خضيّر الزيدي : عامر خليل الوجوه التي تذكّر الجسد بتمثيل المعتقد

khudierتعيرنا الأعمال النحتية لعامر خليل فسحة من التأمل لتتجلى رؤيتها النهائية عن تمثيل بنائي مركز بصورة دقيقة، تحكمت فيها الصياغات والحركات بصورة معمارية تغوي المتلقي بمعرفة أسرارها، وهذا يرجع إلى تحاور قائم بين خليل ومنحوتاته وتلازم منظومتها التعبيرية في تداخل يثير فينا شهوة هضم درسها وتركيباته. سواء التي تدخل في صلب التعابير المنبعثة من تاريخ المحيط البيئي أو تلك التي تنحدر من هاجس وجودي وأسطوري.فلقد هيمنت على منحوتاته وتيرة واحدة تبرر خلوها من جاذبية التأثير ( بالغير ) حينما تحيل المفارقات عبر سياقها ومظاهرها إلى تماس خفي مع أهدافه ورؤيته حيال العمل الفني ، فالوجوه التي تشكلت عبر أكثر من معرض خاص لهذا الفنان جعلتنا نتعرف على مرجعيته الفكرية والجمالية وتمسكه المنقطع النظير بالجسد الآدمي بصيغ متكررة والوجه منه بصورة خاصة عبر تعاظم الأشكال وتنوع المواد المستخدمة مثل المرمر / الأشجار/ وعظام الحيوانات/ فهذه المواد التي وظفها عامر خليل تغطي منابع ولائه المتكرر للنحت دون غيره من الفنون. والمهم الذي يخصنا كمتلقين لفنه هو معمارية المنحوتات / أنساقها التعبيرية /رموز بنيتها التصويرية / وأخيرا مؤثراتها جماليا ووجوديا . فمن تعرف عن كثب لأعمال هذا الفنان يستشف الكثير من نقاط التلاقي بين البنى الداخلية التي تدفع استمرارية أسلوبه تجاه الصورة النهائية للوجه الآدمي مثل انسحاب الأنف طوليا وانحراف العيون بتتابع حركة دينامكية وسعيه المتواصل لبث روح الجمال في تصميم وجه خال من الخطوط القريبة من الوجه ( الحي ) كأنه يقدم تصورا طبيعيا مسكونا بهواجس رؤية تصغي لوصاياه الذهنية وأي كان الإغواء المقدم من عامر تجاه عمله فهو في نهاية المطاف يثير رغبتنا لبراعة التشكيل النهائي حتى عندما يتداخل العمل الواحد بتأويل يتماشى ورؤية المتلقي . وعليه فلا بد من معرفة مظاهر مجرى رؤيته التعبيرية والجمالية وهو يصوغ خطابه النحتي من مواضيع تنتزع من الإنسان صورة وكيانا بجاذبية ( الغواية والتعبير ) وليس بسلسلة الانتماء إلى (الإنسان الخارجي ) بل  يعي جيدا إن التركيز على الوجه دون غيره يحيلنا إلى تباينات الرغبة وسلطة التأثير البصري التي تأتي من العين عبر رؤية ندائها الداخلي وهنا تهيمن الهواجس الباطنية amer khalilعلى الاثنين المنحوتات من خلال تعبيرتها وداخلية الفنان من خلال حيويته التي لا تنكر الانتماء إلى صياغة نماذج تحتوي على  (معمارية تشخيصية ) إن صح تعبيرنا هذا حيال أعمال النحات عامر خليل .اغلب تشكيلات  هذا الفنان تتمحور حولها بنية مركزية ألا وهي إعطاء الوجوه طابعا قدسيا وهو يحمل زخرفته التعبيرية سواء مضت مستغرقة بنضجها النحتي أو اكتفت بإحاطتها بسيل من التركيز على ممكنات العثور على أصل الفكرة التي يبتغيها عامر خليل من عمله فان ما يجعل منها تولد زخما صوريا وتمثيليا يعطينا معنى حيا عندما تثير بنسقها البنائي صدقية مشاعر النحات أولا  ورفدنا بالكثير من التصورات التي تظهر لنا هويته وهو يجدد ثقته ويقينه بالمعتقدات وتجاورها وانحيازها نحو حقل دلالي يصب في بلورة الذات الإنسانية  ، وعلينا الاعتراف ان  إذ ثمة تصور تتصف به اغلب أعماله بأنها لا تتعالى على المخيلة بل سرعان ما تقدم رسالتها وهي تشير إلى مرجعياتها وهذا الأمر أعطاها انبثاقا ورمزية أكثر مما جعلها تمتثل إلى الغموض والتشويه فهناك قدرة بارعة يتصف بها هذا النحات دون غيره عندما يستنطق مواده المستخدمة حتى الصعبة منها كالمرمر وعظام الحيوانات فهو بإرادة وأسلوب متميزين يستخرج توازنات المادة لتتصل برؤيته البنائية ولا اعتقد ثمة عصيان من قبل المادة وهي ممسوكة بيديه بل هنالك الانصياع التام كأنها ترغب بتحويلها إلى مظهر يتجلى في روحية النحات وهذا الانطباع المسكون فينا هو  من الأسرار التي لن نتعرف عليها أبدا لا من العمل الفني ولا من الفنان نفسه وهنا علينا أن نتعقب الأثر ( الروحي والجوهري ) للاثنين فمؤثرات قوية ومتصلة برؤية واحدة ليس من السهولة أن تعكس خيالها من خلال نظرة واحدة لعمله بل يجب الوثوق  بمظاهرها التعبيرية وكشفها للمزيد من التراكيب الخفية التي تبيح لها استنطاق ذواتنا فهذه amer khali 2المنحوتات تقدم شموليتها بثقة ويجب ملامستها عندما يتعذر معرفة  سلطتها التصويرية والتعبيرية فهناك القدرة الزخرفية التي تثير كشف شفرات العمل وهناك منظومة حداثوية تمكن من خلالها عامر خليل أن يبني تصوراته الوجودية والجمالية مع العمل بما تمنحه الرموز من حوارية لفك أسرار اغلب  أعماله . انه يبدي حزما للانحياز الثابت والرئيس لخطابه النظري والتعبيري ويعي أن الالتزام الفكري والفني يفتحان الأبواب لمعرفة مباهج روحية المادة المستخدمة والصيغة النهائية للعمل وهو بهذا يخلق تجاذبا وتصالحا مع النسق التعبيري وبين ذاته وعمله كأنه يعتاش جماليا من خلال منحوتاته. أن النسيج الغريزي المتواجد في رؤية عامر نحاتا لا يمنع المادة أن تذهب بخياله إلى تماس الموضوعات التي يريدها تصويريا بل فراده بحثه عن هوية عمل خاص به أسلوبا وفكرا افلح في استخلاص نتائج جمالية وسط مخلفات الشعور الغيبي الذي يمضي مع ظلال المنحوتات فهي تعطينا حكايات ملموسة وتسمعنا أنينا إنسانيا لم ينقطع منذ خلق الوجود فأعمال تحمل هذه المميزات لن تخفي أو تبخل بإعطائنا صورا ذات براءة وانذهال رؤيوي وإثارة وأستطيع القول إنها تجلت عن فكرة( مرفوعة على يد تنحت ويد تثير الجمال) لكن هناك مسايرة غيبية تستثني البراءة  عندما تصوغ الأعمال النحتية  نسقا أيقونيا يعزز من  المعنى ليس بحكم المغايرة التشكيلية لصورة المنحوتات بين فترة وأخرى بل لأن المواضيع تنوء بحمل الصياغات التعبيرية وهي تصعّد من خيالها وأهدافها واعتقد أن هذه المفارقة في أسلوبه تغوينا هي الأخرى بالبحث عن فضاءات رؤيته الفكرية والأسلوبية والجمالية فما تضمره الوجوه من دلالات لم تحول مركزية المتلقي إلى تخيل مرئي بل غالبا ما تفجرها عناصر أخاذة بالعاطفة التي تسير على وتيرة الانتماء إلى هذه المرموزات النحتية إذ ليس الجسد المشفر يكوّر غوايتنا من حيث البناء الشكلي بل الحركة والتمثيل وتعقب رؤية مسارات الجسد هي التي تبدي مظهرا خاليا من تصويرية تجريدية حيال العمل وهذه الفكرة لا تفقدنا الأخذ بهواجس الفكر الجمالي من خلال العمل إنما تدفع بنا إلى القول أن محاسن المنحوتات هذه تساير رؤيتنا سواء عبر الخفاء الداخلي أو العلن فيظهر قدرا واسعا من مراقبة نماذجه النحتية

شاهد أيضاً

الكُتل التجريديّة في ديوان الشاعرة التونسيّة “هندة السميراني” (أنّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات)
بقلم: كريم عبدالله – 22/11/2020 – العراق .

ما هي القصيدة السرديّة التعبيريّة , ماذا نعني بالسرد , وماذا نعني بالتعبيريّة , ولماذا …

مهند الخيكاني: بين الرواية والفيلم: تحولات الخفّة وهروب الكائن الثقيل

يصدق القول على مثل هذا الفيلم ، والمقصود هنا فيلم “كائن لا تحتمل خفته ” …

النسق المهجري والشعور بالغربة في رواية رياح القدر للكاتب مولود بن زادي
بقلم: الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب

لاشك أنّ قارئ رواية (رياح القدر) للكاتب الجزائري البريطاني مولود بن زادي سيلامس من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *