كمال سبتي : العربات (في ذكرى رحيله)

kamal sabti 3إلى الشهيد عباس مكطوف

منذُ اِعتلى تاجاً، وسمّيتُ النداءَ لهُ رتاجاً: كنتُ أعرفُ ما يكونُ، هوَ الذي في الأرضِ يبني سُلَّماً للقولِ، يُحصي العمرَ بالسَّنواتِ ساعاتٍ..ويَسْتعصي على الفَهم المُهيَّأِ، كنتُ أعرفُ ما يكونُ: لذا مشيتُ أقلّبُ الأسماءَ، أركنُها ركاماً..كي أقولَ لنَفسيَ التعبى: كفى، كَيْ أستديرَ إلى صَداهُ: البحرِ.. والجبلِ البعيدِ، أنا المُهيَأُ للعبورِ إلى مَدائنِ سرِّهِ لمْ أَدْرِ أنَّ القَولَ يَفْتَحُ بابَهُ حَرْفاً فَحَرْفاً..نَحْنُ يا هذا الذي في الأَرضِ..نَتْعبُ في السّؤالِ عَنِ اشْتِعالِكَ في الليالي، هذهِ نجماتُنا قَدْ أُطْفِئتْ، ذِئبٌ يُحاصِرُ خَيْمَةَ الخِلاّنِ..هلْ أنتَ استِعادَةُ سِرِّهم وَقتَ ابتِعادِ النَّجمِ عنهم؟ في السَّماءِ لَهم نَوافذُ..غَيْرَ أنَّ الأرضَ خَيمتُهم لذا كانوا يُنيرونَ الفَناراتِ البَعيدَةَ، كانَ يأتيهم فُتاتٌ، هُم يَلمّونَ الحروفَ الصّفرَ، ثُمَّ يبتكرونَ منزلَهم على جَبَلٍ وبَحْرٍ، هُم يَلمّونَ الفُتاتَ ويَرحَلونَ بِهِ إلى مأوى القَصائدِ. كانَ هذا سرَّهم..وهو الذي في الأرضِ .. منهم .. واحِدٌ..في عتْمةِ الأسْماءِ يخْرجُ بالرّسومِ، فَهذهِ الصّحراءُ غَيْبَتُهُ الجديدةُ، قالَ في اللونِ اتَّحَدْتُ ففي نهارِ العُشْبِ أرسمُ ظلَّ عائلتي وأُسكِنُ جارَنا، ما كنتُ أعرفُهُ إذا ما جئتُ في الليلِ، اقتربتُ منَ البيوتِ، أُلوِّنُ الأحجارَ بالخُوَذِ، اقتربتُ منَ البيوتِ، ألوِّنُ الغرفَ الخبيئةَ بالذي يبقى منَ الصّورِ التي يأتي الجنودُ بها، اقتَربتُ وأنتَ أبعدُ من دُخاني هلْ تراني في المدينةِ ؟ في أثينا كنتُ أحملُ ما كتبتُ طوالَ بعْدي، هلْ قرأتَ ؟ وكانَ يحلُمُ، قلتُ: دَعْ سقراطَ في منفاهُ. في اللونِ اتّحدتُ وفي نهارِ العشبِ كنتُ أسابقُ الكلماتِ بالذكرى فهل تأتي ؟
……….
وسمَّيتُ النداءَ لهُ رتاجاً وانحدرتُ إلى السّهولِ، ومرّتِ العرباتُ تحملُ منْ نساءِ الحيِّ أجملَهنَّ..منْ فيهنَّ أحببتُ ؟ اقتربتُ من البيوتِ، إلى الجميلةِ كنتُ أسعى وهيَ غائمةٌ.. تُنارُ ببعدِها. كانت معي..كانت أثينا تسرقُ الفتياتِ منّي. في الرّسائلِ كنتُ أكتبُ: أنتِ قاتلتي.. وأبكي كلّما مرَّ الذي في الليلِ يرقبُنا. مِنَ البابِ البعيدِ ستخرجُ، انتظرتْ طويلاً فالذي يأتي بعيدٌ – كانَ يسهرُ في مكانٍ آخرٍ – كانت معي..قدْ مرّتِ العرباتُ تحملُ من نساءِ الحيِّ أجملهنَّ.. هلْ تأتي التي أحببتُ ؟ دَعْ سقراطَ في منفاهُ، هذا اليومُ نومي، في القذائفِ عاودتْ أسفارَها، كالطَّيفِ جاءتْ، غادَرَتنا بعدَ أنْ هدأَ المكانُ. تعودُ ثانيةً.. لتحرسَني بعينيها وتُغمضَ جَفنيَ السَّهرانَ وقتَ النَّومِ. دَعْ سقراطَ في منفاهُ..أنتَ اليومَ تعرفُ كلَّ شيءٍ عنكَ هلْ تأتي؟ نهارَ العشبِ أرسمُ ظلَّ عائلتي وأُكملُ ما رويتُ منَ الحكايا
– والقصيدةُ ؟
– سوفَ أكتبُ.. وقتَ يهدأُ كلُّ شيءْ.

1983
من ديوان حكيم بلا مدن الصادر عام 1986 في بغداد

* عباس مكطوف..صديق من الناصرية كنا نناديه باسم عباس القمريّ حتى ارتضاه اسماً له. غادر العراق في السبعينيات، وكانت وجهته اليونان، وقد أعادته حكومتها إلى العراق عام 1982 لأمرٍ مّا لا أتذكره الآن، فسيق إلى الخدمة العسكرية، وقُتِلَ في معارك شرق البصرة.كان ذات مرة طرق باب بيت عائلتي في الناصرية ليسأل عني، فكنت موجوداً في البيت مصادفة، قادماً من بغداد حيث كنت أدرس وأعيش فرأيته بعد غياب طويل، وماكنت أدري أنني أراه لآخر مرة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.