الرئيسية » نقد » ادب » حميد الربيعي : أسطرة المكان وألسنته .. في رواية “عمكا”

حميد الربيعي : أسطرة المكان وألسنته .. في رواية “عمكا”

hamid alrubaie  5يعد الأستاذ سعدي المالح واحد من ابرز الأعلام في الساحة الثقافة العراقية ، بخاصته  في الثقافة السريانية ، إذ هو ومنذ نعومة أظافره قد عاش في كنف هذه الثقافة ، باعتباره  ابنها بالولادة والنشأة ، دينيا  ووجودا  اجتماعيا ، ترعرع وتربى في المدينة العريقة بالثقافة ، مدينة عينكاوا .
خلال مسيرته الأدبية ، أنتاجا ومتابعة ، واكبته هذه الثقافة كهم وقضية ، وأيضا واكبها  بتكريس حياته لها ، فشهادة الماجستير من جامعة موسكو عام 1070 كانت عن مجموعة  “” حكايات من عينكاوا “”، والتي صدرت لاحقا باسم الظل الأخر في عام 1971.
لا يخفى على الجميع من أن الثقافة السريانية هي الامتداد الطبيعي للثقافة السومرية – الأكدية ، بما يتداول اليوم تحت مسمى البابلية الأشورية ، فاللغة الآرامية من قبل التاريخ الميلادي وبعده في العراق القديم كانت ذا تأثير مباشر في مجالات الآداب والموسيقى والرسوم والميثولوجية والطقوس الاجتماعية ، وهي ثقافة متأصلة في بنية المجتمع . لقد استطاعت هذه الثقافة أن تجلب الكثير من الأقوام التي سكنت أراضي ما بين النهرين ، واعدت في بعض المراحل اللغة والثقافة الرسمية saadi almaleh 2لهذه الشعوب  ، حتى أن ثمة بعض القرى حاليا مازالت تستعمل اللغة الآرامية كلغة يومية في حياتها .
لقد وصلت الثقافة السريانية ، في بعض جوانبها ، عبر الأدب الكنائسي ومزامير الرعاة والشروح على الكتب الدينية وفي التراتيل والمراثي ، كما في الأغاني والمناسبات الطقسية ، ثمة الكثير من الألحان الشائعة ألان تعود في أصلها إلى  السريانية ، وامتد هذا التأثير إلى الشعوب الأخرى ، سواء باللغة السريانية  أو العربية المكتوبة بالأبجدية الآرامية .
ضمن هذا الإرث الحضاري الزاخر بآلاف الصور والميثولوجية استمد استأذنا المالح ألقه الروحي  لينتج لنا وعيا حضاريا متميزا ومتقدما بخطوات نحو أفق حضاري إنساني .
يعد أنتاج الأستاذ المالح  بوابة للتلاقح الثقافي الحضاري لشعوب هذه المنطقة  بما تدخر بيئته من حضارة عريقة .
من هذه الزاوية يعتبر عمل سعدي المالح  الأخير إضافة نوعية  لمسيرته الإبداعية .
الرواية تقسم إلى تسعة فصول ، بالإضافة إلى تعريف ومقدمة في البداية.
ما يثير الانتباه في منجز سعدي المالح الأخير ، المسمى (عمكا )، ليست غرابة الاسم رغم جاذبيته والشد  في الوهلة الأولى ، إنما تجنيس العمل ، فلقد صنفه تحت أسم رواية ، هذا يعني في بادئ ذي بدء إننا إزاء حدث – درامي -، يتنامى على طيلة صفحاتها البالغة 264 ص ، هنا تكمن مفاجأة الرواية الجذابة ، من إنها بدون حدث درامي ، ومتعة الرواية الثانية تبدو من خلال مطالعة صورة الغلاف في وضعية الإله الآشوري ، فهو مطروح بالعرض في أسفل الصفحة ، بدلا من وقوفه منتصبا .
الدلالات الثلاث  ليست كافية ، رغم أهميتها في المبنى السردي للعمل ، عما سيرد  في هذا المنجز .
kh saadi almalehيأخذنا المؤلف منذ الصفحة الأولى في (تعريف) تاريخي عن المكان الذي ستلجه الرواية ، والتعريف هو سرد تاريخي لمدينة عنكاوا ، القريبة من أربيل ، عبر مدونات قديمة تكشف لنا معنى أسم الرواية ، معتبرا (عمكا) أسم سرياني قديم للمدينة التي عاش في كنفها المؤلف .
في الصفحة الثالثة يضع (مقدمة) من تسع صفحات ، تشرح وضيعة الإله الآشوري في غلاف الرواية وفي داخل النص ،. توصف “المقدمة ”  بوضعها خارج المتن ، مع إنها بالإضافة إلى الصفحتين الأخيرتين هي كل الحدث الدرامي ، مما جعله بطريقة ذكية يخاتل القارئ من خلال وضع المتن الروائي بعد هذه (المقدمة) ، مبتدئا  بالفصل الأول .
لماذا هذه المخاتلة ؟ وما الذي توخاه المؤلف في لعبته الذكية ؟ ، في طيات هذه الأسئلة تكمن فرادة المنجز إبداعيا وتقنية ووعيا فكريا ، كثفه وكشفه بشكل مقصود في داخل المتن .
“المقدمة” تروي حدثا غرائبيا ، يتعرض له كاهن ، فثمة ميت في قبر ما يصرخ ويهذي طوال أيام عن شخصين ، يحملان الاسم نفسه ، بنباهة ومن دون تأخير يكشف لنا سعدي المالح هوية هذين الشخصين ، بمعنى لم  يؤجل أو يعمل مونتاجا لروايته ، هنا يستدعي سؤال ثالث مهم : – لماذا كشف المؤلف تاريخ الشخصين ولم يؤجله ، مادام السرد  مازال في صفحاته الأولى ؟
بالتأكيد ثمة تخطيط مسبق لعملية الكتابة ، هذا التخطيط اقتضى من سعدي المالح  تجاوز الأسئلة الثلاثة لسبب ما ، لن يعرف السبب حتى تتم قراءة العمل إلى نهايته ، هذه أولى جماليات الرواية ، إذ تشعر بالشد والجذب في كل مفاصلها السردية واللغوية والمعلوماتية ،  منتظرا تتمة الحكاية التي ابتدأت بها الرواية في ” المقدمة ” لتكتشف فيما بعد بان الحكاية قد رويت أصلا وهنالك مقترح لنهاية أخرى .
هل ثمة انبهار ما ، في المتن ، استدعى كل هذه الحيطة ، باستخدامه تقنية الشد  بعدما أفرغ في الصفحات الأولى الحدث  كله ؟
إن مغامرة من هكذا نوع لن يلجأ إليها الروائي ما لم تكن ثيمة ما  وفكرة ، من حيث الدلالة  ، أرادها  المؤلف من كل العمل  .
يبدو لي إن المغامرة الكتابية في هذا العمل تمثلت في لعبة التواري التي أراد من خلالها تمرير مفهوم فني جديد في عالم الرواية ، ليجعل من منجزه علامة مضيئة في السرد الحداثوي .
البناء الدلالي لن يقبل في أي عمل سردي إلا من خلال وجود حدث – درامي –  تؤطره تقنية روائية من نوع معين ، مغاير لما هو مألوف .
أن ألسنة المكان والتاريخ أكتنف كل المتن الروائي ، كما أراده المؤلف ، بدءا من الفصل الأول وانتهاء بالفصل التاسع ، والذي يعد خاتمة الرواية . مثل هكذا متن قال عنه د. محمد صابر عبيد “سير مكانية تحتفل بالمكان من حيث كونه ذاكرة وراهنا ومصيرا ، المكان القادم من حاضنة الأسطورة والموروث والدين ” .
يكرس المتن الروائي لمدينة عنكاوا ، متوغلا في النشأة الأسطورية ، باعتبارها البوابة الشمالية التي كان يحرسها الإله شربل ، أبن الآلهة عشتار حسب النصوص الآشورية ، ويظل حارسا إلى المدينة حتى عام 105م ، حينما تدخل الديانة المسيحية إلى المنطقة ، حيث يتم هدم تمثال الحارس بواسطة  قس من الديانة الجديدة ،  يحمل  الاسم ذاته .
المنحى الدلالي الذي ابتغاه المؤلف اتضح من خلال دورة المدينة وتعاقب الأزمنة عليها ، من الوثنية إلى الديانات السماوية ، بيد إنها تبقى محروسة تحت أنظار الآلهة ، معتبرا تشابه الأسماء استمرارية لتلك الرعاية .
يبقى على عاتق أبناء المدينة الاحتفاظ بهذه المزايا ، مذكرا إياهم ، أن كانوا جديرين بمجدها ، بالأهمية التاريخية الحارسة لها ،  وهي إشارة ملغمة بشكل راق لما يمكن أن تؤول إليه مدينة عنكاوا ، لهذا كان المتن الروائي سيرة للمدينة وتحولاتها .
المهمة الملقاة على عاتق الأبناء ، بالمحافظة على إرث المدينة ، مثلت التفصيلات والشروح والسرد الذي شغل المتن الروائي كله ، حيث أبحر فينا المؤلف في جغرافية المكان ، منذ أن كانت “عمكا ” بوابة التاريخ القديم ، ثم تحولها إلى أرض زراعية ومن ثم بداية نشوء القرية القديمة في أوائل القرن العشرين .
المؤلف كان تدريجيا يأخذ بيد القارئ إلى البدايات الأولى للعلاقات الاجتماعية ، التي تكونت فيها بخصوصية المكان والأشخاص والحوادث ، وقد ابتدأت التحولات في القرية بعد قرار حكومة 14 تموز بشق طريق رئيسي في القرية ، ليتم تحويلها إلى مدينة .
السارد يقف شاهد على زمانه ، مادام قد عاصر بداية شق الطريق، خاصة وقد رافقه هدم بيته القديم . عند هذا المدخل يتحول سرد ألسنة المكان إلى تقنية أخرى ، متمثلة في السيرة الذاتية للمؤلف ، مما جعله يوغل في أدق التفاصيل لحياة القرية ، التفاصيل التي تقود إلى أسطرة الجغرافية والتاريخ والدين .
المشاهدات المروية ، هنا ، هي اللعبة الفنية الثالثة في هذا المنجز الإبداعي، والتي هي بمثابة وثائق ، تثبت حقائق تاريخية وجغرافية وعلاقات اجتماعية .
قد يعد القارئ هذه الوثائق على إنها تقريرية ، صحفية وسردية،  في أي عمل روائي آخر، لكنها في رواية “عمكا” اندمجت بسلاسة وبمنتهى الجمالية ، لتعبر عن الدلالة الفكرية التي أرادها المؤلف .
إن الوصف التفصيلي الفوتوغرافي لوقائع القرية وتشابك علاقاتها الاجتماعية ، في صنعها للأحداث ، والتي أدت في تحولها إلى مدينة حديثة ، قد دفع السرد إلى استعمال لغة محكية ، من الحياة اليومية، مستغنيا عن اللغة الموصوفة بالصورة الشعرية أو الجملة القصيرة الإيقاعية .
في بعض الأحيان كان المؤلف يلجأ إلى شرح مفردات من اللغة السريانية إلى العربية ، مارا بتحولاتها الصوتية أو التداخل بين اللغات ، مما أضفى متعة المتابعة والتشويق إلى لغة السرد .
كثيرا ما يرد في المتن الروائي وصف لواقعة تاريخية ، معروفة في التاريخ العراقي، أو معلومة دينية ونصوص مقتبسة من الكتب السماوية ، صارت جزءا من السرد، مادامت الرواية قد ولجت عالما جديدا في السرديات ، عالم يتداخل فيه التجنيس الأدبي مع اليوميات والهوامش والوثائق .
كل هذه العناصر مجتمعة جعلت من “عمكا “عملا إبداعيا مميزا ، يختلف عما هو سائد . باعتقادي إن سعدي المالح يلج عالما أخرا  ، يقود إلى فضاءات أخرى في السرد ، والذي اعتبره نوعا من التخصص بدأ يتضح في السرد العراقي .
الثلاث صفحات الأخيرة ، التي وضعها المؤلف أيضا خارج المتن الروائي ، هي عودة على البداية ، خاصة إذا ما تذكرنا أن (المقدمة) كانت أيضا خارج المتن والتي سرد فيها المؤلف الحدث الدرامي . هذا الخاتمة أضافت نهاية أخرى ، أكثر انفتاحا ومغايرة للواقع .
القس ، الذي كان يسمع صراخ القبر وفيه صراع بين شخصين ،  يحملان نفس الاسم ، على قيم مدينة عنكاوا ، كي ما يتجاوز الإشكالات الاجتماعية ، التي رافقت مسيرة القرية\ المدينة مسببة التناحر وعدم الانسجام الديني التاريخي ، هذا القس عمد مولود جديدا من طائفة أخرى .
بهذه الخاتمة استطاع سعدي المالح أن يحلق فوق التاريخ وتناقضاته والجغرافية التي بسببها تآكلت القرية ، والمجتمع الغير متصالح ، راسما مدينة حديثة ، تقع بالقرب من مطار أربيل ومنفتحة على عالم حديث .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *