د. حسين سرمك حسن : أحلام الربيع النازفة ؛ تحليل رواية “أحلام نازفة” للروائية هيفاء بيطار(2)

hussein 5# ملاحظة : هذه حلقات من كتاب للكاتب عنوانه “هيفاء بيطار وجماليات السرد الضاري” سيصدر عن دار تموز بدمشق الأسبوع المقبل .

# جميل :
———
( حديثه الملهوف عن جميل يثشعره كما لو أنه مجرم يحوم حول مكان جريمته )

… وكانت سعاد تعتقد أنّ مرض ابنها “جميل” هو من تخبّطات مرحلة المراهقة وما يصاحبها من انفعالات سريعة وتذبذبات وتناقضات سلوكية وفورات عاطفية هائجة . لم تكن لديها معرفة بشيء اسمه “مرض نفسي” يتوسّط المسافة بين العقلاء والمجانين . كانت ترى أن ابنها – كما أخبرتنا في القسم السابق – كان محطّماً بالحقد على الأغنياء ، ولم تكن تفهم سبب حسده الطاغي والذي يسمم روحه على أصحاب الثروات (ص 26 و27) . وكان يُجنً جنونه ويفقد السيطرة على زمام عقله وسلوكه عندما تجيبه أمّه بتبريرها المحكوم بنزوعها القدري : يا حبيبي ، دوماً الحياة فيها الغني وفيها الفقير ، فينفلت في نوبة غضب عنيفة ومدمّرة يكسّر فيها الصحون ، ويمزّق كتبه ، ويشتمها بأقذع الشتائم . تعقب نوبة الغضب المرعبة هذه نوبة خمود وعزلة ونوم يهمد خلالها في غرفته لعدة أيام ليخرج على عائلته الصغيرة وهو يبكي ندماً وألماً . وحتى هو نفسه كان يعتقد أنه ضحية مراهقة صعبة ، وليس مصاباً باضطراب نفسي شديد يتطلب المتابعة الطبية المستمرة والتدبير العلاجي المركّز .
haifa bitar 2لقد كان جميل مدلّلاً من قبل أبيه ، يتباهى بهدايا أبيه الفخمة التي يجلبها له بعد كل رحلة إلى  بيروت . وقد انقلبت حياته من الترف إلى الحرمان بعد وفاة أبيه وهو في السنة التاسعة من عمره . لقد زلزله موت والده ونسف جذور الأمان في حياته (ص 45) ، كما سبّب له معاناة مضافة أخرى تتمثل في دخول أمّه الحياة العملية خارج البيت بعد أن كانت معزّزة مكرّمة في بيتها . وإذا كان الموت قد غيّب والده إلى الأبد ، فإن العمل المهلك وضغوط الحياة الماحقة قد “غيّبت” أمّه عملياً من الصباح حتى المساء كل يوم . لقد فقد سنديه النفسيين اللذين يتمتع بهما أقرانه في مرحلة نموه الحرجة هذه والتي صار شعارها : الحرمان . هذا الحرمان بات يشعل أواره الآن سياقان : واحد اجتماعي محلّي يمجّد نقيضه ويسير وفق قاعدة من لا يملك قرشاً لا يساوي قرشاً ، وحيث الحياة فرصة – بل ومضة فرص – يجب على الفرد انتهازها بكل الطرق مهما كان طابعها اللاأخلاقي ، والآخر عالمي كوني يشغّل عجلة كونية هادرة كل لحظة من أجل نشر مباديء دين جديد هو دين السوق ، وإله رهيب لا يرحم هو إله المال على الجميع الركوع له والتسبيح بحمده .
كان هذا الفتى المسكين المحاصر بمظاهر الحرمان في بيته الأجرد المتعفن الفقير “يمتلك” فردوساً مرعباً صغيراً لم يشهده الكون من قبل وينافس بعمليّته حتى فردوس الله الذي لم يرجع أحد منه ويخبرنا عن طبيعته ووجوده وسرره المتقابلة ، هذا الفردوس هو : التلفاز ، الذي يقدّم له في كل لحظة صور الحياة الإستعراضية الجذّابة ، والسلع المغوية ، ومظاهر الثراء الفاحش ، وسلوكيات النجوم المتخمة المنفلتة من كل ضابط ، متلاحقة لاهثة لا تتيح له فرصة لالتقاط أنفاسه ، محمّلة بكل عناصر “الصورة” المغوية . وعيه الصغير الذي تشكّل عبر “الكلمة” يرزح الآن تحت مطارق حضارة “صورة” طوفانية خانقة تخلخل مواضع أقدامه ، وتمزّق كل بنى الثوابت التي تربّى عليها . إن “الكلمة” التبريرية لكن العملية الدقيقة التي تصف بها أمّه سعاد له طبيعة الحياة الجائرة لا تصمد أبداً أمام “الصورة” الفعلية لعالم فيه كل المغريات والشهوات . ولكنه بعيد المنال عنه . وهذا من المآزق الكبرى التي تخلقها الفضائيات الراهنة وماكنة الدعاية والإعلان الغربية الرهيبة . إنها ماكنة تقوم على أساس “بيع الأحلام” لشباب مكبوت ومقموع . أحلام تُباع إليه “مجاناً” كل لحظة مع كل خبر وكل صورة وكل إعلان . وعلى هذا الشاب أن “يشتري” هذه الأحلام كل لحظة . أحلام مشكلته معها أنه لا يمتلك أي إمكانية للحصول عليها في واقعه ، وعليه أن يعيش معها طافياً على سحب المخيلة ، ويصبح أي محفّز واقعي للتذكير واليقظة مصدر صراع داخلي عنفي شديد أو خيبة مُمرضة عاصفة .
إن جميل أنموذج لجيل ، بل لعالم كامل ، يُحاصر ، ويُعذّب ، بتجارة بيع الأحلام (يكفينا القول أن تجارة الإعلان كلّفت 1000 مليار دولار سنويا kh haifa 3هذه السنة !!) . والظاهرة الفظيعة التي ترعبه هو أنها تجارة تتم بطريقة “الإغراق الإدراكي” . تتكرّر الدعاية مرّات ومرّات ، بنفس السياق ، أو بسياقات مختلفة . والثاني أفضل وأكثر تأثيراً . حتى أنها لتحاصر المشاهد بدون أن يدري . ذلك أن الإعلان المكثّف أو المشغول والذي ينفذ مباشرة إلى الذهن مفلتاً من التحليل والنقد ، ومتوسّلاً الإنفعال والتأثّر يؤدي إلى تكوين شبكات عصبية في الدماغ خاصة به . هذه الشبكات ، كما هو شأن كلّ استيعاب وكلّ تعلّم ، تصبح قنوات جاهزة تمرّ فيها المثيرات عندما يتعلق الأمر بإشباع حاجة ما . شبكة البيبسي هي التي تنشط حين إحساس الشباب بالعطش . وهكذا يميل المستهلك عفوياً إلى التوجّه لشراء السلعة التي حدث إغراق لأحاسيسه بها . وهو ما يُعرف في علم نفس الإدراك باسم مبدأ “صدارة الإنطباع” . فكل مثير جديد ينتمي إلى موضوع ما ، يحرّك الإنطباع الذي أصبح مشبكاً عصبياً . وهكذا يُربط إشباع الحاجة عفويّاً بما تمّ الترويج له . ولقد تم التحقق من ذلك تجريبياً . إلّا أن الإعلان يذهب أبعد من ذلك حيث يثير أكثرالهوامات المتعلقة بالرغبات واللذائذ ، والحاجة إلى صورة ذات متميزة . وبالتالي فهو يكاد يحدّد لنا هويتنا في مجال معين : أنتَ مهم بالطبع لأنك تستهلك سلعة كذا . ومنها أبعد من ذلك ، إذا أردتَ أن تكون مهماً فعليك بسلعة كذا كي تدخل فئة المميزين أو المحظيين . وتذهب الإثارة اللاواعية التي تفلت من التحليل والنقد ، أبعد من هذا كي تطرح التحدّي : هل يُعقل أو هل يجوز أن لا تكون مهماً ؟ فأنت لم تستهلك هذه السلعة بعد ! فمن يقاوم ؟ إنها القلة غير الراغبة ، أو الكثرة غير القادرة . على أن هذه الأخيرة ستعاني بشكل دفين من مرارة الإحباط وعسر الحال . وهو ما قد يفتح الباب أمام الغواية والإغراء ، بالمرور إلى الفعل بكل السبل ، حتى غير المشروعة منها) (3) .
وجميل يحاصر بهذا الجهاز المحصور في زاوية الغرفة . يقولون إن العالم صار “قرية صغيرة” ، وهذا تعبير ناقص وغير دقيق من وجهة نظري . العالم صار “غرفة صغيرة” ، وهنا مكمن خطورة كبرى حيث يجري تغيير الهوية ، وبناء المشبكات العصبية في الدماغ ، والإطاحة بالأولويات ، وإزاحة قداسة الكلمة ، بتغيّرات الصورة اللعوب في الغرفة .. بل في زاوية الغرفة . والفضائيات لا تبيع الأحلام فقط بل تخلق “الحاجة” لها ايضاً . وهذا أكثر خطورة ايضاً حتى ليشعر الفتى المراهق بأن “شيطاناً” يتلبسه ويوسوس له ليلاحق صوراً تتعبه ، وتحرق أعصابه ، وتُضني روحه الصغيرة :
(وكما لو أن شيطاناً يتقمّصه ويجبره أن يعذب نفسه ، ويأمره أن يتابع البرامج التي تصور عالم الثراء ، المنتجعات الفخمة التي لا يقصدها إلّا اصحاب الملايين من مشاهير نجوم السينما والأثرياء . يكابد آلاماً تذلّه وتحقّره وهو يتفرج على مظاهر الثراء الفاحش ، يتمنى لو يمتلك العزيمة لتغيير المحطة أو للهروب من الشاشة ، لكن قوة ما من خارجه أو ربما من أعماقه تجبره أن يتابع هذا السحر ، أجل إنه مسحور بتلك المناظر الخلّابة ، الأثاث البديع ، اللوحات الساحرة ، وبرك السباحة الواسعة ، والحمامات المُترفة ، والطعام اللذيذ الغريب ، الأشبه بلوحات ساحرة الأشكال والألوان ، المنتجعات والقصور الرائعة اتي تطل على مناظر طبيعية خلابة . يشعر جميل أن الكون كلّه مسخّر لخدمة هؤلاء الأثرياء ، يفكر أنهم بشر مثله ، لكنهم أثرياء وهو فقير ، من أراد أن يكون هؤلاء أثرياء وهو فقير ؟ من أراد أن ينعم هؤلاء بكل هذا الترف ، بينما يتفرّج على نفسه وحيداً في بيت بائس ؛ كل قطعة أثاث فيه تجاهد لتبقى صامدة ، لا تنهار من القهر ، هو نفسه يحصّن نفسه باللامبالاة كي لا ينهار ، ولولا لا مبالاته لاحترقت روحه من القهر والغيظ . لماذا هناك غني وفقير ؟! يتذكّر كلام أمّه الذ يجعله يفقد صوابه : الحياة طول عمرها فيها الغني وفيها الفقير – ص 47) .
وكان أغلبنا يعتقد أنّ ما تفعله ماكنة الدعاية الهائلة هو تغيّرات “نفسيّة” تتعلق بأفكار وسلوكيات الفرد ، في حين أنها تسبّب تحولات عضوية في الروابط العصبية للدماغ مثل التي تسببها حالة الإدمان على المخدّرات التي تجتاح الشخص الذي ينقطع عنها تغيّرات فزيولوجية وعضوية شديدة الألم والتاثير تجعل وظائف جسمه لا تستقيم إلا بالحصول على المادة الكيميائية المفقودة . وهذا ما كان يعاني منه جميل المسكين الذي صار يتشهّى حصرياً السلع التي يتفنن التلفاز بعرضها بصورة مجنونة ، ويقف مطوّلاً عند واجهات المحلّات يتأمل بنظرات نهمة البضائع المعروضة من ملابس وأحذية وموبايلات . لقد اختُزل وجوده بعد وفاة والده إلى مستوى البطن ، وهذا هو لبّ فلسفة حركة العولمة الماحقة : تحويل مفوم الفرد من “المواطن” إلى “المستهلك” . المواطن يمتلك ملامح ثقافية وخصائص دينية واجتماعية تخلق حواجز بوجه عالم بلا حدود تتحرّك فيه السلعة ، اما المستهلك فهو بلا ملامح ، آلة بشرية يُحسب ما يدخل فيها من ملبوسات ومشروبات وما يخرج منها . دين السوق بحاجة إلى مريدين بلا ملامح .. بلا هويّات والأهم يمكن “حسابهم” . الهويّة عدوّة العولمة .. الهويّة عدوّة دين السوق .. ولهذا تُشن حرب لا هوادة فيها على الهوية سلاحها الأول السرعة في عرض الصورة المحمّلة بالفكرة والمعلومة وطيّها بأسرع وقت لإلغاء “الديمومة” كما يقول الأستاذ “فردريك جيمسون” الذي يَعتبر أحد ابرز سمات الإعلام الراهن المرتبط بالشركات متعددة القوميات هي “اختفاء التاريخ” وبالتالي غياب الهوية . فالنظام الإجتماعي بأكمله بدأ يفقد شيئا فشيئا قدرته على الإحتفاظ بماضيه هو ذاته ! إنه يعيش في حاضر أبدي . الماضي القريب يصبح تاريخاً بعيداً ، مما يطمس المرجعيات الإجتماعية ، وكأن وسائل الإعلام لا تقوم سوى بقتل الأخبار ! أهم القضايا الإنسانية سرعان ما تصبح قديمة ويطويها تلاحق الأحداث . هكذا يعيش المشاهد ، نظراً لتسارع الأحداث ، في حاضر أبدي ، وفقدان للتاريخ حيث يصبح البحث عن الإثارة والسبق إليها أهم من الإعلام عن القضايا المحلية أو العالمية وأبعادها . الواقع يُقطّع – ومعه إدراك المشاهد وتفكيره – ويتحوّل إلى مقتطفات مبتسرة منه . ذلك ما دعا جيمسون إلى القول بأن “ثمة ما يغري بالقول إن وظيفة وسائل الإخبار بالذات ، ليست سوى دفع الوقائع الحاضرة في الماضي بأسرع وقت ممكن . تتغير نقاط التركيز على الموضوعات من مكان إلى آخر في العالم ، مما يجعل القضايا الكبرى تتقادم بسرعة غير مسبوقة . إننا “بصدد وكلاء آليات فقدان الذاكرة الذي أصابنا بالذات” كما يؤكد . وهكذا يعيش المشاهد في الآنية والراهنية واهتمامات اللحظة التي تدفع ما قبلها كي يدفعها ما بعدها .
لا نكاد في نشرات الأخبار (من مثل حال CNN) نصل إلى نهاية النشرة ، إلا ويكون قد طُوي أولها . لا وقت للتفكير ، والتحليل ، والتبصّر ، والإستيعاب ، وبالتالي اتخاذ المواقف . انطباعات تتراكم بدون وقت كاف للشغل عليها . بعد إثارة الاحداث ، والمآسي ، والكوارث ، والمجازر ، والحروب ، في لقطات مؤثرة ، إنما مسلوخة عن سياقها وخلفياتها وأبعادها ومآلها ، تأتي الإعلانات الجميلة التي تدغدغ الأحلام ، وتخدر المشاعر ، وتثير المخيلة عن سلاسل الفنادق الضخمة وما يحيط بها من روائع الطبيعة ، ومسرات الحياة ، في عملية دعائية لهذه المحطة ذاتها . ثم تُطوى الصفحة في جولة عن حالة الطقس في الكون خلال دقيقتين . ثم تأتي أخبار المال والأعمال وسوق الأسهم والأوراق المالية ومعدلاتها صعوداً وهبوطاً ، وصور التزاحم والهياج في قاعات البورصة ، ورقائق الأوراق النقدية تخرج من المطابع أو تعدّها الآلات ، وينتهي العرض بأخبار النجومية الرياضية ثم الإعلانات الجميلة . ويتلوه لقاءات وحوارات مكثفة تشبه التراشق الناري (وهي تُسمّى كذلك في CNN) . كل شيء يُطوى ويتقادم في لحظة ، والشاشة في عجلة من أمرها . وليس هناك من مجال لتريّثٍ أو تأمّل .
وإذا نُسفت الديمومة بهذا الشكل ، وتسارع الزمان حتى يصبح مجرد تراكم لحظات ولقطات متدافعة لا تقدم من القضايا إلّا مظهرها ، فإن التاريخ بحد ذاته هو الذي يُنسف معها . وإذا تفتّت التاريخ تعذّر التموضع في الزمان ، وبالتالي تهددت الهوية من خلال العيش في الراهنية الدائمة . هل هي سمة العصر ، أم أن الأمر ينتهي بتغييب الثوابت ، كي تحل محلها مرجعية كونية غير منغرسة لا في الزمان ولا في المكان ؟ سؤالٌ مباحٌ طرحُه إلا أن الأكيد الذي يخرج به المشاهد هو دفعه كي يعيش في حاضر مكثّف ومشحون سرعان ما يصبح ماضياً . صحيح أنه يعيش حالة من الزخم ، ولكنه يبدو كمن يسافر في قطار فائق السرعة ، لا يكوّن عن المشهد الخارجي سوى انطباعات عامّة جداً (4) .
وقد يعتقد السيّد القاريء بأننا قد انحدرنا في منزلق تحليلي بعيد عن جميل ووقائع الرواية . ولكن هذا الشعور بالضبط هو ما تراهن عليه الحداثة الغربية وما بعدها لإلغاء واحد من أعظم أدوار الأدب والمتمثل في التمسك بآلام الإنسان المسحوق والمقهور في كل مكان ، والإخلاص لمعاناته ، والوقوف ضد القمع والطغيان الذي يسلب إنسانيته ويمسخ وجوده . وهذا ما يُحسب لهذه الروائية العربية التي تُراهن في كل أعمالها على هذا الدور العظيم والمشرّف للأدب الذي صار ينزوي أكثر وأكثر لصالح لعبة الجنس والشذوذ والوثائق والرموز والحبكات البوليسية التوراتية كما يحصل لدى دان براون مثلاً . أدخل على موقع (Goodreads) مثلا وهو من أضخم وأهم مواقع الكتاب في العالم ، ولاحظ إصداراته ، ستجد أن 99% منها ، وبلا مبالغة ، لا صلة لها بأي هم من الهموم التي تتحدث عنها هيفاء بيطار . وقد “فهم” بعض الروائيين العرب للأسف ما مطلوب منهم ليحققوا الإنتشار ويفوزوا بالجوائز المغرية : الكتابة عن المسكوت عنه الجنسي والطائفي ، وشتم الدين ، وتعرية الذات بلا رحمة . وكأن المطلوب من الأدب هو أن يساهم في هذه العملية الكونية التي تهدف إلى التسطيح ومسخ الهوية وإلغاء الديمومة على متصل الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل ، لصالح الحاضر الأبدي المقطّع اللاهث ؛ كأن واجب الأديب هو أن يساهم بقوّة في “غسل دماغ” قرّائه ، ودفعهم إلى الإيمان بالدين الجديد ، وإلهه الأخضر العابر للحدود والهويات والأكوان . ولهذا فإن ما تشير إليه الروائية عن مشاعر جميل الممزقة – بعد كل مرّة يتعرض فيها لهجمة الفضائيات – يحتل أهمية كبرى ودالّة :
(يشعر جميل بعد انتهاء هذه البرامج التلفزيونية التي تصوّر عالم الأثرياء أنّ وجوده معوّق ، وأنه فقد إحساسه بذاته ، وأنّه يطفو في هذا العالم ، كما يطفو رواد الفضاء على سطح القمر ، برامج تشعره بانعدام الجاذبية الأرضية ، وانعدام قيمته ، وتشعره بتفاهة الحياة وسخفها ولا جدواها ، ويعذّبه عقله بالمقارنات ، الحمّام الفسيح الباذخ الذي يستحم به هؤلاء ، وحوض الإستحمام الضيق الأشبه بمربّع مكسّر الزوايا ، الذي يقف داخله ليستحم ، وينزل الماء رفيعاً فوق جسده ، ورائحة الرطوبة والعفن تغزو أنفه ، وأمّه لا تملك المال لإصلاح التمديدات الصحّية التي اهترأتْ مع الزمن – ص 48) .
والمشكلة المضاعفة التي يواجهها جميل هو أنه في مرحلة مراهقته ، وهذه المرحلة تتميّز أصلاً بالتغيّرات العاصفة الهرمونية والجسدية والنفسية ، والأهم هو اختلالات الشعور بالهوية ومحاولة تحديدها .. مرحلة غليان تهتز فيها الثوابت وتتصارع القيم وتتضارب الأفكار . فالمراهق لا يستقر على فكرة ولا على رأي ولا على حال . ما “يؤمن” به اليوم ينبذه غداً بلا أسف . إنّها مرحلة “أزمة” بكل ما في الكلمة من معنى حيث تصعق المراهق تغيّرات جسمه الجديدة ، وتضنيه محاولات إشباعها واللحاق بها ، وخصوصاً التحوّلات الجنسية : تضخّم القضيب وبدء عمليّة القذف .. والوقوع في براثن العادة السرّية الطبيعية والمُبرّرة ، ولكن المُربكة – حدّ الإمراض – حين تُصبح وسيلة دفاعية رئيسية في وجه الضغوط كلّما واجه المراهق إثارة بسيطة أو توتراً عابراً او صراعاً مستتراً (وهل نتردّد الآن في الحديث عن تأسيس الروابط الدماغية الإدمانية فيما يتعلق بالعادة السرّية ؟؟) :
(حوّله سنّ البلوغ إلى مدمن للعادة السرّية ، وإذا كانت هذه الممارسة تعطيه اللذة في البداية ، فإنها مع الوقت صارت تخيفه لأنه يشعر أنه عبد لها ، وغير قادر على التحرّر منها . يشعر أنه واقعٌ في فخ جسده المحتفي بالبلوغ  بطريقة مبالغ بها ، وهذا العضو المخيف بين فخذيه يتحكّم به ، ويأمره أن ينصاع لرغباته .. صار يخاف من عضوه الهائج القوي – ص 48 و49 ) .
ولعلّ أخطر ما يترتب على هذا الخضوع للعادة السرية ، هو الشعور بالذنب والقرف من الذات التي كلما عاهدته على أن تمتنع عن هذه العادة وتتوقف عادت إليها سريعاً . وعلى الإحساس بالإثم المتصاعد تترتب رغبة مجهدة في التكفير (لاحظ تحوّلات الإيمان وتقلّباته لدى اي مراهق) الذي حين يُحبط ولا يجد منفذاً يتحوّل إلى نقيضه ، إصرار ملح وإيغال في الممارسة المدانة يتبعه شعور بالخزي .. وهكذا ينغلق محيط حلقة مفرغة جحيمية على وجود المراهق الصغير الذي – وهذه مشكلة أخرى – تسبق تحوّلات جسمه نضج أدواته العقلية بأشواط ، ولهذا لم تكن لدى جميل القدرة على وصف ما يعاني منه ، وما يحصل من تيارات متضاربة في داخله ، فكان يحتزل حالته بعبارة (عقلي يؤلمني) (ص 50) . ففي “رأسه” يدور الصراع .. وهناك “فوق” يتربّع الشيطان الذي يُصدر القرارات المعاكسة التي تلغي نواياه في الإقلاع عن العادة المذمومة المحببة ، وتلجم إرادته ، ولهذا صار عليه أن يجد سبيلاً لتهدئة الصراع الذي يدور في “رأسه” .. فوق .. في عقله ، وإلّا فإن هذه الدوامة كفيلة بأن توصله إلى الجنون . والخوف من فقدان العقل والإصابة بالجنون كثيرا ما تنسرب في أحاديث المراهق وكتاباته ورسوماته . وقد شاهد أمّه التي تعود مُرهقة مُحطمة من جولة عملها كل يوم ، لتغرق في عمل البيت ، وتحصل لديها حالة متناقضة تتمثل في أن الإرهاق الفائض يصبح سببا رئيسيا للأرق وانعدام النوم ، وليس للسقوط في أحضانه بفعل التعب وفقدان القوى الخائرة . كانت تعالج نفسها بعقار منوّم أشارت به عليها جارتها “روضة” ، وهو “اللكزوتان – lexotan” ، وهو مضاد للقلق يتحوّل إلى منوّم عند زيادة الجرعة ، والذي كان مفعوله سحريّاً في حالتها حتى أنها سمّته “العشيق السرّي” (ص 34) . وقد سرق جميل الدواء من أمّه ، وجرّبه ، وشعر كيف همد جسده واسترخى ، وغرق في نوم عميق ، والأهم أنّ عضوه استكان وتخدّر (وبالمناسبة فإن من مضاعفات اللكزوتان هو تقليل الرغبة الجنسية) . لكن من شرور اللكزوتان في حالة الإستعمال المستمر ، ومن دون إشراف طبيب نفسي ، هو “الإدمان” والتعوّد ، وهذا ما وقع فيه جميل :
(حوّله الإدمان على اللكزوتان إلى كائن من فصيلة الرخويّات . لكن دواء الرحمة يلطّف أوجاع عقله وروحه ، لا يُشفيها بل يلطّفها ، دواء الرحمة يجعل عقله بطيئاً ، قليل الإستجابة ، ويجعل مشاعره تتبلّد ، هذا ما يحتاجه تماماً في عالم يعذّبه بفنون الإغواء التي لا يستطيع الحصول عليها . وحده اللكزوتان يحمي روحه من اذى الترف وطغيان بريق المال – ص 50) .
صار اللكزوتان صديقاً وحامياً ، وهذا أخطر العوامل الموصلة إلى الإدمان الشديد . فبعد أن مات والده ، صار جميل عارياً بوجه المتغيّرات المتلاطمة التي تدك وجوده الصغير وروحه الهشّة من الخارج والداخل . وفي مرحلة المراهقة يكون المراهق أحوج إلى حضور “الأنموذج الأبوي” من اية مرحلة أخرى ؛ الأنموذج الأبوي الحامي ممثلاً ليس في الأب حسب بل في كل الجهات المرجعية والرمزية للسلطة الأبوية وفي مقدمتها : المعلم . لكن حتى هذا النموذج الرائع مسخه النظام الإجتماعي ، وضغوط الحياة ، ونخرته ديدان الفساد :
(.. حتى المدرسة لا يطيقها ، ويكره أساتذته فمعظمهم ضعيفو الأخلاق ، كلّ غايتهم اصطياد طلّاب من أجل الدروس الخصوصية ، وفقدت المدارس قيمتها واحترامها ، وحلّت المعاهد الخاصة مكانها ، صفوف الشهادة الثانوية فارغة ، الطلاب في المعاهد يقدمون تقارير طبية زائفة لإدارة المدرسة المتواطئة معهم – ص 51) .
ومن الواضح أن توسيع النظرة النقدية الأخيرة الموجّهة إلى المؤسسة التعليمية بهذه الصورة يشي بحضور الكاتبة الشخصي ، وهذا يحصل كثيراً بفعل الرؤية المسبقة من جانب ، وبتاثير “الزخم” أو لنسمّه : “قوّة التعجيل السردي” ، الذي يشحن الكاتب بطاقة مضافة تجعله يتقدم حضور شخوصه ويقودهم وأحياناً يلهثون خلفه .

متوازيات :
وأنت تتابع تفاصيل الصورتين اللتين رسمتهما الكاتبة في القسمين السابقين (الثاني والثالث) : سعاد وجميل , تشعر بأنك تسير في مسار موازٍ لمسار القسم الأول الذي صوّرت فيه حال أبي سليم وابنه سليم . فسعاد هي صورة موازية في الحياة لأبي سليم . هما حجران عظيمان من حجارة تأسس عليها – يوماً ما  – معمار شامخ لحياة رائعة أفلتْ وذوتْ في حباتنا الراهنة . تلاحظ سمات التوازي والتشابه والتطابق بين الأنموذجين الإنسانيين ، وكأن الكاتبة تكمل بهما حلقة عائلة واحدة بالجمع التخييلي لدى القاريء بين الأبوة والأمومة “القديمة” المكافحة المليئة بقيم تلقائية بسيطة وممتلئة بالثوابت التي لم تُدرّس لهم في مدارس أو جامعات . وإذا كنّا قد شاهدنا صورة الحطام الذي خلفته طعنة إسكندر النصّاب التي انغرست في أعماق أبي سليم ، فإن تلميحات الكاتبة عن نظرة سعاد الإيجابية إلى اسكندر ورقته ، وعدم معرفتها بخبر هروبه بمالها حتى الآن ، يجعلنا في ترقّب ننتظر ردود فعلها ارتباطاً بردود فعل ابي سليم ضحيته الأولى في تسلسل الحوادث . ولكن هناك خطّي توازٍ آخرين يمكن أن يعتبرهما القاريء خطّ توازٍ واحد ذي شقّين برغم الفروقات البارزة ، وهو خط سليم في بيت أبيه ، وجميل في بيت أمّه . فمعضلة سليم الكبرى الآن هي المال وضياع ميراثه . وهو مثل جميل – أو العكس – كان يعد المال مفتاح كل شيء في الحياة في مجتمع ينقم عليه لأنه يزن قيمة أفراده بالقروش والليرات . يتساءل سليم :
(هل يلوم نفسه أم يلوم هذا الزمن الذي رسّخ حقيقة معك قرش تساوي قرش . أليس هو وملايين الشباب ضحية زمن المال ، فمن لا يملك المال محكوم عليه بالموت قهراً وياساً – ص 9) .
وإذا كانت – أيضاً – صورة الزلزال الصاعق الذي مزّق كيان سليم بفعلة اسكندر قد انرسمت أمامنا ، فإن ردود افعال جميل الممتحن بمرضه النفسي على خديعة اسكندر وفراره بثروة أمّه الصغيرة مازالت مؤجلة بحكمة الكاتبة .
ولست من النقاد الذين يميلون إلى تحميل أسماء الشخصيات معانٍ ودلالات قد يكون تفكير الكاتب بعيداً جداً عنها ، لكن حين تتوفر في الصورة الكلّية للعمل الفني دلالات توحي بذلك فعلى الناقد أن لا يفوّت فرصة التقاطها . فنحن هنا – والآن – أمام واقع تشير كل قرائنه إلى أنّ “سعاد” لم تكن سعيدة ، وجميل لم يكن “جميل” حياةٍ وسلوكٍ وسيرة ، و”سليم” ما كان ولم يعد سليماً ، أمّا الاستاذ “أبو سليم” المكابر فهو – في الناحية الفعلية النفسية والاجتماعية ، وفي ظل الكارثة تحديداً – لا تدل كنيته عليه . و “وديعة” كما سنرى لن تُصبح وديعة إلّا بين يدي الله … إلخ . وكل هؤلاء سيجمعهم رابط أسود مهم واحد هو أنهم ضحايا : اسكندر .

# اسكندر :
———–
( التعبير الأدق لهذا الزمن هو زمن الوحدة ، ليس زمن ثورة المعلومات والإتصالات ، بل زمن ثورة الوحدة )

.. واسكندر – الآن – يحلّق بعيداً في طائرة متجهة إلى قطر ، حاملاً ثروة ضحاياه ، وشاعراً بأنه صار إنساناً آخر ، وبأنه يعيش حياة إنسان آخر (ص 53) . وفي كثير من الحالات ، ليس ضرورياُ ، بل من غير الممكن ، أن تتطابق تحليلات ووجهات نظر الناقد على رؤى الكاتب واستنتاجات القاريء . فأنا أعتقد أن ليس كلّ نصّاب يستطيع أن يتخلّص من ملاحقة السلطة الرقابية الداخلية الراصدة لديه : الضمير أو الأنا الأعلى كما توصّفه أدبيات التحليل النفسي . إن اسكندر كان مقتنعاً بأن استمرار نجاحه في مسعاه كي يكون “إنساناً آخر” يعتمد أساساً على نجاحه في طرد صور ضحاياه من خياله ، وأن يعمل كل جهده لإدخال الطمأنينة إلى قلبه ، وسوف يسحق أي شعور بالندم قد يسمّم حياته . لكن ليس ممكناً أبداً إماتة الضمير ، بالتمنيّات ، وإلغاء ما يخلقه من مشاعر ندم موجعة  تُطارد الفرد الآثم ، وتُفسد حياته . حفنة صغيرة من البشر – وهم مضطربون نفسياً وغير أسوياء – يموت لديهم الضمير ، وهؤلاء هم “السايكوباثيون – psychopaths” ، وبضمنهم الطغاة والجلّادون بهذه الدرجة أو تلك والذين يتبلّد الضمير لديهم أو يُخدّر برشى من الأنا المنتفخ “بإنجازه” . إن ضمائرنا هي سلطة داخلية تكوّنت في عالم لاشعورنا وفي عمق جهازنا النفسي خارج أي تحكّم إرادي منّا ، وهي تعمل بصورة ذاتية ، تراقب السلوك وتقيّمه وتصدر القرارات بحقه من دون الرجوع إلى وعينا الظاهر .  إن الأنا الأعلى هو (سلطة  داخلية) تقوم مقام الوالدين حتى في غيابهما ، فيما يقومان به من نقد ، وتوجيه ، وثواب ، وعقاب . هو مستشار خلقي يقوم عمله على أساس أن ما يقرّه الأبوان يشكل (الذات المثالية – ego ideal) المكافئة للفرد ، وما يعتبره الأبوان سيّئا يشكّل (الضمير – conscience) الذي يحاسب الفرد ويعاقبه . إنه الفرع القانوني الأخلاقي في الشخصية . وهذا المستشار الخلقي يرشد الأنا إلى ما يجب عمله ، وينهاه عما لا يجب عمله ، ويحكم بالصواب له إن أصاب ، وبالخطأ إن اخطأ ، ويجزيه راحة وسروراً إن فعل ما يرضاه ، ويعذّبه بوخز الضمير – وهو الشعور بالذنب – إن حاد عمّا  يريد . واسكندر نفسه يقدّم الدليل الناجز على صحة هذه الحقيقة وطغيان مثل هذا الشعور :
(لأنه اختبر هذا الشعور بقوة قبل هروبه بأيام ، وسوف ينطبع ذلك الموقف في ذاكرته مدى الحياة بل أحسّ أن تلك الصورة تحديداً سوف تعذّبه طوال حياته .. لماذا هذا الموقف بالذات ؟! ولماذا ارتجّ كيانه هلعاً وذعراً ؟ لا يعرف ! هل يمثّل ذلك الموقف صرخة الضمير المزلزلة الأخيرة ؟! – ص 53) .
وما هي تلك الصورة التي سوف تعذبه طوال حياته ؟ ما هو الموقف الذي جعل كيانه يرتجّ هلعاً ورعباً ؟
إنها صورة وجه الأستاذ أبو سليم في لقائهما الأخير قبل هروب اسكندر في الموقف الذي التقيا فيه ، وسلّمه أبو سليم مليوني ليرة ، إضافة للملايين الثمانية التي أخذها منه ، بعد أن أقنعه بقصة مفبركة مفادها أنّ هذين المليونين من أجل تجارة الألبسة الرجالية المستوردة من تركيا ، وأن الربح الصافي هو 200% !! (ص 53 و54) .
وفي الحقيقة ليست “كل” صورة أبي سليم هي التي أجهضت عليه نشوة انتصاره ؛ إنهما يداه المعروقتان المبقّعتان ببقع الشيخوخة البنّية ، والعروق الظاهرة الزرقاء ، والرعشة الخفيفة . يدان مذهلتان بعظمتهما ، يدان تعبتا وشقيتا طويلاً ، يدان تغويان الشيطان أن ينحني ليقبلهما ويتطهّر من إثمه (ص 55) .
يمكن ببساطة وضع يدي أبي سليم كرمز للحياة العصامية المشرّفة التي بُنيت لبنة لبنة بالعرق والكفاح والآلام والدموع ، حياة كان سدى لحمتها الصبر والتحمّل والزهد والتعالي على المفاسد . يدا ابي سليم هما “خلاصته” ؛ خلاصة معانيه كمثال للأنموذج الأبوي الطاهر الحي لأبينا الذي في السماوات . هذا المثال كان مكانه “فارغاً” في أعماق اسكندر الذي عاش محبطاً بصورة مفزعة من سلوك أبيه المشين الذي كانت المدينة كلّها تعرف أنه يصطاد الصبية الصغار ، ويعتدي عليهم جنسياً . إلهُ كلّ طفلٍ هو أبوه ، والبشر يشكّلون آلهتهم على صور آبائهم . الله نفسه في القرآن الكريم يقول اذكروني كذكركم آباءكم أو اشدّ ذكراً . واسكندر كان إلهه مشوّهاً دنيئاً . ومن المؤكّد أن اسكندر نفسه قد تماهى بذاته مع الأطفال المغتصبين فاختزن رعباً فائراً ممزوجاً بنقمة هائلة وغضبة مستعرة باحثة عن الإنتقام . يمكن أن يُعاد الجزء الاكبر من سلوك اسكندر الإحتيالي إلى هذا القلق الشديد المُمرض والفتاك الذي مزّق روحه الصغيرة – وقت كان بعمر جميل مثلاً – حيث نمت بواكير وعيه بسلوك أبيه المُشين . وفي العادة – وكما قلت كثيراً – أن حجر اللاشعور الدفاعي يحاول إصابة أكثر من عصفور برمية واحدة . فهذا السلوك الإحتيالي هو في حقيقته ردّ الروح الجريحة المحبطة من الأنموذج الأبوي بسلاحها نفسه . إذا غصنا عميقاً في دلالات سلوك اسكندر ، نستطيع القول بأنه فعل (اغتصاب) يقوم به لحقوق آخرين ، وامتهان لكرامتهم ، وتلاعب سافر ولا يرحم بمقدراتهم .. وهذا الفعل يحمل الآن امتياز (الإستباقية) التي تدرأ عن الذات الخطر الذي تتحسّب منه منذ الطفولة المدمّرة ، والذي لاحقتها كوابيسه عمراً كاملاً . وفي طبقة أعمق سنمسك بدلائل كثيرة على ان سلوك اسكندر وهو يستبق الشرور الأبوية المختزنة في لاشعوره بفعل النصب والخديعة إنّما يهدهد مشاعر “الإنخصاء” العميقة المؤرّقة التي زلزلت كيانه الطفلي الصغير ، وعاثت في نفسه الغضة فساداً ، وكبرت واستفحلت أشباحها معه . مع كل عمليّة نصب .. ومع كل ضحية مضافة ، يحصل على تطمينات إضافية بأنه ليس مخصياً على المستوى النفسي ، وبأن ذاته تنطوي على عوامل الإقتدار والكفاية . لكن هذا التطمين لا يدوم ، وسرعان ما يهتز ويُقوّض بالعقدة التي تفرز صديدها في عروق الروح ، فيعود لتصيّد ضحية جديدة ، يقوم بتجريدها من “سلاحها” ، و “تعريتها” ، أو “إخصائها” حسب الوصف التحليلنفسي الموفق . والقلق المتجذّر والمخاوف المشتعلة أبداً لا يطفئها الفعل الإستباقي إلّا وقتياً ، لتعود وتلتهب ، وتخضع حياة النصّاب بأكملها لأوالية “التكرار” التي لا تنقطع . إن غاية كل إبن في كفاحه النفسي هو أن يصبح أباً ، وهذا يتطلب – كضرورة صراعية بنّاءة – إزاحة الأب .. بل قتله . وقتل الأب الفعلي المبارك في جريمة النقيل الأول هو الذي أنعم علينا بنشوء الحضارة والقانون والمجتمع والفن والدين . لكن ما يقوم به اسكندر هو عمل مستميت مجهض للحصول على صولجان الأب والتربع على عرشه في لاشعوره الخاوي . وكلّ الضحايا السابقين الذبن أسقطهم اسكندر لم يكونوا يحملوا الشروط والمواصفات الأبوية الحقيقية المناقضة للأنموذج الجائر المستبد ، هذه الصورة المثلى جاءت في علاقته بأبي سليم الذي انبنت علاقة متينة بينه وبينه ، كإبن وأب ، عبر ست سنوات طويلات . وقد جاءت اللحظة الأخيرة ؛ الخلاصة ، التي تركزت فيها كلّ المعاني في “يدي” أبي سليم ، هذا الأب الأنموذج والعصي على المنال . ولم تكن اليدان رمزاً للمعاني الأبوية المجرّدة المذكّرة بالقيم الحياتية والحمايوية الحقيقية حسب ، بل بالكفاية الشخصية ، واكتمال الإرادة التي تذكّره بخواء ذاته وانكساره الذي لا علاج له :
(في تلك اللحظة غير المتوقّعة والدخيلة على الإنتصار الساحق لاسكندر ، شعر أنّه يحتقر نفسه إلى درجة فظيعة ، وأنّ ما من شفاء لاحتقاره لنفسه سوى الإنتحار ، وتمنّى من أعماقه لو كان ابن هذا الرجل المُحبّ الرائع ، الرجل النقي الطاهر ، وعصف قرفٌ فظيعٌ تجاه والده – ص 55) .
في هذه اللحظة نهضت المشاعر المتضادة – ambivalent التي عُطّلت طويلاً تجاه الأنموذج الأبوي في مزيج الحب والمقت ، والولاء والخيانة ، يقول “السيباديس” عن (سقراط) في محاورة (المأدبة) : “كثيرا ما تمنيت أن يموت ، ومع ذلك فاني أعرف أني سأكون آسفا أكثر بكثير مني فرحا لو أنه مات : وهكذا أجدني عديم الحيلة فيا لها من محنة يعيشها الفرد وهو يتأرجح بين الحب والكراهية في وقت واحد” . ومشروع اسكندر الثأري لا يستقيم بقتل الأب ونفض اليدين والخلاص مرّة واحدة ، ففي تحقيق هذا الهدف إجهاض للعملية كلها . إنّ مشاعر الإنتصار تتحقّق مع كل ضحية يجعلها “تبلع المصيبة مع كأس كابتشينو” ، كما كان يردّد وهو يتسلّم المال من أبي سليم . ولهذا يندهش الكثير من المراقبين المحايدين من سلوك “التكرار” الذي يستولي على النصّابين الذين يتحوّل فعلهم إلى سلوك ذي طبيعة إدمانية (وهل سنذكّر من جديد بإنشاء المشبكات العصبية في الدماغ ؟!) بحيث أنه لا يقنع من حالة أو حالتين أو ثلاث . المراقب المحايد لا يعلم بالجرح المفتوح الناغر الذي يعاني منه المحتال في لاشعوره .
هنا لا نسعى – لا الكاتبة ولا الناقد – لتبرير السلوك الإحتيالي ، ولكننا نتحدث عن نفس بشرية ألهمت فجورها وتقواها وبعين محايدة . كل محتال يحمل ضميراً معذّباً ، وإلى أن يميت ضميره كلّياً ويتحوّل إلى فرد سايكوباثي مطلق ينتظره طريق طويل من العذابات الباهظة والصراعات الحارقة . وما حصل لاسكندر – اسكندر ما بعد الهرب – هو أنه لم يستطع أبداً الإندماج مع عالمه الجديد وشخصيته الجديدة . لقد نجح في الهروب من ضحاياه ومن القانون ، لكنه لم يفلح في الهرب من سياط جلاده الداخلي العادل :
(إن العذاب كامن في أعماقه ، قد يكون في تلك الكلمة المشؤومة التي طالما استخفّ بها ، واعتقد أنه مسحها من قاموسه ، لكنها كالفيروس الخبيث كامنة في بطانة شرايينه وفي شغاف قلبه ، وفي شبكية عينه ، شيء مرئي ، شيء منتشر في الهواء كذرات عطر … نفحة إلهية لا يمكن سحقها ولا التملّص منها ، حريق في داخله لا ينطفيء ولا يخبو ، كلمة تزلزل كيانه وتسمّم نجاحه ، وكافية لتحرقه بنارها : الضمير – ص 60) .
ولعل أهم مظهر عقابي لهذه الكلمة المزلزلة الحارقة هو الكوابيس الليلية التي لاحقت اسكندر كإجراء عقابي يترتب على الشعور بالذنب . ولم تطارده هذه الكوابيس وتقضّ مضجعه بعد هروبه حسب ، بل قبله أيضاً . كانت نوبات الخوف والذعر والأرق تجتاحه وتجعله يتكوّم في سريره مرتعشاً من القلق كأنه مصاب بحمّى . وكان يوشك على الإنهيار التام لولا صهره المُفسِد والعقل المدبّر :
(في الأيام التي سبقت فرار اسكندر كان يحسّ بالإنهيار ، ويحس بكره فظيع لهؤلاء الذين سرقهم ، ويحاول باستماتة طرد وجوههم من خياله ، لأنهم يذيقونه أقسى العذاب ، بل صار يلومهم لأنهم سبب عذابه وقلقه ، وسقط في حالة مستعصية من الأرق الذي لم تنفع معه المنوّمات ، وسيظل كل حياته ضحية أرق معنّد – ص 56) .
وحين يبدأ البناء الداخلي لنفس الإنسان بالتحطّم ، تحصل مشاعر داهمة بالإنهيار الوشيك للوجود المادي بأكمله ، وكأنّ تصدّعات الضمير وانهياراته تُسقط على شاشة الوعي فيشهد الفرد سيناريو مشهدي لتلك التصدّعات والإنهيارات المخيفة :
(كان اسكندر نهباً لمشاعر وحشية كأنه يواجه ويشهد انهيار روحه ، بل أحسّ أنّه قريباً سوف يشهد تحطّم كيانه تماماً ، كما يشهد انهيار عمارة . لم يكن يستوعب حقاً أنه نجح في نهب ملايين من أعزّ أصدقائه ، ومن أستاذ عظيم تمنى مراراً لو كان أباه بالفعل – ص 57) .
ومن نتائج عملية التصدّع والإنهيار هذه هي المحاولة التي تبدو غريبة أحياناً ، وتبهر العين غير الخبيرة حين تعتقد أن المحتال يعبّر عن مشاعر إنسانية أصيلة في حين أنها إجراءات لاشعوريّة يحفزها الإحساس المتعمق بالإثم . وعلى مستوى أوسع تختزن الخبرة البشرية مفارقة الحنو والرعاية الدافئة التي يظهرها الطغاة والجلادون تجاه الأطفال في زياراتهم للمدارس ورياض الأطفال ورعاية الأيتام . هل يرعون الصورة البيضاء التي كانوا يتمنون لو أنهم بقوا عليها أو صاروا إليها ؟ أم يكفّرون عن ذنوبهم المستفحلة ضد ضحاياهم ؟ أم أن الطفل “المجرّد” يمثل التكوين الجنيني الأصلي للضمير مُسقطاً إلى الخارج ومحاولا الإلتمام عليه وحفظه ؟ وكان الكائن الأثير والمحبب إلى نفس اسكندر هو ابن أخته ، “الطفل المخلّص” كما يسمّيه :
(الذي وحده يمكن أن يشفي اسكندر من شياطين روحه ، وفي كل مرّة كان يحتضنه يحسّ أنه يبرأ ، وينخطف للحظات إلى عالم النقاء والطهارة والمحبة الصافية . وفي كل مرّة كان يهرب من السؤال ذاته والصغير بين ذراعيه : أما كان بإمكانك أن تكون إنساناً نظيفاً شريفاً يا اسكندر ؟ ! كان يخشى ان يعدي الصغير بسفالته ، لكن تلك اللحظات القصيرة كانت تتلاشى كفقاعات الصابون ، فيعود اسكندر إلى المنطق الراسخ ذاته بأن عليه أن يكون ابن زمانه ، زمن انهب واهرب – ص 59) .
.. وزمن انهب واهرب ، علينا أن لا ننسى كم خرب هذا الزمن من نفوس سويّة كان من الممكن أن تبقى بعيدة عن وحل الخطيئة لولا هذا اللهاث المسعور وراء المال واقتناص فرص جمعه بكل سبل السحت والخطيئة . وهذا الشعار في الواقع ليس شعار مجتمع محدّد كالذي يحيا فيه اسكندر مثلا ، بل هو شعار عصر كامل :
(عصر مادي وحشي يتطلّب أعصاباً باردة وضميراً ميّتاً ، وشجاعة متهوّرة ، عصر شعاره انهب واهرب – ص 57) .
لقد سمّمت العولمة – الأمريكية أصلاً ، والمسوْقة بروح الكاوبوي صيّاد المكافآت والرؤوس والفرص – أرواح كل المجتمعات على وجه المعمورة حتى المجتمعات الغربية نفسها . ولأول مرّة تصبح البورصة وأخبار المال التي هي شغل المختصّين المشتغلين بأمور المال مادة أساسية من كل نشرة أخبار . أصبحت أخبار الأسهم وأسواق المال مكوناً أساسياً من مكوّنات نشرات الأخبار عالمياً ، وكذلك محلّياً . تحمل الشاشات جميعاً في بنية أخبارها مشاهد أسواق المال وأسعار العملات والمؤشرات صعوداً وهبوطاً . كما تحمل حركة وكلاء البورصة شبه الإهتياجية ، ومشاهد آلات عدّ النقود ، أو مطابع الأوراق المالية ، على إيقاعات موسيقية ذات نبرة عالية مؤثرة .
لماذا هذا التركيز على أخبار أسواق المال ؟ مع العلم أن الخبراء والمتعاملين في هذه الأسواق لهم شاشاتهم الدائمة التي توافيهم بتحركات السوق المالية الكونية ؟ المشاهد العادي نادراً ما كانت له صلة بالأمر . فهل المقصود التثقيف المالي ؟ أم أن المقصود هو جعل المال والسوق المالية مرجعية أساسية عند المشاهد سواء أكان يملك أو لا يملك ؟ الطريف في الأمر أن الأحداث تتوالى وينسخ بعضها بعضاً بسرعة ، أما أخبار سوق المال فهي من الثوابت . كما أن وتيرة العرض خلالها أكثر هدوءا مما يتيح مجالاً لدرجة أكبر من الإستيعاب . طبعاً المال عصب الحياة ! إنما تقديم هذه الوجبة للمشاهد كل ساعة ، قد يعزز لديه الانشغال بالأمر . وتُثار في مخيلته مسألة دخول الحلبة إذا استطاع ، أو إحساسه بهامشيته إذا لم يستطع إلى ذلك سبيلا . ألا يفتح هذا الأمر الباب لتحويل الناس إلى قنّاصين للفرص : هوس الأسهم والتوظيفات المالية ؟ أو لا يفتح الشهية لتجربة الحظ الذاتي في الدخول إلى حلبة رأس المال الطيّار والمتجوّل : إقتنص فرصة إربح وامشِ ! إغراءات الصفقة والضربة المالية ! إحلال الحس المالي محل العلم والجهد والعمل الدؤوب والإنتاج . التحوّل من الجهد الإنتاجي الذي نادراً ما يأخذ حقّه في الأخبار ، إلى براعة اقتناص فرص الربح . ويتزاحم القنّاصون ؛ منهم الصغار ومنهم الكبار . وكلٌّ منهم طامع بصيد سمين في جولة أو جولات سريعة . وذلك من خلال التشاطر في إدارة التوظيفات قصيرة الأجل ، وتحقيق أكبر ربح بدون أي اعتبار لما عداه . على أنّ القنّاصين الكبار يقتنصون الصغار عموماً . وهو ما يفتح الباب على مصراعيه إزاء إغراءات التلاعبات المالية والصفقات غير المدروسة أو غير المشروعة . ويزيد من احتمال إيكال أمر التبادلات المالية الضخمة في أسواق المال لفئة من الشباب المتحمّسين والمغامرين الذين لديهم الحسّ إنما يفتقدون الحكمة والتبصّر . ذلك أن سوق المال تحتاج إلى قدرات هائلة على التحمل الجسدي والعصبي لا تتاح إلا للشباب . وليس غريباً إذن أن تتوالى أخبار فضائح العمليات المالية الضخمة غير المشروعة وآثارها الكارثية . ولكن من يدفع الثمن ؟ إنهم المنتجون والعاملون ، من جهدهم ومدخراتهم . إنه المال العام الذي يوظّف لتغطية كوارث الممارسات المغامرة .
الغائب الأكبر في كل ذلك هو ثقافة الجهد طويل النفس . أخبار الإعداد والتدريب والإنتاج ، التي تكاد تبدو نوعاً من العناء بدون طائل ، أمام إغراءات الربح السريع . قضايا المجتمع والتربية والتنشئة والمصير لا مكان لها ، لأنها تتطلب وقتاً طويلاً لطرحها والتفاكر بشأنها . إننا إذاً بصدد ثقافة التشاطر والإقتناص التي يتم ترسيخها على مدى نشرات الأخبار في كل المحطات . وهكذا تتلاقى ثقافة الصفقة مع ثقافة الومضة في الراهنية والكسب الآني) (5) .  وينشأ لدينا عصر دينه السوق ، وإلهه المال ، ومريدوه أجيال وأجيال من الشباب الذين يعهّرون أنفسهم طوعيّاً في محراب الدين الجديد . ودائماً يحتاج هذا التعهير “خطوة” أولى .. خطوة تكسر حاجز الخوف والقلق من العار .. بالضبط مثلما يحصل للمرأة التي تنحدر في طريق الدعارة .. الخطوة الأولى هي المهمة والأكثر حسماً .. ودائماً تأتي عن طريق “الإقتداء” بأنموذج يمثّل الفرد وقد كسر ذلك الحاجز المقلق ، وخطى تلك الخطوة المخيفة . وهذا ما وجده اسكندر المراهق على يدي تاجر المفروشات “مصباح السبع” الذي ألحقه والده للعمل عنده بعد أن ترك الدراسة قبل حصوله على الشهادة الإعدادية فحقّق في مدرسته انتصاره الأول .

شاهد أيضاً

في ذكري رحيل الأديب والمحاضر الجامعي د. حبيب بولس
“قرويات” حبيب بولس بين الحنين والجذور
حتى لا تضيع ذاكرة شعبنا الجماعية
نبيل عودة

مدخل: تحل هذه الايام ذكرى رحيل الشخصية الثقافية الفلسطينية، الناقد الدكتور حبيب بولس الذي رحل …

رواية تذكار الجنرال مود
قراءة في ضوء التحليل النقدي للخطاب
علي كاظم داود

كيف يتشكل العالم الاجتماعي في الخطاب الروائي؟ وهل يمكن الإجابة عن ذلك إجرائياً من خلال …

شوقي كريم حسن: شكر حاجم الصالحي… الشاعر مجسداً!!

*منذ نعومة الايام، وعبثها الدافع الى الفطنة ، وغرابة الاسئلة المطروحة امام الروح، تبدو ثمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *