صفاء ذياب : عمار بن حاتم يرسم رماد الطين بالكلمات

safaa thiabربما يختلف الأمر حين تتداخل الفنون مع بعض لإنتاج نصوص مكتوبة أو بصرية، فحين يكتب الفنان التشكيلي نصوصاً شعرية تختلف بنيتها، ونظرته، للتفاصيل الدقيقة، واللون، والبؤر المكانية، والطقوس التي تحيط بالكلمات، فتنتج نصاً مغايراً تماماً.
عندما تقرأ مجموعة التشكيلي والشاعر عمار بن حاتم الأخيرة (رماد الطين)، تكتشف أن هناك عوالم غير مأهولة بعد، عوالم تتداخل فيها الرؤى والأحلام، وتتعايش في فضائها كائنات لم تكن موجودة من قبل، يفتح لك أبواباً لا تعرف إن كانت مغلقة أم مفتوحة، لكنك تشم منها روائح الخشب الرطب، والألوان التي تساقطت منها، وبقايا عرق يدٍ كانت قد صنعتها قبل سنوات طويلة. “الطريق إلى الخرافة../ يبدأ عبر الفناجين../ يبدأ من بقايا القهوة الداكنة../ وخيوط الأمل../ ثمة عشق في أسفل الفنجان/… وحصان…/ ووجوه وطريق/ الدرب إلى شفتيك يبدأ من هنا/ من أصابعك التي تمسك فنجاني/ وتمسكني”. هكذا يجرنا بن حاتم لصور وأخيلة تدرب على صناعتها من خلال سلطتين ضاغطتين: الفرشاة والقلم، فيجعلنا نحتفل معه بصور رشيقة ومبنية بإحكام، كمن يرسم طريقاً معبداً، لكن بحرفية جميلة.
الأمر نفسه حينما يقرأ مدننا الغائرة حد الثمالة بالسياسة واليأس، يترك فيها معاوله، وأزاميله، وممحاته التي أراد أن يمسح بها كل غبار صَلِف لُصِق بها، لكنه يبني شريطاً سينمائياً ليصور لنا المشهد بحسب رؤيته هو: “أبداً لم تكن بلاداً ضمت بجعبتها كل تلك المسلات والأساطير والأسماء التي تحتفي بذكرها حتى السماء../ بل إنها حافلة يقودها الجنون نحو المقبرة..!/ ثمة شعب (شعب بأكمله) يركب تلك الحافلة.. ليس يدري أين تمضي به الأقدار”.
الأسئلة التي أدخلتنا بها المجموعة كثيرة، ربما عنوان المجموعة كان علامة الاستفهام الأولى التي أجاب عنها عمار بن حاتم في حديثه معنا: “ليس للطين رماد. لكنني كنت أريد الإشارة إلى هذا الحريق الذي يلتهم الحضارة، الطين والإنسان (الرُقم الأولى والإنسان الذي ينحدر من ذلك الطين)، نحن نتعرض لإبادة وكل شيء يسير الى النهاية فيما نعجز عن ammar ben hatemصد هذا الموت القبيح الذي صار يحصدنا بالعشرات ويترك منجزنا الثقافي وإرثنا الحضاري للضياع والتلاشي… إذن هنالك حضارة تحترق ويوماً ما لن يبقى منها سوى الرماد!!”.
من خلال توجه بن حاتم هذا، يمكننا أن نبني تصوراً واضحاً على بناء المجموعة ولغتها، لكن بن حاتم بشكل خاص كان له اشتغاله السردي الواضح، فثمة شعر وسرد يمتزجان مع بعض ليكونا عالمه الشخصي، عن هذا يقول: “أحاول أن أكتب بلغة يستطيع الجميع فهمها من خلال استخدامي للرموز والعبارات (ربما من اللغة العامية الدارجة) والصور والأشياء التي هي جزء من حياتنا اليومية وتأريخنا وتكاد هذه الأشياء تكون لصيقة بيومياتنا التي كونت ذلك التأريخ الذي يُسرد بعضه في رماد الطين، هناك الكثير من الميثولوجيا في النصوص والكثير من الصور التي صُففت بشكل تستطيع فيه أن تحرك الذاكرة والعقل فتقود القارئ الى استذكار حادثة معينة أو حكاية مرت عليه، إذاً فهو خطاب موجَّه إلى العقل والقلب معاً”.
ويمكننا من خلال هذه الرؤية أن نتساءل عن علاقة التشكيلي بالشاعر، فبعدما قدم بن حاتم عدة معارض، وشارك في عدد كبير من المعارض المحلية والدولية، يقدم لنا هذه المجموعة الشعرية، لهذا يرى أن بعضه يكمل بعضه، الفنان يكمل أحياناً نصاً لم يكمله الشاعر، والشاعر يكمل لوحة لم يستطع الفنان إنهاءها، من هذا المبدأ يفهم بن حاتم العلاقة، فالرسم هو شعر صامت والشعر هو رسم بالكلمات… “في أحيان كثيرة kh ammar ben hatemتستفزني لوحة فأكتب نصاً، وأحياناً أترجم القصيدة إلى لوحة ولدي الكثير من التجارب في هذا المجال كنص (رسائل الحب بغداد- باريس) الذي أعمل عليه الآن، وسيرى النور قريباً كمعرض تشكيلي شخصي.
ومن خلال معرفية الخلفية المكانية لابن حاتم، نكتشف انه من مدينة طبعت الشعر العراقي برموز غيرت من مساره، فكركوك، مدينة سركون والعزاوي ودمو وفائق، لكن ما المعطيات التي أضافها المكان له؟ وهل هناك من تواصل بين الجيل القديم في هذه المدينة والجيل الجديد؟ يجيب بن حاتم: “ربما ولدت وترعرت في مدينة كركوك، لكن قلبي معلق ببغداد والجنوب.
أراني أحياناً أكتب عن بغداد والبصرة وبابل وعن كربلاء والنجف وعن الأهوار كشخص عاش في هذه المدن لسنوات طويلة على الرغم من أني لم أزرها إلاَّ لأوقات قصيرة فقط، لذا فإن ما يربطني ببغداد هو أعمق ربما لان جذوري تمتد نحو بغداد والجنوب”، ويضيف: هذا لا يعني بأن كركوك لم تمنحني شيئاً، بالعكس الخطوط الأولى والبواكير كانت في هذه المدينة البسيطة الجميلة مدينة جان دمو وسركون بولص والأب يوسف سعيد وعبد العظيم فنجان والكثير من الأسماء التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بهذه المدينة، التي للأسف تشهد سباتاً ثقافياً كبيراً على الرغم من وجود بعض الأسماء التي تحاول أن تحافظ على هوية كركوك المميزة وتأريخها الثقافي الكبير لكن المسألة معقدة وواقع المدينة الثقافي لا يختلف كثيرا عن الواقع الثقافي المؤلم في الكثير من مدن العراق.
المجموعة التي صدرت عن دار الأدهم في القاهرة، جاءت بـ108 صفحة من القطع المتوسط، وقد ضمت 21 قصيدة.

شاهد أيضاً

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *