حسين عجة: الاستحالة والتعلم الأدبي/2

إشارة :
تشرف موقع الناقد العراقي ومنذ أيامه الأولى بالمساهمات المتميزة للأستاذ المبدع ” حسين عجة ” الذي جاءت مقالاته دروسا نموذجية  في كيفية كتابة المقالة المحكمة الوافية من دون استطالات وترهلات ؛ مقالة رشيقة ينطبق مبناها على معناها مثلما يتطابق ثوب الموديل على الجسد الساحر . أما الترجمات ، فهي أنموذج للأمانة في الترجمة وفي دقة وحسن اختيار الموضوعات الحساسة وآخرها المقالة الخطيرة حول موت الرواية الجدية في الولايات المتحدة التي عرت الكيفية التي يتم فيها التلاعب بمقدرات الروائيين في الولايات المتحدة ، وفوق ذلك كله وقبله هذا التواضع النبيل من مبدع معروف يتمنى في كل رسالة أن تنال المقالة رضا الهيئة المشرفة ومن أعضائها من فتح عينيه وهو يقرأ مقالات الأستاذ عجة في مجلة ” فنون ” !!! 

1- العجز هو سحر وجمالية الفن، أو الكتابة الإبداعية. حين يصبح إيقاعاً. عندما تصير مثابرته “شيء” يقارب قطعان النفس : في كل لحظة، يُرمى الفرد في عالم ليس بمقدوره لا فهمه ولا القبول به. لكنه، في كل لحظة، يرمي، من جانبه، النرد. يُدشن رهانه. ومع حركة التدشين هذه، تشرع الوسواس. تبدأ الهلوسة، وتلامس المخيلة ما يطلق عليه علم النفس التحليلي : “التجربة-الحد”. اللا-عودة حتى. المأزق الذي لا حيلة للمرء لا على البقاء ضمنه ولا الهروب من تخومه اللانهائية. أية شجاعة! أية بطولة انقلابية. أي تيه لا يضارع عرسه أي عرس آخر. ففي لحظة التوقف التردد والشك تلك قد تنبثق، إن كان ذلك وهماً أو لا، ضمن آفاق بعيدة، ما لا حصر له من نقاط الضوء، التي سرعان ما تخمد. تُطفأ. لتعاود الكرة : “ما الذي دفعني على الكتابة”؟، يتساءل الآن روب غرييه.

2- بيد أن تساؤل كهذا لا يعني بأن ثمة من خيار آخر قد بقي مطروحاً أمامه، وإن كان يمتلكه. فحين يتحدث عن مهنة أخرى ربما بمقدورها أن توفر له “امتيازات برجوازية”، هو المنحدر من عائلة فقيرة، لم يكن يعني بأن تلك المهنة تستطيع وحدها الرد على ذلك السر الداخلي، المنبعث من صميم دواخله، بوعيه أو بدونه، والذي لم يكف عن الهمس في أذنه أو وجدانه، ويشوش عوالمهما بذلك السؤال الغريب والمُحيرِ، الذي يواجهه كل فنان حقيقي : كيف يمكن الذهاب إلى ما وراء “التجربة المعطاة”، كيف يمكنني تخطي بؤس العالم تعبيرياً، أو بؤسي الذاتي؟ لكن، لسوء الحظ، لا يحرك البؤس من تلقاء ذاته لا فعل الفن المُبدعِ، ولا أي فعل ثوري آخر. إذ قد يكون البؤس، العنف، الجرائم والحروب بمثابة نقاط حث وتحدي، تبعث بالنداءات على القيام بالفعل، وبالرغم من ذلك تظل، إذا ما تُركت وشأنها، ما يُخمد ويُحبطُ أية إمكانية على التحرك. لكن إذا ما ترافقت كل تلك “الأشياء” مع رغبة خلق شعب معدوم، بالرغم من حضوره، ولو كان شعباً من القراء أو النقاد، عندها فحسب قد تتفجر ممكنات القيام بالفعل. جعله صفة أو هوية للمبدع والقارىء.

 هنا تصبح مهمة الحفاظ على غريزة البقاء، بفضل المهن التي يوفرها الموقف محض عائق، أو أدوات تعذيب أحياناً.  لذا، كان على غرييه أو غيره، في الواقع والنتيجة النهائية، التخلي وترك كل شيء من ورائه، لكي يتفرغ لكتابة كتباً “لم يكن يقبل بها أحد”. لاسيما من قبل أولئك الذين كانوا يديرون ما يطلق عليه، ضمن تلك المرحلة، ماكنة “النقد الرسمي”.

3- لكن هل ثمة من ماكنة أخرى للنقد غير “الرسمية”، “المألوفة”، و”الاعتيادية”؟ نعم ولا. حين تكون الأزمنة كالحة، كالزمن الذي نعيش فيه، نعم لن يبقى هناك سوى ماكنة النقد الرسمية، المألوفة أو الاعتيادية، وقد تختفي هي ذاتها أيضاً. لكي تحل محلها طاحونة هواء فارغة، لا تطحن شيئاً آخر سوى الثرثرة، ولا تخلق غير اللقاءات العاقرة، المهرجانات وتوزيع  الجوائز، التي تفبركها وزارات “الثقافة” ونخبها المخضرمة، بحكم الملل أو الروتين المعمم، فيما يكون الشعب المعدوم، الذي كان الفنان أو الكاتب المبدع يأمل بخلقه وإنهاضه قد تمّ سحقه والإجهاز عليه. وكلا : لن يكون هناك سوى ماكنة النقد الرسمية ، إذا ما كان متنفس الحرية قد مس بطريقته الخاصة لا الكتاب والنقاد وحدهم، بل ذلك الشعب المعدوم، الذي سيشرع من الآن فصاعداً على توليف العلاقة الأصيلة التي تربطه بأولئك الكتاب والنقاد. حينها، ستنشأ علاقة جدلية-حبية بينهما، لا يعرف أي أحد منهما كيف تكونت ونسجت خيوطها، ضمن ركود وروتين الموقف نفسه. هكذا، تُخلق عملية الأخذ والعطاء، ومعها تتبلور شيئاً فشيئاً ممكنات التعلم غير المحدودة. إذ ليس بمقدور أي فنان، إذا لم يكن أستاذاً أكاديمياً أو دعياً، تعليم قارئه مباشرة كيف عليه أن يُبدع، بل أن هذا الأخير هو الذي يتعلم مع استعداده الأولي كيف يتلقف تجربة المعلم الأول، يرافق خطواتها البدائية والنهائية، يتغذى منها، لكنه يحولها ويغذيها بدوره، ضمن مراس لا يمت بصلة لإبداع ذلك الذي انطلق من إبداعه الأول.

كذلك لا يفعل الناقد شيئاً مغايراً أو يشذ بفعله عن توجه وحركة الفنان المُعلمِ؛ فهو سيظل يكتب ويكتب، لكن دون أن يضع قواعد أو برامج موهومة تأخذ بيد الناقد الناشىء، أو المبتدأ، لتخلق منه نسخة مشوهة عن تجربته النقدية، باسم نرجسية مقيتة أو أستاذية مُخادعة وعاقرة. نحن لا نعرف كيف يتعلم أحدهم. أو كما يقول كانط : “لا أحد بمقدوره أن يقول لك ما هي الفلسفة، لكننا قد نُبَين كيف يتفلسف المرء”. لنلاحظ بانتباه نقطة الاستحالة المزدوجة هذه : لا يستطيع أي أحد أن يقول لك ما هي الكتابة، الفن أو الإبداع ، ولا بمقدور أي كان أن يشير على ما ينبغي أن تبدعه أو تكتبه. لكن، مما لا شك فيه، يستطيع الكاتب والناقد، معاً، أن يقولا لك التالي : كل كتابة أو إبداع لا تتوجه إلا لشعب معدوم، ينبغي خلقه، حتى وإن كان موجوداً ويمارس حياته اليومية.

 4- العجز، الاستحالة هما استثنائية الفن، أو الكتابة الإبداعية حيال الرعب القائم. وها أنك ملقي بك على كرسي الكتابة المضعضع، وكأنك في معزل للأمراض العقلية الذي شيده وبناه ما لا يمكن تخيله من آلهة الموت والحروب. أما الشعب المعدوم، الذي تعرفه في عمق سريرتك ووجدانك، فهو ذلك الشعب الواقع تحت الاحتلال، الفزع والإذلال اليومي، إلى جانب السرقة التي لا تهدأ لأراضيه، بخيراتها وينابيعها المائية والنفطية، أو ذلك الشعب الذي لا يعرف كيف عليه تلقي القنابل العنقودية والفسفورية التي تحرق وتشوي لحوم أطفاله الرضع.

5- ومع ذلك، أنتَ ربما قبل أي مقاتل أو مقاوم آخر، ستنهض بالمهمة.
أنتَ، الفنان، الكاتب المُبدع والناقد، ستعرف بعد ساعات فحسب، وإن لم تكن تعرف حد الآن، كيف ستوقظ، تخلق وتنهض الشعب المعدوم ذاك؛ شعب القراء والناقد، الذين سيقاتلون ويقامون انطلاقاً مما تكتب وتقول، وإن بدا الأمر أشبه بالخرافة!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : مسرحية “الحلم”.

مسرحية من أربع لوحات سأنشرها تباعا ، مثلت هذه المسرحية ضمن فعاليات مسرح الهواة عام …

| جمعة عبدالله : قصيدة : أم الشهيد للشاعر يانس ريتسوس ( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ ).

قصيدة : أم الشهيد   يا ولدي , لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *