زينب حامد سرمك : وعد ..

zinab 2(( كان مهاجرا على الطريقة التقليدية , لا يحمل شيئا إلا ذاكرته ..
حلمه منذ البداية مساحة فارغة لنشر غسيله !.. لذلك رحل … ))
وقف بينهم قائلا .. امنحوني كلمة   !
اعرف إن الدنيا سراب , و نحن العطش الذي لا ينتهي
أريد فقط كلمة ..
قالوا : نعرف انك شاعر , أنت من يمنح الكلمات ..
قال .. سأهبكم لغتكم الخاصة , امنحوني كلمة لأبتدئ رحلتي ..
وقتها قالت يده اليمنى (اضطر إلى بترها قبل ثلاثة أيام)  : آمر يا أخي ..
أجاب الذي كان أخاه : أريد ( و ع د ا ) .. ,
أصيبت يده اليمنى بالشلل !..
ردد وهو يضع يده على انفه ( يعرف الآن سبب تلك الرائحة ) , أريد ( وع د ا ) .. ابتسمت الحشود ,(( يتمنى الآن لو إنهم ضحكوا ربما اكتشف أنيابهم )) , أكمل حديثه بصوت منكسر : سأرحل ..
تدفقت علامات الاستفهام تحاصره (( كان يظنها أنصاف قلوبهم التي وعدوه بها , يعرف الآن إنها مشانقهم تتأهب لاستقبال رقبته !))
كعادتهم تغزلوا به و كاد أن يسكر لولا تلك الرائحة ! , ببطء استعاد توازنه , (( حين اصدر ديوانه الأول قالوا له : ” صدر البيت لك و العتبة لنا “, يعرف الآن إنهم قصدوا : لك السجن و لنا الحرية .. في ذلك اليوم استبدلوا شوارع مدينته التي يعشق بحبال عشقها مرغما , أقنعوه إنها الطريق الوحيد إليهم ,لم يكذبوا ( لكي تقابل حيوانات ناطقة ادخل السيرك ) , هو دخل لكنه لم يخرج .. أعوام مضت و هو يمشي على ذلك الحبل ـ لم يخبروه إن حبله دائرة !ـ.. حين وضع قدمه على الحبل ارتعد ( كانت المسافة كبيرة جدا بين ظله و جسده) , قالوا لا تخف؛ أوراقك تحتك … قبل ثلاثة أيام سقط , و لان الأبيض كان مذهبه ( أوراقه , أقلامه , ثيابه و حتى جسده ) بحثوا عنه طويلا , و استمروا بالبحث .. ))
بصعوبة ثبت أقدامه على ذلك الحبل , أحس بأسئلتهم تبتعد , و الكؤوس توشك أن تتحدث !, أسرع يقول :
لقد قررت الرحيل , و متاعي كلمة
و لكم غابات من القصائد ..
بدأت الكؤوس حديثها و الرؤوس سارحة في مكان ما  ..
(( كانوا يسمونه اللحن الخالد ـ لم يكن اسمه خالدا , وقتها تمنى لو كان ـ قالوا له إن أقدامهم في حالة شخير متواصل و وحدها ألحانه تنهي سباتهم , اخذ مجاملتهم من باب التشبيه و ابتسم ,, يتمنى الآن لو انه طالب بوصف آخر.. الأقدام لا تعرف إلا الركل , هو الآن يئن ))..
انتظر ردهم .. تسربت الدقائق من قبضة يده , الساعات , الأيام , الشهور ضغطت نفسها بين أصابعه و خرجت , نحيفة كجسده .. (( هو الذي كان يمارس الحمية إلا من حبهم , يعرف الآن انه لم يتناول شيئا سوى الفقاقيع )) ,
أمام و جع الانتظار , التهم أحلامه !.. كان الأمر مؤلما جدا , لم يجد شيئا يسهل له ابتلاعها و لا حتى كلمة ,, ملأت الخدوش خارطة وطنه !..
رتب الأوراق في يده , و أدار وجهه بينهم , لم يجد أحدا ينظر في عينيه , فكيف يقنعهم بالنظر إلى داخل رأسه ! ,.. جرب قراءة شئ من الشعر ,
(( حين دخل عالم الكتابة , أصيب الوسط بحمى اسمه , كان الجميع مندهشا بهذا الغريب ,ـ اليوم عاد كما كان! ـ ,.. سأله احدهم ما سرك ؟..,أجاب : أنا افرق بين الكأس و اللسان !..في اليوم التالي كتبت الصحف بالخط العريض ـ لهذا نحبك ـ,, يعرف الآن انه اخطأ القراءة .. كتبوا ـ لهذا نكرهك !ـ…))
على غير عادته أنهى القصيدة على عجل , و كعادتهم دائما يصفقون , للمرة الأولى يشعر بالإهانة تخترقه , و يشعر أيضا بقصائده تتعمد إحراجه (( كانوا يحملوه على أكتافهم احتفاءً به , يغمض عينيه ثم يقذفونه عاليا .. “عاليا” تغرس أنيابها في أعماقه , يدرك الآن انه كان مصلوبا بالمقلوب !)) ..
يده تضغط على انفه ـ الرائحة الكريهة ما عادت لغزا ـ , و الكؤوس لا تفرغ أبدا , يقرر أخيرا أن يطرف بأجفانه ..
(( منذ أن منحوه حبلا بدل الأرصفة و هو يسير ؛ اخبروه إن اتزانه يولد نتيجة أفعاله .. لم يخبره احد إن الجمود فعل أيضا !.. ,
الآن يقف , يستمتع باللاشئ يتسرب إليه .. ينظر إلى الأسفل ,
أوراقه البيضاء تنتظره و ظله نقطة سوداء في المنتصف..
يمد يده إلى جيبه و يخرج قصيدته الأخيرة , يرميها ..
تصل الورقة القاع و يختفي ظله !)) …
فتح عينيه ـ لم يسرق من الوقت سوى ثانية ـ ,
الرائحة الكريهة تلاشت , و الهدوء المخيف يحدق فيه , الحشود المليونية تأخذ كؤوسها و ترحل ,..
نظر حوله , لقد نسوا رؤوسهم !, خبأها في جيبه ـ مشروع قصيدة ممكنة ـ ثم ذرف ثلاثة أحرف من عينيه .. ( و , ع , د ) …
و قفز من فوق الحبل بحثا عن ظله !…….

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/21 – الأخير)

ليس هذيانا لدينا اسباب عديدة تدفعنا لان نتمسك بالحياة،حتى وإن كان الامل ضعيفا في امتلاكنا …

أُغْنِيَةُ الحُبُّ الإِلَهِيّ
فاضل البياتي
السويد

في الدُنيا ضُروبٌ وروائِعٌ مِنَ الحُبِّ شَتَّى ويَظلُّ الحُبُّ الإِلَهِيُّ أعظَمُ وأروعُ وأَبْقَى وليسَ هُناكَ …

~ المراعي الجديدة ~
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صَبِيحَةَ كُلَّ يَوْمٍ نَجْلِسُ مَعًا نَتَنَاوَلُ حَلِيبًا وَ خُبْزًا بِالزُّبْدَةِ وَ الْعَسَلْ وَ عَصِيرًا مِنَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *