أ. د. مدحت الجيار* : “على باب الهوى” لصبحي فحماوي؛ رواية واقعية قلقة، وصادمة مدهشة

د. مدحت الجيار
د. مدحت الجيار

من يقرأ عنوان هذه الرواية وهو يتناولها من على رف الكتب، يعتقد أن الروائي صبحي فحماوي عاشق ولهان، يعيش على باب الهوى، ويتنقل من بلد إلى بلد، ومن قارة إلى قارة، بحثاً عن الحب والهوى، ولكنه من الصفحات الأولى الشديدة السخرية، يُغرقك في الضحك المبكي، وأنت تشاهد ما يفعله “الكلب الأمني” في  مطار ميونيخ، الذي يفعل، أو يفعفل في ملابس حقيبة خالد، المسافر العربي إلى ألمانيا، إذ يقول السارد:
“يتقدم الكلب محاولاً الإفلات من جنزيره الذي يُكبِّل عنقه، فيعتلى حقيبة الولد خالد، بلا مؤاخذة، كما يعتلي أنثاه، ويأخذ يلحسها! ليست الأنثى التي يلحسها، وإنما يلحس الحقيبة وما فيها، ويشمشم هنا وهناك، ويحشر أنفه بين ملابس اليافع المسكين يميناً ويساراً، و”من تحت لفوق، ومن فوق لتحت!” ويستمر هكذا غير مبال بكل أعراف ومواثيق “الأمم المتحدة ضدنا”، يفعفلها، ويُبَهدِل الذين خلّفوها، ويجعل أعاليها أسافلها.”
وكعادته يسرد لنا الروائي صبحي فحماوي بسخريته المعهودة، في كل صفحة أو بعض صفحة قصة مدهشة مثيرة، تولد منها قصة أخرى، فتجد القصص والحكايات تتوالد، ويدفع بعضها بعضاً، مثل قصص وحكايات “ألف ليلة وليلة”، حتى يصيح الديك، فيتوقف فحماوي عن الكلام المباح..
وهذه الرواية التي تسرد أحداث يوميات من عام 1982، تأخذك من مطار عمّان في الأردن، مروراً بمطار ميلانو في إيطاليا، إلى مطار ميونيخ، وتصور لك كيف أنهم يُسكنون زملاءه في مبنى “مؤتمر قادة شباب الأرياف في العالم” المدعو للمشاركة فيه، كل في غرفة مفردة، ولكنهم وضعوه -استثنائياً- في غرفة مزدوجة مع زميل إيرلندي في المؤتمر، يبدو أنه يعمل مخبراً سرياً.. وتتجول الرواية بك مع رفاق شباب عرب وأجانب في ربوع ألمانيا ومدنها وقراها وقصورها وقلاعها الجميلة، فتلتقي رئيس جمهورية بافاريا، إذ يقول السارد هنا: ” يستضيفنا الرئيس الكبير في السن بالترحيب في قصره العتيق بقلعة أنديكس من دون بهرجة إعلامية، أو وزراء أو مسؤولين كبار، فتحتفي جماعته بعددنا الكبير، وذلك بإحضار برميل خشبي كبير من الجعة، يشبه براميل النبيذ الضخمة التي كنا نشاهدها في أفلام (جوليفر في بلاد الأقزام، وجوليفر في بلاد العمالقة) المأخوذة فكرتاهما عن ألف ليلة وليلة، الرواية الأم…”  وتزور قصور الملك لطفي الثاني الأثرية، ولا تبقى مدينة أو مكان في ألمانيا إلا وتزوره  مع صبايا جميلات، وشباب متدفق الحيوية من مختلف دول العالم، برفقة السارد، الذي لولا روايته لما فتحت لك كل هذه الأبواب، لتطّلع عليها، فتزور متحف بوتسدام، المكان الذي عقد فيه قادة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة

الروائي صبحي فحماوي
الروائي صبحي فحماوي

وإنجلترا “معاهدة بوتسدام” بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية المنتهية، فتم تقطيع ألمانيا إلى عدة مناطق سيادية تهيمن عليها الدول العظمى بامتيازات آنذاك، وفي برلين تشاهد صورة “مناحيم بيغن” معلقة فوق رأس رئيس مؤسسة (دير شبيغل) الإعلامية..
وفي ميونيخ تشاهد استاد الألعاب الأولمبية حيث قَتلَ كوماندوز الألمان فيه خمسة فدائيين فلسطينيين، ومن قمة عمارة سيارات (بي أم في) الشهيرة، تشاهد القطار التجاري المحمل بالسيارات اليابانية وهو يمخر في عباب مدينة ميونخ، فتستغرب هذا الاختراق الحضاري الياباني لألمانيا ملكة سيارات العالم، وتدخل ملاهيها الإباحية، ومراقصها البريئة، وقاعات محاضراتها العلمية، وأسواقها وجامعاتها، وتتناول الأطعمة في مطاعمها، فيقول لك أحد زملائك نكتة بذيئة، ورغم خدش الحياء في هذه النكتة إلا أن الواقعية السحرية التي يكتبها صبحي فحماوي لا تتعارض مع هذا التضمين، ما دام يوظف لصالح النص، وليس للمنظرة، وعرض الفضائح.
هل نقول إنها رواية “أدب رحلات”، أم إنها رواية “واقعية سحرية” بامتياز، إذ تقرأ عن الحرب الأهلية اللبنانية، وعن حرب “مناحيم بيغن” الذي كان في لحظات السرد نفسها يحتل لبنان كلها، ويطحن المقاومة الفلسطينية عام 1982، فيضعف حزب الكتائب اللبناني، الذي كان مسيطراً قبل الحرب الأهلية، ليسيطر على لبنان مكانه حزب جديد اسمه “حزب الله”، فتضحك وترتعب وتبكي على حال الوطن العربي.
وهذا الشعور يشدك لمتابعة القراءة، ولا يترك لك لحظة لالتقاط أنفاسك من أول صفحة وحتى الصفحة الأخيرة، إذ تجد نفسك متورطاً في أحداث مدهشة، في نواحي مختلفة عن هذا الرعب، بعضها يدفع بعضاً، وحتى النفس الأخير، حيث يتوقف السارد بسيارته التي قطعت بلاد أوروبا من ألمانيا،  مروراً بالنمسا ويوغوسلافيا وبلغاريا وتركيا لتصل إلى حدود “باب الهوى” السورية، فيتم احتجازه في قسم المخابرات، وذلك لسبب واحد، وهو أنه لم يدفع الليرات العشر رشوة لموظف أمن الحدود..
لاحظ مدى شوق العربي للعودة من بلاد أوروبا الغريبة عنه، إلى وطنه العربي الحبيب في سوريا، والتي يدخلها فرِحاً وهو يغني قائلاً: “على باب الهوى دقِّيت! وفتح لي الهوى مرِّيت!”  ثم يتابع السارد بلهفة العاشق قائلاً:
“أجدني أُغني وأنا أنتهي من بلاد الغربة الأوروبية التركية، وأقترب بسيارتي من نقطة حدود “باب الهوى” العربية السورية. كم أنا مشتاق للوصول إليها، ولتقبيل أرضها العربية التي أنبتتني عليها، فانتميت إليها! أمط جسدي من شباك سيارتي للوصول إلى حدود “باب الهوى” فأدخل إلى أرضنا العربية. أحاول أن أرمي نفسي من الشباك لأركع وأُقبِّل أرضي العربية. أقضي الوقت بالغناء:
(ومن الشباك، لارميلك حالي، يا عيني… من كثر خوفي عليك ما بنام!) الثواني تتحول إلى ساعات وأنا أنتظر الوصول إليها بفارغ الصبر..وبعد مليون ساعة من الزمن الممطوط، أصل إلى الحدود. أوقف سيارتي فرحاً بين السيارات الداخلة، وبقفزات سريعة هنا وهناك أتابع معاملتها؛ من تعبئة عدة نماذج، وشراء دفاتر سيارة للتوقيعات، وأضع الطوابع المطلوبة، هكذا جاءت الطوابع مائلة على النموذج..الشرطي يعمل لي مشكلة للسماء…”لك كيف بتحط الطابع مايل هيك؟ لك هادا لازم يكون قائم، مش مايل! لك هذه راح تعمل لنا مصيبة!” يأمرني بأن أتصور وأن أضع صورة هنا. أبحث عن المصور فأجده يُحضِّر أدواته لحلاقة ذقنه. يجحظني بعينيه أن أنتظر! أنتظره مرغماً، إلى أن ينتهي من جردها، ومسح الرغوة عنها بمنشفة مخططة معلقة على ظهره، فيلتفت إليّ ويقوم متمطِّياً وهو يتثنى بذراعيه، ثم يصورني مستخدماً هذا الثوب الأسود الذي يُدخل يده ورأسه ونصف جسده فيه، فيبدو ظهره مثل ظهر النساء المنقبات بستائر سوادهن ويقول: “يا كريم”، فيُخرج لك الثوب الأسود “بقدرة قادر” صوراً  مما تشتهي الأنفس! ألصق “شبح صورتي” التي لم أتعرف عليها لشدة تشويهها لشكلي، في المربع المطلوب، وأدفع الرسوم المطلوبة حسب الأصول، وبعد كل هذا التعب والمعاناة، لا يبقى عليّ إلا أن أختم جواز سفري وأخرج بسرعة لأدخل الشام العريقة، فعمّان الحبيبة برمشة عين، وهكذا تنتهي مغامرة رحلتي الأوروآسيوية بسلام!”
ولكن هل تنتهي مغامراته الأوروآسيوية كما يعتقد؟ بالطبع لا، فما عليك إلا أن تتابع قراءة الرواية لتعرف ما حصل من مغامرات وغراميات وإرهاب مع هذا المسكين!
ولذلك لم يأت جزافاً هذا الإهداء الغريب في مقدمة روايته السابعة هذه، إذ نقرأ :
“الإهـداء:إلى كل من لم يرشُ، وإلى كل من لم يرتشِ!” إذ يقصد الروائي أن معظم بلاوي أمتنا العربية- وليست سوريا وحدها- سببها الرشى، والتي لا يتم تنفيذ عمل من دونها..
وأسلوب صبحي فحماوي “الواقعي السحري” بسيط ورائق، فيبدو وكأنه يتحدث معك مباشرة بلغته العربية القريبة من اللهجة العامية الأردنية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه محكم البناء، فهو مهندس بناء حدائقي، يتقن هندسة بناء النص الروائي، لتكون روايته سلة زهور منسقة أجمل تنسيق، أو لتكون حديقة غناء بديعة لم نطّلع على مثلها من قبل.

* أستاذ الأدب الحديث- جامعة الزقازيق- رئيس تحرير مجلة الرواية .

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *