علي الامارة: قراءة في كتاب جابر خليفة جابر القصصي : طريدون ( الحلقة الثانية )

الضحى .. والجدار
في عنوان (الضحى ..الجدار) من كتاب طريدون يلوح لنا جداران يربط بينهما ضحوان ينتميان الى المكان والحدث وضحى واحد هو ضحى اللوحة او الامتداد الزمني للعين السحرية السرية الكامنة في البساط الذي تتراءى عليه صور الشخصيات التي تصنع الحدث او بالاحرى التي تبحث عن تداعياته وبقاياه سواء على وجوه وملامح المفجوعين به – الحدث – او على جدار المدينة الموازي بالسرد لجدار الباخرة فيبدا هذا المقطع او العنوان من الرواية بـ (ضحى – على سقالاتنا – معلقين كنا، نحك الصدأ.. )
واي صدأ هذا ؟ هو صدأ جدار الباخرة الحديد .. لكي يطلى هذا الجدار بالصبغ الابيض، يقابل هذا الجدار – كما تقول لنا اللوحة – التي تشكل العين السحرية للحدث، او كما يقول لنا صانع الحدث او الباحث عنه : (في الجهة اليسرى من اللوحة، رايت نفسي اجتاز البوابة الرئيسة للمستشفى فجلست – كما يقول البحار احد – على حافة ارجوحتي ودققت النظر .. )
ثم يحيلنا البطل الراوي الى جدار اخر شهد الحدث فاستحق ان يكون جدار المدينة الابيض او الصفحة البيضاء التي كتبت عليه قصة ما حدث في قلب المدينة..
(كان جدار العيادة الخارجية ابيض ..)
والوقت ضحى حيث يتوافد المراجعون على العيادة ولكن أي عيادة واي مراجعين .. ؟ سيجيب على السؤال الجدار بدقات قلب المراة المفجوعة باخيها فالمراجعة اذن للذكرى العالقة على الجدار .. ..
المراجعون هم المتبقون من ابناء المدينة الذين يجمعهم او يمثلهم قلب امراة مفجوع او قلب مدينة تنزف دما على جدار اشبه بضريح .. دم يذكره السارد بجملة ايحائية ..
(كانني رايت صف بنادق افقية كسقالاتنا).
وربما في هذه الاحالة التشبيهية الى ان الجميع شارك في عملية القتل حتى البعيد عن المدينة المنشغل بجدار ابيض اخر بعيد عائم على ماء مسافر .. وبهذا التاويل الغريب يصبح كل شيء صورة لبندقية ،حتى فرشاة الصبغ البريئة التي تبيض الجدران .. !
غير ان المفجوع يبحث عن شاهد او بديل للذي فجع به ..
(قالت : اتعرف الكابتن شهاب البحر ؟)
كما ان المفجوع يتماهى مع الازاحة الزمانية والحدثية مثلما تماهى مع الازاحة المكانية فجعل من الجدار ضريحا وذكرى ومراجعة يومية لتطبيب الجراح .. فتنزاح المعاني بحديث المفجوعــــــ(ة..)
(زارنا يوما بقاربه، دخل حجرة الكتب، راى الزنج يخرجون وراهم على جذع النخل مصاليب فاغلق المجلد وخرج .. )
هذا الانزياح والاستبدال والتكثيف الشعري لا يتيحه سوى لسان فجيعة مكبوت في صفحات الكتاب الحكائي او في بيوت المدينة المحكية .. ولكن بين الحاكي والمحكي ثمة لوحة زيتية سردية تشير الالوان والتشكيلات فيها الى افاق السرد وتنهل من اعماقه موسعة من فضائه الفني وفضاء التلقي منه ..
كان القاص حريصا على ايحاء الزيت في اكثر النقاط احتداما وبوحا في الخطاب القصصي..
(قل له : صانع الطبول لقد ترك دمه على هذا الجدار ومضى .. )
وفي هذا التصاعد الدرامي ندخل فضاء اللوحة من جديد..
(اشارت الى الخدوش فانتشرت الاضاءة اغرقت اللوحة كلها.. )
مستفيدا من تقنيات اللوحة وما يمكن ان توسع من فضاء الدلالة ثيمة الاضاءة والظل في لوحة اضاءة و حدث وروي وشهادة .. لا على سطح اللوحة – البساط – حسب وانما على سطح الارض التي شهدت الحدث وبالتالي على سطح النص الذي ارّخ بالفن القصصي لهذه الارض .. لتبقى هذه اللوحة – البساط تؤازر السرد وتجدد خطابه وايحاءه ..
(.. تركتها، في حجرها قربة فخار تنضح ماء وتبلل البساط .. )
البساط اللوحة المعلق عند باب المقصورة في الباخرة كعين خلفية ترصد الحدث وتسجل حواراته بتقنية الزيت الذي يحرص – احد – بطل هذا المقطع من الكتاب على جلبه من المدينة الى السفينة كرابط دلالي وفني بين صورتي المدينة .. ولكن هذا الزيت مادة الكتابة والتوثيق سرعان ما ينتشر بعشوائية اخرى جالبة معها او عاكسة صورا جديدة للوحة تتراءى عليها هيئات البحارة والاشكال الطريدونية المحيطة ..
(حين تنزلق بطة الزيت من يد – احد – الى قاع القارب وينقلب الزيت .. !) لينتقل الى عنوان اخر من كتاب – طريدون – لكنه يبدا بزيت اخر يملأ بطة الزجاج لتنهض الرواية من جديد بـ ..
(زيت خام، خاثر وثخين .. )
وبعنوان جديد (ارجوحة واجنحة) وبثنائية عنوانية تشي باستبدال الاماكن بين الباخرة والمدينة كارجوحة مكانية يرتقيها البحار – احد – جالب الزيت من المدينة الى الباخرة ..  هذا الزيت الذي تتراءى عليه الاشياء ..
(معوجة، وملونة، اشياء شتى) و هذه الارجوحة التي تتقدم الى واجهة النص بلغة شعرية وفكرة شعرية..على اساس ان اللغة لها وظيفة خاصة في السرد كما يذكر شارف مزاري في – الاعجاز السردي في القران الكريم – فيوضح ( (اللغة تنهض بوظيفة سردية بنائية لا تقل عن وظائف الشخصيات، والحيز، والزمان، والحدث ))من هنا كانت لغة طريدون لغة شعرية او ايحائية او مواربة ..
(هكذا اقفل البحار – احد – يوما حارا حافلا، اقفله ورمى المفتاح في الشط ثم ارتقى ارجوحته لينام) ..
كانت ارجوحة – احد – تتحرك بين بحر وبر بين المدينة وانعكاسها المائي القلق كسفينة جانحة عند ضفاف قدرها ..
فالارجوحة بتعبيرها الدلالي القلق الجامع بين حضور وغياب متلاحقين تصلح ان تكون رسالة بين المكانين او الفضائين الذين يتحرك ضمنهما المتارجح – مرتقي الارجوحة – حامل الرسالة المتبادلة سواء كانت حوارا او خبرا او زيتا
.. ويعمق من حركة هذه الارجوحة تشاكلها الثنائي مع اجنحة (بطة الزيت) التي يجلبها – احد – من البر الى الماء، او من الحكاية الى انعكاسها الفني على سطح اللوحة السردية ..
(رايته يقبل من اقصى اللوحة، يتبعه وجهه، حزينا كان ودافئا، عباراته يابسة طفت على زيت اللوحة..)
كان – احد – يجلب من اليابسة – طريدون الارضية – اخبار قارب الانقاذ ومخلفات الفجيعة وحواره مع رسام القصة ..
(- ما الذي بيدك ؟
– فرشاة ومصبغة الوان، سارسم قصته ان شاء الله ..) .
ويستبدل محتويات طريدون المائية الجانحة بمحتويات طريدون الارضية الجاثمة على صدر الزمن ..
(- لا تخف، لا تخف، هل جلبت شيئا ؟
– صامولات ستيل ومطرقة نحاس، هل تكفي لشراء كيلو طحين ؟)
احد – رسول طريدون الى الارض وحامل اخبارها وحائك الحديث بين الماء والبر حيث تنسج الحكاية وينجلي نسيجها على سطح لوحة .. او رسول طريدون الى نفسها الى صورتها المنعكسة على المرآة او الافق ..
ففي (صورة صاج) وهو عنوان جديد من فصل (طباخ الباخرة) ينتقل التشخيص التشكيلي من اللوحة – البساط الى المرآة – الصاج الذي هو صاج الخبز نحاسي القلب الذي تبدو صورته على المرآة التي تعكس بدورها نيران مصافي النفط القريبة من طريدون لتشكل هذه النيران – في المرآة – صورة الاشياء وهي تتحرك داخل اللهيب وتذوب كالشمع على صفحة الصاج وفي قلب المرآة ..
(بدت طريدون وكانها تنخلق من نار، وشيئا فشيئا احتلت الحيز كله وازاحت الصاج ..)
لكن هذه الازاحة تمثل احتواء الصاج لصورة طريدون وتشكلها الفني والصوري كما يردف السرد..
(ومن بين طياته ولدت طريدون)
فاذا كان الاحتواء التشكيلي السابق لطريدون عبر بساط – لوحة البحار – احد – الذي يعلق على باب مقصورته معبرا عن الحركة الحدثية والتشخيصية لطريدون عبر حركة الزيت وتشكيلاته في اللوحة – البساط فان الاحتواء في هذا الفصل (طباخ الباخرة) انتقل الى لغة الطهي أي تحول السرد بتقنيته الازاحية الفنية من لغة الارجوحة بين الضفتين او بين صورتي طريدون المائية والارضية الى لغة الطهي بين نارين نار المصافي ونار المطبخ عبر لغة المرآة التي تتماوج فيها صورة النارين ، نار صاج الخبز وتشكيلاته الداخلية ونار مصافي النفط وتشكيلاتها الخارجية في المرآة ..على اساس ان المرايا كما يقول اراغون (هناك مرايا من ماء، ومرايا من سراب .. لكن الناس بسطاء جدا بحيث لا يفهمون وجود مرايا من صور او كلمات، ولهذا فان الشعر بالنسبة لهم سر مغلق ..)
وانتقل الروي الى الطباخ الذي يهيء لنا عدسة رؤيوية اخرى للحدث في جانبي طريدون هي عدسة صاج الخبز السحرية التي نرى على صفحتها الحدث وتداعياته ..
نزل الراويان – البطلان – الى الجانب الارضي من طريدون ولكن هذه المرة انتقل زمام السرد بيد الطباخ صاحب العدسة الجديدة للسرد – المرآة – الصاج.. (احدهما قرب الاطار عند حافة الصاج حيث تمشى البحار قليلا ثم اختفت صورته بين باحة سوق الجمعة وتشكل المشهد الاخر وسط المرآة في قلب كاس .. خرج الطباخ من المصرف متابطا حقيبته نازكة الجلد .. يقول طباخ الباخرة سحبت مبلغ الصك )
ويشرب قنينة بيرة لم يعرف اين اطفا بها ظمأه هل في مشرب – علي بابا – في قلب طريدون الارضية ام في المطبخ في قلب طريدون المائية فالعدسة التي يرى بها الطباخ الحدث و المشهد هي نفسها اللامة الجامعة لجانبي الحدث..
(لكني الان ارى الاثنين مكانا واحدا في منتصف المرآة .. )
ليوحد طباخ طريدون الصورتين والجانبين في بؤرة مرآتية لا تخطئ جانبا او حدثا من المشهد القصصي العام .. بل ان هذه البؤرة تكون اكثر دقة وصدقا في نقل الحدث من صاحب الحدث نفسه ففي المشهد المرآتي تتضح..
(صورة الكابتن وهو يخترق اطار الصاج فيتلطخ حذاؤه وبدلته بالوحل ..)
لكنه في حالة من البحث عن سر الاثار التي يتركها المجهولون سواء على سجل الباخرة او على صفحة الصاج او على بدلة الكابتن (من لطخ بدلتي بالوحل ..؟)
تجيبه المرآة ذات العين السحرية العاكسة للسرد والجاذبة للحدث نحو بؤرة جامعة .. تجيبه على لسان طباخ الباخرة راوي هذا الفصل من الكتاب.. (اجبته في سري : انت سيدي شهاب البحر .. ظهرت اجابتي واضحة على الصاج فانسحبت بوجهي خائفا واتجهت الى منصة الطهي لكي اعد العشاء ..)
يستمر الطباخ الراوي في فصله المقسم الى ثلاثة عناوين .. من الكتاب الذي تقسم في كل فصل الى ثلاثة عناوين وسنقف لاحقا عند هذا التقسيم لانه يتيح مدخلا قرائيا ومفتاحا تاويليا اخر يمكن بواسطته فتح باب النص الكتابي الطريدوني …
والان ندخل مع الطباخ تحت مظلة الشفق حيث ندخل مرة اخرى في انعكاسات الصاج وحديث المرآة .. والعنوان الشعري لهذا الجزء من الفصل يعيدنا الى ماثرة الجدار والضريح مرة اخرى .. فالمظلة هي عباءة الفتاة المحترقة بموقد الذكرى عند جدار خدشته رصاصات الزمن الرديء .. ومثلما يتماهى المشهد السردي في فصل البحار – احد – مع انعكاساته الفنية على اللوحة – البساط ويتصاعد نسقا دراميا مع الحدث .. يتصاعد هنا الهاجس الفني المرآتي الذي يتراءى على المرآة من خلال صاج الخبز ..
ومثلما استقطب الجدار البحار – احد – في عنوان (جدار .. ضحى) من فصله الثلاثي فان هذا المكان الجداري يستقطب الطباخ ويسحبه الى اعماق ذاكرته ما تشير القراءة الى ان هذا المكان من طريدون هو مكان جامع للشخصيات والاحداث والامكنة ايضا .. بل والازمنة فقد استجمع هذا الجدار النصي الشخصيات بدءا من شخصية الغائب التي تمنح المكان – الجدار هالة الخلود وانزياح الحدث الى الامكنة والشخصيات الاخرى فالشهيد الذي قضى نحبه عند هذا الجدار والذي كان..
(كأنه نقطة فوضى في نظامهم .. )
حين اقتاده رجال الزمن الرديء..
(واطلقوا النار على صدره، اطلقوها زخات ومضوا ضمتهم اللاندكروز ..)
ان هذا المكان اصبح نقطة نصية لامة للرواية فعلى مستوى الشخصيات تكمن هنا شخصية الغائب كما ذكرنا وشخصية نور اخته التي تاتي بمظلة الذكرى عباءتها السوداء عند هذا الجدار والذي جذب البحار – احد – في عنوان – ضحى .. جدار – وشخصية البحار في عنوان – مظلة في الشفق – كما ان هذه المرأة هي نفسها التي هام بها الكابتن شهاب البحر وصارت حلما ارضيا يحقق انتماءه الروحي والعاطفي به الى طريدون .. فكانت المراة تسال عنه البحارة القادمين من اعماق طريدون الاخرى. .
اما على مستوى الحدث فقد امتد فضاء الحدث الجداري ذو اللمسة القدسية المضمخة بدم الشهادة الى فضاء الاحداث الاخرى فقصة الحب في النص تتراءى بؤرتها عند هذا الجدار بقلب امراة مفجوعة، ووجه حبيبة تتراءى لحبيبها عبر ضباب الايام الصعبة ما تجعل هاجس الحب والانجذاب الروحي يتمثل على شكل عبارة تتردد بهيئة لازمة ..
(قلبي في ظل البرحية وعلى جذع السدرة قلبها )
كما ان الامتداد المكاني لهذا الجدار يتراءى عبر خطى الشخصيات الرئيسة حاملة ملامح الامكنة الاخرى الرجراجة كالباخرة والطريق الى البر والبر نفسه الذي كانت ملامحه تتشتت بالاحداث الجسام فتحاول ان تتجمع عند جدار يمكن ان يستجمع ملامح المدينة المفقودة في الزمن .. اما الامتداد الزماني فيتمثل بهاجس الذكرى الذي يثيره هذا المكان الجداري عند الشخصيات الرئيسة وارتباطهم الحاضر والمستقبلي به ..
(اتجه الى العيادة الخارجية وحاذا الجدار فاتقدت ذاكرتي .. اضاءت الركن المعتم في المرآة .. رايت نفسي اصغر بسنوات في ذلك المكان اتطلع ..)
لقد جمع هذا المكان خيوط مكونات السرد في نسيج نصي تتجلى عليه الامكنة والازمنة والشخصيات والاحداث في قلب امراة مفجوعة ومعشوقة، فالفجع فعل ذاكراتي متعلق بزمن الاحداث الماضية وامتدادها الزمني، والعشق فعل استقبالي يمتد من اللحظة الراهنة وتداعياتها في حركة الزمن .. ان هذا المكان هو قلب النص الذي تمتد منه خيوطه الفنية وتجلياته على مرآة الصاج او على فضاء اللوحة البساط او الصورة الاخرى الرديفة لطريدون المتمثلة بالباخرة .. ان هذا المكان هو قلب طريدون الارضية .. جمرة السرد الاولى وموقد تفاعلها الاول .. انه ارضية النص الواقعية والحدث والمكان الذي يمثل مستوى السرد الاول الذي تتوالد منه مستويات السرد الاخرى ذات التمظهر الفني والرمزي المنزاح والمتجانس مع اجناس اخرى غير السرد كالشعر حين تتوهج لغة السرد بطاقة شعرية كامنة في الخطاب القصصي تتجلى بالمجاز والتكثيف والصورة الشعرية وغيرها من فنون الشعر .. او بالانزياح الكبير في السرد نحو لغة التشكيل والرسم عبر استخدام مادة الرسم الزيت وعمق اللوحة بظلها واضاءتها وحجمها المحدد باطارها وبالتالي بانعكاساتها على احداث النص او انعكاسات هذه الاحداث عليها..
ففي العنوان التالي – شرائط وشهداء – من فصل طباخ الباخرة ينهض النص بتعبير ومدخل شعري .. كتب كما يكتب النص الشعري
(اندفع الفجر تجاه المصلى ..
واندفعت الازقة توقظ بعضها وتتدفق ..)
حيث نكمل مع طباخ طريدون فصله وشهادته .. ونعود الى صاجه العاكس للمشهد ومطبخه الحدثي المكثف للرؤى والشد النفسي والنصي معا، هذا القسم او العنوان – شرائط وشهداء – يمكن ان نقترب من قراءته بتقسيمه الى جزئين لما له من اهمية زمنية نصية – داخل النص – وزمنية خارجية ضمن الزمن التاريخي لطريدون..
فالجزء الاول يتمثل بالحلم الذي رآه الطباخ ضمن مطبخه السردي والذي ياخذه الى اعماق هذا الحلم صاج الخبز حين دارت الارض به وانقلبت شمعتان احترق بنارهما مطبخ طريدون فعكست مرآة السرد ومرآة الزمن الاحداث الشعبانية، وحرائق طريدون الارضية حين ارتجت طريدون فقمعتها..
(شارات حمر مثلثة، ودبابات منحت مؤخرتها للغرب، وسبطاناتها تجاه الجنوب، شباب ومفارز، دم ودبابات .. ) تعبير (متحت مؤخراتها للغرب) ينطوي على ادانة وسخرية مريرة ..
ولان الراوي طباخ فلم يسلم مطبخه من جياع طريدون الذين هاجموا عنابر المخازن، و اقتحموا مطبخه .. وامعنوا في قتله لولا ان تنقذه حافة الحلم وتلقيه على اريكته يقظا .. لكن الطباخ كان يحلم بالتغيير داخل الحلم نفسه لذلك كان يردد (حلم داخل حلم) ..
هذا الجزء الاول الذي يتراءى لنا على مرآة القراءة وتاويلها ..
اما الجزء الثاني فيتجلى بجلوس الطباخ مع حارس الدفة وما آل اليه هذا اللقاء من تنامي فني وتصاعد درامي سريع ضمن النص
(حارس الدفة : لم يصلحوا قارب الانقاذ، اعادوه الينا مقطورا –
سيؤجل الابحار اذن !)
هنا يبدو مصير طريدون كمدينة مؤجلة وحلم عاطل، وزمن مختبئ في غيب الكلمات ..
نكمل الحوار :
-(مرات ومرات
لا تبحر طريدون من دون قاربها ولن يصلح القارب الا ملاحوها –
من قال هذا ؟
– كل الطاقم هكذا يقول ..)
عبارة (كل الطاقم) تشير الى الهاجس الشعبي الذي يرى ان طريدون كمدينة وسفينة وبلد لا تنهض الا باصلاح داخلي من قبل ملاحيها هذا الوعي المبكر بما آلت اليه طريدون في مستقبلها حيث اصبحت هذه الجملة هي الاكثر التصاقا بواقعها ..
كانا يتحاوران وهما ينظران الى قارب الانقاذ (المشنوق) اعلى الباخرة .. هنا ينتهي الحوار خارج المطبخ ..
اما في الداخل فقد استكمل هذا الحوار والجزء من الرواية بما يمكن ان نسميه استقرار النص تاريخيا وتوصيل رسالته الدلالية .. اما امتداده الفني فما يزال مفتوحا
نكمل الحوار في الداخل :
(- ما هذا ؟ قال بفم مفتوح ووجه مندهش
– مرآة ! والتفت اليها، انا ايضا صحت : ما هذا ..؟)
ولكنها ليست أي مرآة .. حتى لو اندهش الطباخ نفسه..
انها مرآة السرد والنص ومرآة طريدون الارضية المنعكسة على صورتها في الماء والسفر وبالتالي مرآة الزمن والحدث الطريدوني ..
هنا تكمن (الطبخة) النصية وتنضج مستوياتها الخطابية والدلالية ..
فقد كان صاج الخبز ظاهرا على المرآة التي تكلمت مناظرها وانعكاساتها بـ..
(كانت نقاط وتكوينات سود تنبت بسرعة وتتشكل كاسلحة او زنوج .. فوضى مصغرة على النحاس .. جموع وجموع تتدفق، شباب وشهداء، لوحوا بالشرائط الخضر وتدفقوا .. )
في نهاية هذا القسم من الفصل الرابع من كتاب طريدون القصصي قدم الطباخ الراوي رؤياه والقى المدينة وانعكاس التاريخ الواقعي على مرآة الزمن والنص .. كما القى الناص ثقل امانته التاريخية دون ان يقع في الارشفة والتوثيق التقليدي .. حيث دخل النص او الفن القصصي فضاء الارخنة، واقتنص غزالة التاريخ بشباك الكلمة القصصية المنزاحة على الاجناس والفنون الاخرى ..
ثم تاتي الجملة القصصية التي تعطينا التاريخ الذي كنا نبحث عنه ليؤرخ الحدث الشعباني في تاريخ طريدون ..
(كان شعبان بدرا)
ويؤكده الهتاف النصي
(وكان الهتاف يا مهدي ..)
اتضح لنا المشهد الطريدوني رغم ان الطباخ – الراوي اسرع ليحطم المرآة ويحطم الصاج ايضا تحت ظلال الخوف الكثيف .. !
هذا الهتاف النصي – يا مهدي- ينتقل الى الفصل الاخير من الكتاب (الرسام) فيظهر بشكل متكرر ومفضوح منذ اقتباس المقطع الشعري الذي يقدم به الفصل وهو مقطع للشاعر حيدر الكعبي الذي يتكرر فيه اسم مهدي خمس مرات .. ثم الاهداء الى الشاعر محمود البريكان – البدوي الذي لم ير وجهه احد ،هذا الاهداء الذي يشير الى
(اختفاء) الرسام في لوحته ..
في هذا الفصل الاخير من الكتاب القصصي – طريدون – مراجعة لمستويي الكتاب : الدلالي – المضموني والنصي – الفني .
وقد جاءت هذه المراجعة على لسان الرسام الذي وقف بجانب لوحته في المعرض ينتظر تكامل اللوحة والاعلان عن فحواها واسرارها ففي هذا الفصل الاخير يتجلى أفقان للنص يوجزان ويعكسان غور الحكاية وتجلياتها الموضوعية والفنية ..

الافق الاول ..

هو افق الكتابة وتحولاتها بين عمق النص القصصي والعودة الى الفراغات السردية لملئها والاجابة على اسئلتها في الفصول السابقة وتوضيح ملامح الشخصيات وجمع خيوط الحدث الرئيس مع الاحداث المتوالدة منه وبين تجليات هذا العمق النصي على اللوحة التي رسمها الرسام لطريدون واحدث فيها امكانية الدخول داخل اللوحة والتصرف بمجريات الاحداث من وراء كواليس الالوان والخطوط والظلال والاضواء او امكانية ايقاظ الشخصية داخل اللوحة او اخفائها عن الانظار .. فالعمق القصصي للنص وملء فراغاته واسئلته ينطوي على ربط بعض الخيوط السردية التي كانت سائبة في الفصول السابقة وجمعها عند الحدث الرئيس او الشخصيات الرئيسة او المكان الرئيس قلب النص حيث يعود الرسام – الناص – الى تلك المسارب السردية ويضع اللمسات الاخيرة على لوحته السردية فتبدو ملامح النص السردي اكثر وضوحا وانسجاما وتناغما مع بعضها واكثر انفتاحا واستسلاما لمفاتيح القراءة وافاق التاويل فتطفو على سطح النص شخصية مهدي الرئيسة صانع الفخار وصانع قرب الماء والطبول .. أي صانع الحياة والفرح وهو ذاته الذي كان يكتب قصة طريدون..
(ساكتب قال لي، عن بيوت الطين، عن القتلى من صغار النخل، عن عمى الجداول، عن هؤلاء ساكتب .. وكي اقلع باهل قصتي في امان ساضعهم على ظهر مركب شراعي او باخرة .. لنقل سفينة نجاة .. واسميها باسمهم طريدون )
اذن من تلك الشخصية جاءت فكرة كتابة القصة او جاءت القصة نفسها، وهو نفسه مهدي الشهيد الذي بقيت اثاره على جدار العيادة الشعبية تلك الخدوش التي تركت لغة لا تقرؤها سوى اخته نور حبيبة الكابتن شهاب البحر كابتن طريدون المائية، فشخصية مهدي هي الشاهد والشهيد وهي الظلال الباقية على قلب النص – الجدار لغة تكتب النص بخدوشها وجراحها ودمها الطري .. حبر الكتابة القصصية ..
وهنا نذكر شخصية مهدي سائق القطار في كتاب (لزوميات خمسميل – قصائد وحكايات) حيث مرة يحبس مهدي في سجن بعد ان انقلب القطار وفي المرة الثانية يسكن – يغيب – في احد القطارات المهجورة .. !
اما عن العمق الفني – اللوحاتي في كتاب طريدون فتمثله بشخصية يحيى الرسام الشبح الحاضر في كل حركات الشخصيات وتنقلها وتحولاتها ومواقفها الحرجة لانها تحدث وتتحرك داخل لوحته هو المتحكم بالوانها ومساحتها وظلالها وبالتالي بما يحدث في اعماقها والاهم من هذا ان هذه الشخصية هي امتداد لشخصية مهدي والمتوالدة منها ولا سيما على مستوى الكتابة فمهدي صاحب النص المكتوب ويحيى صاحب النص المرسوم المنطلق او المقتبس من النص المكتوب بالحبر والدم..
(هل ستبدو باخرتي على اللوحة بكامل ابهتها ؟ ايها سيتشكل اولا، تخطيطات الحبر بزرقته ام مشاهد الزيت ام اشتعالات الشمع الطباشيرية ؟ )
وهذا يقودنا الى التسلسل النصي في كتاب طريدون حيث كان فصل الكابتن شهاب البحر بتخطيطات الحبر كمادة اولية لخلق اللوحة اما الفصل الذي تلاه فصل البحار – احد – فكانت لغته بلوحة الزيت، اما فصل الطباخ فكان بلغة الطباشير على صاج الخبز .. أي ان الرواية تحركت حركة تشكيلية بمكونات اللوحة وتصاعدها وتناميها الدرامي
حبر ← زيت ← طباشير
فكانت دراما النص قد القت ظلالها على دراما اللوحة بمكوناتها وتسلسلها الفني ..
كان هناك نص تشكيلي مواز للنص السردي ومتوالد منه ومتداخل معه … خيالان مزدوجان صنعا طريدون وجعلاها نصا مقروءا ومنظورا له على قماش .. مثلما اطلقاها متوالدة من شكلها وكيانها الارضي الى كيانها المائي، او صورتها المنعكسة على صفحة الماء .. تواشج انساني وفني ونصي خلق طريدون النص والهيكل والتراب ..
(طريدون الام، الارض، مركب النجاة التي تمنيتها، انا وانت، وخلقناها بخيالاتنا معا، انفقنا طاقاتنا بانشائها)
ولتوضيح التواشج اكثر ..
(جمعناها معا من ادغال الحبر وتعرجات الطين .. )
فصارت طريدون واقعا وحلما، اقامة وسفرا .. مدينة وباخرة، نصا ولوحة .. وصارت مجازا يمكن ان ينزاح الى أي جهة كانت سواء على الارض او على الماء او على الورق ..
اما الافق الثاني فهو افق الانتظار افق الاختفاء والغياب والترقب وينكشف هذا الافق كما اشرنا من المقطع الشعري و … البدوي الذي لم ير وجهه احد، ثم ان التسمية للشخصية الرئيسة التي تحيل الى الانتظار والى لحظة الخلاص .. ولكنها تحمل في طياتها وطاة الغياب الثقيل وقلق الترقب .. ولنقف عند هذه المهيمنات الثلاث – الغياب والترقب والخلاص –
فالغياب هو الاختفاء والتاجيل والدخول في لوحة الزمن والتخفي خلف ظلالها والوانها وتفاصيلها الاخرى .. و كما يقول تودوروف (ان العلاقات الغيابية علاقات معنى وترميز فهذا الدال (يدل) على ذاك المدلول وهذا الحدث يستدعي حدثا، وهذا الفصل الروائي يرمز الى فكرة ما، وذلك الفصل يصور نفسية ما. اما العلاقات الحضورية فهي علاقات تشكيل وبناء) فهناك غيابات عدة في النص سواء غياب الرسام في لوحته او تغييب شخصية – احد – في اللوحة ثم اخراجه منها، او الغياب الاهم هو استشهاد مهدي واختفاؤه في المشهد الحياتي المعتاد وتجسيد حضوره من خلال افق الترقب او التاثير الخالد للشهادة او البعث المنتظر له كلحظة خلاص، او استحضاره نصيا عبر تمظهرات النص على اللوحة ..
(وبغيبته انفردت مع اللوحة، ارسم صديقي باك – مهدي – … اجسد حضوره الحي، واكمل ما لم يروه لي ..)
او حضوره كلغة تقرؤها الاخت نور على الجدار، او في لغة البطولة والمواجهة أي ان غيابه يشكل جدلية الغائب الحاضر..
(قالت : هنا قضى مهدي وغاب، …، وهذه خدوشهم على الجدران ورصاصاتهم على الجدران اقرؤها لك، لا تندهش انا اعرف ترجمتها ..)
كان هذا الغياب هو الذي يشكل الخلفية الزرقاء من افق الانتظار
.. اما الترقب فقد بدا منذ وقف الرسام في المعرض قرب لوحته ينتظر..
(تكامل لوحتي، تجسد مشاهدها جميعا في آن واحد..)
هذا القلق والتشبث بعقارب الساعة والبحث عن ملامح المصير بين ابتعاد العقارب الزمنية او اقترابهما من بعضهما .. ترقب عودة الغائب او تكامل غيابه على الارض، وترقب تدفق الكلمات على النص وترقب اكتمال المشهد الخفي داخل اللوحة وساعة عرض خفاياها ..
اما مهيمنة الخلاص فهي الظهور والانبعاث وانفتاح افق الانتظار على فسحة الامل، والرهان على امساك اللحظة الزمنية وسحبها باتجاه نفحة الخلود المرتجاة ..
(- ولكن متى ستبحر طريدون ؟ سالته
– ستبحر (طمأنني مبتسما) ستبحر ان شاء الله، تنفس بعمق ولم اره بعدها ..)
وبما ان مهدي هو صانع الحياة والفرح فهو قادر على منح هذه اللحظة لمرتقبيه ومنتظريه فهو القادر على (الخروج) من لوحة الزمن في أي لحظة انبعاث ما جعل هذه اللوحة مفتوحة على افق المشاهدة سواء من المشاهد اليها، او منها الى المشاهد- الرائي المنتظر..
(لا تحزن ان احترقت قصتك ولا تبتئس فستنهض طريدون من رماد اوراقك، وسنلتقي بعون الله على ظهرها بعد لحظات ..) فهناك رديف لاوراق النص المحترقة هو اللوحة والوانها ونصها التشكيلي، وهناك رديف للانسان الشهيد هو انبعاثه وانشطاره او تكراره في الاجيال القادمة، او في عيون الناس الذين غاب بين ايديهم ومشاعرهم ورؤاهم، وبالتالي هناك رديف لطريدون الارضية هي طريدون المائية، وطريدون النصية، وطريدون المختبئة بين جدران الزمن .. فلا بد ان تبحر من جديد سواء من عيون اناس ينتظرون ويترقبون او من عمق لوحة او من سطح الماء الذي ارتج وتحرك في استقبال لحظة الخلاص .. (الا تسمع ؟ ثمة ما يخضني، ارتعاد خفي اخاذ، انظر صواري .. طريدون تنهض من بين طيات الزيت ..
كنت انتظر ان ارى مهدي على اللوحة انتظر ظهوره المبارك وانتظر ظهور نور ..) غير ان المنتظر – بكسر الظاء – لم يستسلم لانتظاره الحلمي حين نادوا على الجميع بالخروج من لحظة الحلم في المعرض .. ولا سيما في لحظات الاحتراق، فانطلق نحو لوحته – نصه، ولحظة خلاصه مخترقا الزحام بطريقين احدهما النار، والاخر النور، ولكنه في الحالتين ذاب في اللوحة .. !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.