الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » قاسم علوان : ظاهرة الاقتباس في السينما المصرية..(الأخوة الأعداء) عن (الأخوة كارمازوف) مثلا (7)

قاسم علوان : ظاهرة الاقتباس في السينما المصرية..(الأخوة الأعداء) عن (الأخوة كارمازوف) مثلا (7)

kasem alwan 2إشارة :
رحل الأخ الحبيب الناقد والفنان “قاسم علوان” , رحيلا مبكرا (كان عمره 50 عاما) إثر نوبة قلبية مفاجئة      . لم يتح له القدر الغادر تحقيق أي شيء من أحلامه الواسعة الباذخة .. وطُويت صفحته بقسوة تعاون عليها الواقع الجائر ، ومحبّوه المتعبون . أرسل قاسم كتابه هذا قبل رحيله بأسبوعين .. وطلب عدم نشره في الموقع إلا بعد صدوره . وتطاول الزمن ولم يصدر . لهذا سوف ننشره كحلقات وفاءً لذكراه . ونتمنى على السادة القراء أن يتأملوا أي قدرة نقدية وثقافة موسوعية يتوفر عليها الراحل . ألا يستحق هذا الكتاب النشر والتدريس؟
المقالة :
شهدت السينما المصرية في فترة معينة من تاريخها الطويل نسبيا مقارنة مع تاريخ السينما في البلدان العربية الأخرى.. شهدت في سنوات ستينات القرن الماضي.. ظاهرة محددة وبارزة بشكل واضح للمهتمين بهذا التاريخ الفني الطويل والمتابعين له.. هي ظاهرة إعادة انتاج بعض نتاجات السينما العالمية.. وبالذات بعض من قمم هذه السينما المميزة الجديرة بالملاحظة والمتابعة والتي حصلت على نجاحات تجارية وفنية كبيرة، فكانت النتيجة للأسف إساءة بالغة وتشويها فضا لتلك النتاجات المهمة ومضامينها الإنسانية والفنية.. وهذه الظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ السينما في العالم.. كما أن الأمثلة السينمائية في هذا المجال كثيرة على ذلك، منها مثلا الفلم الأمريكي الشهير الغنائي الاستعراضي الحائز على تسع جوائز أوسكار لسنة 1969 (قصة الحي الغربي) المأخوذ أصلا من مسرحية شكسبير الشهيرة (روميو وجوليت) وكذلك فلم (مرتفعات وذرنج) المأخوذ أيضا عن الرواية المعروفة بالاسم نفسه، وأيضا الفيلم الروسي الشهير (الجريمة والعقاب) المقتبس عن رواية دستويفسكي المعروفة بالاسم نفسه أيضا.. وأفلام أخرى شهيرة غنية عن التعريف.. لذا فاننا سنتناول في هذه المتابعة والبحث الفيلم المصري (الأخوة الأعداء) لأنه باعتقادنا (إعادة انتاج) عن الفيلم الروسي.. وليس عن الرواية الأصل (الأخوة كرمازوف) ونستبعد فكرة اعتبار أن الفيلم المصري هو اعداد جديد عن الرواية المشار لها لاعتبارات سنأتي على ذكرها..
لا اعتقد أن أحدا يمكن أن يعترض على موضوع الاقتباس.. أو الاستفادة من.. أو الإعداد عن الموروث الثقافي العالمي سواء منه الفني أو الأدبي المكتوب، فهنالك أمثلة كثيرة على اقتباسات متعددة على صعيد عالمي معروف.. وكذلك لا أحد يمكن أن يعترض على إعادة انتاج عمل فني معين.. فهذا تقليد معروف في السينما العالمية وكذلك المسرح في العالم أجمع وهناك أمثلة كثيرة.. مثلا هوليود باعتبارها المكان الأكثر تخصصا للأنتاج السينمائي الكثيف والواسع في العالم.. فقد أنتجت فيها أعمال كثيرة من التراث الأدبي الروسي بالذات قبل وبعد أن تنتجها الاستوديوهات الروسية الرسمية أبان المرحلة السوفياتية مثلا.. من مثل روايات تولستوي المعروفة (الحرب والسلام) و (آنا كارنينا) وكذلك أعمال دستويفسكي التي لا تقل شهرة عنها، هذا بالإضافة الى أعمال شكسبير المسرحية المعروفة فقد أعيد انتاجها أكثر من مرة على خشبة المسرح أو في ستوديوهات السينما وفي أكثر من بلد في العالم.. أو نتاجات أدبية أخرى لكتاب آخرين ينتمون الى جنسيات مختلفة وفي أماكن مختلفة أيضا من العالم.. إلا أن هذه الظاهرة دائما ما تتحدد بشرط معين.. ألا وهو وجهة النظر.. أو الرؤية الجديدة التي يمكن أن تضاف الى العمل الفني كمبرر باعتباره منجزا جديدا.. إذ أن هذا الشرط هو السبب الوحيد في إعادة تقديم هذا العمل الفني أو ذاك.. لكن الذي حدث في السينما المصرية هو البحث عن موضوعات جديدة قد سبق لها ان انتجت سينمائيا ونجحت فنيا أو تجاريا وجذبت اعداد كبيرة من المشاهدين..!! وأن هذا الاقتباس الجديد من فيلم سينمائي جديد تحديدا.. وليس من الأدب المكتوب.. وفي هذا اختصارا للجهود كما يبدو.. اي أن يعاد انتاج الشريط السنمائي المختار مرة أخرى ولكن بنسخة مصرية.. وهذا من دون أن تتم الإشارة مطلقا الى المصدر الأصلي…!! وهذا ماحدث في جميع تلك الاقتباسات من دون إستثناء..
نعتقد ان سبب هذه الظاهرة وانتشارها في تلك الفترة من تاريخ السينما المصرية يعود الى جملة أسباب تاريخية.. منها مثلا.. تشدد أجهزة السلطة الحكومية الرقابية على الأعمال الفنية آنذاك أو على الموضوعات التي يتناولها الانتاج السينمائي وعلى النتاج الأدبي والفكري والفني المحليين في مصر بشكل عام.. بحيث كان الحظر الحكومي يشمل موضوعات كثيرة يمكن أن يطالها الأدب والفن.. منها أي موضوع ذي صبغة محلية أو واقعية ذات منحى نقدي للواقع الاجتماعي والسياسي المصري القائمين.. هذا التناول الذي هو بالضرورة سياسي.. أو كما تفسره السلطة حينذاك.. فلقد اطلعنا في ذلك الحين من خلال ماهو متوفر ومتاح من وسائل الأعلام والإتصالات على الممارسات القمعية وأشكال المنع والحظر التي وجهتها السلطات المصرية في تلك الفترة الى نشاط السينمائيين المصريين بشكل خاص.. منهم المعروفون بجرأتهم وجدية موضوعاتهم وواقعيتها.. والتي يسعون الى عرضها على الشاشة.. على سبيل المثال لا الحصر جهود كل من المخرجين توفيق صالح ويوسف شاهين اللذين لجأ الى العمل في البلدان العربية الأخرى التي يمكن أن تستفاد من اسمائهم وتجاربهم… هذه الظروف حدت بتوجه القائمين على الانتاج في الاستوديوهات السينمائية في مصر وكذلك بعض من كتاب السيناريو وبعض المخرجين الى التخلص من مواجهة ذلك الواقع السياسي القمعي الى التخفي خلف الواجهات الأدبية والفنية المعروفة عالميا والتي سبق وان اشتغلت عليها السينما في العالم وحظت بنجاحات تجارية مرموقة…!! هذا بجانب التخوف والتردد والنزعات المحافظة أيضا لدى القائمين على شركات الانتاج آنذاك من أي محاولة محلية للعمل السينمائي قائمة على التجريب والتحديث وتناول الموضوعات الجديدة، فانصرف هؤلاء الى أي جهد للعمل على منجز سينمائي جاهز سبق ان لاقى نجاحات تجارية في أسواق السينما في العالم..
النموذج موضوع البحث هذا هو الفلم الروسي المعروف الذي أنتج في مستهل ستينات القرت الماضي وهو (الاخوة كرمازوف) والذي أخرجه المخرج الروسي إيفان بييريف.. رغم أنه جاء بتسمية مصرية جديدة هي (الاخوة الاعداء) وهو الاسم نفسه الذي حملته رواية اليوناني كازنتزاكي الشهيرة.. وعلى أن ذلك الفلم معد عن رواية دستويفسكي المعروفة التي اعتمدها الفيلم الروسي، لكن ما شاهدناه في الشريط المصري المذكور لم يكن سوى إعداد سيء وبإصرار عن الفيلم الأول وليس الرواية.. عندما أخرج الروسي إيفان بييريف رواية مواطنه فيدور دستويفسكي كان أمينا لمثل الكاتب الفكرية ولفلسفته الأخلاقية.. ولموقفه من الفكر والنظام السياسي السائدين آنذاك.. إضافة الى أمانته في نقل الواقع التاريخي في روسيا أبان الفترة التي تدور فيها أحداث الرواية (القرن الثامن عشر) لقد نقل بييريف من الرواية كل ما يمكن نقله الى الشاشة من أحداث وتفاصيل حياتية كثيرة وشخصيات تمتلك قابلية للنقل أو التصوير.. ولم يستثن سوى الحوارات الفلسفية الطويلة وتفاصيل الحياة الصغيرة والعلاقات المتشابكة الأخرى غير المهمة بتفاصيلها المملة التي يتميز بسردها أصلا كاتب (واقعي نقدي) من مثل دستويفسكي فجاء على شاشة السينما بثلاث ساعات.. أما المخرج المصري حسام الدين مصطفى وكما شاهدنا في الفيلم العربي.. فقد حاول أن يستنسخ عمل المخرج الروسي بأن مصّره..(أي جعله مصريا..) وكانت هذه المعالجة التي اقتصرت على الجانب الشكلي وبعض من المتن الحكائي للرواية التي تضمنها الفيلم، وكان ذلك واضحا في كل شيء اعتبارا من الأكسسوارات وملابس الممثلين مرورا بالجو العام الذي تحرك فيه الأبطال والشخصيات الثانوية الأخرى وصولا الى وسائل تمثيل الممثلين وأدواتهم أو بالأصح أنفعالاتهم التي كانت غير مقنعة اصلا..
هناك مسالة مثيرة للجدل لا نريد إثارتها في هذا الموضع.. فقط الإشارة إليها وهي.. خصوصية العمل الفني الوطنية والقومية.. أي كل ما يتعلق بالأبعاد الاجتماعية وما يتيحه نقل السمات الحضارية والخصوصية المحلية لتلك البنية الاجتماعية.. وحتى الإشارات والرموز المغرقة في محليتها أحيانا والتي يبثها الكاتب من خلال نصه الأدبي وشخصياته.. ترى الى أي حد يمكن تجريد نص دستويفسكي من خصوصيته الروسية المحلية تلك وبثها من جديد بإطار وطني وقومي محلي آخر مختلف..؟ نعم هناك الكثير من الأعمال الأدبية والروائية التي تمنح نفسها بسهولة لأي واقع جغرافي مختلف عن بيئتها الأصلية التي كتبت من إجلها أو فيها، بينما نجد بالمقابل اعمالا أدبية وفنية لا يمكن لها أبدا أن تتنفس في غير بيئتها المحلية التي كتبت فيها أو لها أو عنها، ونعتقد بانه الى هذه الفئة تنتمي اعمال الكاتب الروسي الشهير فيدور دستويفسكي، إذ نرى في معظم روايات هذا الكاتب وتحديدا هذه الرواية موضوع هذا الفيلم والرواية الشهيرة الأخرى (الأبله) خارطة شاملة وصادقة لواقع روسيا القيصرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترى كيف يمكن أن تفرغ هذه الخارطة من محتوياتها وينظر لها على انها مجرد حدود أو خطوط صماء يمكن ملؤها من جديد بما نشاء من تفاصيل وحيوات جديدة على تلك البيئة…؟ هذا ما حدث في الفيلم العربي المصري (الاخوة الأعداء) ونقول من دون مبالغة حتى عملية التفريغ هذه لم تحدث بشكل مقبول.. مثلا في أي مكان من مصر أو في اية قرية من قراها.. أو في الوطن العربي ككل يمكن نجد إقطاعيا ريفيا يتساءل في بعض اللحظات.. هذا التساؤل الوجودي المحض والخطير.. فيما إذا كان الله موجودا أم لا…؟ هذا ما جاء بالضبط على لسان الأب الأرماني الذي حل محل شخصية كرمازوف الأب…!!
أن ما قام به المخرج المصري حسام الدين مصطفى أنه ألبس شخصياته ملابس عربية أو مصرية حديثة أو محلية بعض الشيء.. وترجم الحوار من الفلم الروسي الى اللهجة المصرية المحكية وأضاف ما يمكن إضافته من تفاصيل محلية جديدة أخرى الى بيئة الفيلم، وحذف ما يمكن حذفه ايضا، كل هذا أمانة لما يتطلبه الحس التجاري في السينما المصرية آنذاك…!!
لنتكلم عن عنصر هام في عملية النقل هذه الا وهو بناء الشخصيات.. لقد كانت رواية الكاتب الروسي دستويفسكي رواية شخوص، أي أنه كانت هناك عناية مفرطة في رسم ملامح تلك الشخصيات وإظهار معاناتها الداخلية وازماتها من خلال الكشف عن ما يدور في أعماقها النفسية وانعكاس ذلك على واقعها الذي تعيشه، وذلك في كونها الأداة في البث والتلقي.. وعندما حرك المخرج الروسي إيفان بيرييف هذه الشخوص على الشاشة كانت كما تخيلها دستويفسكي روسية ابتداءا من ثيابها الخارجية حتى أبعد نقطة في اعماقها النفسية السحيقة والمظلمة احيانا.. فهي روسية في ما تقوله وتفعله وفي كل ما تفكر به.. فهي معبرة حقيقية عما كانت تتمخض به تلك الفترة الساخنة من تاريخ روسيا القيصرية بشكل عام.. ترى كيف يمكن لمثل هذه الشخصيات أن تتنفس في جو مختلف مثل الجو المصري المعاصر..؟ لقد انعكست هذه الإشكالية أو هذا الإلتباس على اداء الممثلين فلم يستطع أي منهم تجسيد ابعاد تلك الشخصيات.. ولا حتى بعض من ملامحها رغم أن فيهم ممثلين كبار مثل نور الشريف ومصطفى فهمي.. فقد بدا بعض الممثلين المصريين للأسف وهو يقلد الممثلين الروس الذين مثلوا نفس الشخصيات في الفيلم الروسي..
لقد اتسمت شخصيات الفيلم المصري بشكل عام في كونها ظلت عائمة على السطح ولا يشدها أي رابط أو وشيجة الى الواقع الذي وضعت فيه أو في المشكلة التي تعيشها وتعاني منها.. فقد كانت شخصيات مصنوعة صنعا ومفتعلة افتعالا.. وهذا ما عبرت عنه الحوارات التي تتحدث بها فيما بينها أو مع نفسها في حواراتها الداخلية.. مثلا عندما رسم دستويفسكي شخصية إيفان الأخ الأكبر في الرواية لم يكن اعتباطا أن حملها بتلك الأفكار العدمية والشكوك والتساؤلات الوجودية.. فهو بافكاره تلك كان معبرا حقيقيا عن ماكان يفكر به قطاع واسع من الأنتجلسيا الروسيا آنذاك وسط ذلك المخاض وتياراته الفكرية الجارفة والمتنوعة.. لكن الذي رايناه في فيلم (الأخوة الأعداء) لا أكثر من شاب مثقف معتد بنفسه.. ويردد بعض الحوارات التي كانت منسوبة الى إيفان كرمازوف.. والشيء نفسه ينطبق على شخصية الأخ الأصغر إليوشا كرمازوف في الرواية وما يقابلها في الفيلم المصري.. هذه الشخصية تحديدا تمثل في الرواية الأصل وفي الفيلم الروسي بعد ذلك.. تمثل البعد المسيحي بمداه المثالي الأرفع.. في داخل كل شخصية من الشخصيات الأخرى القريبة منها.. وهذا بحكم الصفة التي منحها له الكاتب كفتى يافع وراهب مبتديء.. فقد كان للجميع عبارة عن منصة اعتراف لمراجعة أخطاء الذات وخطاياها في لحظات الضعف التي تنتابها في حياتها العامة والخاصة.. وفي لحظات أخرى كان يبدو كزاوية دافئة يلجأ إليها أفراد الأسرة بما فيهم الأب كرمازوف.. بل حتى راعي الكنيسة الأب زوسيما الأكبر نفسه لا يطمئن إلا إليه من بقية الرهبان الآخرين في ذلك الدير، إضافة الى جروشنكا وناتاليا شخصيتا الرواية النسائيتين الرئيستين.. وهذه الشخصية (أي أليوشا) تمثل رؤية دستويفسكي المثالية لكل من الدين والأخلاق في المجتمع الروسي.. لكن هذه الشخصية عندما تمصرت فقدت كل تلك المزايا والسمات المهمة فيها إن لم نقل تلاشت نهائيا.. ووضعت محلها شخصية الأخ الأصغر المعلم الريفي البسيط والذي يميل اليه الجميع في كونه مسالما ومحايدا في جميع المشاكل التي تتعرض لها العائلة وخصوماتها الداخلية.. أو لأنه الأصغر فقط، ولا يلتقي بشخصية أليوشا إلا في كونه (شخصا مؤمنا) لا أكثر…!!
اما شخصية جروشنكا عندما تجنست بالجنسية المصرية.. فهي الأخرى قد ألغيت هويتها الروسية المحلية، وبشكل ادق آلامها وتجربتها الشخصية التي سبق وإن عاشتها بمرارة كما وصفتها الرواية.. ووضعت محلها شخصية (لولوه) صاحبة (البنسيون..) وفي هذه الشخصية فقط يكون المخرج المصري وكاتب السيناريو حسام الدين مصطفى قد صنع شخصية مصرية حقيقية في هذا الفيلم كتلك التي شاهدناها في أفلام عربية كثيرة سابقة، فهي تماثل الى حد ما شخصية مديرة أو صاحبة (البنسيون) في الفلم الذي أعد عن رواية نجيب محفوظ الشهيرة (ميرامار) وحمل الاسم الأخير نفسه، وبذلك تكون جروشنكا قد فقدت كل برائتها وعفويتها ونقائها السماوي.. كل هذه الصفات المثالية رغم الدنس المبكر الذي لحق بها من ربيبها السابق الأقطاعي صاحب الأطيان.. والتي وضعها فيها أو رسمها بعناية كبيرة الكاتب الروسي دستويفسكي.. تلك الشخصية التي كانت حتى بالنسبة الى كرمازوف الأب وأبنه ديمتري صفاء سماوي يحلمان به ولا يتحقق أبدا على الأرض.. المجانين وحدهم يمكن أن يحاولوا تحقيقه على ارضهم.. هذا مع علمهم المسبق باستحالة ذلك التحقق..! لكن هذه الشخصية تحولت في الفلم المصري (الأخوة الأعداء) بسهولة الى غانية رخيصة تحيط بها شلة من الرجال يلعبون القمار دائما.. ولم يكن يسم شخصيتها أية سمة استثنائية جذابة من التي حملها بها الكاتب الروسي بحيث يمكن أن تلفت نظر ذلك المجنون توفيق الذي يقابل شخصية ديمتري في الرواية، سوى أنها لا أكثر من (عالمة) تجيد الرقص الشرقي وهز الوسط والأرداف.. والشيء نفسه ينطبق على شخصية توفيق سالف الذكر.. لكن يبدو أن ظاهر هذه الشخصية كان مغريا لكل من كاتب السيناريو ومخرج الفيلم من سهولة تحقيقها وتأطيرها بإطار مصري.. ومن الملاحظ ان هذه السهولة في المعالجة كانت من الخارج فقط.. أما اعماقها فلم تستطع المعالجة السينمائية موضوع هذا البحث تحقيقها.
لقد حذف كاتب السيناريو المصري حدثا مهما من الرواية يتعلق بهذه الشخصية.. ألا وهو بحثه الدائب عن دائن أو مصدر مالي يوفر له (ألفي روبل) كما جاء في الرواية والفيلم الروسي من أجل أن يعيد المبلغ كاملا.. وهو المبلغ الذي أودعته عنده خطيبته ناتاليا من أجل إيصاله الى عمتها.. وكان قد صرف ذلك المبلغ في حفلاته الباذخة من أجل أن ينال رضا جروشنكا.. لقد كان هذا البحث في شخصية ديمتري ذا جانبين مهمين في حبكة الرواية وثيمتها القصصية.. أو فلنقل فيه ثيمتان ثانويتان مهمتان كما جاء في النص الروائي أو في الفيلم الروسي السابق بجانب الثيمة الرئيسية ألا وهي صراع الأجيال وبشكل أكثر دقة.. جريمة قتل الأب.. الثيمة الأولى هي تأكيد التهمة التي التي وجهها الإدعاء العام أو النيابة العامة في الفيلم المصري لديمتري أو توفيق على أنه قتل أباه من أجل سرقة المال الذي سبق وأن طلبه منه.. والثانية تأكيد اختلال التوازن أو التضاد في شخصية ديمتري القلقة الذي يتنازعه عالمان الأول عالمه الداخلي الذي كان يسعى لأن يكون مثاليا من جهة (رغبته في إرجاع المال الى صاحبته..) ونزعاته الذاتية واندفاعه العارم من أجل إرضاء صديقته الجديدة جروشنكا .. من جهة أخرى.
لقد ترك هذا الاختصار أثرا مشوها في بنية المعالجة القصصية التي شاهدناها في الفيلم العربي المصري.. فقد كانت واضحة تلك الفراغات بشكل محسوس.. سواء ذلك في المعالجة كما ذكرنا أو في بناء الشخصيات وتركيبها.. لقد حاول المخرج ملء تلك المساحات المشوهة أو الفراغات البنيوية باستخدامات فنية وتقنية.. مثلا حركة الكاميرا غير الطبيعية في بعض الحالات كأن تكون محمولة أو لقطات ذاتية مشوهة أو حركة الكاميرا الرأسية على محور ثابت أو التوازن المتخلخل لبناء الكادر في اللقطات المتوسطة أو العامة.. وما الى ذلك من استخدامات.. لكن تلك الحركات ظلت شكلية بحتة.. كما أن هذا الاستخدام ليس جديدا رغم أنه جاء بإسراف ممل، وخاصة في المشاهد التي تظهر فيها الأزمات التي تعاني منها الشخصيات الرئيسية في الفيلم لدرجة أن المتلقي صار يتوقع تكرار تلك الألعاب الشكلية عند حدوث ما يمكن أن يهز مشاعر تلك الشخصيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *