علي المسعود : “تحت سقف المرآة” قصائد مترعة بالحياة و نشيد يمس القلب

ali almasod 4 “تحت سقف المرآة” عنوان  المجموعة الاولى للشاعر العراقي المغترب ” عامر حسن ” و الصادرة  من دار
( نينوى ) للدراسات والنشر و التوزيع في دمشق بطبعتها الاولى عام 2002 وقام الشاعر ” فاضل العزاوي” بتقديم جميل  للمجموعة و الشاعر على حدِ سواء حين كتب يقول :
(هذا الديوان الاول الذي ينشره الشاعر عامر حسن من منفاه الامريكي الذي أضطر اللجوء اليه مثل الكثيرين غيره من الشعراء و الكتاب العراقيين الذين يواصلون عملهم الابداعي بعيدأ  )  بهذه الكلمات اراد الشاعر   “فاضل العزاوي” ان يعرف القارئ بالشاعر “عامر حسن ” و التقديم هنا عتبة مباشرة و خطاب يفصح للمتلقي عن طبيعة النص  و يمكن أن  يقدم اليات مسبقة لهذا ألاثر ألادبي أي لقراءته وهو في بعض الاحيان قد يقيد حرية المتلقي وقد يكون أحيأنأ أساءة حقيقية لجوهر العمل الابداعي!!  لكن الشاعر “فاضل العزاوي” جعل من مقدمته مدخلا مهما و اضاءة  للمنجز الادبي وللشاعر و استطاع ان يمد الجسور بين المبدع و المتلقي حين  أضاف  الشاعر “فاضل العزاوي ” في مقدمتة :
(هي تشير الى شاعر متميز بصوته و غنائه نبرته محملة بالحنين الطاغِ  الى البلاد التي تركها وراءه تلك التي ظل يحملها في قلبه مثل جرح نازف ).
وأما  الاهداء ايضأ هو الاخر عتبة من عتبات الولوج الى النص فهو في بعض المرات يكون احد المداخل الاولية لقراءة النص, و أهميته من أهمية المهدى اليه و علاقته بالكاتب من جهة و علاقته بنصوص الديوان من جهة أخرى ! و يندرج أهداء الشاعر” عامر حسن في” خانة ( ألاهداء الخاص) . لانه موجه الى ألابناء :
(كل شئ بدا من بابل
كل شئ يعود الى بابل
الا ألابناء )
amer hasan  الى…. فالح علي الجاسم و وشوكت الياسري وداود سلمان).
أما الغلاف فأنه يشكل  نصا  ملحقا  مباشرا  و ذلك  من  خلال  إثارة  انتباه  المتلقي ،  فهو  يشكل  علامة  دالة باعتباره عتبة  أخرى من عتبات  النص  و مدخلا آخر  لقراءته ، هذه العتبة  تقود  القارئ  إلى  مركز الانفعالات و حركية الحياة  في  مسالك  النص الادبي,  و الغلاف كأحد  هذه  العتبات يساهم  في  توجيه  المتلقي ورسم أفق انتظاره وليس  هناك أدنى  شك  في  ابداع الفنان العراقي المغترب ( محمد فرادي ) الذي    تحمل مسؤولية  كبرى  في  طريقة  و جمالية  إخراج هذا الغلاف  –  أو المدخل الى المجموعة الشعرية   وتميز رسم الغلاف أو الرسومات الداخلية للفنان التشكيلي  “محمد فرادي ” بحضور الخطاب الشعري  التشكيلي وهذا الحضور للصورة التشكيلية التي أضافت للقصائد في ديوان ” تحت سقف المرأة ” دلالة بصرية فما يثيرنا هو  حضور لونين فقط : الأسود وهو دلالة على  الوجع  و الحزن والابيض  حيث يلتقي في دلالته  التي اراد الفنان ( محمد فرادي ) ان يطبع بصمته المتميزة على العنوان و الرسومات الداخلية.
في ديوانه الأول ( تحت سطح المرآة ) استطاع الشاعر ” عامر حسن ”  أن يخرج بعصارة فكره وثقافته وتجاربه وقراءاته المختلفة واهتماماته الأدبية المتنوعة،  و أن ينسج خيوط الشعر المتميز الذي يغري بالقراءة والتذوق. ففيهما معاً نجد أن الشاعر “عامر حسن” يكتب ضمن رؤيا شعرية موحدة مفعمة بالألم والمنفى والاغتراب و الخذلان  ، رغم انطوائها على مضامين مختلفة أخرى. هذه الرؤيا تعبر عن تجربة شعرية مكتملة ومتكاملة قادرة على جعل القاريء  أو المتلقي لها يخرج بفكرة مفادها أنه يقرأ لشاعر لا يحيد عن الفكرة التي يكتب عنها ومن أجلها فحق علينا أن نقول بأن الشاعر( عامر حسن ) شاعر وفيٌ لقضيته وفكرته التي يكتب فيها. هذه الوحدة الفكرية التي نجدها في شعره  تجسد ذاته الإنسانية  ونزيفه بالذات، فأول قصيدة نقرأها في ديوانه الجديد  وهي قصيدة ( ماراثون ) نلمس هذا الوجع  و الحنين  الذي يتحول الى بكاء وجلد الذات و يرتقي الى حد النحيب  من الفجيعة  مرتين مرة على وطنه و اخرى على حاله!!  ويقول في مطلعها :
وحيدأ يجتاز غابة  نار
يدخل غرفة الابنوس
مبهورأ بقصائده االسامرة
هكذا يبدأ قهوة الصباح
يتهجى عائلة الممنوع
أصل المسموح
وفي شقة بباب المعظم
يتبادل و ألآتي شظايا ألاخضر بن يوسف  ؟؟
وهذا التشظي  يظهر بشكل واضح على كتاباته مستحضراً قضية العراق وحال الناس في هذا البلد، ومسقطاً واقع العراق على ذاته وشخصيته، فالعراق ملتبس وشاق ومنسي بشكل لا يطاق والزمن مازال يدور لينجب لنا واقعاً غريبا غارقاً في الدماء والإهانات والمشاكل كالطائر الذي يشدو بأوتار الغربة و- سيرى وطنأ  معلقأ بالمشجب – هذا الوطن – العراق هو  الفراق هو ( كلما يخرج من سجن ملكي …يدخل في سجن وطني) !! والانقلابات والتحولات  التي صار الوطن  بسببها  كالعروس التي فقدت عرائسها  وترملت على أرض العراق..(  يخرج من لغط وطني ….يدخل في غزل حزبي ) . يستحضر الشاعر الكثير من الصور الواقعية والأحداث التي تميز واقعاً شاقاً يقضي على حلم  الوطن الحر  وتصل هذه الوحشةالفكرية  التي بعثرها الرقيب عند الشاعر إلى ما يشبه اليقين، لنجد أن إيمانه  بالتغير والانقلاب على الواقع المعاش وعلى هذه الغربة التي يعيشها الإنسان  في وطنه وفي بيته وفي عالمه الشخصي، وتعيد له دوره في الوجود والحضارة والتاريخ والتأثير  صارأ بعيد المنال. فرمز الاغتراب الذي ينطوي على أفكار وحالات معيشية وثقافة دفينة لا يمكن له أن يذهب أدراج الرياح في واقع يكرسه أكثر ويطالب بغرسه كثقافة في عقلية الإنسان العربي والعراقي على وجه الخصوص عموما. وقد استحق  ( عامر حسن ) لما جسدته قصائد ديوانه الأول من فكرة الاغتراب والمنفى أن يكون شاهدا و راويأ لوطن يجلد مرتين ( سرأ اذا ضحك طين الجنوب ..وعلنأ أذا رقص ثلج الشمال ) وهي صورة شعرية هائلة وذات دلالات تشير الى القهر و الظلم كان موزعأ بالتساوي بين شمال الوطن و جنوبهّ!!  أنه يحس بالغربة والمنفى داخل وطنه وبين أهله. إن ما بدا في لحظة من زمان ولى ليس بالبعيد أنه نضال  وثورة كان وهماً وحلماً غير قابل للتحقق، كان ضياعاً في البحث عن غايات مستحيلة التحقيق وعن أهداف لا يقدر على تحقيقها إلا الرجال العظام. هذه الأوهام نجدها واضحة في الكثير من قصائد ديوانه “تحت سقف المرآة “، وفي قصيدته (ماراثون)  يقول :
يجمع تويجات العمرالمختوم بالشمع الاحمر
تويجات الفجر المختوم برغيف المنفى
وايضا يسترسل وتنزف حروفه وجعا على وطنا سوُره بقلبه الذي اختصره بين شريانين هما الرصافة و الكرخ و هو يقول :
وفي الطريق من الرصافة الى للكرخ
سيلقى أخر الشهداء
سيرى وطنأ معلقأ بالمشجب
إذ يصور لنا الشاعر لنا نفسه ( محاربأ يزيت القصيدة لزمان أتْ , وأخر يزين الحبيبة لمساءِ لم يأتِ ) .      لقد بنى الشاعر  ” عامر حسن ” في ديوانه ( تحت سقف المرآة )  شاعريته على بساطة المعنى ومباشرته في الأعم الأغلب، مع لمحات توحي بالقدرة على استحضار صور شعرية صعبة الإدراك. غير أنه يبقى للشاعر الحظوة في أن يركب الصعب للوصول إلى السهل، فأن يكتب الشاعر بلغة بسيطة وبمعجم جميل ومفهوم ويصل إلى الإمتاع والإبداع فهو في حد ذاته تفوق أدبي. فالمتكأ في قصيدة الشاعر هو استحضار الكثير من الألفاظ المفعمة بخلق معجم شعري قوي ك:  غرفة ألابنوس  , تويجات العمر , رغيف منفى ,ساق ثوري، شفاه الطير , الشواء الطبقي , طين بربري الخصال , سذاجة المدن, جفوة المطارات و هذه كلها موجودة في قصيدة واحدة وهي ( ماراثون ) و هناك الكثير من المعاني و ألالفاظ في بقية القصائد !!!  مع محاولة استحضار النقد والواقع المعاش والحياة ومتطلباتها ومتعلقاتها. ولذلك فهذه الألفاظ تأتي بما تأتي به في توظيفها شعريا لتصل إلى فكر شاعر قادر على توظيفها جمالياً وإبداعياً. يتكيء الشاعر أيضا على عناوين للقصائد من تركيب لفظي للمتناقضات ( ثنائية ألاضداد )  و جمع هذا الاختلاف في عناوين تعطى لبعض القصائد  مثل  : ” شجرة الصحراء”  أو في ” صخب هادئ”  هذا  تعبيراً جميلاً جعل قارئه يتذوق شعراً راقياً من خلال الصور المستعملة في هذه القصائد  الجميلة  مرةً أخرى نرآهُ خائفاً من صمتهِ خائفاً من صوتهِ خائفاً من طرق الباب وحائرأ لايعرف ” من أي باب سيأتي ” هل من – باب الذهول – أو من – باب الطلسم –  أو- الباب الشرقي – أم من – باب الحسين – و الاخيرة هي هي احد أحياء مدينة الحلة موطن الشاعر ويترجل صهوة الحنين و هو ينشد لباب الحسين و يقول :
الفصول أستدارت
والسنين تطالع كف الطفولة
باب الحسين التي انتظرت
طويلآ على بابها
ومن حجر العيون سقيت شوارعها
ولعقت كساد البيوت التي درست
غابت الشمس
لو تمعنا كثيراً في هذا البناء الإيقاعي في القصيدة، أمكن لنا القول بأن الشعر عند الشاعر ” عامرحسن ”    قد طبع بموسيقى راقية وجميلة تحبب قراءة الشعر وتقربه من القاريء أكثر . تعتمد القصيدة عند  الشاعر على  الايقاع و الموسيقى الداخلية  لتنتظم وتسجل الموقف والرؤية والفكرة. فهي مثال لجاذبية التناسب الصورة الشعرية مع  الايقاع ولذالك نجد عند قراءة قصائده  أن كل واحدة منها مبنية بناءأ محكمأ لا يمكن الخروج
الفكرة المراد إيصالها :
وفي شهقة أتهجى بلادي
بلادي
ومن لي سواك
من قصيدة ( فتى الصنوبر )  و لكنه في قصيدة ( المساء ألاخير )  ويعود الى النبع الى بابل مدينته والتي ( كل شئ منها بدأ …وكل شئ أليها يعود ..) حين  يقول :
على نهر بابل تركنا أخر حرف
وأمتثلنا ..لنطفة و أنتبهنا لزهرة
و اغتسلت نقاط صوتنا
بحروف المد
حروف الجزر
ولم تكتمل القصيدة
أكوام من الطفولة
أكوام من الحجر
و لكنه في قصيدة اخرى  وهي قصيدة ( بستان المؤرخ )  نجد الشاعر لا يستطيع أن يبعد عن نفسه الإحساس بالاغتراب والألم. فغصت القصيدة بألفاظ الألم والضعف والانتظار والترقب والتذكر والرغبة  مثل : خبزها مدينة لغتي، النهر الهارب , دمعة غسلت وجه الخليج .نبيذ المدن الجميلة  وغيرها من العبارات .
ويقول في قصيدة ( بستان المؤرخ ) :
نهدها مشاع لكل العصافير
خبزها مدينة لغتي التي أهملها الرفاق
ونشيدها يبدأ من كل غابة
كل نهر..كل أمة
يرتقي شمالها جنوبها
فيرتد الصدى عراقْ.
وفي قصيدة اخرى من ثلاثية “من أي باب سيأتي”  و بالذات من ( باب الذهول )  ينشد الشاعر :
وفي ساحة من نحاس طلاسمها
أحترق.. أنها دورة النحول
عندها
قلت هل نختفي خلف الباب
تحاصرنا بحرير الطفولة
باب نلوذ بتاريخها
ثم ثالثة سنحطمها بالذهول
وهذه الالفاظ  و غيرها من الألفاظ و المعاني التي تعهد معجماً يفيد الألم والاغتراب والضعف أمتلك من الشاعر ” عامر حسن : رؤية شعرية عززها الواقع في وجدانه و بقيت محفورة في عقله الذي يساعده على
إخراجها شعراً راقياً استطاع من خلاله وضع قدمه بين شعراء القصيدة العرببة  الذين أبدعوا وكتبوا وتركوا لنا إرثاً أدبيأ محترمأ وبذالك يحق للشاعر “عامر حسن ” بعد ديوانه الاول ( تحت سقف المرآة )  أن يفتخر بشاعريته المتميزة الني منحته التواجد الادبي و الشعري بقوة .

بقلم : الكاتب علي المسعود
كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

مقطع من قصيدة ” تحت سقف ألمرآة ” و التي حملت المجموعة عنوانها
هكذا يبدأ الاتي…اليافع هشأ
وأمام الحطام يركع سنبل اللذة
أنه ألان مفتونأ بالطرائد
كأن القطيع سيمر في دائرة الرامي
ويخفق كالذبائح بين الفخذين
لا تخجل كلنا يبدا من قوس النهدين
وبعيدأ عن طفح المجهول
سنرزم رماد الضحك
ونخشع لمن كاطم
ولسوط طائش ستدق الطبول
وللآتي سنجهش ببكاء نذير
—————————————————-
صوت بدأ يقترب يتكاثر
وفي صخرة روحي يتقهقر
من نبش فينا سكون الدهشة
من قلدنا البكاء تاجأ و مهماز أعمى
من قال …الاتي سيدخل صالون ألاحشاء
ويتلاشى في قمصاننا
ويقوض هدأتنا بنهد نافر
صوت ..من أين ياتي هذ الصداع الهذيان
البرق سيأتي من جوف ألارضيين
ويفتح للآتي نافذة الجسد
وحيدأ سيدخل تاريخ الجمجمة اللدنة
وبعصاه السلالة سيدق عظام التكوين
مشتبكأ مع خيل الدماغ الهيوم
ثم يعقد هدنة مع ياسمين الملاذ
– ياملاذي لا تفضح حلمي –

الشاعر\ عامر حسن
شاعر عراقي مقيم في الولايات المتحدة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبدالمجيب رحمون : كيف نتواصل بالحكي؟ أو الرواية والحياة عن رواية “عقد المانوليا”

لماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ هذان السؤالان الإشكاليان اللذان طرحهما الناقد الأمريكي “هارولد بلوم” لم يكن …

| د. شعبان عبد الحكيم محمد : النص الطازج والقصة القصيرة الشعر قراءة فى مجموعة ” حواس زهرة نائمة ” لسامية غشير.

صدر للدكتورة سامية غشير أول مجموعاتها القصصية ” حواس زهرة نائمة ” عن دار النشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *