شوقي يوسف بهنام : من تخيلات حجازي ؛ قراءة نفسية لقصيدة “عابرة” (الأخيرة)

shawki  5إشارة :
بهذه الحلقة يختم الناقد الأستاذ شوقي يوسف بهنام مشروعه المهم عن الشاعر الكبير الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي والذي جاء ضمن سلسلة مشروعاته الفريدة عن شعراء آخرين مثل حسين مردان ولميعة عباس عمارة وأدونيس وغيرهم ونشرها الموقع باعتزاز كبير. نتمنى له التوفيق في مشروعه المميز هذا ، وشكرا له .

المقالة :
من حقائق علم النفس ان الحاجات والدوافع تؤثر على ادراكنا للعالم المحيط بنا . وواحد من الامور التي نعرفها هي ان الذي يأخذ العطش مبلغا منه وهو في الصحراء يرى اي ظلالا فيها انها نهر ماء وتلك حالة تعرف بالسراب . فهو يمضي نحوها وهي تمضي الى غايتها وهكذا الى حيث لانهاية . وفي قصيدة العابرة نجد ذات الفكرة وقد تمحور حولها شاعرنا حجازي وهو الجائع الى امرأة في مدينته التي ضاع بين ازقتها . حجازي يرى نفسه متسولا يبحث عنه الشرطي فيحسبه بالف حساب ولكن ينسى هذا الشرطي انه امام قامة شعرية .. انه إزاء عبقري بين اقزام مدينته . والشرطي ، ولاشك واحد منهم . نادرة هي الغيوم التي تظهر في الصيف وحتى إذا امطرت سرعان ما تجففها اشعة الصيف الحارقة كما لو لم تهطل اصلا . انه مطر وهمي سرعان ما تضيع آثاره . من هذه الفكرة ينطلق شاعرنا لوصف رؤيته لامرأة مرت امامه مثل غيمة صيف لا يدري على اي بقعة من الارض سوف تسكب ماءها !! . وفي القصيدة اندفاع شبقي اشبه بسلوك هستيري وصاحبه محق في هذا السلوك . انها الحاجة التي  تدفع بصاحبها الى ان يلبيها باي طريقة كانت . طرق الاشباع تتدرج حتى تصل الى الطرائق غير المقبولة وغير السوية . والمجتمع مسؤول الى حد كبير على تلك الطرائق التي لا يرضى عليها اصلا . عمر الشاعر .. زمانه .. ahmad abdulmuati 5مثل الصيف وحرارته المحرقة . لا نسيم عليل .. لا رياح تثلج الفؤاد .. غير رياح واعاصير تغمرها الرياح . وأول سحابة تلوح في الافق هي تباشير خير وامل بعد طول انتظار وتوقع وتلهف وعطش اليها .. وها هو الشاعر يعيش هكذا لحظة بعد سنين قاحلة من القحط النفسي والعاطفي . سنين وهو يصف نفسه ، صراحة ، بانه سواح .. جوال .. هائم على وجه وليس بيده غير وريقات مفلفوفة في جيبه يقول عنها انها الشعر !! . لنرى كيف يصف لنا شاعرنا حجازي حالته بعدما رأى سحابته تلوح في الافق . يقول الشاعر :-
لم تك’ إلا عابرة
لم تك’ إلا غيمة مرت عليّ
ترى على من سوف تهوي ممطرة !
(الديوان ، ص 238)
*******************
انه يعلم علم اليقين من ان هذه الغيمة ليست غير عابرة في سمائه وسوف تسير الى حيث لا يدري . سؤاله هو على من ستهوي ممطرة هذه الغيمة . لنرى كيف يصف لنا الشاعر سمائه إذن . يقول في المقطع التالي :-
الشمس في السما عذاب
وجبهتي زيت ، وماء ، وتراب
ونظرتي ضيق ، وكلمتي سباب
وانشقت الطريق فجأة عن امرأة
ارتفعت بالماء نافورة
واعترفت بالعطر قارورة
(الديوان ، ص 238)
********************
مدينته صحراء قاحلة . فكيف تكون شمس سمائها إذن ؟؟ . انها العذاب بعينه . النظرة الى الذات نظرة دونية صرفة . هناك حط من قيمتها . الجبهة عبارة عن زيت وماء وتراب . ماذا تعني هكذا مكونات . انها تعني ، في تقديرنا ، علامة على الاهمال وبأنه عديم الفائدة وفاقد القيمة .. الانسانية منها على اقل تقدير .. ولذلك نراه يتهم نظرته بالضيق .. ضيق الافق لأنه لم يعرف ما هو الطريق الصحيح والسليم في الحياة .. والا لما كان على ما هو عليه الآن . حتى شغره يراه الناس سباب . وهم محقين في ذلك .. انه هجَـاء كبير . بل الهجـَاء الاكبر في العالم . في غمرة هذه الدونية الى الذات .. برز شيئا ما في طريقه . ثمة زلزال في طريقه . طريقه انشق الى نصفين وكانت هدية الزلزال له امرأة . اليس الامر ما يشبه الحكايات التي ترد في اساطير الف ليلة وليلة عن صياد بائس الحظ وتعيسه يرمي شباكه في البحر اياما ولكن بلا جدوى . القاها الف مرة . ولكن شيطان الحظ وسوس له بأ يليقها للمرة الاولى بعد الالف . وكانت المفاجأة السعيدة . لم تك سمكة صغيرة بل كانت حورية من حوريات البحر التي قادها القدر الى شباك صيادنا البائس السعيد الحظ هذا .. لنعقد مقارنة بين صياد حكايات الف ليلة وليلة وشاعرنا لنرى وجه الشبه والتقارب بينهما . حجازي يجول في مدينته ردحا من الزمن وعيناه لا تستطيع صيد امرأة ما من نساء المدينة وها هي ارض المدينة تنشق كالزلزال وتهديه امرأة . ما هي مواصفات تلك المرأة التي جاءته من اعماق الارض مثل الحكايات الخرافية . يقول حجازي :-
ارتفعت بالماء نافورة
واعترفت بالعطر قارورة
امرأة ٌ بلّورةٌ  مضواّة
فستنانها الحرير فضفاضٌ بلا مئزر
ذرعها الموردي رطبٌ ، ناعم’ المنظرْ
كأنما الصيف عليها وحدها .. أمطرْ
ولحظها ما أبرأه !
وخطوها صيحة رمل في انسحاب ’خفـّها
وشعرها البني ناعم ُ على اكتافها
وخصلةٌ من شعرها على الجبين نافرة
لكنها ..
لم تك إلا عابرة !
(الديوان ، ص 238 – 239)
************************
على الرغم من الطابع الغزلي الذي يسود المقطع والمفعم بالاعجاب لهذه التي ظهرت على حين غرة للشاعر . فراح يصفها من فوق الى اعلى وبالعكس . ولكن المفارقة انه يدرك اخيرا انها ليست الا غيمة صيف عابرة .. إن لم تك وهما وتخيلا من تخيلاته لا غير . لكن منطق الحاجة منطق لا يعرف غير الاشباع والارتواء على الرغم من طابع المكابرة والصراع الذي يدور في خلايا الشاعر إن صحت العبارة . انها حورية فقط في مخيلته وليس لها من وجود على ارض الواقع .. والشاعر مع ذلك مكابر ايما مكابرة . لنرى ملامح تلك المكابرة التي يعيشها حجازي مع ذاته وحاجاتها . يقول الشاعر :-
كيف تمر هكذا بلا كلام
كيف تغيب في الزحام ،
الغيمة العطرية الانسام !
لمن إذن سخت عليها الشمس والبحار
لمن إذن تغربت في صدرها الاطيار
(الديوان ، ص 239 – 240)
*********************
إذا كانت عابرة فلم كل هذا العناء .. النقطة المهمة في المقطع هي مرت بلا كلام وضاعت في الزحام المدينة الذي هو الاخر قاد ضاع في متاهته . الشاعر حزين على تظافر جهود القدر لإظهار ما سرعان يغيب من الوجود . لقد غابت عن الانظار فجأة . يستطرد الشاعر في سرد احزانه فيقول :-
من ذلك السعيد ؟
صديقها ؟
عشيقها ؟
شقيقها ؟
حتى شقيقها سعيد !
(الديوان ، ص 240)
*********************
كل هؤلاء الذين ذكرهم الشاعر هم المحظوظون لأنهم سليتقون بها . لقد رتب الشاعر طبيعة علاقة هؤلاء بهذه المرأة . حتى شقيقها هو سعيد ابضا لا لشيئ الا لانه شقيقها . هو فخور بجمالها .. متباهي بطلعتها ومشيتها وفساتنها الذي بلا مئزر.. انه قطعة فنية تعب الفنان من اجل تصويرها وتشكيلها .. يقول حجازي :-
لمن قضى الفنان أمسياته ،
يبدَي ، ييعد
يسقي الدقيق بالحليب
يرمي على النهد الزبيب
كي تستقر فوق رأسه زبيبة ٌ ، تصيب
لمن لمن سارت ، وشمس الصيف في السما عذاب
(الديوان ، ص 240 –  241)
********************
ليست غير قطعة من الحلاوة !! انها مكونة من الحليب والدقيق ممزوجة بالزبيب . لن اعلق على اسلوبية الوصف او جماليته . ولا استطيع الا ان اقول ان من خبرات رجل ريفي يشعر باللاانتماء نحو المدينة .. فتلك هي مفرداته إذن . كان دائما يحلم بشطائر امه التي تصنعها من الزبيب والدقيق والحليب وتبعثها اليه وهو شارد في المدينة . قد تصله أو لا تصله . من يدري . قد يكون المرسال قد تناولها قبل وصوله اليه .. الى هنا والشاعر يتكلم عن المرأة وكأنها لسيت له . سوف نرى النرجسية كلها في المقطع التالي حيث يرى ذاته محور الوجود وانه هو المقصود بهذه الهدية الآتية من عوالب الغيب واعماق المجهول . يقول حجازي :-
إن لم يكن لي عطرها ، وكفها البض الندي
انا الوحيد الطيب الوفي
إن لم يكن لي ، فلماذا يا ترى مرت على ؟
(الديوان ، ص 241)
**********************
اليس هنا وقوع مفرط في فخ النرجسية المفرطة المغالية ؟؟. كيف حكم الشاعر على نفسه انه :
انا الوحيد الطيب الوفي
*********************
ترى في اي مكان في هذا العالم تتجلى طيبته . هل في الكون كله ام في مدينته ؟ وحتى لا نظلم الشاعر ونقول انه يزج نفسه مع الابطال والرجال الخارقين .. نعتقد انه كان يقصد انه كذلك في مدينته وحدها ووحدها فقط . إذا لم يك هو المقصود فلماذا اهتز القدر من ساكنه وانشقت الارض وطريقه فظهرت هذه المخلوقة الجنية المجبولة من الحليب والدقيق والزبيب ؟؟؟ . هل جاءت لتزيد من احزانه وتفتق جروحه من جديد . نعم هكذا يقول حجازي :-
لتسكب الزيت على اللهيب !
لتوقظ الأسى ، وتنكأ الجراح !
(الديوان ، ص 241)
******************
هنا عودة الاستبصار الى الشاعر واعترافه بانها ليست له لا هي ولا اي امرأة اخرى في هذا العالم . انه رجل مقدر ان يعيش ابدا بلا امرأة . ويالها من مأساة ذلك النوع من الحياة . يتزايد اوج الصراع عند جازي ووتتبارز رغباته واحلامه للظهور على مسرح الاحداث … اعني كيف يكلم هذه المرأة . يقول حجازي :-
لو انني سواح
تبعتها !
لو انني ساحر
أوقفتها !
لو انني مجنون
قبلتها !
لكنني عاقل يا ويلتا ! لكنني عاقل !
(الديوان ، ص 241)
********************
ليس حجازي بكل هذه الصفات التي سبقها بحرف التمني” لو ” . لكان كذلك لفعل كما قال .. لتبعها واوقفها وقبلها !!!. لكن للاسف ليس هو هكذا .. لسبب بسيط هو انه عاقل وعاقل اوحد في هذه المدينة التي تضج بالمجانين والذين لا هم  لهم سوى ارضاء نزواتهم واشباع غرائزهم .. هو الطيب والوفي الاوحد في هذه المدينة .. وصاحب قضية .. فهو إذن ليس بسواح يجول بين المدن ليفتش عن الجميل والجميلات وهو ليس بساحر حتى يمسخها كما يشاء وكيف ما يريد بل هو شاعر له قاموسه الذي يتكأ عليه .. وهو ليس بالمجنون حتى ان رياح الشهوة تخونه وتدفعه نحوالسير في مساراتها .. الويل له انه ليس كل هذا بل مجرد عاقل هائم في المدينة ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.