هديّة حسين : أليس مونرو تعيد للقصة القصيرة اعتبارها

hadiya 5منذ سنوات وبعض النقاد (يبشرون) بانقراض القصة القصيرة أو قرب موتها لصالح الرواية، وكم قرأنا ذلك في دراساتهم أو سمعنا في المؤتمرات التي تنعقد من أجل القصة القصيرة، بل إن البعض ألف الكتب عن ذلك حتى بتنا مستعدين لتشييع  جثة القصة القصيرة، ومنهم الناقد والروائي شوقي عبد الحميد الذي ألف كتاب(القصة القصيرة في زمن الرواية) والذي حذر فيه من انقراض القصة القصيرة في وقت اعتبر فيه أن الرواية ابتلعت الأجناس الأدبية الأخرى بما فيها القصة القصيرة.
التبشيرات تلك، والتصريحات، أدت بمرور الوقت، ولعدم وجود من يتصدى لها بشكل جدي، الى عدم الاهتمام من قبل الجهات المسؤولة بهذا الفن الراقي، وإلى عدم اكتراث الكثير من الناشرين بالمجموعات القصصية، وتفضيلهم الرواية على القصة، باعتبار الرواية (ديوان العرب) في العصر الحديث، هذه المقولة/ الإشاعة التي تبناها عدد من الكتاب دون تمحيص لكي لا يفوتهم (اقتناء) هذا الديوان والخوض فيه، مما ساهم الى حد كبير في تراجع قرّاء القصة القصيرة، حتى أن بعض كتاب القصة القصيرة ذهبوا الى الرواية ولم يعودوا الى فن القصة، معتبرين القصص التي كتبوها تمريناً للوصول الى الرواية، غافلين أو متغافلين بأن القصة القصيرة هي فن أدبي قائم بذاته وهي من أصعب الفنون الأدبية كما يقول سارتر.
إن الكتاب الذين مضوا للرواية ليس بسبب أن القصة القصيرة استنفدت أغراضها أو رسالتها كما يدعون، وإنما لأنهم وجدوا أنفسهم في الرواية أكثر مما وجدوها في القصة، فيما البعض الآخر عاد للقصة القصيرة بعد أن اكتشف أن عالم الرواية لا يناسبه، أو أنه ليس أهلاً لها.. وقلة من الكتاب من جمع بين الإثنين، وقلة أيضاً من بقي وفياً للقصة القصيرة وما يزال يدافع عنها ضد هجمة (فتوّة) النقاد الذين يحاولون إلغاء هذا الجنس الأدبي الجميل من حياتنا.ثمة أفكار لا تناسب الرواية، أحاسيس مكثفة، وزاخرة، وممتلئة بالسحر، سحر له مذاقه الخاص وعمقه أيضاً، الذي لا نجده ولا نلمسه إلا في القصة القصيرة، هذه هي الحقيقة، لكل فن نكهته، وطعمه، وكاتبه الذي يفهمه ويتفنن في تقديمه.
alice monroونحن لا ننكر أن بعض كتاب القصة القصيرة ممن هم بموهبة بسيطة لم يصقلوها بعد، أساءوا إليها، فكتبوا ما يشبه الخواطر وأدرجوها في خانة القصة، مستفيدين من سهولة النشر التي أتيحت لهم بعد ثورة الإنترنت، في المواقع، أو حتى في الصحف غير المسؤولة، وبذلك ساهموا في تشويه عالم القصة الساحر، ومن ثم تراجع قراء القصة، ذلك التراجع الذي زرعوا هم أنفسهم بذرته عند القراء.
اليوم تعطي أكبر أكاديمية عالمية جائزتها(جائزة نوبل للآداب) للكاتبة الكندية أليس مونرو التي يلقبونها بتشيخوف العصر، لقد أخلصت هذه الكاتبة الثمانينة للقصة القصيرة وتجاوزت كلاسيكياتها، ولم تعتمد تقاليدها المعروفة، كما تعترف هي بذلك في أحد الحوارات، فالمضمون لديها هو الأساس، أما الشكل فإنها لا تتبع قواعده الممنهجة، وكانت أليس مونرو قد كتبت أول الأمر رواية طويلة، لكن عالم القصة القصيرة الساحر أبقاها في أروقته، فكتبت عن الحياة البسيطة في الأرياف التي عاشت فيها، وعن الصراع في الحب والمفاهيم المتغيرة، وأغلب ما كتبته عن عالم النساء المقهورات.. تكتب بثيمات غير بعيدة عن نبض الناس، رحلة عمر كرستها لهذا الفن الصعب الذي أحبته وأجادت فيه.
وقالت لجنة التحكيم عن سبب منحها الجائزة: إن أليس مونرو فازت بالجائزة لكونها أفضل من كتب القصة القصيرة في العصر الحديث…و… قراءة عمل لأليس مونرو يعلمنا شيئاً جديداً في كل مرة، شيئاً لم يخطر ببالنا من قبل.
أليس مونروا هي الرقم 13 من النساء اللواتي حصلن على جائزة نوبل.. وسبق أن فازت في العام 1968 على جائزة الحاكم العام في كندا وهي أرفع جائزة أدبية في كندا عن مجموعتها القصصية (رقصة الظلال السعيدة).. وفي العام 2009 فازت بجائزة البوكر العالمية عن القصة القصيرة أيضاً.. وبهذا استطاعت أليس مونرو أن تعيد للقصة القصيرة اعتبارها وألقها، وتنفض عنها غبار الآراء العشوائية التي التصقت بها.. فهل بعد هذا من يؤمن بانقراض القصة القصيرة؟
العيب إذن ليس في القصة القصيرة بل بمن تغرّب عنها ولم يستطع أن يصل الى جوهرها فكتب لنا قصصاً تشبه الطعام المعلّب المسرطن.

شاهد أيضاً

جنوننا الجمعي
فلاح حكمت*

• في أعماق الجنس البشري توق راسخ للتواصل • الطبيعة البشرية تقوم على التعاون لاالتنافس …

عبد الرضا حمد جاسم: راي في التخلف (5)

ملاحظة: اعتذر عن الاضطرار لتضمين الموضوع بعض العبارات باللهجة العامية العراقية المموسقة استدعاها الحوار بين …

من أقوال “شارلي شابلن”

لا بدّ للمرء أن يكون واثقاً من نفسه .. هذا هو السّر .. حتى عندما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *