د. حسين سرمك حسن : أحلام الربيع النازفة ؛ تحليل رواية “أحلام نازفة” للروائية هيفاء بيطار(1)

hussein 7ملاحظة : هذه حلقات من كتاب للكاتب عنوانه “هيفاء بيطار وجماليات السرد الضاري” سيصدر عن دار تموز بدمشق الأسبوع المقبل .

# الكارثة :
————-
( تُرى ما الفرق بين شعور الأمل وشعور الألم ، هل من فرق حقاً ، أليست الأحرف ذاتها بترتيب مختلف ؟ )

تستهل الروائية هيفاء بيطار روايتها “احلام نازفة” (1) بتصوير التأثير الصاعق للحدث الذي زلزل كيان بطل روايتها “سليم” :
(لا شيء يغوي كالإنهيار ، فحين تلقّى سليم خبر إفلاس والده ، تحديدا خسارته لكل ما يملك ، احس كما لو أن نزيفاً صاعقاً تفجّر في دماغه ، وأحسّ بقوة هائلة تجرفه ، وانبثقت صورة شلال هادر يجرف كل شيء في طريقه عن مخيلته النازفة – ص 7) .
ومنذ هذه اللحظة تنتشر دوائر إرباك فظيعة صادمة ومدويّة تطوّح بركائز حياة سليم وتقوّضها وتحيلها خراباً . لقد سرق “اسكندر” النصّاب كل ما يملكه والده العجوز ذو الأربعة والثمانين عاماً ، وهرب إلى “قطر” . كان الأب والإبن يعيشان مرحلة “الذهول” التي تسبّبها الصدمة ، وتكون مزيجاً من إنكار وعدم تصديق وغضب وعدوان لفظي وحيرة ، كلٌّ حسب مخزوناته النفسية التكيفية التي تنطوي عليها شخصيته ، وأوالياته اللاشعورية الدفاعية التي اعتاد عليها . فالأب أستاذ الفلسفة والمربّي السابق الوقور ذو السلوك الرصين الذي يحكمه التبصّر وسطوة العقل ، كان منخطفاً إلى عالم بعيد ، وثملاً بخسارته المُذلة . كان غاطساً في صمت مهين ، ويرمق الفراغ حوله بنظرات مرعوبة تائهة ، كأنه لا يعرف إلى أين ستقوده هذه الكارثة (ص 8) . أمّا الإبن – وسنرى لاحقاً أن انفعاله المنسعر هذا يتسق مع طبيعته الشخصية أيضاً – فقد تحوّل إلى كتلة بركانية تتوهج وتأكل ذاتها ، كأنه شخص مسعور انفلت كلّياً من رقابة إرادته ، ولم يعد بمقدوره السيطرة على حالة الهستيريا التي تلبسته ، وصار سيل haifa bitar 5الشتائم ينفلت منه على كلّ شيء : على الحظ ، والحياة ، والقدر ، وعلى اسكندر ، وعلى السفارة الأمريكية التي نسفت أحلامه بالهجرة إلى أميركا (ص 8 و9) . لقد أشاد أحلامه الباذخة والمنعشة على أساس ميراث والده ؛ تلك العشر ملايين ليرة التي حصل عليها أبوه من الدولة عن أرض للعائلة بعد صبر وعناء شديدين ، أحلام جعلته في بعض الأحيان يستعجل حتى موت والده ، فيخزه ضميره الحي الراصد . لقد كان مطمئنا نسبياً على الأقل لأن والده يمتلك ميراثاً من عشر ملايين ليرة سوف تؤول إليه بعد وفاته ، اطمئنان على أساس قاعدة علي بن أبي طالب : (الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة) . لكن كل شيء ضاع في لحظة عندما سرق اسكندر الذي وثق فيه الأب – أبو سليم – ثقة مطلقة ، وعامله كإبن ، وأتمنه على أمواله وسلمها له كلها ففرّ بها النصّاب ، وحطّم حياة الأب ، وأهار بنيان شخصيته ، وهشمّ ما بناه ابنه من أحلام عريضة وعالية صارت حطاماً وشظايا تحزّ روح سليم ، وتؤجج هيجانه الإنفعالي ، فيوغل في الزئير المنجرح في وجه أبيه المحطّم الذي يتوسّل به كي يرحمه قليلاً .
وقد يغيّب الجو الإنفعالي الصاخب الذي نجحت الكاتبة في تأجيجه في مشهد المواجهة بين سليم وأبيه ، انتباهتنا عن الإلتفات إلى قضية مهمة جداً دعونا نتوقف عندها قليلاً قبل أن نمضي مع الكاتبة في مسار أحداث الحكاية ، ولنسأل أولا : هل كان سليم عادلاً في انفعاله المنفلت بوجه أبيه ؟ هل يحمل موقفه المؤنّب والناقم على أبيه أي قدر من المبررات الموضوعية ؟
وهنا أنا لا أقصد مفهوم العدل والمبررات من الناحية الأخلاقية والإجتماعية ولا حتى الدينية . ما أقصده هو أن سليم كان فرداً راشداً تتوفر فيه كل شروط الاستقلالية ككيان إنساني قائم بذاته يمضي في إدارة شؤون حياته بعيداً عن التبعية لأي جهة مادام قد بلغ السن القانونية كما يصف القانون ذلك عادة . إذن ، فبأي حق يرسم سليم صورة مستقبله المقبلة على أساس مال شخص آخر حتى لو كان هذا الشخص أبوه .. وينتظر موته ؟ بعضنا يعتبر هذه السمة التبعية من سمات قوّة المجتمع الشرقي ، وعاملاً من عوامل تماسكه ، في الوقت الذي تعكس فيه طبيعة طفيلية كريهة:
(خرج صوت العجوز من أعماق كهف روحه : غضبٌ من الله . زأر سليم وقد أفقده جواب والده آخر ذرة من صوابه : غضبٌ من الله . وما علاقة الله بالموضوع ؟ أنت وثقتً بالحيوان اسكندر وأعطيته ملايينك التي كان عليك أن تقدمها لي منذ سنوات ، وتقول أنه غضب من الله ؟ – ص 10 و11) .
kh haifa 3ومن خلال توصيف الكاتبة للحال المؤلمة لطرفي المحنة : الأب وابنه ، لا تستطيع إلّا الإنحياز للأب المحطّم ، فقد برعت الكاتبة في جعلنا نقف أمام صورة الأب الذي حفظه الوجدان الطفلي إلهاً ، حين يُهزم ، وتنهار على أكتافه معاول المصيبة التي يلاحقها الأبناء ممزوجة بالتشفّي . ومن المؤكد أن إهداء الروائية لنصّها هذا لأبيها العظيم – كما وصفته – “الذي علّمني أن كل القوة تكمن في قلب طافح بالحبّ” (ص 5) ، سينبثق في ذهنك ، وأنت تلاحق تفاصيل الصورة المؤذية التي جاءت تجسيداً عمليّاً لتلك الرؤية . ففي كل حركة ترصدها للأب المسكين المحزون تشعر أنها تجرّح روح الكاتبة نفسها ، وبأنها لا تنقل وصفاً “فوتوغرافياً” ولا سينمائياً لما تراه حسب . كان سلوك الاب وأفكاره وحركاته يلتهب في مشغل الكاتبة الداخلي ، ليتخمّر هناك بأحماض ألم مضاف من تعاطفها ، وتتسعّر انفعالاته المصاحبة بانفعالات هائلة مضافة ، ثم يُرسم بالكلمات على الورقة . لاحظ روعة وعظمة هذا الوصف الموجع للأب المنكسر ، وهو يقوم إلى الحمام ، بعد أن طلب من ابنه المسعور – وبصوت واهن منكسر – أن يرحمه :
(قام قاصداً الحمّام ، ياه، كيف تبدّلتْ مشيته في الحال ، كان يمشي مفعماً بآلامه حاملاً هزيمته العملاقة على كتفيه المقوّستين ، خطواته مضطربة ومشيته مترنحة ، احتاج أن يتوقف ويستند إلى الباب ، كأنه يخشى السقوط ، ثم اجتهد أن يجعل قامته منتصبة مُدّعياً شجاعة استعراضية لكن جسده سرعان ما خانه ، فعاد ظهره للتقوّس من هول وثقل آلامه .
تلفّت حوله مذهولاً ، كما لوأنه يدخل الحمام في بيت غريب ، لماذا يتلفت ، وعمّ يبحث ، أحسّ أنّ ثمة شيئاً غريباً وجديداً في حياته ، لم يعرف كيف يحدده بدقة ، لكن سرعان ما شعر بأن الهواء نفسه قد تبدّل ، وبأنه يفوح برائحة الكارثة ، لم يستطع ان يتبوّل رغم رغبته في ذلك ، فتراجع إلى الصالون بالمشية المتأنية المضطربة ذاتها ، محاذرا أن ينظر باتجاه ابنه الملتهب من الغضب .. – ص 11 و12) .
وفي عودته من الحمام – ويا للمفارقة المؤلمة – كان الإبن المتنمر الشامت يفكّر في جولة تأنيب جديدة ضد أبيه ، في حين كان الأب منشغلاً بألم عظيم مصدره أنه سبّب الكثير من العذاب لابنه وخسر حبّه :
(أليس من المنطق أن يموت ؟ لكن أي ألم ألحقه بابنه ، هل من ألم أكبر من أن نسبب الأذى لأحبّ الناس إلى قلوبنا ؟ – ص 12) .
إنّ هذا الفارق الشاسع بين أولويات الأب التكفيرية الباحثة عن الغفران من الإبن نفسه ، وأولويات الإبن الحسابية المعاقبة رغم عدم أحقيته بذلك ، هو فارق “بُنية” ، واستعداد كامن وأوّلي غير مُكتسب كما سنرى . إنني أعتقد أنّ هذه الروح الكبيرة المُحبة والمسامحة – وقد تداعت في وقت محنتها المظلم هذا إلى ذكريات الأمومة الحانية برغم أن الأب العجوز قد بلغ الرابعة والثمانين من عمره – قد يفسّر لنا مصدر هذا الموقف المبارك الذي قد يتشح بمسحة ضعف في العيون التي تحسب الحب بالميزان مثلما تزن أي مادة أخرى في حياتها . في التبرير المباشر والوصفي – الذي لا يخلو من محمولات الثقافة الدينية للأب طبعاً – الذي تطرحه الكاتبة لموقف أبي سليم من الحياة ، ونظرته المتفائلة المستسلمة بإيمان راسخ ، يكمن الظاهر – وهو معقول أيضاً – من العوامل التي شكلت شخصية هذا الرجل . فقد :
(كان أبو سليم مؤمناً بأن كل التجارب التي يتعرّض لها البشر مبطّنة بحكمة ضرورية ولازمة للإنسان ، فقد يكون المرض أو اي مصاب باباً للتواضع ، ودواءً للشفاء من الغرور وعشق الذات . كان مؤمناً أن الله يجرّب عباده ، وبأن التجارب مهما كانت قاسية ووحشية ، فإن محبّة الله لخليقته بلا حدود .. لكنه لم يستطع أن يفهم لمَ تقسو الحياة عليه بتلك الطريقة الوحشية – ص 14) .
وأعتقد أن هذا الموقف المطمئن يستند إلى معرفة “لدنية” كما يصفها اللاهوتيون ، ومن يريد أن يؤمن بطريقة أبي سليم ، ولكل من يؤمن بالله ، هناك الأنموذج “المعرفي” الأعظم المتمثل برحلة النبي موسى والعبد الصالح كما صوّرها القرآن الكريم . هذا الأنموذج يتطلب استقراراً نفسياً خرافياً يزيح كل استفزازات الأسئلة اليومية المضادة ، ويشتغل وفق “عقل” خاص حتى في تلك اللحظات التي لا يستطيع أن يفهم فيها الفرد لمَ تقسو الحياة عليه بتلك الطريقة الوحشية بالرغم من انقياده لمنطقها المتجبّر ، وحكمتها التي لا تُرد .
وهذه المشاعر التي تتطلب التسليم عادة ، توفّر المناخ اللازم لاستسلامات من نوع آخر تنبثق من بئر ذاكرة الماضي المظلم في أوقات الشدائد ، لامعة ومُنجدة ومليئة بالعون النفسي . فأنت لا يمكن أن تؤمن بحكمة العلم اللدني الذي لا تدعمه أي قرينة واقعية مباشرة إلا إذا تخلّيت عن تعاليك وتشامخك الذكوري الذي يوقعك في مصيدة أنك “عالٍ” وتعرف كلّ شيء ، وتصالحت مع محتوى لاشعورك الأنثوي وفق نظرية إبن عربي التي تركناها ورحنا نلهث وراء اطروحات كارل غوستاف يونغ وغيره . وهذا التشامخ الذكوري الممأزِق يمثله بدقة مغثية “سليم” الذي يقف على الجبهة النقيض المقابلة لروح الأب المتسامح المرتبط بتراب المعرفة البسيط ، والشاعر أبداً بالتصاقه بالأرض الأم . وستلاحظ قطيعة هائلة بين الأنموذجين تستمر حتى النهاية حتى في ادق تفصيلات السلوكيات اليومية خصوصاً التي كشفتها الكارثة وعرّتها وسحبتها إلى النور . وضمن ساحة هذا الفارق الهائل ، جاءت عودة أبي سليم ، بعد أن رجع من الحمام مشوّشاً ، ومرتبك الأحاسيس ، إلى عهد الهناءات الرخيّة ، وأيام نِعَم الرحم الأمومي الحاني :
(.. ومن قلب عزلة مُصابه ارتسمت صورة وسادة بيضاء دافئة تحت أجفانه ، وانخطف إلى زمن ساحر ، زمن أبديٍّ ساحر لا يموت لأنه يستعيده دوماً ، لأنه يصونه في قلبه ، ويسقيه دمعه المنسكب للداخل ، ليتك تعود إلى ذلك الزمن يا أبا سليم .                                       انبثقت الصورة في خياله ، بل طلعت من قلبه المثقل بحزن ثقيل ، صورة بالأبيض والأسود لوجه يعبده وحُرم منه مذ كان في السادسة من عمره ، وحدها صورة عتيقة لشابة جميلة كان يناديها ماما ، يمكنها أن تعزّيه وتحميه من قسوة الحياة ووحشية البشر . رشحت عيناه بالدمع ، وتهدّج صوته وهو يقول : ضمّيني إلى صدركِ الحنون ، خذيني في حضنكِ أرجوكِ – ص 14) .
هكذا يواجه العجوز ذو الأربعة والثمانين عاماً هذه المحنة الساحقة بالنكوص الكامل إلى أحضان الأمومة الضائعة والتعلق بها ، وطلب العون منها ، لحمايته في وجه وحشية البشر ممثلة الآن في إبنه ، وقبله في اسكندر . ويبدو أنّ هذا النكوص ، قد يكون بديلاً صحّياً لردود أفعال واستجابات قد يصبح بعضها عدوانياً مميتاً في سلوكنا وتعاملاتنا اليومية .. بل حتى في مجالات الخيبة السياسية والإحباطات الإجتماعية ، وكما سنلاحق ذلك في مسار تحليل المقبل من وقائع الحكاية .
وحين يستعيد أبو سليم لحظة موت أمّه – ضمن مسار نكوصه هذا – تقول الكاتبة في لمحة شعرية عالية :
(وحين وصل العتبة ، ترك طفولته خارجاً – ص 15) .
وهي إشارة مهمة لعلاقتنا بطفولتنا التي نعتقد أننا نخلعها – والأدق يُخلعونها عن أرواحنا قسراً – مثل ثوب صغير ، لنلبس بدلاً منه ثوباً أكبر يناسب أجسامنا النامية ، متناسين حقيقة خطيرة هي أن هذه الطفولة تُحفظ بكل مكوناتها ، بذكرياتها وأوهامها وآمالها ، بخيباتها وإحباطاتها ، وبإشباعاتها وحرماناتها ، تُحفظ في أعماق لاشعورنا لتكون مدداّ بناءً في معضلات حياتنا المستقبلية ، أو لعنة تلاحقنا ظلالها الشبحية الخانقة ، فتربك حياتنا وتحيلها جحيماً في بعض الأحوال كما سنرى أيضاً للمرة الرابعة . ويبدو أن السيّد القاريء بحاجة إلى تثبيت ما ربطناه بـ “السين” المستقبلية هذه من وعود تحليلية في أكثر من موضع كي “نتحاسب” عليها لاحقاً .
وما سلوك ابي سليم الآن في نكوصه نحو حِمى الأمومة المباركة ، مع استعادة الحقيقة الصخرية القاسية المتمثلة في رحيلها النهائي ، إلا شكلاً من أشكال التعبير عن الدور الحي والفاعل للطفولة في وجداناتنا الراشدة ؛ هذا الدور استقر في أحشاء “بقيّة” أمومية ، أو “أثر” هو الوسادة البيضاء التي صارت رمزاً للأمّ ، بل بديلاً فعلياً نابضاً عنها :
(لم يبق منها إلّا وسادتها المشبعة برائحتها ، تحوّلت الوسادة إلى أمّ ، وصار لا يتمكن من النوم إلا ويدفن وجهه في وسادتها ، ويتنشق رائحتها ويبكي ، ومع الوقت صار يحس بخفقان أشبه بارتعاش خفيف في الوسادة ، كما لو أن في لحمتها قلب أمّ – ص 15) .
وهذه “البقايا” الأمومية تدوم في مراحل أعمارنا الراشدة بصور شتّى ، و”تحضرنا” في الملمات كما حصل لأبي سليم الذي بدأت أولى خطوات نكوصه المبارك في الواقع مع الرغبة الهروبية في الذهاب إلى الحمام ، والفشل في التبوّل ومن ثمّ العودة إلى “أحضان” السرير الذي تدثّر بغطائه السميك مرعوباً بعد أن تركّز إحساسه في شيء وحيد هو : الموت (ص 12) .
مقابل هذه الإستكانة الجريحة ، يلوب سليم من مكان إلى آخر في البيت الخانق المتعفّن ، لاعناً قدره وحظوظه المنكرة ، ولا يستطيع حتى الإستقرار في سريره . استولى عليه شعور بأنه مثل رجل نشب حريق في ملابسه ، وصار يركض كالمجنون ، وهو يعوي من الألم ، ولا أحد يسعفه ويطفيء ناره (ص 17) . كان وحيداً يتنقل في المنزل طافياً على سحابة سوداء من دخان ولهيب وعذاب . ولا صديق يتوقع أن يتصل به وينجده في زمن (ما حدا لحدا) كما يصفه بحق . ولم تهدهد جراحه العميقة سوى عودة “نكوصية” إلى الحمى الأمومي المعلّم ، ولكن عبر مداورة أخرى أكثر رمزيّة من تمثلات عودة أبيه . فقد استيقظ فجراً والمصيبة تُطبق على روحه وتمنعه من التنفّس حتى . ومن نافذة المطبخ الضيّقة بدأ بتأمّل حديقة صغيرة رائعة منعزلة ظلت أشجارها صامدة في وجه عجلة عالم الإسمنت الساحقة :
(تعجّب من جنون الأغصان في هذا الصباح الجهنمي ، الذي أيقظه فيه ألم روحي لا يُحتمل ، بدت الأغصان المهتزة بجنون بفعل ريح غير معتادة في أواخر شهر أيلول ، تجسيداً لألمه ، أو صورة له ، كما لو أنها تهتز بجنون لتشاركه وجعه ؛ كما لو أنّ اصابع الألم الملتهبة تعزف على أوتار روحه والاغصان في الوقت ذاته (…) ريح تصفر وتزمجر وتهدّد والأغصان صامدة ، مترفّعة تتلقى الصفعات بكبرياء ، ولشدّة كبريائها لا تُشعره بالمها (…) أدهشته المفارقة في الصورة ، صورة العدوان الوحشي للريح التي تنهال على الأغصان صفعاً ، وفي الوقت ذاته إحساسه بكبرياء الأغصان ، وعظمتها ورشاقتها وصمودها – ص 18) .
هذه اللحظة التي يحيا سليم انفعالاتها هي من اللحظات التي يمكن أن نسمّيها بـ “اللحظات الفائقة” ، وهي تلك اللحظات التي يتخلخل شعور الإنسان بحدود ذاته الواعية الصلب ، ويتراخى ، ويتدفق ما سمّيته في دراسات آخرى سابقاً بـ “لاشعوره العاري” ، في عودة إلى حالة شبيهة بحالة الإنسان القديم الذي أفسد حياته العقل وسلطان العلم المتنفّج ، الذي حوّله من حياة يتفاهم فيها مع الموجودات كـ “أنا” و”أنت” ، إلى حياة تسير وفق قواعد من العلاقة بين “الأنا” و”الهو” . في هذه اللحظة يشعر سليم بالأشجار الصامدة الصابرة كـ “أنت” ذي حضور كلّي مليء بالمشاعر والإستجابات المناظرة لفعله ، في حالة وئام وتفاهم لا تعكس حالة “إسقاط” مشاعر كما يرى علماء النفس الغربيون حسب ، بل وقفة “حياة” لـ “حياة” . وقفة تُعيد إلينا الشعور القوي والفذّ بكل ضرورات وقوى “الما وراء” وحاجتنا إليه . وأتذكر تفصيلات لحظة مماثلة تحدث عنها “ريلكه” حين كان يسير على ساحل البحر الأدرياتيكي ، وتوقف ، وأسند ظهره إلى شجرة . فأحس بنشوة خارقة كما لو أن انتفاضات سحرية وخفية مرت من الجذع وعبرت بدنه كالكهرباء . وخيل إليه أنه لم يمر في حياته بمثل هذا الشعور العذب . لكأن جسده قد تحوّل إلى روح ، وانفتح بالتالي لحالات من الغبطة لم يكن مؤهلا لها من قبل في وضعه الإعتيادي ، ولم يفهم معنى هذا التحوّل العجيب الذي طرأ عليه ، وأخيراً ارتاح فكره إلى هذه الصيغة المبسّطة : إنه محمول إلى الجهة الأخرى من الطبيعة . وشعر أنه قد أصبح يحب الآن أعضاء جسمه حبّاً مؤثراً فكأنها بالصفاء والرهافة والشفافية التي صارت إليها روح ميّت عزيز يحضر علينا من دنيا الغيب ، ويدخل في شكل مادي ينتمي إلى عالم لم يكن بالإمكان في الإعتبارات السابقة الإستغناء عنه . إنه يتعرّف على كل مشهد ، إنه يتذكر كل حادثة من هذا الكون المحيط به ، الذي يتأمله بحنان وكأنه مغترب يرنو من بعيد إلى البلد القديم الذي غادره والذي كان في عهد منصرم ، وظروف مغايرة ، من أبنائه . إنّ رفيف أجنحة الطائر الذي يمر قربه الآن يتناهى إليه عبر مسافة اكثر روحانية ، وأعمق غوراً ، وكل الأشياء تهب نفسها له بصورة أكثر حقيقية وسمواً وكأنه لم يعد عندها ما تخفيه عليه (2) .
وهذه اللحظات التي أسميتها بـ “اللحظات الفائقة” لا يمكن أن تدوم طويلا . إنها لحظة العودة إلى حالة اللقاء والتمازج الحي بين ما هو جسدي وما هو روحي والتي لا يمسك بها سوى الفنانين – تمثلهم الروائية هنا – الذين هم نقطة التمفصل النابضة بين ما هو روحي وما هو مادي في عالمنا ، واللذَيْن فُصلا بلا رجعة ولا رحمة ، كما يشعر بها – حتى وإن تكن غير مفسّرة  – الإنسان الجريح الذي يُلقى وحيداً في جبّ عذاباته المظلم مثل سليم وهو يلوب كـ “السليم” (والسليم الملدوغ .. يا لعبقرية اللغة العربية !) ، فلا يجد صدراً أمومياً حانياً غير هذه الأشجار التي تتلقى ضربات الرياح العاتية بصبر ومسامحة ، فتنكسر حلقة الغضب المفرغة حين تعيده مقاومتها المطواعة والمستوعبة للصدمة – بحنوّ – إلى فعل الرمز الأصل : الأنوثة في أعظم تجلياتها المحبة ، وهي الأمومة ، بطبيعة الحال :
(الحمد لله ، هدأ ألم روحه الوحشي الذي أيقظه من نومه ، وكاد يدفعه لارتكاب حماقات .. فكّر أن الأشجار وحدها شفته وطبطبت على كتفه . رقّت مشاعره تدريجياً لدرجة تمنى لو يبكي ، تذوّق عذوبة تلك المشاعر الرقيقة الغامضة التي انسكبت في داخله كبلسم شفاف ، وشعر برغبة قوية أن يتصل بوالده ويتحدّث إليه برقة وحبّ ويؤكد له أنه يحبه ، وبأن لا شيء يمكن أن يهدّد الحب بينهما – ص 19) .
وها هو يصعد الدرج لزيارة أبيه المحطّم لكن المتماسك في الظاهر ، يجلس معه يشربان القهوة ، وينقل إليه آخر الأخبار كما سمّاها – وعلى طريقة إذا عمّت المصيبة هانت – فقد سرق اسكندر المسكينة “سعاد” أيضاً ..

# سعاد :
———
( تصوّري يا سعاد لو أن دموعك تمتزج مع أقراص الكبة أو المحاشي ؟! هل سيشعر الناس باختلاف في الطعم ؟ لكن من يحسّ بكِ يا سعاد ؟ من يشعر بك ؟ )
… و”سعاد” – وهذا عنوان القسم اللاحق – لم تسمع بفرار اسكندر إلا بعد أيام من دويّ الخبر في المدينة ، اسكندر الذي اعتبرته هدية من القدر ليدعمها ويساندها في رحلة الشقاء الأبدية التي تُسمّى الحياة . كانت أرملة في الخامسة والثلاثين ، ولديها ثلاثة أبناء ، عليها أن تعيلهم ، وما من سند لها على الإطلاق . وها هي الآن تصحب ابنها المراهق المضطرب نفسياً “جميل” إلى دمشق لمراجعة طبيب نفسي مقتدر أشارت عليها بمراجعته جارتها الطيبة السيّدة “روضة” وزوجها الطبيب .
وسعاد هي الأنموذج المكمّل بين النماذج الضحايا ؛ ضحايا اسكندر ؛ الضحايا الذين اختارتهم الكاتبة بدقّة للتعبير عن طيف – ليس اجتماعيا حسب – بل نفسيا عميقاً من جانب ، وينطوي على مضامين فلسفية محرّكة لاستجاباتنا التساؤلية عن الكون والحياة ولغز الإنسان من جانب آخر . وفي الجانبين تتجلى أهمية وعظمة أي عمل روائي ، ولن تخادعنا الألعاب اللغوية للحدائة الغربية وما بعدها التي أسيء استيرادها وفهمها عربياً . وأنا هنا لا أنكر أهمية اللغة وإغواءاتها مطلقاً في تعزيز وإنعاش الشكل الحكائي ، لكن على أن لا تكون اللغة بديلاً للإنسان كما يريد البنيويون مثلاً ، مثلما حلّ اللون والأصباغ محلّ الإنسان في الفنّ التشكيلي . وها هي بين أيدينا رواية تجمع بين إغواءات اللغة الشعرية المنضبطة ، وعذابات الإنسان المقهور الذي لا نصير له غير المبدعين في هذا العالم الموحش المتوحش . وقد تجلّى هذا الجمع الخلّاق في القسم السابق الذي لم يحمل عنواناً – ولو أن بإمكاننا أن نسمّيه “الكارثة” – فهو بمثابة “استهلال” جامع لمسارات الرواية ، مثلما يتجلّى في لحظة افتتاح فعل “البطلة” سعاد حين قال لها ابنها المعذّب بأفكاره السوداوية : “أنا خائف” :
(للوهلة الأولى تمنّت أن تقول له : وأنا منهارة من التعب ، ولم أعد قادرة على التحمّل ، لكن المقاتلة الشرسة استنهضت قوّة سحرية من أعماقها ، وشعّت عيناها بالحب ، ومسحتْ بيدها الحنون على رأس المريض وطمأنته أن كلّ شيء سيسير على ما يرام ، وبأن مخاوفه ستتبدد كلياً بعد أن يعاينه الطبيب ويعطيه الدواء ، وذكّرته بأنهما يقصدان أشهر طبيب للأمراض النفسية في سوريا – ص 23 و24) .
هذه المقاتلة الشرسة لا تسمح لنفسها بالإنهيار بل حتى بأدنى حقوق الشكوى المشروعة ، بالرغم من أنها لم تنعم بالنوم منذ يومين حتى بدأت تشعر بأن خيوطاً سوداً أشبه بأسلاك رفيعة تتكاثر في دماغها وتغزو شبكية عينيها ، وهي علامة طبّية خطيرة من علامات الإرهاق التي لم تدعها تكدّر استجابتها لحاجات ابنها المريض منها . ولم تسمح للأقدار أن تُضعف إرادتها على المقاومة لحماية ابنائها الثلاثة ، خصوصاً بعد موت أبيهم سائق التاكسي المرفّه الذي جعلهم يعيشون في بحبوحة مادية ، برغم تبذّله وانغماسه في ملذاته . إنّها “الضلع” الحامي الذي تكمن استقامته في اعوجاجه – وبالمناسبة لا توجد أدنى إشارة لاسطورة الضلع في القرآن الكريم فيا لمكر الذكورة – الضلع الذي يجب أن يكون معوجّاً مثل الرحم لكي تؤمّن استدارته الناعمة الحانية حماية الأبناء في أحشائه ، بدلاً من الزوايا “البارزة” المؤذية :
(منذ وفاة زوجها تحوّلت إلى مقاتلة شرسة ، عليها أن تعيل أولادها . وفي اللحظات الكثيرة التي كانت تشرف فيها على الإنهيار من التعب والمسؤوليات المتراكمة عليها ، كانت تستعيد قواها وتوازنها بأن تكرّر لنفسها مراراً : تماسكي يا امرأة ، فأنت أمّ ، أنت أمّ – ص 24) .
ويبدو أن هذه الكلمة الخالدة “أمّ” هي النداء السحري البهي الذي يأتي من الأعماق السحيقة – حتى من أعماق الرجل السوي مثل أبي سليم – للفرد وللتجربة البشرية الجمعية حين تريد الحفاظ على طابعها الإنساني الحي . وهي منبع الإحساس بالخلود الذي يقض مضاجعنا البحث عنه . لاحظ جولان جلجامش المعذّب في بحثه عن العشبة ، وكيف ردّت عليه صاحبة الحانة “سيدوري” –  ويا لجمال اسمها “الخلودي” المعبّر فهو “الشباب الدائم” – . لقد ردّت عليه ببساطة ومن دون تعقيدات فلسفية . ردّت عليه بحس الأمومة الباهر ردّاً سار شرقاً وغرباً في الحضارات المختلفة . فالعمل الخلودي نابت في تربة الأنوثة ولا حاجة لها للبحث عنه أو التعلق بتفسيرات خارجية له . وها هي سعاد لا تعرف ما الذي جال في تفكيرها أو لا وعيها ، وهي تستمع إلى ابنتها الصغيرة وهي تقرأ درسها بصوت عال عن دودة “الهيدرا” التي تتجدد مهما قسموا جسدها ، فتقول لابنتها : أنا مثل الهيدرا .. قلبي مثل الهيدرا ، لا يموت ، يتجدد دوماً (ص 24 و25) .
إنّ أصل “الهيدرا” الخلودية البشرية والكونية كامن في فعل الأمومة وأحاسيسها القائمة على استبعاد الفناء من ساحة تفكيرها عفويّاً ، وعدم الإنشغال المعطّل بلعبة الحياة والموت ، كما ينشغل الذكور الذين يحاولون عبثاً الفرار من واقع نضوبهم الإخصابي المزروع لا التلقائي كالأنثى . الذكورة التي لم تحتمل أن تكون الأنثى اصلاً للكون وللخلود ، فتفنّنت في خلق أساطير أصول وتكوين تغيّب الدور الرحمي ، وجعلوا فيها الرحم الأصل غمراً ترف عليه روح الله أو كتلة تخرج من خاصرة إله ، أو – وهذا هو الأسوأ والأكثر سادية – جسداً أمومياً يمزّقه الإبن “البطل” ببشاعة إلى أرض وسماء ! لكن البطولة الحقيقية تكمن هنا .. في قلب الأم .. وتحديداً في قلب سعاد الأم الذي لا يموت ، ويرفض أن يموت . وليس عبثاً أن الحكايات الخرافية الشعبية تجعل قلب الأم يفزّ حين يتعثر الإبن الذي قطعه إرضاء لزوجته الشريرة :
(قلب الأم لا يموت ، هذه هي الحقيقة الوحيدة التي تؤمن بها سعاد ، والتي حوّلتها إلى بطلة . إنها تجلس بجانب ابنها في الباص ، تشعر أنها تستحيل إلى حبّ سائل – ص 25) .
شوّهت الذكورة المتحاملة أصلاً حتى مفهوم البطولة في الحياة الإنسانية ، فصارت أمراً “خارجياً” ينزل على النفس البشرية ؛ صار الذين يقودون البشر إلى المحارق ويقمعونهم باسم التجارب الكبرى أبطالاً . وحتى في أفلام الرسوم المتحرّكة ، رسّخوا في أذهان الأطفال أنّ البطل لا يمكن أن يكون بطلاً إلا على حساب آخر يدحره ويحطّمه ، اسمه الشر مثلاً أو ممثلا له ، وفي حياتنا العامة – ومنذ فجر الخليقة – يكون البطل قاتلاً للتنين بدئياً ثم للشرير ممثل الشيطان ، أو لأي “عدو” يؤبلسه لاشعورنا الآثم . لكن مفهوم البطولة لدى الأم يختلف بصورة جذرية وقاطعة ، فهو لا يستكمل شروطه إلّا بانتصار الذات على الذات .. إنه صراع الأم المستميت من أجل تعطي حتى للعطاء ذاته ، والقوة لديها تكمن بالضبط في ما قالته الكاتبة في الإهداء “في قلب طافح بالحب” . والبطولة لدى سعاد ، هي أن تتحوّل إلى “حبّ سائل” ، برغم القهر والعذاب والإرهاق المدمّر :
(مستسلمة لهدير الباص ، ولخدر التعب الشديد ونقص النوم ، أحسّت بدوار خفيف .. وللحظة غاب إحساسها بالعالم ، وشعرت أنها خفيفة ، روح رشيقة ، مجرد روح متحررة من ثقل الجسد ، تمنّت لو تغرق بنوم عميق عميق … لكن هل تملك جسدها حقّاً ؟! أليس جسدها مجرد آلة تعمل وتعمل لإعالتهم … هل نامت لدقائق ، لأنها أجفلت من قبلة يطبعها [= جميل] على خدّها ، حدقت به ، رأته يتأملها بحبّ كبير ، كما لو أنها دنياه ومخلّصه ، وللحال زال تعبها ، وشعرت أنها أقوى امرأة في العالم ، وبأنها قادرة على تحمّل كل الصعاب ، وعلى خوض المعارك في سبيل أولادها – ص 25) .
لكن سعاد لا تعلم – مثلها مثل أبي سليم الطيب – لماذا تعاقبها الحياة وتقسو عليها بهذه الطريقة الوحشية . ففوق أنها مختنقة بالهموم من كل جانب ، جاءتها لعنة المرض النفسي الذي أصاب ابنها البكر الذي تنتظره امتحانات الثانوية النهائية بكل ضغوطها . هل كان ينقصها المرض النفسي ؟ إنها امرأة مستنزفة بالعمل ، آلة عليها أن تعمل عشر ساعات يومياً وغير مسموح لها بالتوقف أو التعب أو بمجرد التفكير في الراحة . كانت ترتعب من فكرة أن تمرض أو تموت .. فمن سيعيل أولادها الثلاثة ؟ لا أحد لهم غيرها في هذه الحياة القاسية . وكان الله صديقها الوحيد الذي لم يبخل عليها باي عون والأهم أنه جعل جسدها فولاذياً بعد أن كان هشاً كثير العثرات . وها هي تسأل صديقها الوحيد ؛ الله :
(أما كان بإمكانك أن تجنبني صليب تجربة المرض النفسي لإبني البكر ؟)
وهي تعرف أن ما تفكّر به خطيئة ، لكن السؤال يمزّق روحها ، ولا تستطيع خنقه ، ويأبى إلا أن ينطلق مصحوباً بمشاعر التأثيم والخطيئة . فالكارثة أكبر من أن تُبرّر بالحكمة والإختبار الذي يطلع بهما علينا الراسخون في علوم الدين (ولا أعرف كيف يكون للدين علم والإيمان ضد العقل ؟) . إن ابنها يتعذّب ، وهزيمة الأم الحقيقية وتهشيم بطولتها يقع حين تنظر بلا حول إلى ابنها وهو يتعذّب . ألم يُحكم – في الحكاية الدينية المعروفة – بعدم أمومة المرأة التي ادعت بالطفل حين وافقت على حلّ المعضلة مع غريمتها بقتله ؟ ! أقسى ما يدمّر إحساس الأم بكفايتها أن تشاهد ابنها يتعذب ولا تستطيع عمل شيء لإنهاء عذابه . إنها إلهه الذي خلقه ولا يجوز أن يصيبه العجز أمام مريده . بعكس الآلهة الفعلية التي يتعالى إليها أنين المعذّبين كلّ لحظة ومنذ فجر الخليقة ، وهي صامتة تتفرّج . الأم إله يتألم ، ويتألم تحديداً من أجل ابنائه المتألمين ، وسرّ بطولته يكمن في قدرته أو سعيه اللاهث لإنهاء آلامهم . لكن سعاد لم تكن عاجزة فقط وهي ترصد عذابات ابنها الحبيب الذي ركبته مشاعر الإكتئاب والقنوط الشديد والإنكفاء من كل فعاليات الحياة حسب ، بل عاجزة عن فهم مرضه . فالمرض النفسي مازال ينطوي على ألغاز أكثر من المرض العضوي الذي يصيب القلب مثلاً . من أين تأتي الأمراض النفسية ؟ وكيف تحوّل ابنها من صبي سعيد إلى آخر تعذبه الشياطين ؟ إنها لا تعرف شيئاً عن “متصل – continuum” لحالات النفس البشرية المضطربة ، إنها تعرف أن هناك موضع للعقلاء وآخر للمجانين ، أمّا أن تكون هناك مساحة بين هذين الموضعين الواضحين للإضطراب والشذوذ يقع فيها ابنها ، وتدفعه إلى محاولة الإنتحار بقطع شرايين رسغه ، فهي حقيقة جديدة على عقلها ولا تحتملها . لكنها الآن مسافرة إلى دمشق بصحبة ابنها لمراجعة طبيب الأمراض النفسية بحثا عن حلٍّ أو علاج ، وهذا يلجم كل احتجاج .
لم تكن سعاد تتذكر نفسها أو تعي ذاتها ككيان مستقل . إنّها لا تتذكر حاجات جسمها إلا مرّة واحدة كل شهر مع بدء دورتها الشهرية . وحتى قبل أن تترمّل كان زوجها زير نساء يفخر بالخيانات ، وأنانيا يكبرها بخمسة عشر عاماً ، لم تشعر معه مرّة واحدة أنهما شريكان في الفعل الجنسي . وكانت حين يتحقق الوصال بينهما ، يصبح جسدها العاري غريباً عنها تماماً ، تنفصل عن المشهد ، وتختبيء في زاوية من الغرفة تتفرّج على جماع غريبين . وكانت تحس بالخزي حين تعي أنها متزوجة لكنها لا تحصل على اللذة إلا بالعادة السرية (ص 31) .
إنّ هذا الإستلاب الروحي والجسدي الذي تتعاون عليه التربية الإجتماعية التي تدرّب الفتاة منذ وقت مبكر على العبودية ، والتعاليم الدينية ، وطغيان الذكورة ، هو ضريبة عذاب مضافة وباهظة تقع على وجود المرأة الأم في مجتمعاتنا المنافقة . ويتعزز هذا الإستلاب والإيمان بالعبودية والتبعية لولي الأمر – زوجاً وحاكماً – ويا للعجب ، بفعل فقدان الإستقلالية الإقتصادية وانزواء المرأة في سجن البيت مبرّرة مهانتها بالولاء لعالمها العائلي . لقد تزوجت سعاد وهي في التاسعة عشرة تاركة طموحها في دراسة الصحافة ، وبدأت بالتحوّل إلى آلة أنثوية يستخدمها الزوج مثل اي آلة أخرى في البيت مع اختلافات جوهرية كبيرة ، فهذه الآلة البشرية متجدّدة وجاهزة في أي وقت للعمل والخدمة ، في حين أن الآلة المعدنية تُستهلك وتعتق وتُرمى . وآلة سعاد من لحم حي يُشبع به الزوج الشره شهواته المحمومة – وفي أي وقت – ثم يلفظه ليكون في حالة التأهب للإستجابة لأي نداء شهواني جديد . الآلة المعدنية لا تُنتهك مقدراتها ولا تتألّم ، وسعاد آلة تشتغل بالألم ، وقودها العذاب ، وتُنتهك مقدراتها كل لحظة . ولذلك من الطبيعي أن تترتب على عمل الآلة البشرية هذه إصابتها بالإكتئاب الذي كان يتمظهر في نوبات بكاء حارقة ونحيب موجع طالع من أعماق ملتهبة بالقهر والإحساس بالمهانة تفاجئها وهي تمسح أو تكوي أو تستحم . ولولا أن المرأة العربية تعتبر أمومتها قدراً سماوياً وتكليفا مخيفاً يجعلها تقعي مقتنعة بأن وجودها كلّه محصور بين حرفين هما الألف والميم ، و”تؤنسن” أثاث بيتها و”تجنسنه” إذا ساغ الوصف ، وتحوّل موضوع حبها إلى أبنائها ، لماتت أغلب النساء العربيات :
(اهتدت سعاد إلى طريقة عجيبة لتخفيف تأزّم روحها ، بأن تخربش على ورقة كلمة أمّ ، تكتبها عشرات المرات ، وبأشكال متنوعة ، تشعر أنها تتماهى مع حرفين ، ويصبحان صورتها ، الألف صورتها منتصبة ، مكافحة ، عنيدة ، ممتلئة تصميماً وأملاً ، مشحونة بحب لا محدود لأولادها ، والميم مُتعبة ، مهزومة ، مرهقة ويائسة ، وتشعر أنها فقدت ذاتها وسحقت أنوثتها ، وهي إما الألف المنتصرة أو الميم المهزومة . لو كانت كلمة أم أكثر من الحرفين ، لعلها وجدت خلاصها في الحرف الثالث ، لكنها تعبدهم ، ولا تتخيّل حياتها بمعزل عن حياة أولادها ، إنهم ليسوا جزءا من حياتها ، بل حياتها كلّها ، وهي تحب أن تشبّه نفسها بالعنكبوتة التي يلتهم أولادها جسدها ، وهي مستسلمة سعيدة لقدرها ، عارفة أنهم بعد أن يلتهموها سينطلقون أصحاء في الحياة – ص 28) .
وقد امترج حزن سعاد بالقلق الشديد ، بل بالخوف من المستقبل الذي زرعه في روحها زوجها المتهتك المتلاف الذي كان يبدّد المال على نزواته وملذاته . ولهذا كان أول شيء فكّرت فيه حين وصلها نبا وفاته بحادث سير مروّع هو أنها لا تملك أي قرش ولا مورد عمل يدفع عنها غائلة الفقر المقبل وشروره عن أولادها الصغار . لم تكن تملك العلم ولا الصنعة ولا المال لمواجهة زلزال الحرمان الذي سيداهم حياة عائلتها الصغيرة . لكن كان لديها سلاح مجرّب لا يخيب هو قلبها الكبير ؛ قلب الأم ، المشبع بالحب لأطفالها :
(وبقوّة قلبها اقتحمت العالم غير مبالية بكل الصعاب . هل تخيّلتْ يوماً أن داخل أعماقها الغامضة والتي تجهلها تقبع قوة جبّارة وإرادة حديدية ؟! من أين استنبطتْ هذه القوة ؟ إنّها تعرف أن الله وقف إلى جانبها وساندها . كانت تسمع صوته في يأسها وانهيارها ، يعدها أن يقف إلى جانبها وألّا يخذلها ، متسلّحة بقوة إيمانها وقلبها المتورّم بالحب لأطفالها – ص 33) .
وبقوة قلب الأمومة المثكولة والمتحسبة اقتحمت سعاد الحياة ، واصبحت أفضل صانعة أطعمة في المدينة . كانت تعود كل يوم محطمة منهكة لكن تحمل ما يكفي أولادها ويديم حياتها . وفّرت من عرقه اوشقائها المرّ ثمانمئة وخمسين ألف ليرة قدّمتها كلّها بثقة واطمئنان لاسكندر النصّاب الذي وثقت به بقوّة ، فقد كان لطيفا مخلصاً يتابع أحوالها ويتفقد شؤونها ويجلب لها الأدوية المطلوبة لعلاج آلام ظهرها وتيبّس أصابعها .. لم تكن تعلم أنّ عدة النصاب الأساسية هي اللطف (ص 36) .. ولكنها الآن منهمّة بمرض ابنها : جميل .

شاهد أيضاً

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

شكيب كاظم: كانا يغيّران في قصيدهما أبو عبادة البحتري ونظيره أبو فرات الجواهري

وأنا أقرأ الكتاب النقدي المهم، ككل النتاجات النقدية والمعرفية للدكتور عبد الله محمد الغذامي، الموسوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *