطن على نوع من “الإرتباط الشرطي” بين كلمة الأمن ومؤسسات الأمن القامعة المُذلّة ، فصار بدل أن تشيع كلمة “الأمن” في روحه الطمأنينة ، وبدل أن يحسّ بالأمن والأمان ، فإنه حال سماعها والإحساس بها ، تنقصف فرائصه رعباً من أجهزة الأمن ، لأنه أمن الأجهزة وليس أمن المواطن ، وكي تشعر الأجهزة بأمنها ، على المواطن أن يتحوّل إلى حشرة مثل “غريغور سامسا” بطل رواية كافكا “المسخ” . على كلّ مواطن ان يكون غريغور سامسا (ص 172) . وإذا كان تحوّل غريغور كافكا إلى حشرة قد حصل بصورة مباغتة أدهشت عائلته وأرعبتها ، ودفعت مدير عمله للفرار فزعاً ، فإن الجميع لدينا يتفرّجون على غريغور العربي وهو يتحوّل ببطء وهدوء – وأمام أعينهم – إلى حشرة قذرة مهملة لا يتألم لحالها أحد . وما الدولة في الحقيقة إلّا تلك الخادمة القاسية التي دخلت لتكنس غريغور الحشرة بعد موته بالمكنسة في نهاية الرواية – بإهمال – وهي تؤدي عملاً روتينياً ، ثم لتبلغ عائلته بأنها خلصتهم من ذاك “الشيء” الذي كان في الغرفة !.
عبثاً يحاول الأحرار المناضلون تمزيق شرنقة الإحساس بالعبودية حتى بعد سنين من رحيل الجلاد .. هل نعود إلى قضية بناء الشبكات العصبية العضوية الخاصة بالذل والعبودية في دماغ العبد ؟
أعتقد ذلك .
فظاهرة الخنوع والإنرعاب من مجرد ذكر “الأمن” لا يمكن تفسيرها إلا وفق المكتشفات “البافلوفية” ، حيث يتعذّر كسر الدوائر العصبية التي تتأسس في الدماغ للارتباطات الإنعكاسية الشرطيّة . ولن نذهب بعيداً . لنراجع أنفسنا كمواطنين عرب من خلال أنموذج سليم الذي يعتقد الآن أن الإفلاس الذي سبّبه اسكندر قد حرّر روحه من الخوف الذي عشش في مغارة روحه العميقة ، ونصب شراكه الكريهة الرائحة . لقد نمت لديه قناعة بأن خسارة المال قد أغنت روحه بالكرامة والشجاعة والفهم ، وأن الغني هو من استغنى عن المال (ص 173) . إنه منتش الآن بخمرة الشعور بزوال الخوف وانقشاع غمامة القلق ، ويمكنه أن يدشّن الآن مرحلة الكتابة الحقيقية .
وفوراً يأتي الإختبار الأول لمرحلة الشجاعة والإطمئنان والإيمان هذه باقتدار الذات التي يرفل في أثوابها الناعمة الآن . لقد أيقظه من لحظة انخطافه بكلمة الحرّية العظيمة ، رنين الموبايل في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، وصوت جاف يسأله : هل أنت سليم ؟
لقد أخبره صاحب الصوت بأنه من أمن الدولة . وهذه هي استجابة عهد البطولة النفسية الجديد :
(قذفته تلك العبارة من السرير ، كما لو أنّ قدماً وجهت رفسة قوية لبطنه ، وطيّرت النوم من عيونه ، فبحلق في العتمة ، فيما صارت دقّات قلبه كقرع طبل مجنون ، وتقمّصه الذعر للحال ، فردّ مذهولاً : أمن الدولة ؟ خير ، ما القصّة ؟
حلّت برهة صمت لها ثقل الرصاص ، فكرّر الصوت : أنا ناظم من أمن الدولة ، نريدك أن تمر بنا غداً لتشرب فنجان قهوة . – ص 174) .
هكذا اشتعلت روح سليم بالخوف والقلق فور سماعه اسم “أمن الدولة” ؛ إسمٌ أعاده إلى أرض الواقع حيث الجبن والقهر والمهانة والرعب ، عاد دجاجة مذعورة حتى في قفصها ، بعد أن كان صقراً محلّقاً في سماوات أحلام الحرّية .
وعبثاً حاول سليم إقناع “ناظم” بأن يخبره عن سبب استدعائه – كي “يستعد” للدفاع طبعاً وهو بريء !! – فركبه الأرق الفزع رغم أنه ابتلع قرصي لكزوتان وقرص دواء منوّم . لم يغمض له جفن حتى الصباح . وتحوّلت نبضات قلبه إلى دقّات قويّة تفجّر أضلاعه ، وهي تدقّ عازفة إيقاعاً رتيباً يكرّر : ناظم من أمن الدولة (ص 174 و175) .
وأوّل شيء تبرّأ منه ، وشعر بثقله المورّط ، هو “الكتابة” ! التي قرّر قبل قليل أن يزيح أتربة المهادنة عن نفسه ، ويبدأ بدايتها الجديدة الخلاقة . لقد عدّل نفسه ، وعدّل كتابته ، وشذّب كل الزوايا الحادة لمقالاته ، وارتضى أن يقصّ جناحي حرّيته الصحفية كي يتمكن من العيش بأمان ، عيشة الأمان الذليل (ص 175) . فلماذا يستدعيه ناظم لمقابلة “المعلم” في أمن الدولة ، وقد تحوّل حسب وصيّة سابقة رأيناها لـ “معلم” آخر ، من الكتابة لفضح الفساد إلى الكتابة عن “الربيع” ؟!  :
(لماذا تم استدعاؤه إذاً إلى جهاز أمن الدولة ، وهو لا يكتب سوى مقالات تزيينية ، تثير غثيانه بالدرجة الأولى ، فماذا يريد منه السيّد ناظم ؟ وماذا يريد منه المعلم ؟ معلّم السيّد ناظم ، ومعلّمه ، ومعلّم كل المواطنين المذعورين ؟ – ص 175) .
وقد جرّعه “المعلم” في المقابلة الجديدة ، وبعد انتظار مذل مفزع طويل ، كاسات المهانة ، وسفح كرامته مراراً ، قبل أن يسأله عمّا دار في لقائه التصادفي مع أحد الصحفيين الأمريكيين في بيت صديقه المُترجم !!!
وخرج سليم بعد قرصة أذن خفيفة أخرى ، وتربيتة على ظهر الطفل المُطيع ، الذي تعهدّ من جديد أيضاً أن يكون مؤدّباً وحبّوباً و “على خلق” .
هذا الخوف الذي يستولي على العالم الداخلي لسليم وجميل ، هو الذي يتحوّل – عبر أوالية التكوين العكسي ، في عالمهما الخارجي إلى زعيق جسارة ، وصيحات شجاعة ، تطالب بالثأر والإنتقام وتمزيق اسكندر النصّاب ، على الرغم من صدور الحكم القضائي بحقّه . والحاجة الحارقة للإنتقام هي التي سوف تجمعهما في الموقف “الإستباقي” الموفّق الذي تطرحه الكاتبة حين يدخل صوتها المباشر فضاء الحكاية متسائلاً عن مفهوم “العدالة الفردية” كما وصفتها ، والتي يريد سليم وجميل التأسيس لها في القصاص من المحتال الهارب :
(لكن أين العدالة ؟ في أيّ شقّ تختبىء العدالة ؟ وهل تأتي من تلقاء نفسها ، أم على الإنسان أن يغتصبها اغتصاباً ؟ وإذا اغتصبها هل يعود اسمها عدالة ؟
أسئلة تتفجّر في كثير من القلوب المجروحة التي طعنها اسكندر طعنة الغدر ، أسئلة ستجد صدى ، وستفضي إلى فضاء بلقاء سعاد مع سليم ؛ سعاد التي تأتي من حين لآخر إلى بيت الأستاذ نجيب ، تحضّر له طعامه عن أسبوع ، ستلتقي سليماً الذي يعاني من ألم الغدر والقهر مثلها ، ستجد من يفهم حزن قلبها ، لأن من يفهم حزن قلبه ، يمكنه بسهولة أن يفهم حزن قلوب المبتلين مثله – ص 191 و192) .
.. سيتحقق هذا اللقاء الخطير الذي لم يكن يبدو كذلك في البداية أبداً ، اللقاء الذي سيقلب كل شيء رأساً على عقب .. والذي سيحصل فيه سليم من سعاد – وبصورة غير مقصودة – على المعلومة التي تشعل شرارة مخطّطه الشيطاني الأولى .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : دوامة “منّ السَما”.

“منّ السَما” هي الرواية الثانية للكاتبة غصون رحال التي يتاح لي قراءتها بعد روايتها “في …

| احمد عواد الخزاعي : الاسطورة والدين والتراث .. في رواية (فقيه الطين) .

لغة سردية هجينة، غريبة على طبيعة السرد الروائي، تتأرجح بين الشعر والنثر، تنتج عن سارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *