جميل الشبيبي : من ملامح التجريب في القصة العراقية القصيرة

jmel_alshbebe(المشهد القصصي العراقي بداية التسعينات) انموذجا..

تمهيد

مرت القصة القصيرة في العراق  بادوار مهمة  من مراحل التحديث استجابت فيه للمتغيرات العاصفة في الساحة العراقية .
ومن أهم الانعطافات الأساسية في السرد القصير استفادته  في وقت مبكر من المنجز العربي والعالمي في استثمار تقنيات السرد ،ومن تلك التقنيات استخدام المنلوج الداخلي او ما سمي وقتها بتيار الوعي وقد أكدت بعض الدراسات التاريخية في النقد على أسبقية القصاصين العراقيين في هذا المجال .
ولم يكن التحديث مقترنا بحركة السرد بل انه امتد ليشمل المكونات الأخرى للقصة القصيرة   كالشخصية والسارد والمكان والزمان  والحكاية.
فقصة الخمسينيات كانت قصة الشخصية.  حتى ان القاص محمد خضير اعتبر قاص الخمسينيات ( كاتب عرائض  ) وهو توصيف شرفي يشير الى انشغال القاص الخمسيني بالأخر المهمش فينتصر له من خلال القصة وسط انغمار كامل بتقمص الشخصيات الشعبية ومحاولة تشخيصها بالإخلاص لمكوناتها البيئية والشخصية .
وقد استثمر القاص الخمسيني السارد العليم كأحد أهم المظاهر الفنية  الأساسية في السرد القصير آنذاك وبهذه التقنية تمكن القاص الدخول إلى عالم الشخصيات وتأثيث خطاب قصصي يمتثل لهذه العلاقة الحميمة مع الأخر ، وقد أتضح ذلك بتقمص الشخصية المحلية والإخلاص للبيئة التي يعيش ضمن أجوائها : البيوت ، الأزقة الضيقة ،  الملابس البسيطة وهو يعمد الى تفصيل ملائم لفكرته عن الناس البسطاء على الرغم من ان معظم القصاصين كانوا ينتمون الى الطبقات الغنية لكنهم وقفوا إلى جانب الفقراء والمعدمين .
وقد كانت تقنية السارد العليم تقنية ملائمة للقاص الخمسيني الذي كان مشغولا بالآخر المهمش يعمد من خلاله الى بناء زاخر بالنقد للظروف التي تحيط بهذا الآخر على وفق مفاهيم الواقعية الانتقادية (1).
في مرحلة الستينات وبعد تحولات سياسية عاصفة انحسرت شخصية الآخر  من معظم القصص الستينية  وتضخمت شخصية السارد/ الشخصية  في تلك المرحلة  حتى بدت القصص وكأنها أصداء لأفكار وفلسفات وكشوفات نفسية وايديولوجية.
وفي مراحل  أخرى وفي نهاية الثمانينيات بشكل خاص انتقل السرد القصير الى تخوم جديدة حين اغتنت  بعض القصص القصيرة ببناءات ولغات وابتكارات في السرد غيرت الكثير من مكوناتها الأساسية  حتى ان الكثير من النقاد اختلفوا في تجنيسها، انتقلت فيها الشخصية القصصية من ذلك الشكل المشخص الذي يحاكي شخصيات الواقع المعيش ، الى شخصية مجردة من الأوصاف ، شخصية تنحو إلى تجسيد حلمي –فني يطمح إلى استشراف الشخصيات المحدودة في القصص الواقعية ورفع رتبتها الى شخصية تلائم القصص الرؤيوية  التي تنحو الى تأسيس مدن اليوتوبيا او البناءات الحلمية الأخرى. وقد اغتنت تلك القصص بشواخص مكانية وانتقالات في الزمن وكذلك في لغة السرد التي استثمرت لغات مجاورة الى اللغة الأدبية وكل ذلك أدى إلى نقلة نوعية تجريبية  في السرد القصصي القصير بالعلاقة العميقة مع التحولات  الكارثية التي أحدثتها الحرب العراقية الإيرانية  في البنية الاجتماعية والسياسية في العراق .
لقد كانت نهاية الحرب العراقية- الايرانية اهم المحفزات على ظهور هذه القصص الرؤيوية الأمر الذي أسهم في ضخ دماء جديدة في السرد العراقي القصير الذي اتصف دوما بالعطاء الجديد.
1-المشهد القصصي العراقي بداية التسعينات
عام 1992 بعد الأحداث الدامية التي جرت بانتهاء ما يسمى وقتها بحرب الخليج وعلى اثر إفشال انتفاضة آذار عام 1991 أصدرت مجلة الأقلام عددا تضمن تسع قصص قصيرة تحت عنوان (من تجارب الطليعة) وبمقدمة دالة من رئيس تحريرها آنذاك الناقد حاتم الصكر أشار فيها إلى: (إن قراءة هذه الأصوات المختارة بصورة موحدة يعطينا الحق في اقتراح نظرة جديدة، لاتجاه القصة العراقية وهي تكتب بأيد متنوعة من أجيال شتى…) وفي نفس السنة أصدرت دار الأمد مجموعة أخرى من القصص القصيرة بعنوان (المشهد الجديد في القصة العراقية) ضم اثنتين وعشرين قصة… كتبها قصاصون عراقيون اغلبهم من جيل الشباب آنذاك…
في معظم هذه القصص يجري خرق قوانين السرد القصير الذي تعرض منذ نشأة القصة العراقية والى اليوم إلى تغيرات جذرية بالعلاقة الوطيدة مع تحولات الواقع المعيش، وقد أتضح هذا التغيير في البنية الأساسية للقصة القصيرة ـ بتغليب هذا العنصر أو ذاك على بقية العناصر الأخرى المكونة للقصة…
ومن أهم التحولات في بنية قصص بداية التسعينات ميلها إلى تفتيت الحكاية أو تلخيص أحداثها عبر منتجة قاسية تقطع حركة السرد، وتخلخل سياقاته، فتصبح الأحداث ووجهات النظر متداخلة، لا يفصل بينها سوى روابط شكلية أساسها الفارزة، التي تنظم هذا القطع ولا تتحكم في ربط أجزائه، مما يضفي غموضا على الحدث وعلى مكونات القصة الأخرى: الشخوص، الأمكنة، حركة الزمن، وبنية السارد وهذه البنية هي من  أهم الإشكاليات في نزعة التجديد عبر مسيرة القصة القصيرة في العراق وانحرافاتها الكثيرة…
إن إشكالية السارد في هذه القصص وفي غيرها من القصص العراقية  التجريبية التي كتبت في فترات متباعدة ومتباينة، هي إشكالية أساسية. فالسارد في كل هذه القصص  مسؤول عن إدارة حركة السرد وتأثيث الخطاب القصصي بالشخصيات والأمكنة، وهو الذي ينظم زمن الحكاية وزمن السرد، باعتباره نائبا عن المؤلف (سمي المؤلف الضمني في بعض الكتابات النظرية)… وعلى وفق هذا التوصيف لوظيفة السارد نلاحظ إن إشكالية بنية السارد: ظهوره وتحقق وجوده عبر أساليب لغوية أهمها حركة الضمائر، هي من أهم إشكاليات التأليف وعلى وفق تحققها في القصة العراقية  القصيرة، ومن خلالها تتضح ابرز ملامح التجديد في القصة والرواية والنصوص السردية المفتوحة…
وفي المشهد الجديد في القصة العراقية بداية التسعينيات  أو في (قصص من تجارب الطليعة) نلاحظ إن معظم هذه القصص تسرد بلسان سارد ذاتي مغمور في حركة السرد وليس قائدا لها وهو بنفس الوقت الشخصية الرئيسية في القصة، مما شكل إرباكا في حركة السرد وبعثر عناصرها، ثم أضفى على سياقاتها انعطافات وتوقفات، وحذف… فبدت الحكاية مفككة مشظاه لأنها  مروية بلسان مرتبك لا يمتلك سطوة القول وأدواته…وكل ذلك يشير الى نزعة تجريبية تحتاج الى دراسة وتأمل.
وقد أتضح ذلك في بنية الجملة، وفي تداخل وجهات النظر وفي الانتقالات المفاجئة من أسلوب لغوي إلى أخر: من الجملة الخبرية إلى الاستفهامية أوالى الشرطية بنظام يحسب لأدوات الترقيم خصوصا الفارزة والأقواس حسابا خاصا فيها…
سأعمد إلى توصيف الملامح الأساسية لبنية السارد من خلال نماذج قصصية نشرت في عدد مجلة الأفلام (العدد7-8تموز –اب1992) أو في كتاب الأمد القصصي الذي صدر في نفس العام 1992 بالاستفادة من القصص التي  تحقق غرضنا في هذا المجال..إضافة إلى التغير الحاصل في البنيات الأخرى للقصة القصيرة  في هذا النوع من القصص .
والقصص التي اعتمدتها هي:
ـ منخفضات كسرة وعطش للقاص الراحل إسماعيل عيسى.
ـ الصعود للقاص لؤي حمزة عباس.
ـ رماد ندى للقاصة اراده الجبوري.
–   ومضة دم والفصل ما قبل الأخير من قصة ختان الولد الجميل) للقاص علي السوداني.
وهناك قصص أخرى تحمل الكثير من مواصفات هذه القصص
مع ملاحظة هامة تفيد ان معظم هذه  القصص قد انتظمت في مجموعات قصصية صدرت بعد ذلك وهي  تحمل الكثير من مواصفات السارد الذي نعمد الى توصيفه هنا .
نلاحظ إن في معظم هذه القصص يتجلى سارد بضمير الأنا -الفردي او الجماعي غير إن هذا التجلي سرعان ما يتداخل في سياق الجمل السردية ليرتدي أقنعة أخرى كضمير المخاطب باتجاه خطاب ذات مجهولة و ضمائر أخرى مصاحبة ومن أهم تقنيات هذا السارد الضائع أو المغمور في حركة السرد تشظيه إلى الشبيه الذي يظهر كشخصية شبحية تمارس الكتابة أو تحمل تجاعيد وندوب السارد وآثار الزمن عليها… فالشبيه  هنا هو صورة من حاضر السرد المكتظ بأنواع التشوهات وإسقاطات الواقع ألكابوسي خلال هذا الرحلة…
وتقنية الشبيه في هذه القصص تقنية مغايرة تماما لما وصفّناه في القصص/ النصوص الطويلة التي نشرت بعد نهاية الحرب العراقية ـ الإيرانية،  في مجلة الأقلام نهاية عام 1988 كقصتي رؤيا البرج للقاص محمد خضير، وزو الطائر الصاعقة للقاص الراحل محمود جنداوي وقصص أخرى مشابهة للقاصين جليل القيسي، لطفية الدليمي ،جهاد مجيد وغيرهم…
فالشبيه أو القرين في تلك القصص يمثل ساردا متمما للرحلة الحلمية الرؤيوية باتجاه مدينة اليوتوبيا أو على تخومها وبالشكل الذي يؤكد مصطلح تعدد الصوت السارد وليس تعدد الأصوات الباختيني. فالسارد الشبيه أو القرين في تلك القصص هو سارد فاعل في حركة السرد يمتلك لغته الخاصة التي يستثمرها في إكمال الرحلة الحلمية وبما يؤثث لظهور السارد الرائي الذي اجترحناه لتوصيف السارد في تلك القصص الرؤيوية.(2)..
أما الشبيه في هذه القصص فهو صورة سلبية غير فاعلة تتجسد عليها صور الخراب والتشويه الذي يطال شخصية السارد .وهو في حركته وتجليه لا يؤسس حدودا مكانية او زمانية  بل إن حركته تبدأ من الذات وتعود إليها في صورة دائرية أو لولبية، تتسم بإشارات مبهمة نحو وقائع حدثت تسرد بطريقة القطع والتوليف حيث تضيع مكوناتها في ثنايا جمل السرد ذات الانتقالات السريعة، وتشير هذه الإشارات إلى خرق متعمد متجذر في الذات يمنعها من التصريح فتكتفي بالتلميح… ويتضح هذا البناء بشكل جلي في قصة (منخفضات كسرة وعطش) التي تعتبر أنموذجا فريدا لتشكل السارد وللبنية الإيهامية له في حركة السرد باتجاه  العنوان الذي يشير إلى منخفضات كسرة وعطش…
إن إستراتيجية التكرار والحذف والتقطيع تمثل سمة أساسية في إشكالية السارد في هذه القصة والقصص الأخرى ، فالسارد في هذه القصص لا يعتمد سردا متواصلا- حتى لو كان متداخلا-بل انه سرد ملتف على نفسه ببدايات ليس لها إمكانية الاستمرار… فهناك ذات تتحدث بكل ما يخطر ببالها وبالشكل الذي يشتت ويمحو، ولذا تبدو حركة السارد بضمير الأنا وهي  تتداخل مع ضمائر أخرى بعضها يخص الشبيه باستثمار ضمير الخطاب كما في قصتي إسماعيل عيسى وإرادة الجبوري وبعضها يخص السارد الموضوعي المشخص بعين الكاميرا او بالسارد العليم  كما هو واضح في قصتي (الصعود) للقاص لؤي حمزة عباس..وومضة دم لعلي السوداني
فالسارد في قصة ( منخفضات كسرة وعطش) مثلا يصرح منذ البداية: (أنا لا احترس. فلا أجد مستقري إلا في المنخفضات…)
وهذا التصريح ليس دالة على الشروع في نشاط خاص، أهوج أو شجاع. بل إن هذا التصريح يجد له تأويلا ملائما في تفاصيل لاحقة، يتخلى فيها السارد عن مهمته لساردين آخرين مشخصين بضمائر أخرى، وصولا إلى التركيز على مخاطبة ذات مجهولة تتضح في أخر الأمر بأنها الشبيه المجسد (لا تستغرب فذلك الشخص هو أنا الذي يقف معك الآن شخصيا والإشارات أرهقتني لأنني أموت هما إذ أراقب الناس. 117 ثم يقطع السرد بتعليق يشي بظهور المؤلف: (ولا نريد ان ننساق وراء الحكاية التي يشير بها علينا. فهي ليست من الأهمية التي يفترض أو توليها لموضوع آخر ينتظرنا على المائدة ولنرجيء كل كلام في هذا الشأن…) أن السارد غير قادر على التحكم في حركة السرد  بمساراتها الافقية او العمودية ( الاستبدالية ) وقد أتضح هذا التفكك أيضا في نظام بنية الحكاية وبنية زمنها… فالحكاية في هذه القصة تتمحور على شواخص وأسماء تظهر وتختفي… ويشكل نظام ظهورها واختفائها، تقنية ملائمة لبنية هذا السارد المتردد والشاك في كل شئ… ومن أهم شواخص الحكاية في هذه القصة: كسرة وعطش… النخالة، ابن الزايرة، السدة، خلف السدة، ،القصور البيض السبعة… أما العلاقة التي تنظم ظهور هذه الأسماء واختفائها فتتضح في بنية التكرار والإشارات أو الإيماءات لهذه الشواخص بارتباطها بصفات دالة:
(وأنت طبعا، لا تعرف (كسرة وعطش) لا في التاريخ ولا في الجغرافية) ولا تدري أين تقع (النخالة) ولا أين اختفى (ابن الزايرة) ولا أظن انك شاهدت (السدة) أو سمعت بالقصور البيض السبعة خلف السدة…) وبعد قطع طويل يتخلله حديث لا علاقة لها بهذه الشواخص يعود قائلا:
(كسرة)قاحلة و(عطش)لا يروي ارض الله الغريبة متروكة للأحقاد والتدنيس واللصوصية (…)
و((النخالة) مستنفعات نفذت مسامات طفولتنا،بلهارزيا الضغائن )  في حين تبدو القصور البيض السبعة وكأنها قصور ألف ليلة وليلة. ولكنها (قصور معزولة ومهجورة تسكنها الأشباح والطلاسم والأرواح الشريرة، اخفت عنا صوت العاشق (ابن الزايرة) إلى الأبد. الصوت المتمرد الوحيد الذي داهم بواباتها واحتفظ بسر الأسرار ولغز الألغاز حتى يومنا هذا…) ويؤكد السارد هذا التشتت والتبعثر في الكلمات والجمل)  كذلك لم اجن منه سوى بعثرة في ربط الجمل  وتنبؤات معادة عن اكتشاف قارة جديدة ..) وتنتهي القصة بنهاية غير مألوفة ليس لها علاقة بكل ما جاء من تفاصيل ( فالله ربنا ومحمد نبينا والإسلام ديننا ، وأنت على ما أقول شهيد …) وتنتهي القصة بدعاء ذي دلالة : يا عزرائيل ..احلفك ان ترد الىّ  دمي المهدور ، يا عزرا…
ليبدو هذا النداء  وكأنه يعمل على إعادة قراءة القصة بتأويل تفوهات السارد بالعلاقة مع الشواخص وابن العلوية المغيب  صاحب الدم المهدور !!
ويبدو السارد في قصتي علي السوداني (الفصل ما قبل الأخير من قصة ختان الولد الجميل) المنشورة في مجلة الأقلام وقصة ( ومضة دم ) المنشورة في كتاب الأمد عن المشهد الجديد في القصة العراقية ساردا متعاليا وساخرا لا يقيم لكلماته او جمله اي اعتبار بل يستطرد   وسط كلمات الجمل الطويلة التي يتفوه بها من دون ان تحمل أي قدر من الجدية بل هي عبارات غير مترابطة سواء بوصف المكان او تثبيت الحوارات المصاحبة لحركة السرد. وفي  القصتين تروى حادثة ختان ولد يوصف بأوصاف مضخمة يغلب على إحداثها الغرابة والتهويل وسط تعليقات السارد الذي يتستر وراء صيغ غير يقينية مثل صيغة ( قال وقيل ..)او صيغة ( وفي رواية أخرى) المناسبتين للقص الشفوي الذي يشتغل على كسر الإيهام في سرد الحكاية بالفصل الواضح بينها وبين الحياة الحقيقية وبمعنى أخر الاستفادة من سرد الحكاية العربية التي لا تعتمد المحاكاة الارسطية وانما تحبذ الخروج والتنبيه على ان ما يروى هو حكاية وليست حقيقة .كما ان الحكاية في هاتين القصتين مشظاة وموزعة بين شخصيات القصة التي يستعين بهم السارد لإكمال مسيرة السرد ) قيل إن الباحة مدورة رصفت على محيطها الخارجي أحدى عشرة غرفة وقيل _  وهذا مما شاع أخيرا _انها تحلزنت وماجت ثم ارتفعت إلى أعلى وسحبت وقطرت بقاياها على شكل مستحلب كثيف … (قصة الفصل ما قبل الاخير )
وفي قصة ( ومضة دم) :( وكما أخبرتكم من قبل فان ذلك محض رواية نقلها مختار المملكة بتصرف عن أبيه الذي كان قد اعتلى غارا في الأعالي حتى داهمه الطوفان مستلا أواخر أنفاسه نحو سفينة عظيمة قبطانها ببغاء ادرد …ص 72من المشهد الجديد .
ان تغريب المكان بهذه الصورة هو احد الأهداف الجمالية والدلالية في هذه القصة والقصص الباقية
اما بنية  الحكاية والخطاب في هاتين القصتين فهي  تميل الى زحزحة ماضي السرد في القصة العراقية القصيرة باتجاه إرساء تقاليد مفارقة أساسها بنية اللانظام سواء في السياقات السردية المفككة او تشظي الحكاية الى مجموعة من التفوهات التي لا تعطي أي معنى نسبة الى سجل القصة القصيرة في العراق.
وهذه القصص تستفيد من بعض الأنظمة السردية التي أسستها القصة الستينية المفارقة لقصة الخمسينات التي تنحى ساردها عن الآخر واعتنى بتأثيث خطابه الخاص الذي يتمحور على صرخات ألذات بوجه عالم كابوسي وفنتازي تحكمه قوانين الإفناء والتقويض مستفيدا من كشوفات مدرسة التحليل النفسي في مجال الأحلام واللاوعي والكبت
القصة في بداية التسعينات المتمثلة في هذه القصص تستفيد من السارد الذاتي ولكن بطريقة مفارقة  فالسارد هنا لا يسرد أحداثا مترابطة ولا حوارات مفهومة بل انه يميل الى التواري تحت سلطة الكلمات التي تتوالد وتنتشر على الصفحات دون روابط عدا علامات الترقيم ففي قصتي علي السوداني نلاحظ ان بنية العنوان  لا علاقة لها بالسرد الذي يؤسس لسياقات أخرى وحكايات مختلفة ففي بدايات كل فقرة يؤسس السارد مشهدا جديدا لا علاقة له بالمشهد السابق ومن امثلة ذلك :
–    عين لا تنام وأنفاس مسك وعنبر والغرفة تنبض وتصعد وتتعالى والولد مازال معتما على عريه بثقب كعملة الملك….
–    البياض سيد يتباهى ، يتبختر فوق الشراشف والستائر وحول الأفخاذ البضة والباحة هرج والغرفة تسمو ونحن لا نكف من طلب المزيد …..
–    زعيق متصل وفوضى من حروف وهمهمات قد تعني شيئا، والولد الخبيث ما زال ملتصقا بالباب …
ونلاحظ في هذه الفقرات ميلها الى التكرار في مواقع تخص الشخصية الرئيسية ( الولد..) او الغرفة  او الناس بتنويع مبالغ فيه سواء في الفعل او الوصف او الكلام ويجري نفس هذا النظام في قصة ( ومضة دم ) المنشورة في كتاب الامد .
ان كسر التسلسل الخطي للحكاية وتوزيعها على فقرات عديدة وكذا الحال في مكونات القصة الأخرى يعنى أساسا بإيهام ان ما يجري هو خارج نظام المألوف الواقعي بحيث تبدو الإحالة الى الواقع المعيش امرا صعبا مما يدخل هذه القصص في بلاغة التورية التي تشير الى البعيد وتقصد القريب وهناك أدلة نصية متفرقة في ثنايا السرد بل هي متنحية عن بؤر السرد الأساسية ولكنها تجبر المتلقي على التأمل فيها وقراءتها بشكل مختلف أساسه تقنية التورية ومن أمثلة ذلك ما جاء في قصة (منخفضات  كسرة وعطش ) للقاص إسماعيل عيسى :(كسرة)قاحلة  و(عطش)لا يروى ، ارض الله الغريبة متروكة للأحقاد والتدنيس واللصوصية ،بقاع يبحر فيها الهجير والزمهرير ، عراء موحش ينفتح على الفاقة وكآبتنا ….
وهذه العبارة تأتي في سياق مختلف عن السياقات الأخرى للعبارات فهي تمتثل الى جدية صارمة وتوكيد جازم اذا قورنت مع عبارات القصة الأخرى .
وفي قصتي علي السوداني نلاحظ انفلات عبارات محددة من هذا اللانظام لتستقر في مخيلة القاري وكأنها بؤرة العمل القصصي :
(زعيق متصل وفوضى من حروف وهمهمات قد تعني شيئا ، والولد الخبيث ما زال ملتصقا  بثقب المفتاح باعثا الينا اشارات عصية من يده السائبة     قصة الفصل ما قبل الاخير
وفي فقرة اخرى من القصة يتم استبدال الولد الخبيث بصفات تضفي عليه الجمال والحكمة :(لم يكن هذه المرة كما عهدناه من قبل فقد غطى عريه تماما ببياض يشده العين واعتمر كوفية سوداء ، وأطلق لحية لا تنبت الا على وجه نبي     )
وفي  قصة ( رماد ندى ) للقاصة اراده الجبوري تظهرعزلة السارد عن سياق حركة السرد وتموضعه في بؤر خافتة الإضاءة يدير من خلالها حركة السرد وينشيء مشاهد متجاورة لا ترتبط ببعضها سوى بحركة عين السارد .فهي مشاهد قصيرة تحكمها حركية الفعل المضارع المحكوم بوجهة النظر الذاتية (اقف ، اراقب، اتذكر ، اخرج ، استغرب ،…. ) الذي يشي بالاستمرار باتجاهات مكانية غير محكومة بالزمن المتغير مما يعني ان السارد يؤثث خطابا دائريا مكررا لن تطاله يد التغيير الا بشكل بطيء .
في بداية القصة تصطف المشاهد مرتبة ابتداء من موقف الباص وحتى نهاية الخط وبالشكل الذي يشير الى استمرارية هذه المشاهد :(اسرع الى منطقة الباص . أقف منتظرة تحيط بي وجوه مألوفة لا مبالية .(….) يصل الأصدقاء الصغار الثلاثة يناقشون دروسهم بصوت عال .يصل الرجل الهرم .(…)تصل ألام التي تمل طفلها لتبدأ من بعيد صورة فتاة شاحبة تحث الخطى  نحو منطقة الباص .ص6)
ان هامشية السارد وحرصه على الابتعاد عن العالم المحيط به تحكمه قناعة راسخة تفيد ( كان عليّ ان اخوض معركة التمسك بالانتظار لحمايتي من السقوط في مستنقع الانسجام مع الخارج ..) وبهذا المعنى تتوالد الأحاسيس بالغربة . وعندما تبدأ الحرب يتغير السياق المألوف الى حركة مختلفة اذ ينتقل السرد من رصد المشاهد الفردية ( الفتاة ، المرأة الحامل ، الرجل الكهل …) الى مشاهد الجموع وهي تتحرك وتتزاحم وتتغير سحناتها بفعل الحرب :التغير في اللون : الطيور البيضاء أصبحت سوداء بفعل ( الدخان المتصاعد والغيوم السوداء والانفجارات  ص9) وصافرة الانذار حلت محل الضحكات  وتغيرت المواعيد المنتظمة للباص ( يأتي مثل الموت بلا موعد..ص9) وتلخص الساردة الحضور اليومي للمشهد الجمعي عبر مشاهد مختصرة بجمل سردية مضغوطة وبتقطيع شامل لهذه المشاهد: حملت انتظار الذين رحلوا ..الطيور ..النهر..وجوه من قاع ألمدينه تدور بحثا عن الطعام ،جسر الشهداء بعزلته وفوانيسه الملبدة بالسخام …..اناس رحلوا من دون ان يتركوا ما يدل عليهم ص11
ان هذا البناء الذي يعتمد الجملة او العبارة القصيرة هو تداعيات نفس تعمل على ايجاد توازن نفسي في ظروف افقدتها كل ما يمت الى انسانيتها : ضياعها الكبير وسط شواهد باهتة لا حياة فيها تجردها من إنسانيتها وتحيطها بالوحدة والضياع ويبدو ذلك جليا في ذلك الاستبدال الدال على الضياع حين تمحو شخصيتها وتتماهى مع البديل الذي يمثل في هذه القصص شاهدا مأساويا لخراب الذات وتشظي حياتها ويتضح ذلك  بتكرار مشهد الباص ولكن باحلال الشبيه بديلا عن السارد/ الشخصية ( يصعد الجميع . تتخذ الفتاة المتشحة بالسواد مكاني عند النافذة أقف عند الرصيف . ارى اناملها تمسح ضبابا اسود ..)وهو نفس المشهد في الصفحة السابعة يتغيير لون الضباب الذي اصبح اسود الان منسجما مع ثوب الحداد الذي ترتديه الفتاة .
وفي قصة القاص لؤي حمزة عباس (الصعود) يظهر السارد وسط حشد من الناس  عبر كثافة لغوية وصفية للمكان (انسحبت خطوتين إلى الوراء ريثما مر زحام الأجساد ، المتلاحمة عبر البوابة الخشبية …) ويبدو السارد مغمورا في حركة الحشد وتفاصيلها ويتأكد ذلك بتصريحه :(كنت أتكور في زاوية المصلى )  ثم تضيع ملامحه وسط هذا الحشد غير المتجانس فينيب السارد الموضوعي (عين الكاميرا) بديلا عنه، في وصف ملامح المكان: باحة مسجد، قبة، مئذنة…
وإشكالية السارد في هذه القصة تتمحور على الانتقالات المتلاحقة بين السرد الذاتي بضمير الانا والسرد بعين الكاميرا وهذا التبادل المكاني بين الحضور المشخص للسارد الذاتي ( كسارد وشخصية في آن)  وبين السارد المشخص بعين الكاميرا ينهض بوظائف متنوعة ، فالسارد الأول يستبطن الذات داخل اطار حشد غير متجانس ( كان الليل  يهبط رطبا في باحة المسجد واسعا لا قرار له ، انسدت مساربه خلف زحام  القادمين ) هذا الوجود محكوم بالتوجس والريبة ، ويظهر ذلك جليا في الوصف الدقيق الذي  يشير إلى شرخ في حركة السرد نسبة الى منظور السارد الذاتي المشغول بالالتفات نحو ذاته ليجد خلاصا ما من حركة هذا الحشد المعادي وبين حركة عين الكاميرا وهي ُتظهِر المشاهد متجانسة ومتصلة  إلا إن المؤلف يعالج ذلك باستثمار الصفة المغايرة لتجسد الأشياء الجامدة وإلصاقها بحركة الأشياء وظهورها المشخص سواء في فضاء الحشد أو في رحلة الصعود داخل المئذنة، فالتجسيد الصوري يقترن بصفات واستعارات ومجازات تسير بالسارد الذاتي لإنشاء علاقة ربط بينها… من أمثلة ذلك:
ـ ثلاثة أعمدة رخامية انتصبت حتى تخوم الذاكرة.
ـ انه يفتح فجوة في سماء الليل
ـ كان المكان بانغلاقه المعتم يختزل الأشياء… وجوه بملامح يمكن للمرء تمييزها بعمائم غائمة الألوان أو بشعور مجعدة وبأفواه مفتوحة.
ونلاحظ إن إدامة هذا التناوب في حركة السرد وانتقالاته يعمل على إخفاء جو من الترقب والخوف، من خلال عين تراقب بحذر وترى الأشياء بشكل مقرب وكأنها بذلك تحفظ ذاتها من أي خرق أو هجوم مباغت ـ وعندما يتضح المشهد/ الكتلة ـ ينحسر دور عين الكاميرا ليواصل السارد الذاتي السرد باتجاه ظهور الشبيه
(وأنا أتلاشى أمام وجهه الهابط من عتمة المئذنة… كان شبيها بوجهي، بل لم يكن بين وجهينا شيء من الاختلاف…)
وحين يشخص الشبيه يظهر العطب واضحا (بسهولة لاحظت لحم السبابة المقطوعة وقد التئم جرحها بلا عناية (…) …
أما السبب في ذلك: (كان القصف عجولا آخر الحرب… فلم يأخذ غير نصف سبابة يدي اليمنى…)
ونلاحظ ان العيب الذي أصاب السبابة يلخص عيبا في قدرة ألذات  على التشخيص الدقيق باعتبار ان من وظائف السبابة التأشير على الاتجاه الصحيح .
وفي معظم المشاهد تتحكم العتمة والتوجس الذي تكشف عنه بعض الصور والانثيالات منها :هوة من وحدة قاسية ، سيقان دبقة بحراشف، لوامس لا حد لها لزواحف بلا عيون ،عيون جاحظة متحجرة.
وفي هذا الجو الغامض والمشاكس يتحرك السارد ويصف ما يشاهده بتفصيل وانتباه ، بعيينين مفتوحتين وعقل يقظ من اجل دفع الأذى المرتقب : كانت رغبتي لا تحد في الصعود ،لكن الريح أصبحت أكثر قوة مما عليه خارج المئذنة ،كأنما قد ازيلت من أمامها الجدران.
وعلى الرغم من هذا الحذر والتوجس فأن نصف  سبابة اليد اليمنى قد اقتطعها القصف او ان هذا الحذر والخوف قد كان نتيجة لهذا الحدث المخيف .
لقد ولدت هذه القصص بعد صدور سلسلة طويلة ومملة من القصص التعبوية التي امتلأت ببطولات زائفة عن عراقيين يخوضون الحرب وكأنهم آلهة لا ينكسرون ولا يتعبون، فجاءت هذه القصص على وفق سياقات وأنساق مغايرة بشكل جذري أهمها بنية اللانظام التي استحوذت على سياقات معظم هذه القصص والقصص المشابهة لها لهؤلاء القصاصين او لغيرهم .
وتكشف بنية اللانظام تمردا معلنا على الأنظمة الصارمة التي رسختها  الحكومات المستبدة خصوصا ايام الحروب الشرسة التي عاش الاديب تحت اثقالها .كما انها تؤسس لأبنية في الكتابة القصصية تستثمر التورية التي تخاطب مرويا له يفهم هذه التوريات ويتعاطف معها . وبمعنى آخر فان هذه السرود القصيرة تدخل ضمن الاحتجاج السياسي على الأوضاع اللانسانية المفروضة على العراقيين أيام  العهد الدكتاتوري البغيض فهي تمثل صرخة احتجاج  على هذا الجانب أساسا ولكنها في سعيها لتسجيل موقف ضد الحرب وضد التسلط وإرهاب اجهزة الدولة ، فأنها تؤسس مثالها الجمالي الذي يغتني من بلاغة التورية وبقية المجازات التي تضفي على سياقات هذه السرود غموضا شفيفا يستدعي قراءات متعددة ومتنوعة لأبنيتها التي انفتحت على تجريبية جادة تنتمي الى الواقع ألتأريخي الذي أنتجها ثم تتمرد عليه بانفتاحها ألتأويلي والجمالي باتجاه مستقبل قادم .

————————————–
(1)_ يقول القاص مهدي عيسى الصقر في ( وجع الكتابة ) :كنت مثل اغلب أبناء جيلي انهج طريق الواقعية الانتقادية ، واكتب أعمالا تفضح المعالم وتدينها ، كنا نوجه  سهام كلماتنا الجارحة          ، في ثنايا ما نكتب ، نحو عدو واحد ، هو السلطة ، التي كنا نراها جدارا يغلق الطريق ، نحو الحياة ، التي كنا نحلم بها ، للناس من حولنا .وما كان الظرف الاجتماعي                                                     ولا السياسي ، يأذن للكاتب ان يتيه،في تهويمات ذاتية لا تعني احدا او ينشغل بتجارب في الصياغة وقضايا الشكل …(ص34_ 35)
(2) انظر دراستنا المنشورة في مجلة نزوى العدد العشرون –أكتوبر 1999 والمعنونة ( بناء مدينة الرؤيا في القصة العراقية القصيرة )

شاهد أيضاً

جنوننا الجمعي
فلاح حكمت*

• في أعماق الجنس البشري توق راسخ للتواصل • الطبيعة البشرية تقوم على التعاون لاالتنافس …

عبد الرضا حمد جاسم: راي في التخلف (5)

ملاحظة: اعتذر عن الاضطرار لتضمين الموضوع بعض العبارات باللهجة العامية العراقية المموسقة استدعاها الحوار بين …

من أقوال “شارلي شابلن”

لا بدّ للمرء أن يكون واثقاً من نفسه .. هذا هو السّر .. حتى عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *