حنون مجيد: قصص قصيرة جدا

آليّة

ما الذي يحدث؟نادت الزوجة زوجها من تحت وهو منشغل بالبحث عن رسالة أوصته بإيصالها إلى ذويها منذ أيام.
لقد فتشت هنا وهناك فلم أجدها، أجاب، برماً بالمهمة، من فوق.
قالت: عليك بكتبك، فالرسالة مهمة لدي.
رد: لقد فتشت كل كتبي، وها أنني أبحث من جديد.
وكرر التفتيش بعينين غائمتين وذهن مشوش، وفي حركات عشوائية كانت الكُتب فيها تُتقاذف من جانب لآخر ومن زاوية لأخرى، ولكن عبثاً فالأمر يبدو أقوى من ذاكرته وأبعد من عينيه.
حينما خرج لموعده مسرعاً، معتذراً بأن كل شيء سيتم غداً أو بعد غد، شعر بالراحة وخفة الصدر، حتى إذا تجاوز عتبة داره وقدمت حافلة قذف بنفسه في أحشائها، تذكرها.
كانت الرسالة مدفونة بين أقرب الكتب إلى يديه.
2/11/2002م

سر

لا يعرف أحد من أية زاوية ظهر، لكنه حينما أخترق السماء الصافية الصماء، كان الناظر إليه يتوقع أنه سيحط على هذه الشجرة العملاقة التي ارتفعت وتفرعت نحو جهات شتى وصارت ملاذاً لعشرات العصافير.
مرّ على الشجرة ومضى..تجاوزها من دون أن يلقي نظرة عليها، أو يرخي جناحاً نحوها.
ستواجهه في الطريق بيوت حجرية، وشوارع يفور فيها الإسفلت، وساحات يفح فيها الأسمنت..شوارع وساحات وبيوت أُخر.
عصفور صغير، لا يسعه الأفق، يلم ويفرد جناحيه في توازن مدهش سريع ويخترق المسافات تلو المسافات.ترى ما الذي يدور في رأس هذا الكائن الصغير ويأخذ به نحو البعيد البعيد.هل تنتظره في أفق آخر أنثى، أو عش ترقد فيه بيضة أو بيضات؟
في لحظة تالية، نفذ خلالها في غياهب المجهول، عادت السماء حيث كانت…صافية…صماء.
7/11/2002

كل ثلاثة أشهر من ذلك الزمن السعيد!

كل ثلاثة أشهر يشعر المتقاعد بالغنى مرة واحدة..ففي يوم بعينه يتسلم رواتب ثلاثة أشهر دفعة واحدة..وفي هذا اليوم يبتاع برواتبه مجتمعه سمكة واحدة مناسبة وثلاثة كيلوات طحين أبيض سلس وفاكهة للغداء، وكيلو رز وكيس لبن رائب للعشاء.
عندما يدخل داره، وعادة ما يكون ذلك قبل الظهر، يغلق بابه جيداً ويسدّ وعائلته آذانهم حيال أي طارئ مهما كانت نسبة قرابته من أهل البيت.
يتناول أفراد العائلة غداءهم اللذيذ المفيد، ثم بعد ساعات يتناولون عشاءهم الطيب المريح، حتى إذا بلّت عروقهم وامتلأت فجواتهم وتهيأوا لنوم سعيد، أعلنوا عن انفراج حالهم وهيأوا أنفسهم لوضع جديد..عند ذاك وفي صباح اليوم التالي يشرعون بابهم، يستقبلون ضيوفهم بود وسماحة وكرم نفس.
ثلاثة أشهر يتزاورون خلالها مع جيرانهم، وقد يشربون الشاي معهم، أما الأحاديث؟أحاديث الحاجة والفقر فلا أكثر قرباً منها ولا أشد..ثلاثة أشهر يسودها الانفراج والوئام، إلا ذلك اليوم الذي يغلقون فيه باب دارهم ويصبحون غرباء.
27/6/1996م

للبشر كذلك
بحركة رشيقة شفت فيها الأجنحة وشعت بنور خفيف، حطّت على يده، بلهاء غير مهمومة إلا بتحقيق سعادة غير محسوبة من دم نقي حار.
وفي حركة خاطفة من يده الأخرى أحاطها بأصابع صارت تشتد عليها شيئاً بعد شيء، فإذا أفردها وجدها قد تحولت إلى كرية سمراء صغيرة تداخلت أجزاؤها وأّمحت معالمها.
تساءل ببلاهتها ذاتها، وقد جعل يتأملها، أين ولّت يا ترى معالم الجسد الكامل أين حدود الرأس والبطن وأين أنفراش الأجنحة وامتداد الأطراف؟ يا لخراب مثل هذا الموت، قال ونفخ راحة يده، فتدحرجت كرية تافهة لا شأن للحياة بها من قريب أو بعيد وسقطت على الأرض.
كان يقول في تداع داخلي دفين، مثل هذا يحدث للبشر كذلك.
10/5/1995م


حلم

أخيراً تحققت أمنيتها..فها هي تنتظر الرجل الذي طالما حلمت به وراود خيالها الصعب..تنتظره على المكان نفسه الذي التقيا عليه أمس في مصادفة بدت لها أجمل من كل الوعود.
كانت تتطاير فرحاً..ونشاط جديد يملأ أرجاءها، ولهفة تستبدّ بها لأن تعانق الأشياء..ففي زحمة المرارة واليأس كثيراً ما يخطئ الإنسان، فيظن أن الحياة صعبة لا تطاق.وهم مجرد وهم أيتها الصغيرة الكبيرة التي فاتها ولم يفتها القطار..أنت في اخر الأمر أولى الناس بالحب وبمثل هذا الرجل المثير..ولكنها المقادير التي لم تحل حيث يجب أن تحل.وكما لو أن شيئاً غير مجرى الحياة، أو أن موتاً مفاجئاَ أطاح بالرجل قبيل أن يكون، أو وهو، في طريقه إليها، فقد شملها حزن كثيف كان يتصاعد لحظة بعد أخرى، وهي تغادر آخر لحظات الموعد وتترك المكان.
18/6/2003م

مماحكة
لأمر ما لم تحط عليه بادئ ذي بدء، إنما جعلت تحوم حوله في دورات راقصة قطعت عليه قراءته مرة أو مرتين.
ومرة أخرى ركن الكتاب جانباً وقرر اصطيادها، فلما لم يفلح واصل قراءته في كتاب بات، على حلاوته، لا يهمه أن يلسع لسعة أو لسعتين.
كانت تدور حول رأسه وتحت أذنيه وبين أنفاسه، ثم ما تلبث وقد استثارت غضبه ومرحه، أن جعلت تحلق في الأعالي تحفّ بسقف الغرفة مترجحة في أرتعاشات دقيقة متواترة أقرب إلى قبل متلهفة قلقة، لترتدّ بعد ثوان تلّف في فضائها المنور الفسيح، غير عابئة بسعادته التي كانت تترامي إليه من فجوات الحروف ومسامات الكلمات.
أخيراً ركن الكتاب جانباً وأطفأ النور وأسلم قياده لنعاس أغلق لشدته عينيه، فكان يسمع دويها، وهي في القريب منه، كما لو من خلف ستار.
لقد وهنتُ، قال، ولم أعد أقوى على مقاومة بعوضة، أية بعوضة وغرق في النوم.لم يعرف ما الذي فعلته بعد..ِلسعته أو حامت حوله، طنّت بين أذنيه أو دخلت منخريه، بيد أنه لما فتح عينيه أول الصباح وشاهدها جاثمة على نقطة من الجدار، قريبة من رأسه مستسلمة لنوم مبرأ من كل ذنب لم يشأ أن يقتلها، إنما أفرد إصبعاً ومسّ بها مؤخرتها، فاستثيرت استثارة فزعة حلّقت بها في الفضاء، هناك تركها تحوم في دورات نزقة بدت مضطربة وغير مجدية، وغادر غرفته ساخراً من غفلتها وضاحكاً من عقله الصغير.
25/10/1998م

على هذا المنوال

الصيف في اوله وماتزال برودة الشتاء تعشش في الاشياء . ورغم ذلك فأنه خلع ملابسه ووقف تحت دش الحمام . لاول وهلة احس بقشعريرة تسري في كيانه . ثم رأى بعينه البثور الدقيقة التي انتشرت على صدره وذراعيه . تردد لحظات قصيرة قبل ان تمتد يده بسرعة لتفتح مجرى الماء . تراجع قليلاً لحظة لينقذ جسده من شتاء ينصب فجأة عليه . لكنه حينما وجد ان الموضوع لايمكن ان ينتهي بهذا الشكل عاد ثانية وباصرار مقصود وأخذ مكانه تحت رشاش الماء من غير ان يعبا كثيراً بما راح يلسع جسده وينسل حتى عظامه . كان يشعر لحظة بعد اخرى ان شيئاً من هذا القبيل يحدث حقيقة ولابد ان يحدث ، غير انه لا يمكن ان يستمر ، وان برودة الماء لابد ان تتلاشى بالتدريج .
كان ، والماء يجري على  جسده نفاثاً بارداً ثم يفقد حدة برودته درجة بعد اخرى ليصبح ناعماً لدناً ولذيذاً ينسى كل شيء .. ينسى البرودة الحادة ويشعر بالعذوبة ، فتنشي روحه ، وينتعش جسده ويفكر بوعي ثاقب ويقول : كل شيء على هذا المنوال .

حالة اولى

كلما حاول ان يتذكر الشخص الذي التقاه صدفة هذا اليوم وعبر معه الجسر تعب ذهنه وكل . لقد كان حديثه فيما يتذكر جميلاً . وثمة التماعات غامضة تلوح منه الان كما تلوح التماعات برق   بعيد .كانت خطواته وهو يعبر معه الجسر تتساوق مع خطواته بهدوء واتزان . وحتى انتهيا الى الجانب الاخر افترقا هناك . انه الان يستعرض صور وأسماء اصدقاء له قريبين وبعيدين . بل انه يستعرض نبرات اصواتهم وطرائق احاديثهم .. الاغرب انه يتذكر ان الرجل اثناء حديثه معه طرق موضوعاً يتعلق بالاحلام ، وانه انتقل بذهنه الى بعض ما ينتابه من احلام وكوابيس .. ان ذكراه الغائمة تعذبه وتلح عليه وصورته التي لا ملامح لها تعبث بذهنه ، وانه لايريد سوى ان يعرف من ذلك الشخص ، صاحب الحديث الممتع والخطوات الهادئة ؟ انه يتمنى لو كان ذلك صديقه الوحيد ، صديقه الذي يودعه همه ويستودعه سره ، ولو تذكره جيدأ لطار اليه الان ، فلم يحدث في لحظة لقائهما ذاك . شيء مما يعكر النفس ويثير الشكوك في الاصدقاء .. لقد كان رجلاً خفيض الصوت ، جميل المعرفة هاديء الخطوات .. كان كحلم جميل لايريد ان يبرز الى مستوى اليقظة الكاملة ولايريد ان يغيب .. لقد كان ذلك الشخص هو صديقه الوحيد .
28 / 11 / 1989

حالة ثانية

حينما قابله صدفة في الطريق نسي اسم ولده ليناديه بأبوته له .ورد ذهنه اخر شك في صدقه فناداه بأسمه مجرداً :
أهلاً عبدلله .
تم اللقاء ، وغاب الرجلان كل في عمل وحياة . وجهد مراراً ان يتذكر اسم ولد صديقه حتى اجهد عقله ، فلقد كان الاسم الاخر “وجدان ” يزاحم الاسماء الاخرى ، ثم ما يلبث ان يلوح دونها بقوة واصرار .
ذات لحظة وهو يدور في غرفته يبحث عن قلم فقد منه ، نز الاسم في ذهنه المشوش مثل نجمة تنز في الظلام .
“خلدون”
قال: تماماً .. خلدون .. أبا خلدون . فمن أين جئت بذلك الاسم الغريب ” ؟ وحاول  ان يتذكر الاسم الاخر .. حاول جاهداً ان يتذكر ولو طرفاً منه .. وعبثاً حاول مرات ومرات ، فلقد ضاع الاسم الاخر ، ضاع كما يضيع طائر في ضباب .
28 / 9 / 1989

أي منهما أنت

فجأة انقطع عما يحيط به من لغو وصخب ودخل صحراء .. صحراء واسعة تلتم عند افاق بعيدة لايبدو ان وراءها منفذاً لغيرها من نهر أو بحر ، يقف فوقها رجلان وحيدان . يقفان في الصحراء الخالية الا منهما وجها لوجه .
يسمع صوت الاول ، قوياً هادراً ، يقول :
– الذنب ذنبك .. لماذا فعلت ذلك ؟
ويسمع صوت الثاني ، ضعيفاً واهناً ، يرد :
– لم أفعل شيئاً ..كل ما سمعته منقول عن اعداء .
– كل ماسمعته صحيح وقد تحريت كل صغيرة وكبيرة عنه .
وارتجف الثاني وهو يقول :
– كلا ثم كلا . واقسم على ما أقول .
وهدر صوت الاول مرة اخرى :
– لقد خنت العلاقة ، ولسوف تعرف ما أنا فاعل فيك .
– لم أخنك ياسيدي .. أقسم على ذلك كما أقسمت من قبل .
– كان يجب ان لاتفضح سراً ولا تقرر امراً .
– وما الذي اذعته ياسيدي ، وما الذي قررت غير ما اتفقنا عليه ؟
وساد صمت قصير ، ثم امتدت يدان غليظتان وطوقتا باصابع قاسية عنقاً رخواً وضغطتا عليه . واستسلم العنق .. تماماً كما تستسلم ليد قاطفها زهرة . لم يقاوم الجسد يدين تضغطان على عنقه باقصى ما تستطيع يدان .. نام الجسد .. نام على ضغط مؤلم وعنيف ثم همد كما يهمد جسد غادرته الحياة منذ ايام وترك وحيداً في صحراء .
وعاد السكون مرة اخرى .. انتشر انتشاراً طغى على كل ما عداه .
واخيراً ارسل الرجل حسرة قوية اعادته الى ما كان انقطع عنه ، فأشمأز مما رأى وعجب بل تطير من امره ، وقال مخاطباً نفسه بإستنكار :
– أيها الرجل .. أفصح . أي منهما أنت ؟
28 / 11 / 1989

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : ضيــــــــاع .

أبدى امتعاضا وتذمرا جعلني أشعر بالحرج، لكنه برغم ذلك أقرضني العشرة، ربما تتساءلون ما هي …

| د. قصي الشيخ عسكر : مجهول – “قصة ومضة”.

وجدتني أسعى لعالم آخر بعيد عن الواقع والحلم بهذه الصورة بدات العمل من جديد وعيناي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.