عبد الإله عبد الرزاق : مغايرة البناء الفني في (شــرفات الذاكــرة)

abdulelah abdulrazzaq 2ثمة فيض من الذكريات يكتظ به الماضي ، مثل ما كانت هناك رغبة في الإمساك بهذا الفيض وتسجيله ، بدوافع غير محددة ، ربما الاعتزاز به ، فالذاكرة ترافق صاحبها طول المدى ، وربما الانقياد إلى رغبة خفية في مواجهة تحدي شحوب الذاكرة أو ضعفها بسبب تقدم العمر ، وقد أشار المبدع ناطق خلوصي بطريقة غير مباشرة إلى ذلك وهو يكرر أكثر من مرة مفردة  ( سني الشيخوخة ) ، وهو الحب والاعتزاز في الحالين . وهذا الدافع اضطر الروائي لأن ينهج النهج الواقعي التسجيلي والمباشر أحياناً ، بحيث كان صوت المؤلف مسموعاً بوضوح ، فهو وحده الموجه لهذه الذكريات ، فهو يختار منها ما هو قريب لنفسه ويروح ليشبعها  تفصيلاً ( الحديث الطويل عن حبيبتي المراهقة ، سميحة ومنار ) يقول الناقد الفرنسي  ( البيريس ) في كتابه ( تاريخ الرواية الحديثة ) : ( الواقعية تتضمن التدخل الذاتي للراوي العنيف المتحيز الخلاب عكس ما كانت عليه من موضوعية / ص 309 ) سيجد القاريء حقيقة هذا التدخل المباشر في التفاصيل الواقعية التي سحبها الروائي من الماضي عبر شرفات ذاكرته بحسب ما يعجبه من هذه الذكريات ، دون أن يتخلى عن الواقعية الموضوعية في بعض الجوانب من ذكرياته . ويرى ( البيريس ) أيضاً : ( إن التحقيق الصحفي والحادث اليومي ودخول مزاج الراوي وقريحته الفياضة أو المنهج الفني الجديد في الوصف الموضوعي ، قد خلقت الأشكال الحديثة للواقعية / ص 307 ) ولعل أقرب مثال لما يسمى بالتحقيق الصحفي في ذلك اللقاء الذي أجراه الروائي على لسان البطل الراوي مع سميحة ، إحدى حبيبات المراهقة ، فمن خلال هذا اللقاء كان واضحاً أن الروائي و على لسان البطل الراوي كان يسعى إلى كتابة ما يشبه التحقيق الصحفي عبر أسئلته الطويلة لسميحة عن حياتها السابقة ، زوجها وابنها وعن أخيها ( منير ) وكان صديقاً للبطل الراوي ، إلى أن يتكامل بعدها هذا التحقيق الصحفي . ومثل ذلك وجدناه أيضاً في حبيبة مراهقته منار ، لقد انطلق الراوي يبحث عن هذه المرأة بعد أن سمع أنها تدير مضيفاً مثل الرجال ، ومن خلال هذا التحقيق وعبر أسئلة كثيرة وبعض هذه الأسئلة تبدو مقحمة ومصطنعة ، كل ما أراده الروائي أن يعطينا تعريفاً كاملاً عن منار مثلما أعطانا و بالطريقة نفسها تعريفاً كاملاً عن حياة سميحة .
nateq  2kh nateq   3لقد كان بإمكان الروائي أن يستعين بطريقة أخرى وبتكنيك آخر ليعرّفنا بهاتين المرأتين بدلاً من طريقة التحقيق الصحفي الذي ــ وإن كان منسجماً مع الطرح الواقعي ــ تقاطع مع السرد ضمن وحداته المحافظة على الإيقاع الموحد دون تدخل من الروائي .
لقد وجدنا في القسم الأول من الرواية ، والذي ينتهي في الصفحة 87 ( وهذا التقسيم اعتباطي في الواقع ، توصلنا إليه من سير الأحداث والتي جاءت طبعاً بشكل ذكريات ) يتوقف القسم الأول منها هنا أي عند الصفحة المذكورة . لقد تنازعت الروائي رغبتان قويتان وهو يسوق هذا الكم من الذكريات ، الأولى تدخله الذاتي العنيف والمتحيز والخلاب أحياناً كما يقول ( البيريس ) في معرض حديثه عن الواقعية/ ص 309
والرغبة القوية الأخرى هي ترك الذاكرة وحدها كي تسترجع التفاصيل دون تدقيق أو تمحيص . وأحسن مثال على التدخل الذاتي العنيف هو عندما قدم لنا خمسة وجوه أليفة من وجوه الفتيات اللاتي أطلق عليهن تسمية ( فتيات الفرص الضائعة ) ، فقد جاءت عملية التقديم مثل تحقيق صحفي أو بعبارة أخرى مثل قاعدة بيانات تعريفية بهؤلاء الفتيات ، فهو يضع أولاً اسم الفتاة في بدء السطر ثم يمضي ليفصل الحديث عنها وعن علاقته بها ، ثم ينتقل بالطريقة نفسها للحديث عن الفتاة الثانية والثالثة والرابعة حتى الخامسة .
وأحسن مثال أيضاً على الرغبة الأخرى ، كما ذكرنا هو عملية التجميع الواضحة للأحداث حتى تلك التي تبدو لنا لا قيمة لها مثل مشهد إعدام حصان رآه الراوي أول مرة . أو مثل ذلك مشهد قيام أحد أعمامه بفرز القطع المعدنية من النقود ليميز منها قطع النقود الملكية عن تلك التي تم استبدالها بأخرى جمهورية أو الحديث الطويل عن سفرته في فترة دراسته الجامعية إلى عبادان إلى غير ذلك من أحداث هامشية لا تأثير لها على مجمل الأحداث الرئيسة .
لا يجد القاريء عناءً في إدراك وعلى نحو سريع أن العمل الذي بين يديه هو كتاب سيرة ذاتية ، فالراوي البطل يعود إلى مدينته ومحلته وبيت جده القديم الذي ولد فيه ، ويتذكر هناك بعض وقائع حياته منذ الطفولة ، إذ نشأ في رعاية أمه الأرملة يتيماً محتاجاً إلى رعاية خاصة ، ولم تقصر أمه في ذلك فقد تعهدته بالرعاية والتربية ولم تبخل عليه بشيء وسعت سعياً محموماً من أجل أن يكمل دراسته في الابتدائية والمتوسطة التي اضطرت لأن تنتقل به إلى مدينة أخرى ليواصل دراسته في المتوسطة ، إذ لم تكن ثمة متوسطة في مدينته ، واضطرت أمه للانتقال به إلى مدينته السابقة بعد مصاعب حالت دون دراسته في تلك المتوسطة ، حتى جاءت الفرصة التي كانت تنتظرها بشوق عارم وذلك عندما افتتحت متوسطة رسمية في مدينته . في تلك السنة المبكرة بدأت مرحلة مراهقته . ولم يغفل الروائي ناطق خلوصي الإشارة إلى بعض اهتمامات هذه المرحلة المبكرة مثل التطلعات الجنسية والسياسية أيضاً . وظلت مشاهد التذكر تتوالى على امتداد الصفحات الأخرى من الرواية حتى عودته في فترة شبابه مدرساً في المتوسطة نفسها بعد أن أكمل دراسته في دار المعلمين العالية .
وهكذا وجدنا الروائي ناطق لا يغفل شيئاً من مجريات حياته دون تسجيل متسم بالسرعة والانتقائية .
لقد ذهب بنا الظن أن ثمة أموراً أخرى قد تغيّر من مسارات الأحداث وقد تنعطف بها عن سياق السيرة ، لكن ذلك لم يحصل ، إذ ما تبقى مما يمكن روايته قد شغلت الروائي ، وذلك عندما توقف طويلاً للحديث عن الفتاتين سميحة ومنار .
كان الحديث عن هاتين الفتاتين والمرأتين بعد ذلك حديثاً طويلاً استنزف نصف الرواية ، فقد ابتدأ من الصفحة 87 وانتهى بانتهاء الرواية صفحة 175 وهذا الجزء من رواية الأحداث وإن كان طويلاً كما ذكرت ، لكنه أضاف شيئاً من الحيوية إلى بناء الرواية الذي كاد نسيجه يتمزق ، لأنه لم يتجاوز سرد مواقف ومشاهد من ذكريات طفولته ومراهقته وحتى شيخوخته ، ولعل ما يؤكد حيوية هذا القسم ، طريقة الروائي التي لم تخلُ من متعة والتي سار بموجبها في روايته للأحداث للوصول إلى سميحة ومنار ، بحثاً عن الأجوبة التي كان الراوي يبحث عنها . لقد جاءت شهادتا سميحة ومنار بطريقة الاعترافات . حياة سميحة ومنار مادة خصبة للمعالجة الروائية لو وقف الروائي عند هاتين الحياتين . كنا نود لو أن الروائي بدأ روايته بهما ، ولتكن باقي الأحداث تمر شريط ذكريات في تضاعيف حياة سميحة ومنار . إذ أنهما خاصة منار جعلا الراوي البطل يكشف لهما من خلال الحوار المتواصل بينهما ، عن شيء من ذكرياته ، مما عزز لدينا اليقين بأن المبدع ناطق خلوصي يكون بذلك قد أفاد الرواية وأمتع القاريء ، وتجاوز رتابة رواية ذكرياته .
ليس من المناسب أن يفرض على الروائي المنهج المطلوب والصحيح في مشغله الروائي ، كما أنه من الصعوبة بمكان اقتراح مخطط ينسجم مع تطور بناء عمله الروائي ، فالروائي وحده القادر على  اتخاذ التقنية المناسبة لروايته ، وقد بدا لنا الروائي ناطق خلوصي كمن يخطط لبناء آخر وطريقة أخرى فمنهج مراحل حياته كلها حتى سنوات شيخوخته عبر الانتقال المنهجي واليومي المنتظم دون أن يضيف إليه هذا الانتقال غير المسوغ في رواية الأحداث عبر ضمير المخاطب والغائب وضمير المتكلم شيئا ً مهما ً                                              ، كما سنشير إلى ذلك بعد قليل .
إن عملية تجميع الأحداث والحقائق في سلسلة ذكريات كثيرة لا يبدو الدفع إليها والرابط بينها أحياناً غير الرغبة الجامحة في استعادة هذه الذكريات لمواجهة تحدي الشيخوخة وكذلك مواجهة التزييف في الحقائق بفعل التغيرات الاجتماعية والسياسية الكثيرة التي طالت البنية الاجتماعية للطبقة المتوسطة التي ينتمي إليها الراوي البطل . ومع أن الروائي لم يغفل مراحل هذه التغيرات التي سادت المجتمع العراقي في فترة الأربعينات والفترات اللاحقة لها خاصة التغيرات السياسية في فترة الخمسينات والستينات ، وقد أشار الروائي لهذه المراحل بإيجاز وأشار إلى ما ناله منها من أذى تمثل في اعتقاله وسجنه ، ولعل هذا الجزء من الرواية كان بالغ الأهمية على الرغم من الروائي تحدث عن ذلك باستحياء وبطريقة لا تخلو من تسلية ، فالبطل الراوي يبدو أنه يتسلى باستعادة ذاكرته وهو يروي طريقة اعتقاله وسجنه إذ يقول لمنار
ــ تعالي نتبارى ( والصحيح: نتبارَ ) في الكشف عن همومنا .
ويبدأ هو أولاً ليروي قصة اعتقاله وسجنه ، مثلما هي تروي بعد ذلك معاناتها خاصة سفرها إلى الكويت وعملها خادمة حتى عودتها إلى بلدها . ّهذا القسم المهم من حياة الراوي وهو تعرضه للسجن بعد انقلاب 1963
قدمه الروائي بطريقة غير مقنعة ويبدو أنه اضطر إلى إيراده في المكان غير المناسب بعد أن حار أين  يضعه ليكون ضمن  سياق منتظم ومقنع .

البناء الفني لـ( شرفات الذاكرة )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ :
مع أن رواية شرفات الذاكرة كانت تطمح من خلال سرد واقعي بطيء ، في استحضار ما يمكن استحضاره من الذاكرة عبر استجلاب عينات من هذه الذاكرة ، وهي تترافق مع الزمن الذي أمضاه الروائي منذ بداياته وهو صبي ، وحتى شيخوخته  إلا أن الكاتب أخضع روايته قسراً لمنطق الذاكرة والتي احتفظ بأجزاء منها كما لو أن الهدف الأساسي لعمله هو تسجيل ما أمكن تسجيله وما استطاعت الذاكرة الاحتفاظ به ، وقد هيأ هذا المنهج للروائي قدراً من الحرية لأن يتحرك في ثنايا هذه الذكريات ، متخلياً عن بعض مقومات البناء السردي المطلوب فأحدث ذلك شرخاً في هذا البناء ، لعل من أبرزه شحوب الشخصيات الأخرى أو ضآلتها تماماً ومع أن شخصية الأب شخصية مهمة كما  هو مفروض ، لكن الروائي لم يتحدث عنها إلا حديثاً موجزاً ، فلم نعرف علاقته بأبيه إلا اليسير من ذلك ، وتحدث عن موته بطريقة غامضة ، وعدا ذلك فلا نكاد نجد شيئاً يمس الأب إلا اللهم تلك الإشارة العرضية لقيام البطل الراوي بزيارة قبر أبيه بعد أن تذكر فجأة واجب الزيارة وهو في سني الشيخوخة ، وهذه الحادثة البسيطة أبقت شيئاً وأن كان ضئيلاً من هذه الشخصية في نفس القاريء .
المشكلة الأساسية هنا مع شخصية الأم . لقد كان للأم تأثير كبير وخطير في حياة البطل ولولاها لتغير مسار حياته تغييراً تاماً فقد لازمته ملازمة تامة وحرصت على تربيته واختارت مستقبله متحملة المصاعب وكانت مثالاً للأم الحريصة والمتفانية والصابرة ، فقد ساندته وساعدته في تعليمه حتى إكمال دراسته الجامعية في دار المعلمين العالية ، ومن ثم زواجه من ابنة خاله . وهنا تتوقف الإشارة إلى الأم ، ولم يعد الروائي يشير إليها أبداً حتى نهاية الرواية . كل ما ذكره عن أمه ورد في الصفحات التي ينتظمها السرد في قسمه الأول ، كما سنشير إلى ذلك لاحقاً ولعل العبارة الواردة في الصفحة  68 والتي تنص  : ( الآن خرجت َ من بيتكم لكنك لم تغلق الباب .. إلخ ) وقد أغلق الروائي الباب فعلاً عندما أشعرنا أن ذاكرته عن أمه قد توقفت منذ خروجه من بيته . ومن الصفحة التي أشرنا إليها حتى نهاية الرواية لا يعود الروائي ليذكر أم البطل حتى ولو بإشارة إلى زيارة قبرها مثلاً كما فعل مع أبيه .
أشرنا إلى أن الروائي اعتمد في شرفات من الذاكرة أساساً على تجميع عينات متفرقة من الذاكرة بدء ً من المراحل المبكرة حتى الشيخوخة ، وقد شاء المبدع ناطق خلوصي انتهاج ثلاث طرائق من التعبير ، أوقعتنا في حيرة في أسباب مسوغات هذه الطرائق أو ضروراتها الفنية ، فالطريقة الأولى اعتمدت على تجميع أكبر قدر من الذكريات مختاراً أسلوب الراوي المخاطب كما جاء في الصفحة 5 وحتى الصفحة 70 . ثم تلتها الطريقة الثانية ، مختاراً لها أسلوب الراوي الغائب وهو يعود إلى مدينته ومحلته القديمة . وتنتهي هذه الطريقة عند الصفحة 108 بعد أن خصصها كما يبدو للحبيبة القديمة سميحة ، عندما التقى بها في سنوات الشيخوخة .
بعد ذلك تبدأ الطريقة الثالثة وقد اتخذ لها أسلوب الراوي المتكلم ، وهي الطريقة الأخيرة التي ختم بها الرواية عند الصفحة 175 وتبدو كأنها مخصصة للحديث عن منار ، وهي الفتاة التي أحبها في المراهقة .
وقد حاول الروائي تبسيط مسوغات اختياره لهذه الطرائق الثلاث والمختلفة في عرض استذكاراته من البدايات حتى سني الشيخوخة ، وذلك حين استعان بالفصل الشكلي بين طريقة وأخرى باستخدام التنقيط  ( اختيار عدد من النجيمات لتكون بمثابة فاصل ) ولولا هذا الفاصل الشكلي لتاه القاريء في معرفة الموجه والراوي للأحداث .
ومن حق القاريء أن يسال عن المسوغ الفني لهذا التنويع في بناء الأحداث ، ولم َ لم يختر الروائي شكلاً واحداً لعرض أحداث روايته ؟
ومن وجهة نظري ، أظن أن الروائي كان يعي أن روايته تعتمد أساساً على رواية أحداث مما تختزنه الذاكرة ، لذلك فالسرد الدرامي المنضبط والمتصاعد مع تشابك الأحداث يتضاءل أو يشحب مع التنوع في رواية الذكريات ، فهنا لا نجد شخصيات تنمو وتتطور ولها تأثير على مجريات السرد ، وقد أعطينا مثالاً على ذلك حين أشرنا إلى شخصية الأم ، وكيف أهمل الروائي الحديث عنها ليخص الجزء الأكبر من الرواية في الإشارة إلى تجربة حياة امرأتين هما سميحة  ومنار وبشكل خاص منار . وفي ظني أن هدف الروائي هو تقديم صفحات موجزة من حياة الراوي الذي لم يُخف ِ علينا أنه هو بطل هذه الذكريات ، وهناك أكثر من إشارة تؤكد سعيه ذلك . لعل ذلك هو المسوغ الفني لتنويع الروائي بطرائق عرض الذاكرة . ولو كان الروائي يسعى إلى غير ذلك أي تقديم عمل روائي يمثل مرحلة مهمة من تاريخ البلد عبر شخصيات منتقاة بعناية ، وكانت أمامه فرصة لتحقيق ذلك و هو قادر عليه فعلاً ، فقد عرض علينا شخصيات روائية مهمة ، لكنه لم يكن معنياً بالوقوف عندها طويلاً قدر ما كان يأخذ منها ما يعزز قناعته بأهمية ما تختزنه ذاكرته حسب .
هل كتب المبدع ناطق خلوصي سيرة حياته وفق طريقة ( اوتوبيوكرافي ) أي تقديم السيرة الذاتية الشخصية بالمصطلح اليوناني القديم ، عبر نص موجز ومكثف استناداً إلى ما رواه عن حياته دون أن يفصح عن ذلك بشكل مباشر ؟ والقاريء الذي يجهل تفاصيل حياة المبدع خارج النص السردي سيعرف أن ما يقدم له الآن هو وثيق الصلة بحياة المؤلف ، لأن ثمة إلفة حميمة واضحة بين المؤلف وبين المعروض أمامه من الذكريات ، لابد أن تكون هذه الذكريات لصاحب الرواية فعلاً . الحب وحده كان يقود هذه الذاكرة نحو الإفصاح والاعتراف ، وهذه هي القيمة الكبيرة التي سيكتشفها قاريء الرواية ،وفي الوقت نفسه سيجعله ذلك يتجاوز عن سلبيات السرد ، دون أن يغفل المادة التاريخية ذات القيمة العالية التي أشرت سلبيات تلك المرحلة وإيجابياتها ، وأعطت القاريء وثيقة تاريخية وإن كانت موجزة وخريطة طريق وإن كانت صغيرة عن تلك المرحلة ، وإن كان المؤلف قد أهمل الكثير من ذاكرة سنوات الشيخوخة المليئة بالأحداث  .
إذا كنا نبحث عن التوليفة المناسبة وعن الانسجام المنطقي بين ذكريات الراوي ، وهذا التنوّع المتباين بين شكل وآخر ، فقد يقودنا ذلك إلى إضافة دافع آخر خلاف رغبة المؤلف في تقديم صفحات موجزة من حياة الراوي كما أشرنا إلى ذلك في السطور السابقة ، وأعني بذلك  تقديم وحدات من الذكريات غير المترابطة وغير المنسجمة ، بعضها يخضع  لمنطق الماضي وبعضها مستل من الحاضر ، فلو كان الروائي معنياً بسرد الماضي حسب وإن أضاف إليه شيئاً من الحاضر لكان قد اضطرّ للركون لبناء فني واحد ، ولا حاجة لإيراد أمثلة من الإبداع السردي الأخرى المشابهة لتلك الفرضية .
إن عملية التحول والقفز من شكل إلى شكل آخر وإن دعمها التقسيم المنطقي المعتمد على الفواصل كما أوضحنا ذلك فيما مضى ، عملية محسوبة لا تخلو من منطق معقول أو من تخطيط مسبّق تعمّده الروائي ليشعرنا في النهاية أن الذكريات حالها حال منطق اللاشعور ليس من المألوف فيها أن تنتظم في خط بياني واحد ، وأن التشتت في وحداتها أمر يكاد يكون طبيعياً ، وليس أمام الروائي إلا الاستعانة بأكثر من شكل بغية تحقيق هذا الانسجام بين ما يبدو لنا انه لا انسجام فيه .
شرفات الذاكرة بالتنويع الشكلي في عرض الأحداث ، وسهولة هذا العرض ، وبتلك اللغة الروائية العالية المستوى ، والتي استطاعت أن تنهض بعبء هذه الذكريات وتنوعها بنجاح ملحوظ ، والتي أسهمت أيضاَ في تقريب هذه الذكريات إلى نفوسنا وأكسبتها حيوية ودفئا ً ، ترغمنا على أن نضعها في صف السرد  العراقي الجديد ، وهي إضافة للروائي المبدع ناطق خلوصي .
أنا أعرف أن هذا الكلام قد لا يرضي صديقنا المبدع ناطق ، الذي كثيراً ما صرّح أنه كتب جزءا ً من سيرة حياته ، كأنه بذلك يدفع عن نفسه تهمة الخروج عن المألوف السردي .
لكننا نقول له لنطمئنه ، إن شرفات الذاكرة هو عمل سردي على الرغم من كل المؤشرات التي بدرت من الرواية والتي قد يراها بعضنا مخالفة للمألوف السردي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شكيب كاظم : هل كان للعرب نثر فني في أيام الجاهلية؟.

قرأت منذ سنوات (٢٠١٦) كتاب ( النثر الفني في القرن الرابع) لمؤلفه الباحث المصري الدكتور …

| أحمد الشطري : (آلهة من دخان) بين عمق المدلول ونسقية البناء السردي.

توحي لنا رواية (آلهة من دخان) للروائي أحمد الجنديل الصادرة عن دار مداد الكربلائية للوهلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *