علي المسعود : رواية “همس الغرام” حكاية أحلام بألوان رمادية

ali almasod 4ما يثير قارئ رواية :”همس الغرام” للكاتب العراقي المقيم في السويد (لميس كاظم) الصادرة من ( دار الكتاب العربي ) هو جمالية عنوان النص لآنه أختزال ذكي لمكون النص وأحداثه
وابعاده الدلالية ، فأصبح  دالا على مضمونه وعتبة مسهلة لقراءة تفاصيله فهو الخيط المتين الرابط بين النص وقارئه ، كما هو مكون نجاح  للعمل السري، كونه يثير فضول القارئ  ويجذبه في الانخراط في كيمياء النص تحليلا ، هدما وبناء. أو قراءة و إعادة قراءة!
و بناء على ما سبق يتكون عنوان المؤلف من مفهومين بارزين هما  همس / و الغرام  وهما عنصران متشابكان  ممتزجان  يعبران عن تداخل الواقع المعيشي  بالخيالي المتخيل لرسم مشهد درامي لحياة الهامش في المجتمع الشرقي كما  يعكس في آن واحد طبيعة التجربة  الانسانية للكاتب . هذه التجربة الموسومة بالعمق في تناول قضايا  ألاغتراب ومشاكل الجيل الثاني  من الشباب  و إثارتها  برؤية جديدة  مفرطة في الخرق الابداعي . فأذا كان الحب من تيمات النص فالشك و الحقد   مردافأ  أيضأ متمثلآ بسلوك ( طاهر ) مع ( داليا  ) و الفشل في  العلاقة بينهما. وبؤرة للعلاقة الإنسانية.  حاول الكاتب أن  يحدد طبيعة النفس البشرية بالوانها الاسود و الابيض او الخير و الحقد و انعكس ذالك على سلوك ابطال الرواية في تفاعلهم إيجابا او سلبا مع محيطه ونوعه بناء وتعميرا ، تضامنا وتكافلا ..الخ
تتوزع الرواية  في  ثلاث فصول و يفتتح الروائي الفصل الاول راسمأ لنا موقع احداثه في مستهل  الرواية وكانت مدينة بغداد مسرحأ له  ( أرتدت بغداد حلٌة بهاءها الربيعي ) و يرسم لنا ملامح وشخوص أبطاله وهم المحامي( سامي) و الذي يصفه الكاتب ( ليس جميلآ كما يقال لكن روحه اجمل من شكله , شفافة , و طيبته مرسومة على وجهه ) ص6,  وصديق الطفولة و الدراسة ( طاهر ) على رغم من تحسن وضع  ألاول  الاقتصادي والفارق الطبقي بينهما  الا انه ظل وفيأ و أمينأ لتلك الصداقة, وكان يلبي طلباته و يغدق علية مالآ كأنه و لي lamis kadumأمره, ووهناك شخصية ( وجدان) زوجة( سامي) الارستقراطية التي تعشق الحفلات و  السهرات مع الاصدقاء , وأيضأ هناك  (داليا) الطالبة الجامعية التي اعجب بها (طاهر) و تعمقت العلاقة بينهما وأختتمت  العلاقة بالزواج بمباركة و مساعدة ( سامي) المادية.
تتسارع الاحداث بعد  القصف الوحشي من قبل قوات التحالف عام ( 1991) ومن ثم جاء
قرار الحصار الذي فرضته هيئة الامم على العراق  و الذي أنعكس على ليالي بغداد البهيجة !! و يصف الكاتب الناس وأمزجتهم  بشكل مقتضب  في تلك الفترة :
“و قد تغير مزاج الناس تماهيأ مع أخلاق الحصار”ص26   وفي تلك الفترة واجهت العائلة كما هو الحال لجميع العراقين  فترة عصيبة  من تقنين المصاريف و شحة الوارد حتى باتت الزوجة( وجدان) اكثر شي تكرهة هو وقوفها في الطابور للحصول على مفردات البطاقة التمونية !! , و مما زاد في ألم  (سامي ) ان  الكثير من اصدقاءه هاجروا وعلى رأسهم صديق طفولته(  طاهر) و زوجته ( داليا) وطفلتهما ( رولا  )الى السويد, وقد كانت (داليا)   تشكو الى ( سامي ) من شكوك ( طاهر ) بها ومن اسلوب تفكيره و تعتبره شخصية متهورة  وهي في ذات الوقت  كانت معجبة اشد الاعجاب بواقعية (سامي ) في معالجته للمشاكل ووجدت الفرق شاسع بين( سامي) المتنور و هدوءه و بين شخصية (طاهر) المتشنج  و المبتور , و بدفع و الحاح من ( وجدان  )و بسبب صعوبة الحياة و العيش بعد الحصار و انعدام ابسط الخدمات أقتنع ( سامي ) بالهجرة و رغم  أنه يصف حاله  (  مثل السمكة التي لاتستطيع العيش خارج الماء و ماءه  هو دجلة ) و قرر ان تكون وجهته السويدعلى اعتبار وجود صديق طفولته (طاهر)  فيها والذي مد له يد العون في هجرته الى السويد عام 1985  وينجح  (سامي ) في الوصول السويد بعد محاولة فاشلة ومن  ثم يعمل على لمُ شمل العائلة  kh lamis kadumوهناك يصاب (سامي) بحالة من اليأس لصعوبة ايجاد العمل و عدم التكيف مع المجتمع الجديد ولخيبته في صديق عمره( طاهر)  على العكس من ( داليا ) والتي فرحت بوجوده وقد حافطت على الود و  قد صارحت (سامي)  فيما بعد بأنها  مبهورة بشخصية سامي  وسرٌت له ( عملت لي أنقلابأ في بالوعي و السلوك , سحرتني بهدوئك و حكمتك وكياستك)    ص224 و كانت تحس بألامان معه!!  على العكس تماما من من موقف صديقه ( طاهر ) و الذي ابتسمت له الدنيا في المنفي  ولكنه فابل (سامي) بالجحود و النكران والذي تعامل مع   (وجدان ) بحقد و شماته و تشفى, ؟؟. لم يكن( سامي) يتوقع  ان  يتحول بلد الاحلام و الذي أنتظر  وغامر بالوصول اليه  سيصبح بالنسبة له سجنأ لآحلامه !!!
ويصف ( سامي) تللك التجربة (المنفى سجن كبير يمتحن أهداف القادم اليه,فأما يحوله الى مدمن على الكسل أو يفتح له الفرصة و يساعده على أن يمضي نحو تحقيق هدفه) ص 49
لم يتصور قط انه سيصبح مثلا سيئأ يضرب به في السويد بعد ان كان منارا يحتذى به في بغداد” . و في مكان اخر  يعبر  ( سامي  ) عن الاغتراب بشكل ادق : ( ” لم أعرف أن جمالية المنفى ستخنق روحي , لم أتصور أن هذه المدن  الباهرة ستتحول الى قبور تدفن أحلامي “) ص59 . و بالرغم من أهتمام الروائي ( لميس كاظم ) بألاساليب الفنية و الجمالية
وقدرته على توليد أساليب السرد المختلفة  تبقى  الرواية مرتبطة بشكل واضح وفاضح  لواقع  المهاجرين ومشاكلهم و معاتاتهم وطريقة أندماجهم  مع المجتمع الجديد مع الحفاظ على الهوية الوطنية و القيم التي تربى عليها وعلى سبيل المثال انحراف ( رولا ) أبنة  (طاهر)  و نجاحها في الايقاع ب ( سلوى ) ابنة سامي و ادمانها للجبوب الهلوسة ( أم فيتامين ) و هذه الاحباطات و الاسقاطات نتج منها افعال و ردود أفعال  عكست  الحالة السوسيونفسية لسلوك و تصرفات   شخوص الرواية  و ألأصوات المتحاورة داخل فضاءات ” همس الغرام “!!!
و قد كان ارتكاز الكاتب  ( لميس كاظم ) على اقوال الادباء و المفكرين  و التي جاءت على لسان كل من ( سامي )  و (داليا ) في حواراتهم  و التي عكست بشكل واضح الخزين  الثقافي و  المعرفي للكاتب  و استخدامها بشكل واعي وجميل..!! ومن هذه الاقوال :
( ” مقولة بريخت على لسان داليا – لاضير من التردد اذا تلاه الاقدام “) ص 123
( “العزيمة تحرس كل الفضائل الاخرى و تدعمها” ) ص145 للفيلسوف الانكليزي جون لوك
وهناك  أشارات الى أعمال فنية و أثار أدبية  خالدة مثل”  بحيرة البجع ولوحة  مرج الغابة للفنان الروسي ايفان شيشكين  و ليون تولستوي صاحب رواية الحرب و السلام ” ص  140
لقد رصد الروائي( لميس كاظم ) في روايته محطات أساسية وفترات حرجة حياتية ، وكشف  عن رؤية ثاقبة واستيعاب لمظاهر استفحال أزمة خطيرة ، تتجاوز العلاقات العامة إلى الحياة الخاصة والعاطفية والعلاقة داخل الأسرة المتعددة الأفراد ، والغارقة في انتظارات وأحلام بعيدة المنال . هذه المعاناة ستبرز للعيان مدى القسوة التي اكتوت بها فئة  من المهاجرين  العراقيين وسلوكهم و و سلوك الابناء في بلاد المهجر ، وهو ما أعطى النص الروائي مصداقية وملامح واضحة لمصائر الشخوص في النكوص و الفشل و الخيبة أو  الانحدارفي المستوى الاخلاقي للاجيال الجديدة و السقوط في شرك المخدرات او الجنس و غيرها من امراض المجتمع الجديد!!! لقد شكل الاصطدام الأول بالمدينة و الحياة الجديدة الى (سامي)  المثقف و المحامي الناجح صدمة كبيرة و خيبة أمل , كما ان ظهور نوع جديد من المعاناة و يتأرجح بين ألتأقلم و ألاغتراب وألاندهاش من وتيرة الحياة المتسرعة والتي يصعب مجاراتها     بما تشكله من معيقات للاندماج  مع المجتمع الجديد  كما كان لبنية الأفعال دورا هاما في حركة شخوص الرواية .
اشتغل  الكاتب على الأفعال الماضية التي تستحضر المتخيل المتراكم في الذاكرة لتوظيفه   داخل فضاء  الرواية ، ومن الماضي ينهض ويتحرك في اتجاه المضارع الذي يزيد من وتيرة الحركة المفضية إلى المستقبل الملئ بالمفاجآت و الفاضح لمستجدات الواقع ومتغيراته رغم انني وجدت ان استرجاع الماضي كان بشكل مفاجئ  و تداخله مع الحاضر و هذا التداخل  برأي قد يوقع المتلقي في أشكالية التشويش على ذاكرته في  ألاسترسال وتشكيل الصورة!!.
في  رواية  “همس الغرام ” تظهر حرقة القارئ في الوصول الى نهاية العمل الادبي من خلال جاذبية النص التي تبين رفضه لواقعه , عمل الكاتب في  تتبع حراك الشخوص في النص ورغبتها في التغيير و الابتعاد عن النمطية وكسر الحواجز في لغة  الحوار واختيار لغة سردية  و شفافة تناسب  الشخوص الايجابية في النص الروائي وهكذا تتحرك الشخوص
بحرفنة الكاتب و مهارته  بلغة متباينة وبألوان مختلفة،كأنها تعزف سمفونية موحدة ذات رؤية شمولية بمقصدية واحدة .
( لميس كاظم)  يعمل من خلال الصور والأخيلة على ابتكار لغة خاصة تعبر بها  الاصوات الداخلية و الخارجية ، حيث إنها تتبع حركة الأشخاص داخل النسيج الجمعي والجماعي، تحكي الماضي السعيد/التعيس بما يحمل من متناقضات تساعد على إحياء الذكريات الأليمة الممزوجة بألم الغربة و الابتعاد عن الجذور .والملاحظ أن الكاتب ( لميس كاظم ) كان  يتكلم
في قصصه بضمير الغائب ليختبئ وراء الشخصيات لكي يتمكن من تسييرها و حثها على تأدية أدوارها انطلاقا من منظوره الخاص، فنرى بأن الروائي يشرك القارئ و  المتلقي في عملية السرد بل يورطه في أحايين كثيرة في تشكيل الرؤية إلى العالم انطلاقا مما يسمى بعملية التلقي و التأويل،  وفي بعض المواقف ينسحب الكاتب  ليتدخل القارئ في بلورة هذه الرؤية وتحديدها وهذا برز في نهاية الرواية و الذي اعتقد ان الروائي سيواجه اعتراض الكثيرين في النهاية  المأساوية بشكلها القاسي و كان يمكن ان يخفف من جرعة الصدمة  على المتلقي بما يخص النهاية !!!
وفي النهاية لابد أن نقول بأن  الروائي( لميس كاظم) عندما كان يسرد روايته ” همس الغرام ” وفي الوقت نفسه  كانت عينه على الواقع وقلمه على الصيغة التي يعكس بها هذا الواقع المتردي و المتشظي . رواي ” همس الغرام ” رواية تنقل لنا الواقع بلغة أدبية جميلة
لقد سطرت الرواية  للكاتب ( لميس كاظم )  خطا بارزا في مجال الكتابة الأدبية ،كتابة تعبر عن كيفية فهم الروائي  المحترف بطريقة نقل هذا الواقع دون الوقوع في خطابات أخرى غير أدبية، كتابة تملي عليه كيفية استخراج المعاني و الدلالات و المقاطع الفنية و المشاهد المعبرة ، رواية  تحكي المكبوت في نفس البشر وتعبر عنه بلغة أدبية متزنة وجميلة ، لغة تمتزج فيها الأزمنة بالأمكنة وكأن الزمان والمكان و اللغة شئ واحد.

الكاتب : علي المسعود
كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة
 

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *