عبد الزهرة لازم شباري : بائعة السمك

abdulzahra lazem 2تلتحف بعباءتها السوداء الممزقة وعودها النحيف ، تناهز الستين من العمر ، تحمل فوق رأسها قفة سوداء طليت جوانبها بالقار ، في طريق ترابي طويل تحفه الأشواك من جانبيه ، حافية الأقدام ذاهبة إلى القرية المجاورة لقريتها بين حقول المزارع ، تتمتم  بكلام غير مفهوم ، تولول تارة وتبكي أخرى ، ثم تندب حضها متعثرة بأذيالها التي تسح وراءها بعض الأشواك اليابسة !
تجلس على حافة ساقية ركد الماء فيها ، تغسل وجهها ببعض منه ، تقضي يومها المكدود هناك راجعة تحمل السمك لتبيعه على جيرانها الذين عرفوها بهذه المهنة ، في قرية تراءت لها مثل شبح من بعيد ، يغطي بصرها السراب الذي يراه الظمآن مثل ماء يغطي وجه الأرض ، ذاهلة يسيطر الخوف على حواسها  تكلم نفسها ( أهو خليف شيجيبه هنا )!!
وتكررها مرات مع نفسها تعتريها رجفة خوف منه وتقول : شيطان مارد ما تلمه أرض ولا سماء ولا يخوفه أي شيء ، بلا إن الأشياء تخاف منه إذا ظهر عليها .
وهي في هذا الإمعان من التفكير المرتبك إذ ْ ترى غبرة من بعيد وتسمع صوته مثل حيوان هائج ، يصعق بصوته الأجش الذي تردده الصحراء والرياح فيها !
أين تذهبين اليوم مني ألم أقل لك لا تخرجين ؟
وهي تردد كلماتها المتعثرة :  أمك … أمك خليف لا تفعلها وهي ترتعش مثل سعفة في مهب الريح ، لكنه لا يعي لكلامها ، وكيف يعي من فقد عقله وسكن البراري والقفار يأكل مما يحصل عليه هناك !
يضربها بعنف ولا رحمة ، تسقط على الأرض وتسقط  قفتها ويتناثر السمك هنا وهناك ، يمسك واحدة منه ، يكلمها : الكل هذا تذهبين كل يوم في هذا الطريق الموحش لوحدك أيتها الفانية ؟
يضحك مجلجلاً بصوته الأجش ، يلقي ما بيده ، يكتف أمه بمنديلها وعصابة رأسها لتظهر خصلات شعرها الأبيض يلعب بها لريح ، تأن وهي ملقاة على حافة النهر تبدو كعباءتها السوداء !
تحس أحدا يقترب منها تحرك نفسها وتسقط في النهر ، تصرخ بصوتها الضعيف وتقول لا تقترب مني ودعني أموت هنا أيها الغريب ؟
يسرع إليها ويخرجها من النهر وهي ترتجف من البرد ، يحل كتافها وهي تتمتم  أنه خليف فعلها بي ، يضحك ويلم ما  تبعثر من السمك ويحملها على دابة كانت معه إلى بيتها الطيني في قريتها المجاورة !!

        في البصــــ10/7/2013ــــــــرة  

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاني متي : ستيف الكندي النزق الذي اهدر ليلتي الساجية .

  في هذا المساء الرائق الذي تجلى أمامي نظيفًا مغسولًا بعبق الصيف المنعش . . …

| د. ميسون حنا : سقوط الهالة .

فتح عينيه، هو في الحقيقة لم يكن نائما، بل هو لم يستطع النوم إطلاقا ليلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *