مؤيد داود البصام: عيسي عبد الكريم.. ذكرى تواضع جم وخبرة فنية متميزة

2-2

moid_albssamإن مالك المحل انف الذكر هوصديقه جميل العرس ، وقد كان جميل العرس وعلي الساعدي والشاعر المعروف انور خليل تضمهم صداقة حميمة ، وحدث معهم عندما رشح عبد الرزاق الزبير وقاسم احمد العباس وطه الشيخ احمد عن لواء العمارة قامت السلطات وقتذاك باعتقالهم وسجنهم وترحيلهم إلي سجن الكوت عام 1948 ، وجاءت باحد الاقطاعيين الرجعيين كما يصفونه اهل العمارة النائب فرحان العرس ، وهو ابو جميل العرس وقد هوس له اهل العمارة بعد ان وضعوه نائبا لهم (فرحان بعرس الواوية)ونظم جميل العرس قصيدة في حق ابيه مطلعها ..يا والدي بئسا لمجلس امة به انت عن اهل العمارة نائبا . ولهذا فأنا علي يقين بان باسم العرس لديه الكثير ليتحدث به عن جمعية الطليعة وفنانيها ، وعن رئيس الجمعية الفنان عيسي عبد الكريم ، لانه اكثر احتكاكا بهم ، وعمل معهم مدة طويلة ،وحظي باهتمام كبير من قبلهم .بعد لقائي بالفنان عيسي اثناء المعرض ، اخذت اشاهده واقابله ويحدثني في الجمعية ، وقد شكل في ذهني صورة رائعة ، لهذا الإنسان المبدع الاصيل ذي الخلق الذي لا يوصف الا بالرائع ، في علمه وقدرته وتجربته ، كان يحمل الجمعية وأعضاءها بين حنايا ضلوعه ، كان يطمح ان تكون الجمعية ذات شان عظيم ، ومنزلة مرموقة في الثقافة والفن والأدب ليس في العراق وحسب بل والوطن العربي والعالم ، كان يحلم ولكنه متيقظ لحلمه ، فهولم يؤمن بالقفز ، وانما إيمانه بان الوصول الي الهدف يتطلب التضحية والمشقة ، لهذا حقق مع مجموعة الفنانين قفزة رائعة ، كان من جرائها ان خرجت مدينة العمارة ، فنانين ومثقفين ورواد مسرح ، اغنوا الساحة العراقية فنياً وثقافياً وعلمياً منهم . ماهود احمد وصبيح عبود ، حسب الشيخ جعفر ومالك المطلبي ، وعبد الجبار المطلبي والعالم الفيزيائي الدكتور عبد الجبار عبد الله ، والقائمة تطول في التعداد ، فمنهم من رحل عنا ومنهم من هوعلي قيد الحياة ويمكن ان يتحدثوا عن هذه التجربة التي عاشوها وشاركوا فيها ، وآخرون يجب ان يخرجوا عن صمتهم ، اوليتوجه اليهم الكتاب الشباب ليستكشفوا منهم تراث هذا الشعب ومرجعياته . ومن تواضع عيسي عبد الكريم ، اني حملت له في يوم ما ، مخطوطة مسرحية كتبتها بعد ثورة 14 تموز في فورة الحماس الثوري ، وزرته في بيته وجلس المرحوم في فراشه علي الرغم من آلامه ، يراجع معي المخطوطة ، وكانت مملوءة بالأخطاء ، فضلا عن سذاجة الفكرة ، ولكنه كان يناقشني بجدية ، لم اعرفها الا مع أساتذتي عقب سني الجامعة ،هذا الإنسان الرائع ، الذي أشعرني ان الدنيا ملكي ، واني شخص لا يقل أهمية عن أي كاتب مسرحي ، لانني عندما عدت الي مخطوطتي بعد سنين عديدة ترقرقت في عيني الدموع ، إجلالا لذلك الفنان ، الذي تحمل وهوعلي فراش المرض ، كل هذه الترهات والأخطاء ، وأشعرني بأهمية عملي ومكانتي ، وبرهن بالصورة العملية التي أثرت في حياتي لحد الآن ، ان الفنان العظيم بتواضعه وان شموخه بعظمة ما يحمله من عطاء . والحقيقة يجب ان تقال ، نحن شعب ينسي الماضي في غمرة الحاضر ، ويتذكر الماضي لاجل الحاضر ، ان كان يخدمه ، وينساه ان كان لا يلبي رغباته ويشبع نرجسيته ، لا يأخذ من الماضي درساً للحاضر من اجل المستقبل ، بل سلم لتأييد رأيه ، اوتحقيق طموحاته وغاياته الذاتية ، وينسي ان الذي اوصلنا الي ما نحن به ، هم أولئك العظام الذين ناضلوا وكافحوا وجاهدوا ، من اجل ان تتواصل الشعلة منيرة ، لهذا نحن بحاجة الي إعادة تركيب ذواتنا لاستذكار هؤلاء الرائعين الذين اظهروا بتراكمهم المعرفي والثقافي والفني ، ما اجلي واوضح الحقائق أمام أعيننا ، وحملونا علي أكتافهم للظهور ، فلم يكن للقصة العراقية القصيرة ، ان تتبوأ هذه المكانة المرموقة بين اقرانها من كتاب القصة العربية والعالمية ، لولا جهاد ونضال الذين سبقونا ، عندما كتب (انور شاؤول)في جريدة الحصاد في عشرينات القرن الماضي ، من يرسل قصة قصيرة يكافأ بقرشين ، لم نكن نحن ، ولكن هم الذين وضعوا اللبنات الاولي بتضحياتهم ومهدوا الطريق للسير والتقدم ، ان قراءة تأريخهم ومعرفة نضالهم وجهادهم ، هي التي ستشكل مرجعيتنا الي مستقبل يحمل جذور التراكم المعرفي ، لان يكون بناء غير مقطوع الجذور والاصل ان دراسة تجربة جمعية الطليعة وفنانها الرائع الرائد عيسي عبد الكريم وبقية فنانيها ومثقفيها وادبائها هوجزء من رد الجميل لما قدمه ذلك الجيل للاجيال التي جاءت بعده ، ودراسة تجربتهم ستعطي دفعا ودفقا للتجربة الحالية قبل ان يفوت الوقت ، ولا يعود احد يعرف أويستذكر هؤلاء المبدعين وتجاربهم الرائدة ، انني عندما اعود بذاكرتي الي الوراء اري مدينة العمارة ، وشارع المعارف المتوهج الذي كان يعج بالمارة صباح مساء ، وسوقها الكبير” المسقف ” الذي يمتد في وسطها يقطعها نصفين ومنطقة عواشه وسبع القصور ، حيث كانت العوائل الغنية والاستقراطية تسكن اكثرها في هذه المنطقة المظللة بالاشجار والشوارع النظيفة وعند العصر تبدأ حركة من وسط وشمال المدينة الي جنوبها ،اذ تمتلئ منطقة عواشة بالعوائل والشباب يسيرون ذهاباً واياباً بين حفيف الاشجار علي الجانبين ونسمات الهواء العذبة تمر علي سطح دجلة فترطب الجو.العمارة بجمعية الطليعة وفنانيها ومثقفيها وانور خليل وشعرائها ، وشاكر الهاشمي بنظرته المتأملة ونحافته ،وهويعدد ماعنده من كتب غير معروضة همساً ،وخليل رشيد يطقطق بمقصه علي انغام قصائد الندواني ، أويتحدث عن آخر قصة كتبها أوسيكتبها ، العمارة النهر الذي يلتف حواليها ، يقطعها ويشطرها ويلفها كأنه عاشق لا يفارق معشوقته ، العمارة الاغاني الحزينة لحضارة عريقة مندثرة ضاعت في تلافيف العنجهيات والجهل ، ومنازعات الحمقي من اجل ملك زائل ودنيا فانية ، ولكنها عقلية التخلف والجهل ، التي حاول روادنا الأوائل القضاء عليها ، ولكنها قضت عليهم قبل ان يقضوا عليها .

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: التأريخ الهجري جزء من منظومتنا الثقافية والقومية

ثمة تقاويم عدة أنتجتها الحضارة البشرية منها، التقويم العبري اليهودي ومازالت بعض صوره قائمة حتى …

متاهة سبعينية، عن مختار وصنوه أبو حمديه
حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

( في هذا المقال سنستحضر بعض اﻷسماء ممن كان لها الفضل الكبير في دفعنا نحو …

مقداد مسعود: رسائل خطّية من الشاعرة “زهور دكسن”

الأستاذ الفاضل مقداد مسعود المحترم لك تمنياتي بديمومة الصحة والعطاء.. مع شكري لما أوليتنيه من …

4 تعليقات

  1. اخي الاستاذ البصام
    شكرا لك وانت تمسك بايدينا لتعود بنا الى مدينة الطفولة والشباب
    العمارة الحاضنة الطيبة التي ما زلنا نحمل دفئها في منافينا الباردة
    ونحلم بالعودة الى رحابها الطيبة .

  2. خضير اللامي – السويد

    ايه ، يا مؤيد حركت فيً المواجع ، ونقلتني من المياه الراكدة الى حركة المحيط الجنوبي ، الى ناسي الطيبين ، الى الشمس الساخنة ، الى الوجوه السمراء ،الى بدايات الطفولة الاولى ، اي شيطان داخلي يمور فيك كي تقول لنا ما قلته ، واي طين حريٌ كان يلامس شغاف قلبك . قبل ايام قليلة ، كنت ابخث عنك في المواقع ، كانت عندي لوعة ان اتسامر معك ومع الاصدقاء الاخرين ومع اجواء مقهى الجماهير كما قال استاذي حسين سرمك فهل اطمع منك الكثير وان اسمع منك ايها الصديق الرائع ..
    خضير اللامي- السويد

  3. مؤيد داود البضام

    اخي العزيزعيسى الياسري ، حلم يسقيه حلم وحياتنا تمر خطوب لاندري انحن ام هم اذنبوا ؟ نبقى ننتظر جودو ونحتكم الى شكسبير وننادي المتنبي ولكن اللوعة تظل جاثمة كما قال اخي العزيز وضديق اللقاءات الحميمية في دروب الثقافة المظلمة(اي المواجع حركت) وهو يدري وانت وانا ، وكل من يفتح هذا الموقع النبيل (الناقد العراقي) يعرف ويدري ،اننا نعيش المواجع كلها، فهل يكفي ان نقول داء الغربة،ونحن نعيش غربتنا ، على ارضنا وبين اخوتنا وما يسمون اخوتنا وابناء جلدتنا، وهم يجلدوننا،بالامس كنا عند ضديقنا شجاع العاني واخي مؤيد الطلال في جرمانة دمشق، وضحكنا كيف اجتمعنا، مرة اخرى ليس في ملتقى الجماهير ولافي مقهى الشابندر، وانما في ابعد الطرقن، من العمارة الجنوب الشرقي والحلة الوسط الغربي، ومن عانة الشمال الغربي، فاي مفارقة، وانت يااخي خضر الذي تركتنا ايتاما في يد اللئام، مات فيها عزيزنا محمد مبارك مكلوما مهضوما، وهو ينظر احبائه ينسلون الواحد بعد الاخر، فاذكرونا كما نذكركم في كل موقع، جلستم فيه، او مررتم به.

  4. محمد رشيد / العمارة

    اخي الفاضل المبدع مؤيد البصام شيء رائع وانت تعيد لنا ذاكرة العمارة التي تغفو على زند دجلة في عصرها الذهبي على الرغم اني عشت نهاياته لفترة وجيزة الا انني الى الان اعتبر نهاية تلك الفترة التي استنشقت هواءها النقي هي التي تمدني بالمحبة والعطاء والنظافة التي ذكرتها حضرتك واتذكر بعض الرموز الخيرة التي كانت تطرز ثوب العمارة الزاهي بالالوان والعشق السرمدي منهم الاديب عبد المطلب الهاشمي صاحب اقدم مطبعة (مطبعة الهدى) ومجلة الهدى وجريدة الكحلاء منذ عام 1927 وصاحب المكتبة العصرية عبد الرحيم الرحماني الذي خلفه العم (ابو سعد) حيدر حسين والاديب خليل رشيد والد الفنان د فاضل خليل حتى ان في تلك الفترة ظهرت رموز اجتماعية نبيلة احبوها اهل العمارة مثل الحاج عزيز الشكرجي صاحب اشهر حلويات(دار السلام) وابراهيم الهاشمي وشاكر الهاشمي وعبود جاسم (اسواق الجميع) وبائع الشربت حسين كيصون وآخرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *