الخطيب لـ (العرب الأسبوعي): التأريخ يُغتصب..*

الإبداع يبدأ من مواجهة المستور والمحظور والرقابة والأفق والسائد والرائد، من التفاعل بها جميعا لتقديم صورة عنها فريدة، في هجير حرب ورقابة صارمة داخل الوطن، وخارجه في فيافي مهجر مواتية، هكذا ظهر إبداع برهان الخطيب دون كلل أربعة عقود، قصة ومقالة ورواية وترجمة.

جبروت الظرف عنده لا يبرر التقصير، راقص قد يلوم أرضية، عازف آلتَه، عند تعثر، لكن المبدع الحقيقي يؤثر فوق ذلك في اللحن العام، يساهم في خلقه بإيماءات فكره على تضاريس الثقافة الصعبة في لحظة مناسبة، الصغير يتقافز مع قرع طبل طاغ. على غلاف له نقرأ: كل مرة أكتب رواية يلازمني خوف من الموت قبل إنهاء العمل، وكل مرة أنتهي من عمل على رواية يلازمني خوف من العيش بلا كتابة.. هذا وغيره بهذا اللقاء مع الروائي المعروف برهان الخطيب.

وقت لبعثرة الأحجار آخر لجمعها

* الكتابة الإبداعية في عصر المعلوماتية وعصر السرعة كيف تراها؟

ـ السرعة مهما زادت لا تتجاوز سرعة الضوء، يعني حتى للسرعة وما له علاقة بها ثمة حدود، هذا في الطبيعة والفطرة. في مجتمع توجد حدود أيضا، مرئية وغير مرئية. الأعراف والتقاليد والقوانين زاحفة نحو أخرى، الطموح والجموح وتغير الخطأ والصواب. وكالطبيعة الحياة الإجتماعية ومنها الإبداع غير فالتة تماما، إلاّ إذا كانت الظاهرة سرطانية، مدمرة لوسطها وما فيها.

زوابع النوء والسياسة مقيدة بظروف.

داخل التغيير المستمر، إلاّ في وطن مكبل بأجنبي، وعقل مطلق، توجد شروط الإستقرار، النسبي دائما، مؤثرة على صياغة أحلامنا في يقظة ومنام وإبداع، مدوزنة بإيقاع العصر طبعا، أي سرعته. كل شئ يدور على فلك، سوى الكون الكبير منتشر في مفازته.

عوامل طارئة كالإحتلال، وأزلية جامدة، كأفكار مسبقة، تخلق ظروفا للإبداع وإبداعا زائلين، جامدين، إذ تؤخذ تلك العوامل كمطلق. لكنه في حالة الصفر. حين تؤخذ كتحدٍ تجدها مساعدة، محفزة، تبث روحا حيوية في الإبداع ويكتسب سرعة جديدة محلقا من الجمود في فضاء غير محدود يستوعب  مختلف الإيقاعات.

المعلومات وبعضها مزيف أو غث تتدفق إلينا بإستمرار، بوفرة في عصر سرعة. إذا لم نتمكن الفرز بين الجميل والقبيح فيها، لهما علاقة بالجوهر أكثر مما بالمظهر (نفي ذلك تقصير) بين السامي والداني، بين الشاعري والمبتذل، عن دراسة وخبرة وفطرة، ولم تتم عملية التمثيل المعلوماتي طرديا مع وفرتها ونوعها، لا فائدة منها. بل قد تسبب ضررا لفرد، لإبداعه، لنسيجه الإجتماعي، عند إنتقال منه إليهما، بدراية أو غير دراية.

المعلومات لمبدع كالضوء لنبات. عملية التمثيل الضوئي والمعلوماتي وراء نمو وغنى أو فقر نسيج حي. لإبداع حياة داخلية. يموت سريعا أيضا إذا لم تكن ديناميكيته الخاصة أقوى من شروط الخارج. الإبداع ذاتي أكثر منه نشاطا إجتماعيا، يسمو عن رؤية فردية إنسانية شاملة على غوغائية محدودة وتسلطية فوقانية. وتكون الرؤية رؤيا بإرتفاع عن تفحص الجزء إلى الكل، هذا له علاقة بالوفرة وغربلتها، أكثر مما بسرعة مخربة للفن إذا طغت عليه.

والجزء تفتيت، الكل بناء. بالكتاب المقدس هناك وقت لبعثرة الأحجار وهناك وقت لجمعها. الإبداع جمع المبعثر. بالأدب جمع فصول العمل، بالسياسة جمع أمتنا العربية ثم منطقتنا المبعثرة، في كيان متناغم. هكذا تكون الصورة عن المشهد أصدق وأكمل، أفسح لعقل المتلقي، وأمضى في إحساسه.

السرعة لصالح الإبداع إذا تم تمثيلها عضويا، دون إفتعال. قاتلة إذا حقنت فيه إصطناعيا، بكولاج برّاني تمشيا وحداثة فوقانية. حيوية الأسلوب، فرادة الشكل، عمق وسعة التفاصيل، أبعاد الرؤية العامة، متداخلة ضمن الإبداع، كالغذاء في الجسم لعقل. خرق الشكل قصد تجديد، بفظاظة غير فنية، يشبه خرق جسد بسكين. والتفاصيل إذا لم تدعم العمل الإبداعي، بدعوى إن إيقاع اليوم السريع لا يسمح بالتوقف طويلا عند الأشياء، للبحث في الروابط والمعاني، تدمره، تدمير مواد غثة بدنا وعقلا.

مهما غيّر عصر إيقاعه، سرعته، يظل إبداعه محكوما بشروط فنية، غير نهائية طبعا، بل متجددة من داخله. هندسة البيوت تتغير، لكن لكل بيت يجب أن يكون سقف وباب ونافذة، هكذا في الإبداع، يجب أن يكون معنى، وسياق، وتناغم. غيّر فيها ما تشاء، لكن إلتزم بالأساسيات، بترابط العمل الإبداعي ولا نهائيته. حافظ على تهويته ودرجة حرارة مناسبة للعيش والراحة فيه، بجعل أفكاره متحاورة متصالحة في النهاية أو موحية بتصالح. الحياة فيها زوابع، لكن الهدوء فتان. حافظ على نٍسَب يطلبها الجسد والعقل ليشعر بحيويته وقيمته، بين سطور، بين شوارع. ما هي وكيف هذه النسب، بأية مسطرة تقاس؟ هي من إحساس شديد التطور، يلقف المعنى والنغمة في لحظة شاردة، من إدراك متى يجب الحركة وفي أي اتجاه وبأي قدر ومتى ينبغي التوقف ومعاودة الحركة. الموضوع هو الذي يحكم، والعقل هو الذي يدوزن، لا أي سلطة أخرى. السرعة داخل العمل الإبداعي، لا خارجه. كذا يكتب نص، قطعة موسيقية، لوحة رسم، بل وتُضاجع امرأتك، وتُنفذ أو تكبح جريمة في خيال، بفن، عند إمتلاك ناصيته.

الحب موضوع خالد، حاضر في كل عصر، مهما بلغت سرعته. إنما تغيرَ شكله ومضمونه مع تغير إيقاع الحياة. سابقا الرجل يلحق المرأة، اليوم قد يحدث العكس. غنى لها تحت شرفتها، وإذا تزوج قفل عليها وعليهما، اليوم أو غدا يخرجان من الكافيه ويلعنان الحب الذي جمعهما، ثم يعودان، ويعزفان ثانية وثالثة تلك المقطوعة. المرأة عموما مشت خلف الرجل. الآن معه. ليت السباق يكون أخلاقيا.

السرعة رفعت عنا بعض الأوهام، وعلى الكاتب، كمحترف تفكير، رفع أوهامها أيضا عن نصه. تغير الإيقاع الخارجي عموما، لكن القلب يظل في زاويته يدق دقاته المألوفة، أمام الخوف والفرح وبقية المشاعر لوجودنا الإنساني، موضوع الإبداع. تظل الدورة الدموية دفاقة تحاور بإيقاعها الخاص في أرجائها المغلقة المعتادة إيقاع الخارج، كالإبداع نفسه، يلتقط جزيئات الداخل الخارج أيا كانت سرعتها، يحرقها بأتونه الخاص، منتجا دفء الفن.

كل شئ ربما ممكن تغييره، لكن ليس كل شئ متاحا وممكنا. الإبداع صلة بين الإنسان والإيقاع حوله، بين سرعته الخاصة وسرعة الأشياء حوله، المحسوسة قبل الملموسة، بين النسبي والمطلق، إنتقالا من براءة الطفولة وحماس الشباب وتأني الرشد إلى خيبات وأوجاع الكهولة، جدالا مع السرعة لا إستسلاما لها. لا يمكنه تجاوز شروطه البدنية، ولا يحسن تجاوز الأخلاقية.

بالكتابة والموسيقى والرسم نصطاد سرعة الخارج ونروضها في داخلنا، نأنسنها. نجعلها جزء منا. بوقفة الإبداع نخلد السرعة. المبدع يؤثر في السرعة كما تؤثر فيه. تكلمت عن الإبداع الحقيقي. أما الكتابة على غرار وجبات الطعام السريعة فلها كلام آخر.

هي ليست قاتلة تماما كما يشاع عنها، لكن تقديم الوجبات الجاهزة للعقل مهمة الصحافة. الطبخ على أصوله مهمة الإبداع. ولا يخلو من وهم القول إننا نعيش عصر السرعة الآن، البشر عاشوا عصر السرعة دائما، بإيقاعات مختلفة، وإلاّ كانوا إندثروا، السرعة ديمومة الحياة وفناؤها، موجودة في الطبيعة الحية والفيزياوية بحت مذ خلقت، خذ حركة الألكترون حول الذرة، وحركة الذرة نفسها، وحركة الأجرام المؤثرة بنا عن مبعدة، فكيف حال المجتمعات والبشر الذين عليهم رعاية أنفسهم دائما. بدأنا نتكلم عن السرعة أخيرا بصوت عال مع أزدياد عدد السكان وبروز قيمة المادة، الوقت فلوس قيل، وأسقطنا هذا المفهوم على الإبداع، الناطق الرسمي بإسم البشر، لينطق به أيضا. ليس في هذا ضرر كبير، فهو يجعل الإبداع أكثر واقعية وجدوى. لكن فيه بعض تجن على الإبداع الحقيقي وقيمه الروحية العالية على المادية.

تغير حقا العالم كثيرا، لكن في الظاهر أكثر مما في الباطن، بمعنى تغيرت الأشكال والوسائل، الرواية مثلا يفضل الآن أن تكون أقصر، أغنية أم كلثوم الساعاتية إختفت، الأوبرا باقية وجمهورها يزداد، ظهرت مُختَصِرات المسافات والعلاقات، الكومبيوتر وسواه، لكن ما زلنا نسمع من أفريقيا وآسيا الآه. الغايات راوحت مكانك سر. أحيانا إلى الوراء در. كما رأينا بعد 2003 في العراق، ولو صعد هذا البلد درجة أعلى، على سلّم العم سام وبلاويه.

ضمن التغير العام الظاهري والباطني غير المنسجمين تتغير بنفس الإيقاع أساليب ومحتوى التعبير والإستقبال. البشرية مرت بأكثر من منعطف حاد للتأريخ، خاصة نحن العراقيين خميرتها، تبيّنا النجوم وأبراجها، ومبكرا عرفنا الأرض ليست مركز الكون، بنينا زقورة تقربنا للسماء، إكتشف كلكامشنا العظيم لا خلود لفان والأفضل الإنشغال بالبيت وسور المدينة، الوطن بمفهوم اليوم. ثم ترسخ بعد دورة من أساطير وأديان إن المقدس نسبي. الآن بتلسكوب هابل عرفنا إن مجرتنا على منتصف النهاية. ذلك له تأثير على بنية وطبيعة المجتمعات وحكمها. منذ الثورة الفرنسية لم تعد واهمة لاهوتية. زحف الإهتمام من الأمور الروحية إلى أوهام المادية هذه المرة. ضائقة مع زيادة سكان وعدم تنظيم العمل وأنانية أضرت المجتمعات. أفلح مَن تمسّك بخير الوطن للكل. فاتنا ذلك، لكن ها نحن نعرف منذ ركبوا الأكتاف إلى بغداد إن التأريخ ليس مصدر الحقيقة والقوة، سوى لمن يضعه تحت مجهر. القوة أو الحقيقة بيد أقصر الدول تأريخا، لنزعتها العملية أولا. الآن مع تعدد أقطاب العالم، كتعدد مواهب عبقري، نكتشف هي ليست مركز التأريخ ولا نهايته، ولأي أمة مكان فيه ضمن مجموع.

بعضنا يقاوم التغير، السرعة، لإعتياده على نمط تفكير وعيش معينين، شأنه، شرط لا يفرض رأيه على غيره، ولا غيره عليه. هذا يخص تركيبة مجتمع معاصر وأيضا تركيبة رواية أو مسرحية لها شخوص متناقضة كما في الحياة.

تغيرت أنماط التفكير كثيرا، بموازاة إنتقال المعلومات، في وإلى مجتمع، العقدين الأخيرين، منذ سقوط السوفيت ونهوض الروس أخيرا. عصر المعلوماتية والسرعة في ذاته لا يمكن أن يكون شكليا فقط بلا محتوى، ولا بلا تأثير على الأشكال الإبداعية ومحتواها، لكن من غير فتق وتمزيق. ضروري الإمساك بإنتباه المتلقي بالصدق والتركيب الروحي الموحي وإلاّ ما كان الإبداع ولا تأثير السرعة عليه.

نقيضا لما قلت هنا يعترض آخر: تتكلم عن مكابرة، الكتاب مات، وسائل جديدة متاحة تأخذ مكانه، تلفزيون، حاسوب، ديسكو. لا يقنعني. كل إنسان يحتاج خصوصية، ولو قليلا، ليس غير الكتاب وعزلته، الرواية تحديدا، ترفعه إليها. نحن تأنسنا بالكتاب، التخلي عنه عودة إلى حيونة، ملونة.

ثم أن الكتاب الألكتروني، والقارئ الألكتروني، وتصاعد الفردية، الرغبة لدى طليعة في وعي الماضي والحاضر والمستقبل بإستمتاع جمالي عال، كلها مساعدة على رواج الرواية، الكتابة الإبداعية.

القتال جماليا..

* الثقافة والسلطة، الإبداع والرقابة، والأفق اللامحدود والخطوط الحمراء… ما هو موقفك من هذه الثنائيات؟

ـ هذه الثنائيات موجودة منذ الأزل وتظل موجودة في شكل وآخر، في هيئة سلطة لها خطوطها الحمراء، فكرة غريبة وعرة لها مهاويها الخضراء، حرية تبدو بلا حدود، كما في الغرب، لكن لها ضوابطها ومسؤولياتها، عليك تبينها والتعامل معها طبيعيا لا بتشنج. مسموح وغير مسموح، هذان الخياران أمامك دائما حين تكتب. ليس خارج الموضوع فقط، بل داخله. الموضوع نفسه يفرض على المبدع محظوره، من داخله، قبل الخارج. هذا فنيا، تكنيكيا، قل تكتيكيا. أما فكريا، إستراتيجيا، عليك أن تكون قادرا على إبتكار تصورك العام الخاص عن كل شئ في وقت مناسب، إستراتيجيتك، هكذا يمكن السماح لنفسك بمنازلة إستراتيجيات سائدة. هذا ليس سهلا أبدا. ولا ممكنا دائما. لا يُغتصب التأريخ والمعرفة برؤيا، بسلاح، سوى من عسكر وساسة.

المبدع ـ ولا أقول عنه الحقيقي، لأنه لا يوجد مبدع سوى حقيقي، وإلاّ هو كاتب عادي، عرضحالجي، عامل أجير في جوقة، تعاظم إذن حنقباز ـ يضحي طوعا، كالمناضل السياسي الحقيقي الوطني، أيضا لا أقول الأممي، لأن الوطني أممي، والأممي ليس حتما وطنيا، أين كنا؟ نعم، المبدع الحقيقي يضحي طوعا بحياته جهدا متواصلا، لخاطر الجمال والتأريخ، يخدم المعرفة بأدب ينحو إلى العلا بتفان نزيه. والتأريخ هنا ليس حتما تأريخ غزوات وحروب وإنقلابات، قد يكون تأريخ قبلة، تأريخ حب، تجلي أخلاق أو دين نقي.

وتصعب على مبدع منازلة الإستراتيجيات السائدة لسبقها إبتكاره في فرض وجودها. أن ينتزع منها منطقة بسلاح المحبة قد يكون مستحيلا، خاصة أوقات نزاعات فكرية كبرى، على هذا المنعطف أو ذاك، حيث يرفض المتسيد مزاحمة، حيث يُنظر إلى سعي المبدع سذاجة، عليه التوحد أو الإنضمام لإحدى السوائد، الرضا بدور ملحق بالتأريخ لا منازلا  له. وإذا وصل مبدع قبله رؤيا الكشف، مارس بها وجوده الفكري والفني، هنا خط، هو الرائد والكبير، وعلى الآخر الإعتراف بمكانته.

تبدو المسألة هكذا ميكانيكية، وظيفة كانت شاغرة وأخذها أول من إستطاع الوصول إليها، وعلى غيره ينبغي التراجع بعقل، البحث عن ثغرة أخرى في الفكر، للنفاذ وصياغة الحقيقة والجمال والحرية بطريقة خاصة، تكشف الموهبة والإمكانات، أو السير في ظل الغير لو إُعتنقت أفكاره، ممارسة الدور محدودا على صعيد أوطأ. التحدي لمبدع لا من رقابة وخطوط حمراء فقط، بل من أفكار عامة وزملاء، من نفسه. منطق ترتيب الأشياء لا توضع كلها على موقع واحد. إنما يُحشر مبدعون في خانة واحدة أحيانا، تعليبهم وإعادة إنتاج أفكارهم، كخانة أدب المهجر الذي له ثنائياته الخاصة.

أدب المهجر واسع، ظهر فيه أنبياء وصعاليك، وضعهم في قالب يدمر خصوصياتهم. لغياب الحساب النقدي هنا يتاح لصغار منهم تمثيل دور كبار، ينطلي أو لا ينطلي، يؤخذ لو فيه نفع لإعلام موجه يقال عنه حر ويسّوق. هكذا كاتب يجعل نفسه أضحوكة أمام مختصين، وعموم الناس تعرف أخيرا، الزي الفكري يعلن عن صاحبه، يفضحه لو تنكر. البعض يلجأ إلى الكتابة في المنفى أو المهجر لتطبيب نفسه ويعرضها كأنها الدواء لمن ليس به داء. بمواجهة الثنائيات تبدأ شعلة بالتوهج. الإبداع يبدأ من مواجهة المحظور والرقابة والأفق اللامحدود والسائد والرائد، من التفاعل بها جميعا. أبدع عراقيون في ظرف الحرب والرقابة الصارمة داخل الوطن كما أبدعوا خارجه، في ظروف مهجر مؤاتية. أحيانا يُعلل قصور في إداء عاليا بجبروت الظرف، كراقص يلوم الأرضية أو العازف. المبدع لا تهمه الأرضية ويؤثر في اللحن العام، يساهم في خلقه بإيماءات فكره على التضاريس الصعبة للثقافة في اللحظة المناسبة، والصغير يتقافز على قرع طبل يطغي عليه.

لا أبتعد عن السؤال، المبدع لا يكتب في جنة، حلمه متحقق، ولا في جحيم ظروفه معروفة. الإبداع كالحياة يظهر في مناطق إلتقاء المتناقضات، الثنائيات تحاول الفصل بينها، يحاول المبدع حل تناقضها بجمعها، والثنائيات بالتقسيم. الإبداع ينقل بحياد التناقض خارجه إلى داخله، يصنع وحدة أضداد، أعمالا أدبية حافلة بصراع قصد فضه. الرقابة والخطوط الحمراء تقول لا وجود لصراع غافلة عن تزايده. الإبداع يلتف حول الصراع والخطوط الحمراء، جامعا تضادا داخل تضاد. توقف، إستسلم، إنتهى.

نبدع بين الظل والنور، بين السطور، نعالج المحظور بحذر عن مبعدة، كذا هو الفن، ليبدو مقبولا حتى لحارس الأفق. الإبداع حوار مهذب لرفع الحظر وفتح الأفق. قد تكون النتيجة حظر العمل الإبداعي من إنتشار، هذا حال آخر، مؤقت، لا يخص الإبداع تأليفا بل نشرا، خارجه لا داخله، هذا متغير، بعض كتبي إنتظر طويلا قبل إستقراره في أشهر مكتبات العالم العامة: مكتبة الكونغرس الأمريكي، مكتبة الملك فهد، مكتبة الإسكندرية، مكتبة فاس، وغيرها، إضافة إلى مكتبات عامة من أستراليا إلى إسكندنافيا.

سألتني عن موقفي من الثنائيات. القتال جماليا، هذا هو مبدأي في الكتابة والحياة عامة.

علم الجمال يقي المبدع خوفا من هذه الثنائية وتصادما معها، يجد فيها حافزا للكتابة. تبقى مغادرة الوطن مظهريا للحصول على أكبر قدر من الحرية للكتابة. ربما لو ما قدر لي توديع العراق نهاية الستينات كتبت رواياتي فيه بنفس الأداء. العراقيون عاشوا وما زالوا أزمة أخلاقية أكبر منها سياسية. سياسيا تجاوزت حدودا أحيانا طلبا لعزة الوطن. أخلاقيا لم أتجاوز حدودي مطلقا. لذلك كنت مقبولا من الجميع وفي خصام في آن. تحملت الكثير وما تنازلت عن معتقدي الأخلاقي فإحترمني حتى خصمي. نقيب صحافيين سابق سألني في القاهرة قبل أشهر: الكل يمدحك في وقت مليئ بالذم، ما السر؟ قلت: تستوعب المختلف يتقبلك وتخلصتم من شجار.

هكذا السلطة والرقابة والخطوط الحمراء، ينبغي أن تكون بينها وبين المبدع معايير وقيم مشتركة ليتم تفاعل. الشرف والصدق والنزاهة ليست حكرا ولا ترفا ولا زينة بل أسس حوار وأدب حقيقي. والسلطة والرقابة قد تمثلان نصف الشعب إذا كنت معارضا، وكما في الحياة الزوجية، يجب إحترام وتفهم نصفك الآخر.

حريتك تكتسبها وتوسع حدودها بمقدار فهمك للشريك ومقدرتك للتعبير عن نفسك بلطف، بفن.

المثقف يغني في غابة سبطانات

* في فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين  كان المثقف يوجه جماهيراً ، يؤثر في الشارع العراقي  لكن اليوم حصل العكس ؟ هل انتهى دور المثقف ؟ أين يكمن الإشكال هل فيكم أنتم كمثقفين حين تخلّيتم عن دوركم ؟

ـ السؤال الاستفزازي نافع، دافع لرد حيوي، لاصطياد في عمق نهر السؤال، قد يصيب المتحاورين برشق. تدعي دون دليل إننا كمثقفين تخلينا عن دورنا، وقت جُندِل ذوو اختصاص وصحافيون وكتاب برصاص فوضى البلد الحالية. أولئك تخلوا عن دورهم هذا واضح، بالغياب قسرا، باختيار غير محظوظ، كانوا في مكان خطأ، في وقت خطأ، أي مثقف معرّض لارتكابه لو ما فهم ما عاد بين الأبيض والأسود وجود للرمادي. لون الشيب هذا، لون الحكمة، ليس مطلوبا في شارع مجون، كثرة تصبغ لتعيش، لتكون في صورة. أي دور هنا لمثقف وغيره، في شارع أنس دموي مسيج بسبطانات طائفيين ومحتلين وعصابات عنصرية، غير دور قاتل أو مقتول، طالما ليس هناك دور متفرج، ومصلح حال يعامل كعدو من هذا وذاك.

شارع عراقواي برودواي في فورة عرض مسرحياته، هنا واحدة يخرجها أجنبي، أخرى على الرصيف المقابل يخرجها محلي، موضوعهما القتل طبعا، المودة السائدة مذ انحنت رقاب لمخرج استرخص أهل البلد وذوقهم وأولئك استرخصوا أنفسهم وأخلاقهم. ثم أليس ذلك ما شاهدناه أغلب الأحيان، في أفلام غربية، حتى والحرب الباردة انتهت وكان عليها أن تنتهي في الفن أيضا، لكن عادت واستمرت في إنتاج إبداعاتها الدموية مع استمرار معامل السلاح في إنتاج حشراتها الكريهة للسع والربح. الحرب برأيها كالريح.. تكنس فائض الأرض.

مرة أخرى: أي دور لمثقف في هذا السوق غير دور بائع أو جلاد أو ضحية أو شهيد، بفيلم تركيبته واحدة كأغلب أفلام ومسرحيات الحرب والرعب في برودواي وهوليود مع تغير الوجوه. كممثل، نعم. الفرجة هناك بعيدا. خارج معامل إنتاج الوعي. هي ممنوعة عليه هنا، وأيضا التعليق، إلاّ ضمن جوقة، تحت قيادة مايسترو غير محترف مع ندرة محترفين.. وهو ليس ممثل أصلا.. ولا ينبغي له أن يكون.

ضع في حسابك: الممثل مثقف غالبا، لكن المثقف ليس ممثلا، ربما على مسرح، لكن ليس في الحياة.

أخَذَ مثقف دورا في مسرحية، على خشبة أو غيرها، خسر دوره الحقيقي في الحياة. لا كلام عنه بعد ذلك سوى بإعلان عن تلك المسرحية. بل لا كلام عموما عن دور مثقف في اصطدام مسلح سوى بعد فضه سياسيا أو بحسم لصالح الوطن المشترك، ليشتغل جماليا على البناء الروحي للإنسان.

نعم، دوره الحقيقي المشاركة في البناء الروحي لمجتمع، كمثقف نعم، حرفته تقديم الأمل والحقيقة للناس، إلتقاءً وعملا معهم. مشاركة في هندسة الحياة الاجتماعية، لوضع طبيعي لا مفتعل، يصبح بلا جدوى لو نقضت المشاركة، كالذي نعيشه منذ ضربت القوى الوطنية بعضها بعضا بعد ثورة تموز    1958 مع إنزال شعار مشبوه على الثورة من فوقها لسحقها، فيدرالية مفتعلة، مع مصر (ج ع م ) ظاهرا، تحوّل باطنا مع شمال الوطن، بتوقيت لا تفسير له سوى نسف الثورة والبلد. نصف قرن من المآسي وملايين الضحايا لإدراك فتنة. انطلت الاستفزازات على التوأم الوطني الثاني أيضا، رفع شعار الوحدة، ربما الأكثر واقعية في مزاج تلك الفترة، تأميم القنال وحرب 1956 ودفاع عن جمهورية وليدة ولود نضجت في ثلاثة أعوام رافقتها أخطار حتى اليوم. هدر الدم الوطني وأجهضت أم العراق الكبرى (ثورة 1958) برفس نجليها في خاصرتها، البعث والشيوعي، في تراجيديا سياسية لا مثيل لها، غذاها عداء مصدّر إليهما من الخارج بمكر، وآخر مصنّع في الداخل بجهل، برهنت الأيام على سهولة تحوله محبة، بحديث صادق حول طاولة مستديرة للوطن، في مسلسل عنف مستمر حتى اللحظة، في صورة لاعبين جدد أخرى، أشقاء أيضا، أشد فتكا من الأولين.

معلوم، التوأم الأخضر ركب القطار في 63 ، الأحمر الدبابة في 03 ، كلاهما دق الغرب، حقيقة أساسها وقائع بدأت من تصريح السفير الهارب من بغداد إثر الثورة: الجواد العراقي خرج من حظيرتنا وسوف نظل وراءه حتى نعيده إليها. وما زال ورثته يحاولون، يمسكون به، والجواد الأصيل مازال جامحا، البرية اتسعت الآن، بوابة شمالا يفتحها الأغا التركي الأريب، تصالح حميد بين ماض مديد وحاضر تليد، وشمالا أبعد الدب الجار الكبير القريب ونزعة وسطية جعلته يترك أفريقيا وآسيا والآن يعود وتؤهله ليكون نقطة توازن العالم، بديلا عن ثور عجز عن حمل وهم على قرنيه، ها تركوا حبوب الولايات وطلبوا حبوبه.

حلقات متواصلة تأريخ العراق هذا أمامنا، معركة وصفتُها نعم غير متكافئة، منها مقتل كامل شياع وطاقم الشرقية وغيرهم، التراجيديا هنا لا تنبع من مقتل مثقف فقط، شبه الحرب الأهلية في العراق كلها هي التراجيديا، تحديد ذنب نشوبها وما يحدث فيها تصدره محكمة للتأريخ سياسية غائبة، معلوم، التأريخ من آشور إلى بابل إلى سومر يداس بالجزمة مع الأسف. قبل ذلك بيدنا صنعنا التراجيديا لأنفسنا، نصف قرن من عدم تفاهم، اليوم مازلنا فيها، أزمة معقدة يتحمل مسؤوليتها أكثر من غيرهم سياسيون مستقوون بأجنبي مسلح جوارهم. سهولة الحكم من وضوح الصورة.

السؤال أيضا عن تأثير المثقف في الشارع.. المثقف السياسي يؤثر فيه حين يكون أعلم من الجماهير. بظرف استقطاب واحتراب وتعمية تُستفّز، تنبذه إذا لم ينخرط معها في صراعها، فيه يعيش المثقف تراجيدياه الخاصة، داخل العامة. ينعدم دوره في (توجيه الجماهير) فهي موجهة من غيره، بما هو أمضى من الكلمة. فكرة الخلاص عنده تسخر منها دموية الشارع. لا مكان لمثقف جوار قنبلة. يُرغم على انحياز وهو بطبعه لا ينحاز، على ممالأة أجنبي وهو وطني، على عدم إعاقة رفض احتلال في الأقل وقت يحسب ذلك مشاركة في إرهاب. يصبح عبئا وعبثا وقوفه ضد الحسم وسفك الدم، به يُحل إشكال، سواء من السلطة أو من معارضتها، الكل مدجج بسلاح وهو لا يحمله، هكذا يكون ضحية سهلة لسوء فهم وإزاحة عن طريق. يرفع خطابه إلى فوق، أيضا كلٌ يريد الحل بسلاح.

على صعيد آخر، فردي، مثقف العراق في تراجيديا حتمية اليوم، وقف مع العملية السياسية أو ضدها. تراجيديا نابعة في حالة تعاونه من عدم قناعته بما يفعل ويفعله التزاما بموقف مؤثر عليه. معيشي أو حزبي. شياع كتب حرفيا إلي: لا زلت انتظر في بلد الانتظار والتلكؤ الذي يملأ  القلب مرارة..  فهل يدعو  شياع كما أدعوا بهذه الكلمات أحدا للعودة إلى بلد وصفه هكذا، وهو باق فيه مرغما؟ أشك.  في مناسبة أخرى عبر هذا الرجل النزيه الحميم الشفاف عن أكثر من ذلك اليأس، كان مدركا لا جدوى عمله في ظل احتلال، شعر الأمان في الشارع من جانب مناهضيه، رفض حمل السلاح، متأكدا من عدم استهدافه، واصل عمله، غير المجدي حتى برأيه، في وزارة ثقافة، التزاما منه بموقف حزبه غير المقنع له،  هنا بدأت كارثته.

بتضحيته بموقفه الشخصي لصالح موقف حزبه، بغض النظر أي الموقفين صح، خسر معركته مع قدره، نازله هنا نيابة عن غيره، فأنزل القدر القصاص المفروض إنزاله بأهل الخطأ، لكن به. كان في إمكانه إنذار حزبه بل والطلب منه بضرورة الانسحاب من عملية أصبحت عبئا على الشعب العراقي ومرتعَ طفيليين، بفساد استشرى حتى التعرض لإنسان مسالم. بل وانسحابه هو من حزبه وموقعه إذا لم يهتموا بتوصيته كخبير. طبعا لهذا تبعات قد تصل ما لا يمكن تصوره. إنما خاطر هو في كلا الحالين بحياته، وأكثر حين إلتزم غير موقفه الشخصي في ظرف استثنائي.

تراجيديا إخراج المثقف عن دوره التنويري مرغما أو طوعا. كذلك تمسكه بدوره هذا في ظرفنا، كما أحاول أن أفعل. قد نُتهم بمساندة إرهاب. قد نتعرض لاغتيال أيضا ممن لا يعجبهم هذا الموقف. المنطقة الوسطى ملغاة، الخيار الارتماء إلى هذا الجانب أو ذاك. بل الوطن وليكن الطوفان. البعض قال ذلك أيضا وزار عدوا، خالطا بين الشخصي والعام، بفوضى من انطفاء مصباح سلطة الوطن الحقيقية، والعتمة تدل فيها البصيرة لا الباصرة على الطريق.

اقتراب المالكي والنواب إلى الشارع بعض حل

تراجيديا أيضا تخلي مثقف عن دوره بتشويش من تغيير بل كسر قسري لبلاد الرافدين، هذا تعقيم.

ثورة تموز 1958 أيضا تغيير قسري، فلماذا  تأييدها؟ لأنها نتيجة تطور طبيعي مر به البلد والمنطقة برمتها. بعد ربطه بحلف نزع عنه استقلاليته وكرامته وضرب الوطنيين المحتجين وقتل مَن في حماية سجن الدولة لم يبق لهم غير الرد بقوة أيضا وكانت الثورة. ذلك يحدث أيضا برفض عراقي على أرضية اتفاق وريث للحلف القديم مع تصفية ركيزة وطنية أخرى هذه المرة. يصبح الرفض طبيعيا. أين المثقف من هذا؟ يمشي ضد، يسكت جبنا، يؤيد ممالأة؟ لعل اقتراب المالكي والنواب إلى الشارع بعض حل، أوله رفع الحيف عن المغبونين، وتوزيرهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

المثقف في محنة مضاعفة، وجهه وظهره مكشوفان، بلا حماية، يأسه ليس خيارا ولو في جحيم، حدود الثقافة تنتهي عند اليأس. صعب الآن في العراق وخارجه وضع مثقفه. يظل دوره ومأثرته في عثوره على الفكرة السديدة ونقلها إلى غيره. لغته الكلمة والسائدة الطلقة، ويُطلب منه أن يقود شعبا؟ حسنا وصلني الطلب، أنقله إلى قراء الممحي، لكن ليس بكل سرور، بل بخشية يكنسها حب الوطن.

قادة مزيفون دمروا الكثير حتى في مثقفيهم، ناجون قلة، قادة تحركوا بشروطهم، لومي أكبر على المثقف لعدم حركته غالبا ضمن شروطه. حدة الخطاب السياسي حوله قد تفرض عليه الصمت، هذا أدينه. أو الانخراط فيه، أرفضه. أو نقده، هذا أتبناه.

هذا هو حال المثقف في غابة السبطانات، وما زلنا نغني فيها جرحى بمعاناتنا.

وأعود إلى مركز السؤال هنا وأقول غير دقيق. مثقف الستينات والسبعينات ما وجّه جماهير تلك الفترة الساخنة بل وجهته نحو تمرد وثورية آنذاك. ما أثر في الشارع العراقي بدليل تطورت الأحداث لا بالثقافة، بل بحسابات السياسة. السياسة من الثقافة طبعا. السياسة جزء، الثقافة كُل، قوامها كيف نفكر، كيف نحقق أفكارنا. متنورون في سلطة كما في الإمارات وتونس واليمن وسوريا يستمعون لصوت المثقف ويتبنوه، هذا أمل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

* عن (العرب الأسبوعي) اللندنية. عدد 13 يونيو 2009

شاهد أيضاً

حوار فكري مفتوح مع الكاتب والمفكر سمكو محمد حول الايديولوجيا و الاضداد (القسم الخامس)
اعداد: عباس جميل جيما
و ترجمة الى العربية: جمعة الجباري

سمكو محمد: الايديولوجيا كقناع على شكل وعي مزيف وضبابي له بداية دون نهاية واضحة سمكو …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (13)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

بريد السماء الافتراضي
حوار مع الشاعر الأمريكي عزرا باوند
كتابة وحوار: أسعد الجبوري

على وقع أصوات المارشات العسكرية،كان الرجلُ منتشياً دون كأس .إحساسه الداخلي بتلك النشوة التي تفرزها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *