شوقي يوسف بهنام : الشفرات الضائعة؛ قراءة نفسية لقصيدة “مع جريدة” للشاعر نزار قباني

شوقي يوسف بهنام
شوقي يوسف بهنام

في قصيدة ” مع جريدة ” يطرح شاعرنا ” نزار قباني ” هما آخر من هموم وعذابات المرأة التي تعاني ؛ إن صح التعبير من أعباء الحب . هذه الأعباء ، إذا استمرت فأنها سوف تؤدي الى الوقوع في براثن المتاهة .. ومتاهة التخيل على وجه التحديد . والهـّم الذي يصوره الشاعر هنا ؛ اعني في هذه القصيدة والقصائد الأخرى الشبيه بها ، هو لا أبالية الآخر إزاء مشاعر الأنا . بمعنى آخر ان تلك العلاقة وما يترتب عليها من مشاعر وانفعالات هي من طرف واحد فقط . والذنب ، في الواقع ، ليس ذنب هذا الآخر . هذا الآخر قد لا يتنبه إلى الشفرات التي تطلقها الذات من حين للآخر لإيصال ما تريد إيصاله . إذن وعلى هذا الأساس فهناك مسافة نفسية بين هذين الموجودين . وقد لا يقتنع هذا الآخر بمضمون تلك الشفرات . وتلك القناعة قائمة على اساس من الحرية والتي من شأنها ان تجعل من هذه الشفرات أو تلك دلالة ومعنى أو لا تحسب لها حساب يذكر . وهذا المعنى الأخير هو الذي تطرحه القصيدة موضوع هذه السطور . إذن فالبطلة من هذا المنظور تعيش هذا الفراغ ، فهي تعلن وليس من مجيب . والمحصلة هي الوحدة والعزلة التي تنتهي بخنق الذات !! . وثمة مسألة في سياق القصيدة هي صورة الآخر . اعني صورة الرجل موضوع شفرات البطلة . فهذا السياق يوحي للدارس بأن البطل مشغول بذاته هو الآخر وتواصله مع العالم تواصل شكلي ونمطي لا يعبر عن تفاعل سليم مع العالم الذي يحيا في حيثياته كما سوف نرى لا حقا . المكان nazar kabbani 5في القصيدة هو مقهى عصري … على شاطئ بحر .. والزمان هو الساعة الرابع عصرا من يوم شتائي ماطر !!. الاثنان جالسان على مقربة من بعض . هذا الجلوس كان قصديا من قبل البطلة  . و لا ندري كيف اخترع الشاعر هذه الصورة والتي لا تخلو من لا معقولية بناء المكان . المهم في تقديرنا ، هو المسافة النفسية بين الاثنين . هذه المسافة التي جعلت من البطلة لأن تناجي نفسها بصوت خافت لا يسمع له صدى . وبما يسمى ” حوار الذات ” . الرجل في هذه الصورة ، على ما يبدو ، قد جاء توا . بينما كانت هي جالسة من زمن تنتظره ولذلك كانت تتابع حركاته بعيون الترصد والتلصص لا لشيئ الا لأنها تريد لفت انتباهه لوجودها هنا . تقول بطلة القصيدة :-
اخرج من معطفه الجريدة
وعلبة الثقاب
نزار مولع بوصف العاشق المثقف .هو الآخر له انشغالاته وهمومه .. بل وعذاباته .ولا مجال ، هنا ، للدخول في هذا الجانب من جوانب الخطاب الشعري عند “نزار ” لديه .وما كانت هذه الملاحظة العابرة سوى تنويها إلى ان المثقف ..أعني همومه وعذاباته كانت لها دور في عموم الأدب العربي من رواية ومسرحية وشعر وقصة قصيرة . وهذا الموضوع يحتاج إلى دراسة مستقلة لا شأن لنا بها هنا الا فيما يخصنا بخطاب القصيدة موضوع الدراسة الراهنة . والدلالات التي يضـّمنها ” نزار ” في قصائده واضحة ومعروفة لا تحتاج إلى اكتشاف أو وقوف  ، فهو يستخدم مفردات تدل دلالة واضحة على  ممارسات  المثقف وطقوسه في الحياة اليومية ؛ قراءة جريدة أو كتاب ، تدخين الغليون والتأمل والتفكير والشرود أحيانا أو ارتداء معطف أو ربطة عنق أو قبعة أو نظارة وما إلى ذلك من خصائص وسمات المثقف المتعارف عليها . والمثقف في هذه القصيدة ..رجل قد أصابه الإعياء ، على ما يبدو ، فدخل هذا المقهى ليستريح أوانه قد اعتاد الجلوس في هذا المكان . فواحدة من إشكاليات المثقف في تصورات الروائيين والشعراء هي إشكالية التكيف مع ما هو سائد وما هو مألوف ، حيث في هذا المألوف ؛ رتابة ..سكون ..نمطية في أشكال الحياة . وهذه هي الأسباب التي تجعل من المثقف ان يبدو سيئ التوافق .. غير متكيف .. مغترب ..وبل وحتى مريض !!. قلنا انه لا يهمنا في حيثيات وتفاصيل هذا الموضوع لأنه يحتاج إلى دراسة مستقلة أخرى . ولذلك فسوف نتابع قراءتنا للقصيدة فقط . كانت هيئته في الجلوس هي مدعاة للانتباه .. انتباهها هي على وجه التحديد. بينما هو يتابع ويستمر في ممارسة طقوسه التي اعتاد عليها .فهو هنا يدخن .. ربما كان يدخن سيكارا أو غليونا . القصيدة لا تخبرنا عن هذه المسألة . الا ان الاحتمال الأقوى ، في حالة نزار ،هو الغليون .. لأن الغليون هو العلامة المميزة للمثقف في الأدب على العموم  . كثيرا ما يرد الغليون في روايات وقصص سارتر .. والأديب العربي حذا حذوه في منجزه هو الآخر  .  يمضي الشاعر في عملية سرد الاحداث فيقول :-
ودون ان يلاحظ اضطرابي
ودونما اهتمام
تناول السكر من امامي
ذوب في الفنجان قطعتين
*******************
الصورة وفق أحداث السرد تغيرت تماما . فالذي يمكننا ملاحظته في المقطع السابق هو ان هناك مسافة مكانية بين الاثنين علاوة على المسافة النفسية بينهما كما أسلفنا القول . هنا يبدوان ، في هذا المقطع ، جالسان على طاولة واحدة . الواحد قبالة الآخر .والصمت هو الجسر الواصل بينهما . بل ان اللامبالاة والإهمال من قبله لها هي لب معاناتها وسر حرائقها .
إذن هناك قصدية واضحة في تجاهل الآخر. اعني تجاهلها هي لا غير . كيف يتجاهلها وبهذه القسوة الجارحة لمشاعرها .ولكن قسوة جارحة من قبلها هي .. اعني انها سوف تؤولها على هذا النحو هي وحدها فقط  وليس للرجل أي ذنب في تلك الحرائق .. اعني حرائقها واضطراباتها . لأنه لم يفهم شفراتها تلك . سؤالنا هو : كيف ابتكر الشاعر أو صاغ هذه التركيبة من المفارقات التي يتضمنها بناء القصيدة ؟ وربما تكون هذه المفارقات قد ولفها الشاعر من اجل معمارية القصيدة لا غير . أن تذويب قطعتين من السكر أمامها بعد تناوله إنما هو عمل تجاهلي صرف لها .انه لا يأبه بها . أراد تناول الشاي وكأنه وحده جالس على الطاولة . لقد كانت في انتظاره فترة من الزمن ..ربما تكون شهور أو سنوات …وها هي تلتقي به الآن .ولكن ماذا كانت النتيجة ؟  النتيجة كانت هي التجاهل التام والكلي لها ..ويا لها من خيبة للأمل. ذوبان قطعتين من السكر كان يعني لها ذوبانها هي …ماذا كانت حالاتها الانفعالية في تلك اللحظات ؟ ماذا كان موقفها إزاء ذلك التجاهل . لقد عانت منذ فترة طويلة من وحدة قاسية وقاتلة .لا هم لها سوى إطلاق الشفرات والنداءات لتنبيه وإثارته .وها هو جالس أمامها غير عابئ بها . يا لها من مأساة ما بعدها مأساة !!  . تقول البطلة :-
ذوّبني ..ذوّب قطعتين ..
*************************
تلك هي النتيجة إذن ذوبنها وذوبان السكر أمر واحد . هو يلفه الصمت وتحوم حوله أسرار..ومثلما جاء هكذا سوف ينصرف …
وبعد لحظتين
ودون أن يراني
ويعرف الشوق الذي اعتراني
***************************
إذن هو لم  ينتبه لوجودها أو لأي إشارة منها . بمعنى آخر ، فأن صيحاتها وصراخاتها الداخلية ..أي ان شفراتها كانت ضائعة ..بلا هدف .. بلا صدى..وستبقى وحيدة ..سيتركها وحيدة مثل جريدته التي فرغ من قراءتها وتركها وحيدة ومهملة على الطاولة .نعم لم يعرف الشوق الذي اعتراها والحزن الذي ألم بها والملل الذي ملأ حياتها كلها … تقول البطلة :-
تناول المعطف من أمامي
وغاب في الزحام
مخلفا وراءه .. الجريدة
وحيدة
مثلي انا .. وحيدة
***********************
هنا تظهر المفارقة الأساسية في القصيدة مرة أخرى ، الا وهي تناول المعطف من أمامها. لقد تناول السكر من أمامها حين جلس لأول مرة ولم يلاحظ الارتباك والحيرة التين اعتراتها ، وها هو في ختام جلسته يتناول معطفه ولن يدري بأي حال ستكون ؟ لم يترك وراءه سوى أعواد ثقاب ورماد ..وجريدة .ها هي قد صارت وحيدة مثل ما ترك من أشياء .. أعواد الثقاب ..ورماد..وجريدة ..حبيسة شفراتها الضائعة ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.