د. حسين سرمك حسن : ناظم الغزالي وسلامة اللغة العربية

hussein sarmakعرضت قناة الشرقية قبل أيام لقاءً تلفازياً للفنان الراحل ناظم الغزالي أجراه معه تلفزيون الكويت . وقد بهرني هذا اللقاء ، ليس من ناحية الحضور الشخصي القوي ، والشخصية المتميزة ، والأسلوب المحبّب الهادىء ، للراحل الكبير ، بصوته الخفيض ، ونظراته الحيية حسب ، بل  من جانب آخر أثار لديّ تداعيات ترتبط بموضوعة شديدة الأهميّة . فقد كان الغزالي يتحدث بلغة عربية سليمة جداً .. منطلقاً بلا توقّفات وبلا انقطاعات .. ولم يذكر مفردة عامّية واحدة . كانت المذيعة مشدودة إليه ومتلهفة .. وكان منْ حولي من الحاضرين في البيت يستمعون بشغف مشدودين مثلما يستمعون إلى أي مطرب يتحدث بالعامية . ولو طرح أحد غيره تعقيدات يُتمه ورفض عمّه لتوجّهاته الفنية وهو صبي وشاب يافع ، لهُرع إلى اللغة العامية ، وصدّع رؤوسنا بالـ ” يعني .. ويعني .. وإي يعني .. وبس يعني ” ، وبين كل يعني ويعني ، هناك يعني .
أما التداعيات المهمة ، فترتبط بحال الفنانين العراقيين – كبارا وصغارا – في الوقت الحاضر :
من من الفنانين العراقيين يستطيع قول سطرين .. نعم سطرين فقط باللغة العربية الفصحى السليمة ؟ حاتم العراقي لو محمد عبد الجبار لو حسام الرسام لو داليا ؟ فريدة صاحبة المقام التي من المفترض أن تكون أكثر اقتدارا بفعل حاجة المقام لأبيات وقصائد فصيحة أحيانا ؟ من من ملحني الوقت الحاضر : علي بدر لو نصرت البدر لو إلهام مدفعي ؟ من من كتّاب الأغنية : ضياء الميالي لو عادل محسن لو خضير هادي ؟
.. ستكون فضيحة اجتماعية وفنّية وشخصية . اجتماعية لأن هذا حال أغلب المواطنين العراقيين ، وفنّية لأنها تشمل حتى الكتّاب والشعراء والفنانين من الفنون الأخرى كالتشكيل والمسرح والموسيقى وغيرها . وشخصية لأن الكثير من المطربين – خصوصا الشباب – صاروا يأتون من المقاهي والأعراس الذين يرتادونها ، لأنهم تركوا الدراسة منذ سنوات ، وصاروا عاطلين ينتظرون “السره” ليصبحوا مطربين مثل ناظم الغزالي . حتى كاظم الساهر لا يستطيع الإجابة على أسئلة لقاء باللغة الفصحى .
nathum alghazaliسيقولون لك أن مقدّمي البرامج يوجهون الأسئلة إليهم بالعامية ، ولذلك نرد بالعامية ، ومن النشاز أن نرد بالفصحى . إذن خذوا الدرس من ناظم الغزالي . لقد كانت المذيعة الكويتية توجه إليه الأسئلة بالعامية لأن يبدو أنها مثل جماعتنا . ولكن الغزالي كان مصرا على  الرد بالفصحى من بداية الللقاء حتى نهايته . ولم يسبب مللا للمشاهد . هادىء وواثق وأنيق وطليق اللسان العربي القويم .
قد يُستثنى من هذه الظاهرة المشينة مطرب المقام حسين الأعظمي الذي أتابع أداءه للقصائد الفصحى ، والأهم ، مؤلفاته التي تتجسد فيها اللغة العربية السليمة .
وأقول أنّها ظاهرة مشينة لأن سمة الإستخدام الصحيح والمقتدر يعكس ثقافة الفنان وشخصيته . هذه لغتنا وعلينا أن نحافظ عليها . ولا أعلم بأي لغة يتحدّث المطرب العراقي حين يلتقي به مذيع أجنبي ، وكيف سيترجم المترجم مفردات مثل “عبّالي .. يعني ويعني .. وﭽنّه وﮁانوا .. وغيرها ” ..
شكرا لناظم الغزالي ..
فبالإضافة إلى أن الغزالي ماركة وطنية خالصة للتعريف بالعراق، بالرغم من مرور ما يقارب الخمسين عاما على رحيله ، فإنه يضرب لنا مثلا – الآن – في ضرورة ثقافة المطرب ، والحفاظ على سلامة اللغة العربية .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *