بشرى البستاني في “الحب وإشكالية الغياب”؛ قراءة في شعر ياسين طه حافظ

* كتبت د. فاتن غانم

boshra albostani 4عن دار التنوير في الجزائر صدر للمبدعة العراقية الأستاذة الدكتورة بشرى البستاني كتابها الجديد ” الحب وإشكالية الغياب ، قراءة في شعر ياسين طه حافظ ” متناولة مجموعته الموسومة ” قصائد حب على جدار آشوري ” وقد بني الكتاب على ثلاثة مداخل :
ألأول  : قصيدة النثر ومعضلة التحولات
الثاني : ملامح قصيدة ياسين طه حافظ
الثالث : قصائد حب على جدار آشوري
تلاها ثلاثة مباحث ، قام كل مبحث على ثلاثة محاور وقفت عند الموضوعات الآتية :
المبحث الأول : الحب حضور في الغياب
–    جدلية العنونة ، الحب والحرب
–    الصمت حضورا، والغياب حماية
–    الجسد بين الحضور والغياب yasin taha hafezالمبحث الثاني :في فضاء الحب .
–    الحب خلاصا والغياب حماية
–    وسائل مقاومة الغياب
–    الميتا شعري
المبحث الثالث : تشكلات الغياب فناً:
– الرمز غيابا والتكرار شحنة دلالية
– شعرية السرد
– الجمالي والشعري
–    كلمة أخيرة
**
وقد التزم كل مدخل بموضوعه ، كما التزم كل مبحث بمضامين المحاور التي اختطها إذ تضمن الكتاب كما سجل له خبيره في دار التنوير كثيرا من الافكار والرؤى واثار جملة من التساؤلات حول قضايا اشكالية معقدة اغفلها النقاد والمبدعون عامدين الى تجاهلها او عدم الانتباه لها . ويحمد للمؤلفة كعادتها انها تنطلق من رصيد معرفي ضخم وتسلحها بالقراءات الثقافية والياتها ومزاوجتها بين المنهجي الصارم تارة والجمالي الفني تارة أخرى . ملامسة في كل  مقارباتها واقع الانسان المعاصر وما يحيط به من غبن وظلم وجروح وقتل وتنكيل حتى على مستوى مشاعره الشخصية وما تنهض بها حاجاته الأساسية في الحياة.
أكدت المؤلفة في مداخلها أن شعر ياسين طه حافظ منذ دواوينه الأولى – ومثل كل شعر ملتزم بالحياة وجوهر فعل الإنسان فيها –  كان ينهل من رؤية تعي أن الحداثة ليست انقطاعا عن زمنيتها وتاريخها وواقعها ، بل هي انطلاقات وتجاوز وتجدد متواصل يستمد طاقته من البؤر المتألقة في الفعل الإنساني ، وهي تحطيم للأغلال التي تقف عقبة في طريق kh boshra albostani 3العبور نحو الأبهى والأكثر حرصا على جمال روح الإنسان وكرامتها ، فالسيرورة الأدبية لا يمكن عزلها عن السيرورة التاريخية مما يجعلها قضية شاملة وحركة متواصلة لا يمكن الفصل بين جوانبها ، وهذه القضية لم تكن مقتصرة على ما كتب من شعر حسب ، بل هي موقف حرَّك كل نتاجه الثقافي الذي توزع على مجالات عدة في الشعر والمقالة النقدية وفي الترجمة ، لكنها تتجلى في الشعر إبداعا لتتبلور ظاهرةً واضحة المعالم مؤكدة أن كل تجربة فنية انعزلت كليا برحلة بحثها في منعطفات الذات عن معاناة الواقع التاريخي هي تجربة انقطاع ، وان ضياع الشفرة التي تصل بين المبدع والمتلقي الجاد ضياعا مطلقا إنما يعني الإبهام الذي يلقي بالإبداع الى منفى لا يستحقه ، وهذا الأمر لن يكون إلا بضبابية الرؤيا لدى المبدع نفسه أو غيابها كليا ليكون النص تجربة لغوية بحتة وحينها يغادر الإبداع كليا وتبقى اللغة تركيبا إيهاميا لا رصيد يحركه ولا خصب ؛ لأن الفن لا يتجلى حقيقيا إلا بمشاعر الإنسان ومواجده وأحاسيسه المتوهجة . ان قصيدة ياسين طه حافظ حملت سماتها منذ البداية بعد انفراط شكل القصيدة الجاهز منتصف القرن الماضي ، إذ مالت إيقاعاته نحو الهدوء متحولة في الغالب من السمعي إلى البصري عموما ، من الصوت العالي في الأوزان إلى التناغم الهارموني والتجاذبات الجدلية التي تشكل الإيقاع عضويا في الداخل ، فضلا عن التطور الذي طرأ على تشكيلات الصورة الفنية التي غادرت الزخرف البلاغي ومعايير الجمال الكلاسيكية ومفاهيمه التقليدية الى مكون حيوي من مكونات التجربة الفنية ، مكون يشتغل ضمن بنية القصيدة بفاعلية معقدة تتسم بقانونها الداخلي الخاص الذي لا يخضع لأي قانون خارجي ، وبذلك ينفتح الجمال الحداثي على الوجود والحرية وعلى التماس مع التاريخ وحركة المجتمع والانفتاح على المستقبل حسب أقطاب المدرسة الجمالية الجديدة هيدجر وأدرنو وجادامير ودوفرين ، فالفن الذي يستمد حضوره من خلال المطلق او التجريد الخالص لن يدوم طويلا لأنه فن مشرد يفتقد حركية الحياة وصيرورتها . من هنا نجد مرجعيات الشاعر تتنوع ما بين التجربة الانسانية المعيشة والحدث الواقعي والمخيلة وتلوينات الطبيعة التي يعرف ياسين طه حافظ كيف يتعامل معها بوعي وحب ، ويتقن دمجها بوقائع الحياة ، كما يتقن ترميزها بشفافية هادئة استمدها من طبيعته المرهفة ومن قراءاته للأدب الأجنبي ومن رؤية تمجد الإنسان ولا ترى في العنف إلا الجريمة التي يجب ان تُقاوَم بلا هوادة لتجد البشرية طريقها للحب والجمال ، فكانت اكثر رموزه شخصية ينتزعها من الاصول التي يجد فيها ينابيع الخير والفرح والسلام ومسرات المحبة ، إذ نجد الضياء والقمر والحدائق والشجر والانهار والغابات ، كما نجد الانوثة المقتدرة ونور المعارف ومجد الشعر ، كل ذلك يلعب لعبته الساحرة عبر مجاميعه التي تقترب من العشرين .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبداللطيف الحسيني : الثورةُ مدوّنةٌ “ثورة الحرية السورية” كتاب جديد ل عُلا شيب الدين.

يسعى المرءُ الثائرُ في حياتِه كلِّها لتحويل النظريّ إلى فعل سياسيّ اجتماعيّ مشخّص بل يسعى …

| جمعة عبدالله : قراءة في كتاب ( المسلة ) عن الراحل الكبير الدكتور حسين سرمك .

يقدم الشاعر ( هشام القيسي ) هذا الكتاب الوثائقي الشامل , عن سيرة حياة الراحل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *