مقداد مسعود : من الأشرعة يتدفق النهر؛ قراءة في الحداثة الشعرية العراقية (10)

mokdad masood 4الشاعر كمال سبتي
وساعته اليدوية….

*الورقة المشاركة في الجلسة التي أقامها بيت الشعر العراقي في شارع المتنبي احتفاء بالشاعر كمال سبتي .
في صيف 2010

(ليل وشمس)
قصيدة: كمال سبتي
ويكان الأرض ضاقت بي
فلاتسأل عن آلامي البلدان هل جارت؟
ولاتبسطها كالأرض..
ضاقت بي سريعا
لايسمى الليل ليلي،والنهار الشمس أو قل والنهار البيت صنوان بلا فرق،
كفرق الليل عن ليلي وفرق الشمس عن بيتي
ولاليل ولاشمس ولاتسأل آلامي عن البلدان هل جارت؟
ولاليل ولا شمس ولاتبسطها كألأرض
إني ذاهب فيها بلا لغز الى لغز
وأني مشيئة ألأرض الى أرض الى لغز وأني
ويكأنيقد أضعت ألأرض في مشيتها،أو قد اضاعتني سريعا
——————————
kamal sabti 2عراقيون.يحملون نوافذهم على ظهورهم. يصيبهم الأبداع،بزهرة البيكاجي،..يدربّون حقائب،الثلج،على  جنوب الشمس،وحين يباغتهم الخريف،بعوائه المعدني… يحملون الى بقية بيوتهم، ممدين كسيوف في أغمداها،،أو يغرسون هناك شفقا من نخيل..منهم يتضوع الوطن ،وهم يبزغون في  أشرعة زوارق أجدادهم..لهم تدفق الماء،ولنا بشارة شمس ألأشرعة التي لن تغيب.
*تنخب قراءتنا قصيدة(ليل وشمس)للشاعر كمال سبتي وصولا الى بعض المعالم الشعرية للشاعر.

*الوطن يبأر العالم: حين يغادر العراقي مكرها هذه البقعة المباركة،فهو يدثر جذور روحه،بقبضة من هذا
الندي/التراب..،ويكون الوطن:وحدة القياس الوحيدة،لديه، لكل الموجودات ،الكواكب،ألأمكنة،الطقس،الوجوه،كلها،تقاس بالنسخة
ألأصل/النسخة الوطنية، هاهو السياب:
(الشمس اجمل في بلاد من سواها، والظلام
حتى الظلام هناك اجمل
فهو يحتضن العراق).وهنا نتساءل لماذا العراقي المبدع، يريد العالم كله نسخة عراقية؟ إلاتحتوي هذه النظرة،على شمولية من طراز خاص؟ وما الفائدة حين نرى أنفسنا ندور في فضائنا الخاص ذاته؟ ومن ثمت من الذي يبوح لنا بذلك :الطفل الذي في الشاعر؟المريض الذي تلسعه الغربة وينهشه الداء العضال؟المثقف المخذول من أطراف الحركة الوطنية كافة؟
واخيرا لماذا نريد أعادت انتاج المكان/المغاير على وفق مشيداتنا ،ونحن لسنا بمقيمين في هذا المكان،بل محض عابرين في أفقه.

*اعادة أنتاج الإتصالية ذاتها :
الشاعر كمال سبتي،في قصيدته(ليل وشمس)،يعيد انتاج غربة السياب،بطبعة منقحة ومزيدة،
(لايسمى الليل ليلي، والنهار الشمس ،أو قل والنهار البيت صنوان بلا فرق، كفرق الليل عن ليلي وفرق الشمس عن بيتي ).أتوقف عند هذه العينة الشعرية، أتوقف كقارىء لي وظيفة شاهد السياق،قارىء يرى القصيدة مضغة،لغوية فأحاول بقراءتي المنتجة،أعادت خلق هذه المضغة،يرافق ذلك حرص مكتسب،يرى حريتين:حرية النص في تشييد نفسه،تتجاور مع حريتي كقارىء في انتاج ما تلتقطه أستجابتي.

*كائنات لغوية: عبر أستراتيجيات اللغة،تحيل القصيدة،مافي فضائها من ازمنة وأمكنة وشخوص، وأحلام وهذيانات …الى كائنات لغوية – حسب لاكان – لذا تأخذ المفردة دلالتها من داخل النص،لامن خارجه،كقارىء لايحيلني عنوان(ليل وشمس)، الى الدورة الفلكية،بل يجعلني ابحث عن الانزياح الدلالي،ونسبةالحمولة الشعرية، التي اضافها الشاعر كمال سبتي،الى هاتين المفردتين
*ثريا القصيدة: (ليل وشمس)،يستوقفني العنوان، أتساءل لماذا لم يقل الشاعر:
*ليل ونهار
*قمر وشمس
*ليل وبيت
*شمس وبيت
ألتقطت هذه العنوانات،من العينة الشعرية،
(لايسمى الليل ليلي………..وفرق الشمس عن بيتي).
التساؤل الثاني،لماذا ،لم يعرف العنوان المفردتين
لنحصل على العنوان التالي:(الليل والشمس)،
أرى وانا أستعين بأستاذنا،العابر الاستثنائي الجميل(محمود عبد الوهاب)، في كتابه(ثريا النص)،
ان(ليل وشمس)،من العنوانات ألأشتقاقية،المستلة من النص ذاته،ومن خلال تكرار القصيدة، ستهبنا القصيدة
متعة الكتابة الثانية، وحزمة من العنوانات،الجميلة.ولايمكن أسباغ التعريف على المفردتين النكرتين،بل يجب صيانة المفردتين،من خلال الانكار لاالتعريف ان الليل في القصيدة،ليس هو الليل بعموميته،ولا بخصوصيته العائدة للشاعر(لايسمى الليل ليلي،كفرق الليل عن ليلي،وفرق الشمس عن بيتي)(ولاليل ولاشمس ولاتسأل آلامي عن البلدان هل جارت؟) (ولاليل ولاشمس لاتبسطهما كالأرض)…من هذه ألأسطر ،ذات ألأحالة التكرارية على مفردتي ليل وشمس،ستعرف فطنة القارىء ان الليل والشمس،مفردتان تخصان آلآخر/المنفى.
في هذه القصيدة(ليل وشمس)،ارى منتج (متحف العائلة) .وقصائد أخر، توقف عن بث القصائد الرشيقة،
وتوجه نحو الاختزال الشعري،من خلال قصائد بحجم الكف ،والقلب والكف :صنوان،ارى في (ليل وشمس) ومشتقاتها،حاجة الشاعر كمال سبتي لأن يكون حضورافي منبته الطيني،لذا ينتج الشاعر صياغة شعرية للعيش هنا، لاهناك،والشاعر لايتحصن بزمن نفسي خاص به، يستعيد من خلاله ما آفل من ساعته اليدوية،من وجو ه وامكنة،كمال سبتي:يلتقط لحظتة المرمدة، ويركز عليها عين الكاميرا بلقطة قريبة جدا، ويكتفي بذلك، تاركا لفطنة من يقرأ الدخول الى القصيدة،بحرية غير مشروطة إلابشروط ذائقة غير متشنجة، تحتكم القصيدة الى نبرة خافتة في قولها الشعري،تكرار القراءة جعلني اراها منولوغا شعريا،لايطلب نجدة من اي طرف،يشع منها تساؤل الواعي،بغربته الغربية،التي لاتعني سواها،فالعالم منشغل بذرائعيته:
)ويكأن ألأرض ضاقت بي
فلاتسأل آلآمي عن البلدان، هل جارت؟
ولاتبسطها كألأرض…
ضاقت بي سريعا).
*الجاذبية ألأرضية: لن اتقاطع مع قصد المؤلف،أوقصد النص،اترك استجابتي تقودني الى المؤثر ألأكبر،الذي لايجعل الاسم سلما للمسمى،كما يريد مولانا أبن عربي،أعني (…..)واضعها بين قوسين وتنتظم المفردة ،في  ست إحالات تكرارية:

*ويكأن ألأرض ضاقت بي ..
*ولاتبسطها كألأرض
*ولاتبسطها كألأرض
*وأني ذاهب فيها بلا لغز الى لغز
وأني مشيئة ألأرض الى أرض بلا لغز
*ويكأني قد أضعت ألأرض في مشيتها
أوقد أضاعتني سريعا.
ان إلاحالات التكرارية الست، تتمحور حول مفردة الارض اربع مرات ومرة تكون المفردة نكرة أرض،
لكنها تعرف بما بعدها(أرض بلا لغز)ومرة يستعاض عن المفردة بالجار والمجرور(فيها)،
نرى ان فعل التبئير، يكون من خلال هذه المفردة/الأرض،ان انتباذ الشاعر بعيدا عنها على المستوى الواقعي، تجعله قوة الانجذاب الشعري يتمحور عليها،

* سمات التمحور :
-1- يستعمل الشاعر في (ليل وشمس) ضمير المتكلم المفرد، وحسب الناقدة يمنى العيد،ان هذا (يفيد غالبا
معنى ألأحساس الشخصي بالشىء أو فعل المشاهدةالشخصية..)(1)
-2- من خلال حركتنا البندولية، نرى ان القصيدة على وفق قرائتنا الشخصية،تتسم برؤية انحسارية، وألأنحسارية ،لأسباب عراقية محض، غدت حاضنة لقصائدنا في الغالب،وهي ليست بالرؤية المفتعلة،بل نتاج الوعي الحاد للشاعر العراقي، وهو يرى مايرى من ثقل الحالة القارة وبطشها في اللحظة العراقية المحتدمة ،ولايخترق هذه الرؤية،برؤيا شعرية تبشرنا بنشر ألأشرعة..وألأنحسارية،قد لاتمس الصورة الشعرية، لكنها تفقد الكثير من ديناميتها على مستوى البنية، خصوصا ان هذه الدينامية ملمح جمالي ، في ثقافة شعرية قادرة على قراءة الواقع المرجعي في صراعيته وأقامة بنيته الفنية، وهذا يعني ان قصور الثقافة الشعرية في النص،عن قراءة الواقع المرجعي في صراعيته،يترك أثره على القراء الذين يعيشون ويحسون، وليس بالضرورة يفهمون هذه الصراعية،حسب يمنى العيد)(2)
لقد سعى شاعرنا رصد لحظة  قاهرة، وسيكرر رصده للحظته ذاتها  في قوله الشعري
( صبر مضى صبر سيمضي وهي طعم ما تمطقه
اللسان
……………….
وكأنما اندثرت بأرياف البلاد الواطئة/ من قصيدة
السعادة غائبة) ويقول في قصيدة(أيامي):
(أيامي  أيامي
متشابهة في كل نهار)
(أيامي أيامي
متشابهة في كل مساء)
(أيامي..أيامي
ليست أيام الله اذن
ليست أيام نعيم أو انجاء من أحد
بل أيامي)..
أن كان للتكرار وظيفة بناء في القول الشعري،فهو في الوقت ذاته ،يعيننا ان  نبني حدثا واحدا من أوصاف عدة  تعود للقول الشعري ذاته، ان الزمن لدى الشاعركمال سبتي،هو زمنه الخاص دون نكوص،ودون رؤية أستشرافية، زمن خاص يطوق افقه،كما تطوق  الساعة اليدوية معصم صاحبها،حين تبقى هذها لساعة على توقيت العراق،على مدار العمر كله وبحسب تيري ايغلتون (نحن ننشأ كأشخاص من داخل الحقيقة التي لانستطيع ان نجعلها موضوعية بصورة كاملة،وان العالم ليس شيئا يمكن أذابته وتحويله بطريقةهوسرل الى صورة ذهنية،بل انه كيان شرس متمرد يقاوم مشاريعنا، وان وجودنا جزء منه)(3)
سلامٌ على الشاعركمال سبتي وعلى شمسه التي لن تغيب.. لم يكتف بلعن الظلام،بل احترق ليضيء
لنا ونحن نعبر هذه الكثرة من الليل …

هوامش :
1/د.يمنى العيد/ في القول الشعري/ دار الفارابي/ط1/ 2008/ص26
2/نفس المصدر/ ص192
3/تيري ايغلتون/ت ابراهيم جاسم العلي/ سلسلة المائة كتاب –الثانية – دار الشؤون الثقافية/ بغداد/ط1/ 1992/ص70

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.